
*بقلم/ مأمون كيوان
يشير الكاتب في هذه الدراسة إلى طريق اقتراع مجلس الشعب السوري وإلى مكوناته السياسية، مع التنبيه إلى دوره في صناعة القرار السياسي السوري. كما ناقش الكاتب تحدي مسيرة السلام مع إسرائيل التي ستواجهه مجلس الشعب السوري المقبل. ويخلص الكاتب إلى أن أي دور فاعل ومؤثر لمجلس الشعب السوري الجديد يبقى مرهونا بعملية تغيير وتحديث راديكالية في بنية ووظيفة النظام السياسي السوري.
النظام السياسي السوري
الفئات ذات المصالح السياسية
مسار السلام السوري-الإسرائيلي
المتغيرات الداخلية
النظام السياسي السوري
يتطلب البحث في كون عملية السلام مع إسرائيل أحد أبرز التحديات التي سيواجهها مجلس الشعب السوري الجديد، إثر انتخابات الدور التشريعي الثامن للموقع الذي يشغله مجلس الشعب ضمن هيكلية النظام السياسي السوري ودوره في صناعة القرار السياسي وتحديد الملامح العامة للسياسة الخارجية السورية، فالنظام السياسي السائد في سوريا منذ بدايات سبعينيات القرن العشرين المنصرم يرتكز على الدستور الدائم للبلاد الذي أقر باستفتاء شعبي في العام 1973، وهو الدستور الذي يتمتع بالخصائص العامة التالية:
- الطابع القومي.
- الطابع الديمقراطي حيث ينص على أن السيادة للشعب وأن مجالس الشعب مؤسسات منتخبة ديمقراطيا يمارس المواطنون من خلالها حقوقهم في إدارة الدولة وقيادة المجتمع، كما أن مجلس الشعب يرشح رئيس الجمهورية، ويتم تعيينه بالاستفتاء الشعبي.
- الطابع الاشتراكي، وحكم الحزب القائد الذي "يقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية".
وفي النظام السياسي السوري يتولى حزب البعث العربي الاشتراكي ومجلس الشعب ورئيس الجمهورية الوظيفة السياسية، في حين يتولى مجلس الوزراء الوظيفة الإدارية. كما يأخذ النظام السياسي السوري بنظام الرقابة الشعبية. والمؤسسات المكونة لهذا النظام هي:
السلطة التشريعية
ويمثلها مجلس الشعب الذي ينتخب أعضاؤه من قبل الشعب عن طريق اقتراع عام سري ومباشر ومتساو، ويتكون هذا المجلس من ممثلين عن قطاعي العمال والفلاحين، وبقية فئات الشعب، ومدة ولاية المجلس أربع سنوات ولا يجوز تمديدها إلا في حالة الحرب ويتم ذلك بقانون. ويشترط في المرشح لعضوية مجلس الشعب أن يكون قد أتم الخامسة والعشرين من عمره، وأن يكون مجيدا للقراءة والكتابة، ويجوز للوزراء الجمع بين مناصبهم الوزارية والعضوية في مجلس الشعب.
اعتبار الديمقراطية
وتجدر الإشارة إلى أربعة أنواع من الفئات ذات المصالح: السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والوطنية غير التابعة للدولة (أي من يعيشون في سوريا من غير السوريين مثل: اللاجئين الفلسطينيين). ولهذه المجموعات موقع داخل النظام السياسي السوري ودور في عملية صنع القرار السياسي السوري وتحديد الخطوط العامة للسياسة الخارجية السورية.
