عرض/ إبراهيم غرايبة
يتفق المؤلف مع عبد الوهاب المسيري في الرؤية الغربية لليهود على أساس وظيفي استغلالي، ويجد أن المسلمين هم الذين أتاحوا لليهود الاندماج في مجتمعاتهم وتعاملوا معهم بتسامح، وكانت العلاقة اليهودية الإسلامية على مدى التاريخ تحالفية وتعاونية بعكس العلاقة مع الغرب المسيحي.
|
-اسم الكتاب: اليهودية بين حضانة الشرق الثقافية وحضانة الغرب السياسية -المؤلف: عفيف فراج -عدد الصفحات: 232 -الطبعة: الأولى 2002 -الناشر: دار الآداب، بيروت | |
المكونات الثقافية لليهود
اشتهر اليهودي في الوعي الشعبي بالروح العملي النفعي وإخضاع المبادئ والقيم للمصلحة المادية الشخصية، ويقول ماركس في كتابه "المسألة اليهودية" المال هو إله إسرائيل الغيور الذي يجب ألا يبقى أمامه إله "آخر"، وترادفت في وعي الأوروبي كلمة يهودي مع مراب، وفي قاموس أكسفورد أن الاستعمال العامي لكلمة يهودي يدل على شخص ميال إلى ابتزاز الأموال، أو قادر على عقد صفقات يغبن فيها الطرف الآخر.
وفي سفر الخروج في التوراة "وعندما ترحل لن تكون فارغ اليدين، بل إن كل امرأة تقترض من جارتها جواهر من الذهب والفضة وأثوابا، ولسوف تسلب المصريين".
ولقد تعلم العبريون من الحضارة الكنعانية- الفينيقية وهي امتداد تطوري للحضارة السومرية الأكادية سبل الانتقال من الحياة الرعوية إلى الزراعة والحرف وأسلوب حياة المدينة.
” اشتهر اليهودي في الوعي الشعبي بالروح العملي النفعي وإخضاع المبادئ والقيم للمصلحة المادية الشخصية، ويقول ماركس "المال هو إله إسرائيل الغيور الذي يجب ألا يبقى أمامه إله "آخر" وترادفت في وعي الأوروبي كلمة يهودي مع مراب، وفي قاموس أكسفورد أن الاستعمال العامي لكلمة يهودي يدل على شخص ميال إلى ابتزاز الأموال ” |
وفي أثناء النفي البابلي استلهم اليهود الحضارة والتجربة البابلية التي جعلت المعبد والكهنة قلب الحياة الاقتصادية والإدارية إضافة إلى الوظيفة الدينية الأساسية، فصار المعبد اليهودي مكانا للتعليم والاجتماع.
وعندما أعاد قورش الفارسي اليهود إلى فلسطين عام 520 ق.م وبنوا هيكلهم الجديد كان الصرافون يلازمون عملهم حول الهيكل ويصف ديورانت (قصة الحضارة) الهيكل بالمصرف القومي، وهو وصف يطابق المصرف السومري الذي كان يديره الكهان داخل المعبد.
وكان الفائض المالي الذي حققه اليهود بتخصصهم الوظيفي نعمة اليهودي ولعنته، فاليهودي الذي منعته التشريعات الغربية من امتلاك الأرض مع حاجة الفلاح إلى قرضه صار عدو الفلاحين أولا ودائما، ثم صار غريما للتجار والحرفيين المسيحيين بعد ظهور الطبقة البورجوازية المسيحية في عصر النهضة.
وبالرغم من أن اليهودي كان الحليف التقليدي للأمراء والنبلاء الذين كان يقرضهم ولكنه كان يقع ضحية تحريضهم كلما ثقلت ديونهم أو كلما أرادوا استرضاء الطبقات الشعبية.
في حضانة الغرب السياسية
عاش اليهود بالغرب في مجتمعات معزولة "غيتو" تحكمها طقوس وشرائع فصلها التلمود، وهو التراث الشفهي اليهودي الذي دونه قادة اليهود وأحبارهم بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد. ويرمز الغيتو إلى النزعة الاستبعادية المتبادلة بين اليهود والمسيحيين، وقد أدى المد القومي الذي اجتاح أوروبا في القرن التاسع عشر إلى نشوء فكرة القومية اليهودية (الصهيونية).
