|
-اسم الكتاب: أمريكا والسعودية: حملة إعلامية أم مواجهة سياسية؟!! -المؤلف: غازي القصيبي -الطبعة: الأولى 2002 -الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت
| |
ويعالج القصيبي في هذا الكتاب قضية سوء التفاهم وتضارب المصالح والأولويات بين السعودية وأميركا وبطبيعة الحال بين العرب وأميركا بمنهجية النظر إلى جوهر الأزمة، والخلل في السياسات العربية، ومنهج التعامل مع الأحداث، ويجد أن الخلل موجود لدى الأميركان والعرب أيضا والمسؤولية مشتركة، وأن ثمة الكثير مما يمكن أن يحققه العرب والسعوديون ليقللوا من الخسائر والفجوة بينهم وبين أميركا.
والكتاب أيضا قطعة أدبية رائعة تمتع قارئها وتجعل التحليل السياسي والمتابعة المرهقة للحوادث والكتابات أمرا مسليا. وكان طريفا أيضا التعبير عن عناوين فصول الكتاب ببيت للمتنبي لكل فصل، ولا شك أن ذلك احتاج إلى فطنة واستيعاب ذكي للمتنبي والسياسة. ويبدو أن القصيبي معجب بالمتنبي إلى درجة وضعه نموذجا ومثلا أعلى وله في ذلك قصة سياسية مشهورة.
استياء من مواقف أميركا
” عندما دعا بوش الابن الأمير عبد الله لزيارة الولايات المتحدة كان رده أنه لا يرى جدوى من الزيارة إذا لم تؤد إلى نتيجة، وكرر الرئيس الأميركي الدعوة وكان رد الأمير عبد الله أن هذه الزيارة ستكون مرتبطة بمبادرة تهتم بمعاناة الفلسطينيين ” |
"الرئيس بوش الابن غير مهتم بالشرق"، هذه هي الإشارة التي التقطتها إسرائيل وترجمتها فورا؛ أن البيت الأبيض يعطيها الضوء الأخضر لتفعل ما تراه، وهذا بطبيعة الحال ما حدث. فقد وصل قمع إسرائيل للانتفاضة حدودا دموية لم يصل إليها من قبل وكان العرب مغضبين وثائرين، ولم يكن الأمير عبد الله بن عبد العزيز يقل غضبا وثورة عن أي عربي، وزاد من نقمة الأمير أنه شخصيا كان يعلق آمالا واسعة على الرئيس الجديد انطلاقا من علاقته الوثيقة بوالده واعتقادا بأن الرئيس الجديد الذي حاربه اللوبي الصهيوني ووقف مع خصمه سوف يتعاطف مع العرب أكثر من أي رئيس ديمقراطي. وعندما اتضح أن بوش لا ينوي عمل شيء لردع إسرائيل بدأت إشارات الاستياء تتوالى من الرياض إلى واشنطن.
وتحدث الأمير عبد الله مع وزير الخارجية الأميركي أكثر من مرة، وتحدث مع الرئيس السابق بوش الأب مرارا، وكان ينتهز كل مناسبة ليرسل من يبلغ الرئيس الأميركي استياء السعودية من موقفه. وعندما دعا بوش الابن الأمير عبد الله لزيارة الولايات المتحدة كان رده أنه لا يرى جدوى من الزيارة إذا لم تؤد إلى نتيجة. وكرر الرئيس الأميركي الدعوة وكان رد الأمير عبد الله أن هذه الزيارة ستكون مرتبطة بمبادرة تهتم بمعاناة الفلسطينيين.
وأرسل رسالة حملها الأمير بندر بن سلطان السفير السعودي في واشنطن، كانت رسالة طويلة ومفصلة وقاسية، انتهت بعد عرض لتاريخ العلاقة والمصالح المشتركة بين السعودية وأميركا والمبادئ التي وافقت السعودية على العملية السلمية على أساسها، وانتهت إلى أنه ما دامت السياسة الأميركية تتنكر لهذه المبادئ وتتبنى الموقف الإسرائيلي فإن السعودية لا ترى جدوى لاستمرار الاتصالات مع أميركا وإن السعودية سوف تتخذ القرارات التي تراها من مصلحتها دون أن تأخذ بالاعتبار مصالح أميركا كما كانت تفعل من قبل.
وبعد ثلاثة أيام فقط من هذه الرسالة قدم الرئيس الأميركي ردا يعتبر تغييرا حقيقيا في مواقف البيت الأبيض، فقد تحدث عن إيمانه بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وفي العيش دون إذلال وإهانات يومية، ولأول مرة يتحدث رئيس أميركي عن دولة فلسطينية مستقلة، وكان الاتجاه في الإدارة الأميركية أن يتضمن خطاب الرئيس في الأمم المتحدة المبادرة الجديدة. ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر/أيلول.
” تراوحت المواقف الخليجية إزاء الولايات المتحدة من التفهم والحذر والتعاطف إلى موقف يقترب من العداء مصحوبا بشعور من القلق من أن الولايات المتحدة ستبدأ حملة لا تستطيع إنهاءها وأنها بالتالي قد تعمل على تقوية المتطرفين بدلا من إضعافهم ” |
دور أحداث 11 سبتمبر
كانت أحداث سبتمبر/أيلول فرصة لإسرائيل وأنصارها في الولايات المتحدة لوأد المبادرة الأميركية وضرب العلاقة السعودية الأميركية في الصميم. وسرعان ما ظهرت في الأفق عقب الانفجارات نذر سوء تفاهم بين الولايات المتحدة والسعودية. لم تكن هناك في الخليج سوى قلة شاركت الولايات المتحدة الشعور الأكيد بأن يوم 11 سبتمبر/أيلول غير العالم بأسره وأن الولايات المتحدة صارت هدفا بسبب قوتها السياسية ونجاحها الاقتصادي وأنها تملك كافة المبررات الأخلاقية والسياسية لمطاردة الإرهاب بأي وسيلة وبأي ثمن.