الفئات ذات المصالح السياسية
” من أكثر ما يميز النظام السياسي السوري الدور الذي يلعبه الفلسطينيون الذين يعيشون الآن في سوريا، فسوريا هي القلب النابض للقومية العربية وفلسطين هي سوريا الجنوبية وليست فحسب جنوب سوريا جغرافيا ” |
تتكون هذه الفئات من نوعين، أيديولوجية وحزبية يتداخلان بصورة كبيرة وتتمثل في الأحزاب السياسية الرئيسية، حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي السوري والاتحاد الاشتراكي العربي وغيرها من الأحزاب المنضوية في إطار الجبهة الوطنية التقدمية. ومن أبرز الفئات ذات المصالح العسكرية الجيش وطبقة الضباط الرئيسيين المسيطرين على المؤسسة العسكرية والذين يظهرون تضامنا نسبيا حول بعض القضايا الإستراتيجية مثل إستراتيجية الحرب والسلام مع إسرائيل. وعموما تعتبر النخبة العسكرية السورية حاضنة رئيسية لـ"الصقور" الذين يفضلون عملا عسكريا أكبر وتنازلات أقل في الصراع مع إسرائيل، وتتوازى في الأهمية مع الجيش المؤسسة الأمنية بفروعها وتشكيلاتها المختلفة.
أما الفئات الاجتماعية-الاقتصادية ذات المصالح فتضم الفئات العرقية-الدينية، مثل الأكراد والأرمن والتركمان والشركس واليهود. فضلا عن المذاهب الإسلامية والفرق والجماعات الدينية، وفي مقدمها السنة والشيعة والعلويون والإسماعيليون والدروز والمسيحيون بطوائفهم الشرقية والغربية المتعددة. والفئات الاقتصادية المكونة من شريحة التجار ورجال الأعمال والطبقة الوسطى ممثلة بشرائحها العليا والصناعيين وشرائح من الإنتلجنسيا السورية (المثقفين).
ومن أكثر ما يميز النظام السياسي السوري الدور الذي يلعبه الفلسطينيون الذين يعيشون الآن في سوريا الناتج عن التصور الذاتي للسياسة السورية، إذ يحمل معظم السوريين الواعين سياسيا قناعة بأن سوريا هي بمنزلة القلب النابض للقومية العربية وأن فلسطين هي سوريا الجنوبية وليست فحسب جنوب سوريا جغرافيا.
كما أن الفلسطينيين المقيمين في سوريا ويناهز عددهم راهنا نصف مليون نسمة وبوصفهم لاجئين يشكلون صلة وصل أساسية بين القضية الوطنية والقضية القومية أي القصية الفلسطينية، فهؤلاء لا تحل قضيتهم إلا في إطار التسوية الدائمة والشاملة ليس فقط على المسار الإسرائيلي–الفلسطيني بل أيضا في سياق تسوية عادلة وشاملة في الشرق الأوسط تشمل سوريا.
وبالعودة إلى دور مجلس الشعب في صناعة القرار السياسي السوري تشير النصوص الدستورية ومنها البند الخامس من المادة (71) المتعلقة باختصاصات مجلس الشعب السوري، الذي ينص على أنه من صلاحيات المجلس إقرار المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تتعلق بسلامة الدولة، وهي معاهدات الصلح والتحالف وجميع المعاهدات التي تتعلق بحقوق السيادة أو الاتفاقيات التي تمنح امتيازات للشركات أو المؤسسات الأجنبية وكذلك المعاهدات والاتفاقيات التي تحمل خزانة الدولة نفقات غير واردة في موازنتها أو التي تخالف أحكام القوانين النافذة ويتطلب نفاذها إصدار تشريع جديد. ومجلس الشعب ومن خلال لجنة الشؤون العربية والخارجية يعمل وفق النصوص الدستورية باتصال وثيق مع وزارة الخارجية، ومن صلاحيات واختصاصات هذه اللجنة النظر في جميع القضايا المتعلقة بوزارة الخارجية ووضع منهاج للعمل في سبيل الوحدة العربية واقتراح الخطط اللازمة لذلك، والاقتراح بإرسال وفود مجلس الشعب إلى الدول العربية والأجنبية أو دعوة وفود منها، والنظر في جميع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تعرض على المجلس. لكن ومن مراجعة لأبرز القوانين والمراسيم التشريعية الصادرة خلال الأدوار التشريعية السبعة المنصرمة لمجلس الشعب لم يورد الدكتور شاكر سعيد في كتابه "البرلمان السوري في تطوره التاريخي 1919-2001" الصادر حديثا سوى القانون رقم (8) الصادر في 14 سبتمبر/ أيلول 1991 المتضمن التصديق على إعلان دمشق بشأن التنسيق والتعاون مع الدول العربية الخليجية ومصر.