وكانت حياة اليهود عرضة لضرائب متعددة، ومن دون المال كانوا معرضين للاضطهاد والانقراض، وكانت الضغوط المالية عليهم لا تقل سوءا عن المذابح والطرد الجماعي، وجعلهم هذا الوضع يعيشون ثنائية الاضطهاد وفقدان الحقوق السياسية وفي الوقت نفسه تحقيق نفوذ سياسي ومالي متفوق، وأحيانا يكون اليهودي محروما من الحقوق السياسية من وجهة نظرية ولكنه في الممارسة يتصرف بقوة هائلة ويمارس بالجملة نفوذه السياسي المنقوص في المفرق.
وقد راكم الاضطهاد المتمادي عند اليهود توجسا مفرطا من الآخر وتخوفا من نواياه، فالهواجس الإسرائيلية الأمنية دفعتها إلى بناء الدولة بذهنية غيتوية تراهن على القوة العسكرية، حتى أمكن القول إن إسرائيل هي غيتو مسلح.. يقول شمعون بيريز "نحن أمة من اللاجئين، إننا نحمل في ذاكرتنا الجماعية تاريخ نفينا من وطننا الذي أخذ عنوة مرتين من أجدادنا، إننا نعرف عن تجوالنا في أوروبا وآسيا وأفريقيا". وهذا الهاجس الأمني الذي وحد المجتمع الإسرائيلي هو الذي دفع المتدينين ليقتلوا رابين عام 1995 وهو الذي جعل بناء المستوطنات في فلسطين يزيد بعد اتفاق أوسلو بنسبة 52%.
أسباب استمرار الصهيونية
ما الذي جعل الشخصية اليهودية التي تحمل في تكوينها التجوال الرعوي- التجاري- المالي تستعصي على الاندماج والتكامل مع شعوب العالم لتجعل من الخصوصية الدينية هوية ثقافية ورابطة قومية توشح العلاقة مع جبل صهيون وأرض إسرائيل؟
يرى المؤلف أن سبعة عوامل أوصلت اليهود إلى هذه النهايات: الخصوصية الدينية، والخصوصية الاقتصادية- الربوية المالية، والقوانين والتشريعات التي فرضت المعتزلات، والعنف الديني العرقي ضد اليهود، ومكانة اليهودية ونبيها في المسيحية والإسلام، ومحاولات التكيف التي قام بها قادة الجماعات اليهودية على المستويات الدينية والفلسفية والسياسية، وحركة الإصلاح الديني البروتستانتية وما أفرزته من فرق أصولية.
|
” النقد القرآني لليهود وضلالهم يستعيد شكوى نبي قومه لربه، ويبدو لطيفا إذا ما قورن بخطب الأنبياء العبريين لقومهم.. وقد تكرر اسم موسى في القرآن 125 مرة ووردت التوراة في 18 موضعا ” |
مكانة اليهودية في الإسلام
الإسلام دين مكمل للديانات السماوية ويأخذ فيه أنبياء بني إسرائيل قداسة ومكانة عظيمة "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه" (سورة الشورى، 13)، والقرآن يصدق الكتب التي تقدمته مع الأنبياء السابقين "مصدقا لما بين يديه"، وكان لليهودية تأثير كبير على العرب قبل الإسلام ونقلهم -دون أن يتهودوا- إلى حال أرقى في مجال التصور الديني، وربما للسبب نفسه انتشر الإسلام بقوة وسرعة في المدينة بخلاف مكة.
والنقد القرآني لليهود وضلالهم يستعيد شكوى نبي قومه لربه، ويبدو لطيفا إذا ما قورن بخطب الأنبياء العبريين لقومهم.. وقد تكرر اسم موسى في القرآن 125 مرة ووردت التوراة في 18 موضعا.
والإسلام لا يدين اليهود بقتل المسيح كما فعل المسيحيون فالمسيح لم يصلب كما أراد له اليهود وإنما "شبه لهم"، وظلت دولة المسلمين دار أمان لليهود يلوذون بها من الاضطهاد الغربي المسيحي.