تراوحت المواقف الخليجية إزاء الولايات المتحدة من التفهم والحذر والتعاطف إلى موقف يقترب من العداء مصحوبا بشعور من القلق من أن الولايات المتحدة ستبدأ حملة لا تستطيع إنهاءها وأنها بالتالي قد تعمل على تقوية المتطرفين بدلا من إضعافهم. والحقيقة هي أن عددا قليلا جدا في الخليج أدان أحداث 11 سبتمبر/أيلول إدانة واضحة بلا تحفظات، وقد أدى هذا الموقف إلى شعور في واشنطن بفقدان الثقة، ولم تعد الولايات المتحدة تثق بقدرة الحكومات العربية على مواجهة المعارضة الداخلية وإظهار تحالفها مع الولايات المتحدة. 
حملة موجهة ومخططة
وفجأة بدأت حملة صحفية على السعودية اتسعت وزادت حدتها حتى تحولت إلى هجمة حقيقية لم يعرفها تاريخ العلاقة بين الدولتين. إن تحليل هذه الحملة بالتفصيل يحتاج إلى مجلدات، ففي بعض الأيام كان هناك أكثر من عشرة مقالات تهاجم السعودية. ومما تضمنته هذه المقالات أن الوهابية السعودية مسؤولة عن التطرف في العالم الإسلامي كله. وعندما نشرت وصية محمد عطا قائد المختطفين الذين هاجموا برجي مركز التجارة ومبنى وزارة الدفاع الأميركية تبين أنها مليئة بالمفردات الوهابية، والسعودية تصدر كره الكفار إلى الأمة الإسلامية، وتعلم الأطفال السعوديين كره الأميركيين في المدارس الحكومية، وهذا الموقف العدائي من غير المسلمين هو ركيزة أساسية من ركائز المذهب الوهابي السعودي المتشدد ويتكرر في الخطب الدينية والبرامج التلفزيونية والإنترنت، والسعودية هي التي مولت حركة طالبان بل وأنشأتها، وهي التي مولت ولاتزال تمول أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة، ورفضت السعودية أن تتعاون مع التحالف على الإرهاب، وتناولت الحملة أيضا الموضوع التقليدي القديم "التخلف السياسي والاجتماعي" وكأنه طرأ بغتة بعد تلك الأحداث. وهكذا فقد تحولت السعودية -من وجهة نظر الحملة الإعلامية- من دولة صديقة للولايات المتحدة إلى دولة عدوة لها.
ولكن هل هي حملة عفوية تحركها المشاعر السلبية التقليدية نحو السعودية أم أنها حملة موجهة ومخطط لها؟ لا يحتاج أحد إلى ذكاء ليتبين أن اللوبي الصهيوني هو محرك أساسي في الحملة، ويكفي استعراض أسماء الكتاب وتوجهاتهم، ولكن متابعة الحملة بدقة تدل على أن هناك عناصر فاعلة داخل الحكومة الأميركية تشجع الحملة وتؤججها وتغذيها بالوقود، فيتحدث كتاب مستندون إلى دراسات رسمية سرية وتعزى معلومات بصراحة إلى أجهزة الاستخبارات، وهي معلومات لم يحضرها الكتاب من الرصيف! وحصل كتاب على تسجيلات لمكالمات هاتفية بين المسؤولين السعوديين رصدتها محطة التنصت الأميركية، وأوردت صحفية أميركية قصة إبعاد سفير أميركي من الرياض في نهاية الثمانينيات وأوردت تفاصيل دقيقة لا تعرفها سوى "الجهات المختصة".
"سي آي إيه" وراء الحملة
يبدو واضحا لدى الكاتب أن الأجهزة الاستخبارية الأميركية "سي آي إيه" هي التي تقف وراء الحملة، وهناك أكثر من سبب قوي يدفعها إلى أن تقف هذا الموقف، فقد فشلت فشلا ذريعا في منع الأحداث وتبين إهمالها القاتل، ولو حصل شيء مماثل في اليابان لاستقال رؤساء الأجهزة أو انتحروا. وكانت السعودية كبش فداء مثاليا، فمعظم المنفذين سعوديون والعقل المخطط والتمويل جاء من السعودية، وهذه النزعة إلى تعليق التبعة هي التي دفعت الأجهزة الأميركية إلى إعلان قوائم المسافرين مع أنه يستحيل تبين الخاطف من المخطوف وأن تعلن بعد ساعات مسؤولية أسامة بن لادن دون أن تقدم دليلا واحدا مقنعا أو غير مقنع.
ومن وجهة النظر الأميركية فقد قامت السعودية بعدد من التصرفات غير المقبولة، فقد رفضت أن تسمح باستخدام قواعدها العسكرية لضرب أفغانستان، ورفضت أن تؤيد الهجوم العسكري على أفغانستان، وطالبت أن ينتهي الهجوم في أسرع وقت ممكن وبأقل عدد من الضحايا، ورفضت تجميد أموال المواطنين والجمعيات الخيرية إلا بعد تقديم أدلة مقنعة تشير إلى تورطهم. وأخيرا فإن الجرم الأعظم المسكوت عنه هو أن السعودية وضعت القضية الفلسطينية فوق المصالح الأميركية. والرسالة الأميركية للسعوديين هي أنكم قمتم بأعمال معادية للولايات المتحدة وعليكم أن تغيروا موقفكم أو تنتظروا معاملة مختلفة من جانبنا.