ويمكن القول إن هنالك مبررات كثيرة تجعل مسيرة السلام مع إسرائيل تحديا أساسيا سيواجهه مجلس الشعب السوري الجديد، رغم أن عهد الرئيس بشار الأسد يوصف بأنه عهد الاستمرارية ضمانا للتغيير، ومنها تزامن إجراء الانتخابات التشريعية السورية مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي وربما انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، ومع ظروف إقليمية جديدة قد تتبلور بعد الحرب الأميركية المحتملة على العراق.
ويضاف إلى ذلك ما أفرزته مسيرة السلام مع إسرائيل في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد من حقائق ودروس ذات صلة بعملية صنع القرار السياسي السوري ورسم الخطوط الرئيسية للسياسة الخارجية السورية في المجالات العربية والإقليمية والدولية، وربطها بمجمل المتغيرات التي شهدتها سوريا خلال الفترة المنقضية من الولاية الرئاسية للرئيس بشار الأسد.
مسار السلام السوري-الإسرائيلي
بدأ هذا المسار بالتبلور بعد الموافقة السورية على المشاركة في أعمال مؤتمر مدريد للسلام الذي عقد بين 30 أكتوبر/ تشرين الأول و1 نوفمبر/ تشرين الثاني 1991 وانبثق عنه إطاران للتفاوض، هما إطار المفاوضات الثنائية وإطار المفاوضات متعددة الأطراف، وعلى الصعيد السوري الإسرائيلي وجوهره قضية الجولان، أي قضية استعادة سوريا لأراضيها التي احتلت من قبل إسرائيل في حرب العام 1967 التي حررت منها سوريا خلال وبعد حرب العام 1973 نحو 50 كيلومترا مربعا وما زال منها تحت الاحتلال الإسرائيلي نحو 1200 كيلومتر مربع. ويشكل القسم المحتل من الجولان لإسرائيل ثروة بكل المقاييس الأمنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية والمائية قد يقدم الإسرائيليون على المساومة عليها حال اقتناعهم بأن اتفاقية سلام مع سوريا ستحقق لإسرائيل إنجازات كبيرة على الصعيدين العربي والإقليمي.
” دفعت معارضة الرأي العام الإسرائيلي للانسحاب من الجولان رئيس الوزراء الراحل إسحق رابين إلى إعلان أن أي اتفاق مع سوريا سوف يتم عرضه للاستفتاء الشعبي العام قبل أن يصبح نهائيا ” |
ووفقا لمعطيات إسرائيلية وفي مقدمها الحديث الصحفي الذي أدلى به وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشي دايان لصحيفة "يديعوت أحرونوت" وتحديدا لمراسل المجلة التابعة لهذه الصحيفة، ولم يتم نشره إلا في 27 أبريل/ نيسان 1997 أوضح دايان أن احتلال الجولان لم يتم من أجل حماية أمن المستوطنات الإسرائيلية، فإسرائيل كانت هي البادئة بمناوشات الحدود في 80% على الأقل من الحالات. وذكر دايان "كنا نرسل جرارا لحرث إحدى المناطق ونحن نعلم سلفا أن السوريين هم الذين سيبدؤون إطلاق النار، فإن لم يفعلوا كنا نطلب من الجرار أن يتقدم مسافة أبعد إلى أن يستثير غضب السوريين فيبدؤوا بإطلاق النار، عندئذ كنا نستخدم المدفعية، وفي مرحلة لاحقة استخدمنا كذلك القوات الجوية، وكانت الأمور تسير على هذا النحو".
ومما لا بد من ذكره أن إسرائيل تحقق جراء احتلالها للجولان رزمة من الفوائد منها:
- استغلال نحو 200 ألف دونم من مساحة الجولان كمحميات طبيعية.