ورغم طرد اليهود من المدينة في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقد اتسم تاريخ العلاقة بين المسلمين واليهود بالوفاق والتحالف، فالعرب لم يقتلوا اليهود ولم يطردوهم كما فعل الغرب المسيحيون على مدى ألفي عام، فاليهود وجدوا في الفتح الإسلامي للشام والعراق نهاية للكابوس الروماني، وتحررا من القهر والاضطهاد، ورفض العرب طلبا من بطريرك الإسكندرية بإبعاد اليهود عن مصر، ووجد اليهود في الأندلس ملاذا آمنا من الاضطهاد والتهجير الأوروبي، وفرصة للتأسيس الحضاري والفلسفي للفكر اليهودي، وفي الحروب الصليبية كان اليهود من ضحايا القتل الغربي كما المسلمون، ولجؤوا إلى الدولة العثمانية في العصور الحديثة.
ويلحظ برنارد لويس أن اليهود وقفوا إلى جانب المسلمين في الحروب الصليبية وفي الحروب مع المغول والتتار، وتعرض اليهود كما العرب والمسلمون للاضطهاد والتنصير الإجباري على يد الكاثوليك الأسبان بعد سقوط دولة العرب فيها عام 1492 وأظهر اليهود ولاء للدولة العثمانية في حروبها مع الروس والبلقان.
” اليهود وجدوا في الفتح الإسلامي للشام والعراق نهاية للكابوس الروماني، وتحررا من القهر والاضطهاد، ورفض العرب طلبا من بطريرك الإسكندرية بإبعاد اليهود عن مصر، ووجد اليهود في الأندلس ملاذا آمنا من الاضطهاد والتهجير الأوروبي، وفرصة للتأسيس الحضاري والفلسفي للفكر اليهودي ” |
وكانت كتابات المؤرخين اليهود في القرن التاسع عشر، كما يذكر برنارد لويس في كتاب الإسلام في التاريخ ومارتمن كرايمر في كتاب الاستشراق اليهودي، تظهر علاقة قربى ثقافية وحضارية بين المسلمين واليهود.
وقد جعل التناقض بين وضع اليهود في أوروبا ووضعهم في العالم الإسلامي المثقفين اليهود يرون الإسلام نموذجا مثاليا يمكنهم من التعايش والاندماج، وكان صعود الحركة الرومانتيكية في القرن التاسع عشر وراء صورة الصحراء النقية والمثالية الإسلامية وكان هذا موضع افتخار وانتماء اليهودي المضطهد والمهمش في الغرب.
ومن مؤرخي وفلاسفة القرن التاسع عشر اليهود الذين كتبوا إيجابيا عن الإسلام إبراهام غايغر، وغوستاف فايل، ويوسف دهرنبورغ، وغولدزيهر، ووولف، وليوبولد فايس، وبالغريف. وكان غايغر يعتبر أن الإسلام أوجد مناخات مؤاتية لازدهار العلوم والفلسفة خلافا للمسيحية التي غذت النفور من العلم والعقل، وكان فايل أول من ترجم ألف ليلة وليلة من العربية إلى الألمانية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وألف كتابا عام 1837 عن أدب العرب الشعري وكتابا عن النبي محمد(صلى الله عليه وسلم) عام 1843، ولكن أهم كتاب لفايل كان تاريخ الخلفاء الذي جاء في خمسة أجزاء وكتب بين عامي 1846 و1862 وتضمن عرضا لتاريخ الشعوب الإسلامية منذ النبوة حتى زمن السلطان سليم وقد اعتمد على مصادر أولية من المؤرخين المسلمين واستفاد من رحلاته في البلاد العربية.
وقد أقام غولدزيهر سنوات في مصر والشام وتعلم في الأزهر وأقام علاقات قوية مع جمال الدين الأفغاني وأحمد عرابي، وكان معاديا للصهيونية ويعتبر الإسلام دينا وليس قومية، وأنه يجب على اليهود أن يندمجوا في بلادهم وأوطانهم، وكان معجبا إلى درجة الإيمان بالإسلام ومنهجه التوحيدي والعقلي.