- تشغيل نحو 23,5% من إجمالي المستوطنين في الجولان، وتزويد الأسواق الإسرائيلية بنحو 70% من احتياجاتها من الأزهار ونباتات الزينة.
- وسياحيا توظف إسرائيل أماكن الجذب السياحي الكثيرة في الجولان لتنشيط حركة السياحة فيها.
- ومائيا من المعروف أن المصادر المائية المتوفرة في الجولان تغطي أكثر من 12% من حاجة إسرائيل إلى المياه التي تقدر بنحو 1800 مليون متر مكعب سنويا.
- وأمنيا وعسكريا يتيح موقع الجولان الجغرافي ميزات إستراتيجية كثيرة لإسرائيل لجهة السيطرة وتهديد العمق السوري.
 |
مر المسار التفاوضي السوري-الإسرائيلي منذ مؤتمر مدريد للسلام بعدد من المراحل والمحطات، فقد التقى الوفدان السوري والإسرائيلي للتفاوض في واشنطن وأجريا جولات عديدة من المفاوضات. كان من أبرزها الجولة التي حضرها رئيسا أركان الجيشين السوري والإسرائيلي حكمت الشهابي وإيهود باراك، وتم فيها تجاوز مستوى الفصل بين المبادئ والتفاصيل بحيث تم السير بشكل متواز في الترتيبات الأمنية والجدول الزمني للانسحاب والتطبيع. وأيضا اجتماع آخر على مستوى رئيسي الأركان عقد عام 1995 وانتهى إلى اتفاق على إقامة منطقة منزوعة السلاح على الحدود بين الجانبين، وإنشاء مناطق آمنة، وإقامة مراكز للإنذار المبكر تسمح لكل جانب بمراقبة الآخر، إضافة إلى إيجاد آلية للإشراف على هذه الترتيبات.. وبعد تسلم بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة الإسرائيلية بموجب نتائج انتخابات الكنيست 1996 مر المسار التفاوضي بمرحلة جمود إلى أن استؤنفت المفاوضات أواسط ديسمبر/ كانون الأول 1999 بعد أشهر قليلة من فوز إيهود باراك برئاسة الحكومة الإسرائيلية، في واشنطن ولاحقا في شيبرذتاون برعاية الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون وبحضور وزير الخارجية السوري فاروق الشرع ورئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود باراك الذي وافق على استئناف المفاوضات من آخر نقطة وصلت إليها. وتم في شيبرذتاون مناقشة ملفات تتعلق بمدى الانسحاب والترتيبات الأمنية وطبيعة السلام والموارد المائية، وطرحت إدارة الرئيس كلينتون أمام المتفاوضين "وثيقة عمل" تشمل تقويم وفهم الولايات المتحدة لنقاط الخلاف بين الجانبين لكي تستخدم لتسهيل عمل اللجان التفاوضية الأربع التي شكلت، وهي لجنة ترسيم الحدود ولجنة المياه ولجنة التدابير الأمنية ولجنة علاقات السلم العادية. وقدم الوفد السوري رزمة تعديلات على الوثيقة الأميركية ركزت على الانسحاب الكامل من الأراضي السورية المحتلة حتى خط الرابع من يونيو/ حزيران 1967، وعلى إزالة المستوطنات الإسرائيلية منها، باعتبار أن هاتين النقطتين سبق أن حسمتا واتفق عليهما في مفاوضات سابقة، إضافة إلى التركيز السوري على تلازم المسارين اللبناني والسوري وتعديلات سورية أخرى تتعلق بمسألة تشغيل محطة إنذار مبكر تقام على جبل الشيخ. وفي موضوع المياه نصت التعديلات السورية على أن حل هذه المسألة يجب أن يستند إلى مبادئ وقواعد القانون الدولي المتضمنة في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية في الأغراض غير الملاحية، ونظرا للتناقضات بين التعديلات السورية والإسرائيلية على الوثيقة الأميركية تجمد المسار التفاوضي السوري-الإسرائيلي ولم تثمر محاولة الرئيس كلينتون المتمثلة في اجتماعه بجنيف مع الرئيس حافظ الأسد قبل أشهر قليلة من وفاته عن أي تقدم لاستئناف المفاوضات على المسار السوري الإسرائيلي.
ويتضح من حالة الركود المتكررة في المفاوضات السورية–الإسرائيلية أن الزمن ليس عاملا محايدا، حيث إنه قد يلعب لصالح أحد الطرفين دون الآخر. وقد كان الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد مؤهلا بما لا يقارن مع أي من الزعامات السورية الأخرى لاتخاذ قرارات مصيرية على مستوى السلام مع إسرائيل. وكان المبدأ الحاكم لإستراتيجية التفاوض السورية خلال عهده هو إستراتيجية "الطريق المزدوج: double tracking" القائمة على مبدأ التحرك على أكثر من محور في وقت واحد، محور التشدد الذي ينطوي على عناصر عديدة منها تدعيم القوة العسكرية والتحالف مع إيران والجماعات الراديكالية ودعم الأنشطة العسكرية المقاومة ضد إسرائيل، ومحور المساومة الذي يتضمن الدخول في المفاوضات وإبداء قدر محسوب بدقة من المرونة سواء في المفاوضات نفسها أو في العلاقات المرتبطة بها.
العلاقة بين هذين المحورين هي علاقة بسيطة ومباشرة على النحو التالي، توظيف عناصر التشدد للضغط على إسرائيل من أجل إجبارها على تقديم تنازلات في المفاوضات. وتتميز هذه الإستراتيجية بالبساطة والكلاسيكية وتتطابق إلى حد كبير مع السياسة التقليدية في نموذجها التقليدي الذي تطور منذ نشأة النظام الدولي الحديث في القرن السابع عشر وفقد بمرور الزمن قدرا كبيرا من فاعليته ربما إلى الحد الذي لا يجعله صالحا للتطبيق على كل حالات العلاقات بين الدول المنخرطة في صراعات ثنائية أو إقليمية أو عالمية. وينطبق هذا إلى حد كبير على المفاوضات السورية-الإسرائيلية التي جرت على امتداد قرابة عقد من الزمن بين حكومتين تتأثر سياستهما الخارجية بدرجة أكثر مما يبدو معتادا بين الدول، فالسياسة الإسرائيلية هي إلى حد كبير دالة في السياسة الداخلية، وفي مثال المفاوضات السورية-الإسرائيلية فإن المعارضة الشديدة التي أبداها الرأي العام الإسرائيلي إزاء مسالة الانسحاب من الجولان دفعت رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحق رابين إلى إعلان أن أي اتفاق سيتم التوصل إليه مع سوريا سوف يتم عرضه للاستفتاء الشعبي العام قبل أن يصبح نهائيا.
بالمقابل أبدت قطاعات من الرأي العام السوري معارضتها لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وبرز جدل صاخب في أوساط الإنتلجنسيا (الطبقة المثقفة) السورية حول مفهوم التطبيع وحول جدوى سلاح المقاطعة الاقتصادية. وتصدرت قضية السلام حملات الانتخابات التشريعية السورية للدور التشريعي السابع، وخاصة في أوساط المرشحين المستقلين، فقد أبدى رجل الأعمال السوري الدكتور إحسان سنقر، وهو عضو في مجلس الشعب ترك بصمات قوية في الدور التشريعي السادس لدرجة أن اسمه ارتبط بالتحولات الاقتصادية في البلاد، اهتماما بعملية السلام، وفي رده على سؤال لمراسلة صحيفة الشرق الأوسط حول إمكانية موافقة أعضاء مجلس الشعب على التطبيع مع إسرائيل قال سنقر "السلام الحقيقي يولد كل شيء ويعطي كل شيء طبيعي حقه، وهذا يعتمد على مصداقية الطرف الآخر، فسوريا معروفة تاريخيا بالتعايش السلمي". وفي السياق نفسه قال عضو مجلس الشعب رجل الأعمال رياض سيف لمراسل صحيفة الحياة اللندنية إن التطبيع لن يتم بقرار أو بمجرد كبسة زر بسبب وجود جو نفسي بين العرب واليهود وإن كل شيء يعتمد على الزمن والنيات الإسرائيلية تجاه العرب، مشيرا إلى أنه يؤيد أي عمل اقتصادي يحقق الانسجام بين المصلحة الوطنية والمصلحة الشخصية.