” سبقت الصهيونية غير اليهودية الصهيونية اليهودية بثلاثة قرون على الأقل، وانتشرت في أوروبا ووصلت إلى أعلى المراحل بينما كان اليهود أنفسهم لا يزالون خارج النشاطات الصهيونية وفي كثير من الأحيان يقفون ضدها، وبعضهم لم يسمع بها بعد، وبعضهم لا يستوعبها عقليا أو نفسيا ” |
الصهيونية والأصولية المسيحية
بدأت حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر على يد مارتن لوثر الكاهن الألماني الذي أراد أن يعيد للمسيحية روحها وبساطتها، وبرغم تأثر لوثر بالتوراة واستلهامه إياها فقد كان معاديا لليهود ومتطرفا في عداوته، ولكن الفرق والكنائس الأصولية البروتستانتية التي تدين لمارتن لوثر بتأسيسها جنحت إلى التهود وتبرأت من كل ما صدر من لوثر عن اليهود كما أصدر مؤتمر رؤساء الكنائس اللوثرية عام 1983.
لقد أراد لوثر بقراءة العهد القديم أن يحطم سلطة الكهنة وأن يخلص المجتمع من استغلال المرابين ويجعله منتجا بورجوازيا، ولكن حركته آلت إلى تقديس شعب الله المختار وأرض إسرائيل وجبل صهيون، وأن تشكل جماعاته كبرى القوى الحاضنة والداعمة لليهود على أرض الغرب الأوروبي في قطاعه الأنجلوسكسوني، وأن تكون المعززة للدولة الصهيونية على أرض فلسطين.
وأصبح العهد القديم في بريطانيا مرشد الحياة الروحية والدنيوية وقد بلغ تغلغل الثقافة الدينية العبرية في المؤسسات البريطانية حدا جعل لويس نيومان يلاحظ ساخرا "لو أن خطب البرلمان كانت تلقى بالعبرية لحسبت نفسك في فلسطين".
ووجدت البروتستانتية في تنافسها مع الكاثوليكية وسعيها للاستقلال عنها في اعتبار الأصل الفلسطيني للمسيحية تقليصا لدعاوى وطموحات الكنيسة الكاثوليكية، وتحول عدد من البروتستانت المتطرفين إلى اليهودية تماما وتداخل ذلك أيضا مع حاجة بريطانيا للمال اليهودي لتمويل العمليات الاستعمارية في أنحاء العالم.
وسبقت الصهيونية غير اليهودية الصهيونية اليهودية بثلاثة قرون على الأقل، وانتشرت في أوروبا ووصلت إلى أعلى المراحل بينما كان اليهود أنفسهم لا يزالون خارج النشاطات الصهيونية وفي كثير من الأحيان يقفون ضدها، وبعضهم لم يسمع بها بعد، وبعضهم لا يستوعبها عقليا أو نفسيا.
ويمكن القول وفقا لـ"بيان نويهض الحوت" إن اليهود كانوا آخر من اكتشف الصهيونية. وظهر لاهوتيون مسيحيون أكثر حماسة لإعادة بني إسرائيل إلى "صهيون" من اليهود أنفسهم وكانت دعوات ومحاولات للقس شافتسبري للتأثير والتنسيق مع السياسة البريطانية ووزير خارجية بريطانيا بالمرستون لإقامة دولة يهودية في فلسطين، وذلك قبل ولادة هرتزل بعشرين سنة وقبل أربعين سنة على تأسيس أول منظمة يهودية تعنى بإرسال المستوطنين إلى فلسطين.
وبالمرستون هو الذي أعلن بريطانيا حامية للأقليات اليهودية في الدولة العثمانية واضعا بذلك الأسس التي ستحمي مستقبلا مشروع توطين اليهود في فلسطين، وكانت بريطانيا ترى في مشروع توطين اليهود حلما استعماريا يتوسل بالصهاينة الذين قال عنهم وزير المستعمرات البريطاني تشمبرس لين "جماعة أوروبية من اليهود المستعدين لاستيطان أرض صحراوية يطورونها ويدافعون عنها تحت الوصاية البريطانية، وأدوات نافعة لتوسيع النفوذ البريطاني إلى قلب فلسطين حين يحين وقت تفكيك الدولة العثمانية".
وسمحت بريطانيا لليهود بإنشاء مصانع للذخيرة والأسلحة وأنشأت "الفيلق اليهودي" الذي كان مع الجيش البريطاني ودخل فلسطين عام 1917 بقيادة اللنبي، وكان هؤلاء الجنود والضباط أساس الجيش الإسرائيلي عام 1948.