المتغيرات الداخلية
” لا بد لمجلس الشعب الجديد من فتح حوار بين أعضائه حول الواقع السياسي الذي أنتجته تجربة المقاومة في جنوب لبنان والانتفاضة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ” |
بدأ الرئيس بشار الأسد عهده بتأكيده في "خطاب القسم" على أن "تحرير الجولان همنا الأول وأنه لا مساومة على الأرض والكرامة، والسلام خيارنا ولكن ليس على حساب الأرض والسيادة، وأنه يمكن الانطلاق باتجاه السلام العادل الشامل بعد استعادة كامل الأرض حتى خط الرابع من يونيو/ حزيران". وأطلق مسار عملية التغيير والتحديث في ظل الاستمرارية، وهي العملية التي كان لها مفاعيلها لدى الرأي العام السوري بأجنحته وشرائحه المختلفة، ومنها شريحة المثقفين الذين طالبوا في نداءات وبيانات عديدة بإدخال رزمة من الإصلاحات وفي مقدمها الإصلاحات السياسية وإطلاق الحريات العامة وإلغاء حالة الطوارئ والقوانين المرتبطة بها وإجراء انتخابات حرة. وتجاه عملية السلام ورد في مشروع الوثيقة الثانية للجان المجتمع المدني أن التوافق المطلوب "أن ندعم معركة تحرير أراضينا المحتلة، خصوصا أراضي العرب المحتلة في فلسطين وخارجها عموما ونكرس كل طاقتنا وجهودنا لها. وألا نرى في التسوية نهاية الصراع بيننا وبين العدو الصهيوني، وأن نأخذ بلدنا إلى نظام قومي لا شرق أوسطي ولا متوسطي يفتح الطريق إلى ما بعد إسرائيل ويغلق الطريق التي تحاول أميركا وإسرائيل فتحها إلى ما بعد الأمة العربية". وتم اعتبار الإصلاح السياسي شرطا لا بد منه لتحقيق الإصلاح الاقتصادي. ومن أوجه هذا الإصلاح السياسي إزالة قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع، أي تعديل الدستور على اعتبار أن هذا الأمر لن يهدد الاستقرار العام ما دامت الأنظمة الشمولية قد اندثرت وما دام من الممكن تشكيل جمعية تأسيسية تعيد النظر في الدستور في بلد وضع فيه خلال الفترة الممتدة ما بين الأعوام 1949-1973 نحو 12 دستورا أو مشروع دستور.
ويبدو أن أي دور فاعل ومؤثر لمجلس الشعب السوري الجديد يبقى رهنا لعملية تغيير وتحديث راديكالية في بنية ووظيفة النظام السياسي السوري، فهذه العملية تقود إلى تعزيز مناخات المشاركة السياسية، وتجعل من المؤسسة التشريعية السورية صاحبة تأثير كبير في عملية صنع القرار السياسي وفي مواجهة التحديات الخارجية وفي مقدمها مسيرة السلام مع إسرائيل التي قد تستأنف في المستقبل المنظور، وهي كعملية سياسية لها استحقاقاتها على الصعيد الداخلي السوري وعلى مجلس الشعب الجديد فحصها بعناية لتحديد درجة تلبيتها للمطالب الشعبية السورية الأساسية. وفي هذا السياق لا بد لمجلس الشعب الجديد من فتح حوار معمق بين أعضائه حول الاستحقاقات الداخلية والخارجية لعملية السلام على ضوء التجربة التفاوضية السابقة من جهة أولى، والواقع السياسي الذي أنتجته تجربة المقاومة في جنوب لبنان والانتفاضة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة من جهة ثانية.
_______________
* كاتب سوري من أصل فلسطيني مقيم في دمشق وباحث في الشؤون الإسرائيلية وفي شؤون الصراع العربي-الصهيوني