كمبردج بوك ريفيوز
يتميز هذا الكتاب من بين عشرات الكتب الصادرة في كل عام عن البيئة بموقف إيجابي غير متشائم تجاه البيئة, وبجرأة ونقد شرس ضد "متطرفي البيئة" الذين ينشرون الذعر وينذرون العالم بالفناء القريب.
|
-اسم الكتاب: البيئي المتشكك: تبين الوضع الحقيقي للعالم -المؤلف: بيورن لومبورغ -عدد الصفحات:492 -الطبعة: الأولى 2001 -الناشر:Cambridge University Press | |
موقف المؤلف, بعد معالجة معمقة وتحليل شامل لكل المخاوف التي تؤرق الناس, سواء بسبب الجوع أو اللامساواة أو الاحتباس الحراري لسطح الأرض أو التلوث أو المخلفات الصناعية أو استنفاد مصادر الطاقة غير المتجددة, هو القول بأن أطفال اليوم, في الدول الصناعية والنامية سيعيشون حياة أطول وينعمون بصحة أفضل, وسيحصلون على قدر أكبر من الطعام ونوعية أجود من التعليم ومستوى معيشي أعلى, وتتوفر لهم أوقات أكثر للراحة, كل هذا دون أن تتعرض البيئة المعولمة للدمار.
جرأة نادرة
ولا يملك قارئ هذا الكتاب في البداية إلا الشعور بالإعجاب من جرأة هذا المؤلف على موقفه الإيجابي عند تناوله لمسألة البيئة المعولمة, خاصة أنه يعتمد على بيانات ومعلومات كافية مكنته من إيراد 173 جدولا و2930 هامشا مستقاة من المصادر نفسها التي يستعين بها المؤلفون في الموضوع نفسه من المنذرين بخراب وشيك للبيئة.
وإن كان يبدو هذا التناول لأول وهلة وكأنه لا يتعامل مع الموضوع بالحساسية المطلوبة, سيما وأن الاهتمام أو التغزل بالبيئة أصبح أقرب إلى الموضة الفكرية, إلا أن صلابة معلومات الكتاب وشمولها تكاد تقودنا إلى اكتشاف ما يشبه الأكذوبة الكبرى. فكلما أنهى القارئ صفحات أكثر من كتاب لومبورغ زاد غضبه أكثر فأكثر, على أن هذا الغضب لا ينصب على لومبورغ بل على جماعات البيئة, خاصة معهد "وورلد واتش" والجمعيات الخيرية ووسائل الإعلام, التي تبدو وكأنها تواطأت فيما بينها لنظل جاهلين بالحقائق التي يطرحها هذا الكتاب, هذه الحقائق التي ترسم صورة مختلفة جدا عن تلك التي عادة ما تعرض علينا. 
خرافات البيئيين
” عم في أواسط السبعينيات من القرن الماضي الخوف من أن حرارة كوكبنا في انخفاض, وها نحن الآن نعيش بعد ثلاثين سنة من ذلك التحذير ولم يتجمد الكوكب، وتوقع تشاؤمي آخر هو البيئي الشهير كاساندراس في الثمانينيات من القرن الماضي بنفاد النفط بحلول عام 2001. كما توقع غيره أيضا ازدياد عواصف المطر الحامضي, وغير ذلك كثير مما لم يتحقق ” |
وكما يقول لومبورغ فإنه ومنذ عقد السبعينيات من القرن الماضي وتلك الجهات تعكف على اجتذاب انتباهنا إلى أزمة تلو أخرى, دون إعطائنا فرصة لتبين أن آخر أزمة مررنا بها, وبعد إجراء مزيد من التحليل لها, تبين أنها لم تكن حقيقية. ويستعين لومبورغ بعدد من الأمثلة, فمثلا يشير إلى الخوف الواسع الذي عم في أواسط السبعينيات من أن حرارة كوكبنا في انخفاض, ويقول ها نحن الآن نعيش بعد ثلاثين سنة من ذلك التحذير ولم يتجمد الكوكب. ويشير إلى توقع تشاؤمي آخر لبيئي شهير هو كاساندراس في الثمانينيات من القرن الماضي تنبأ فيه بنفاد النفط بحلول عام 2001. وأيضا التوقع بازدياد عواصف المطر الحامضي, وغير ذلك كثير. والمثير في الأمر كما يلاحظ لومبورغ أن الناس لا يتوقفون كثيرا عند فشل تلك التنبؤات واصطدامها بصخرة الوقائع العلمية لأنهم سرعان ما يجرون إلى تنبؤات تشاؤمية أخرى يغرقون في الهواجس الناشئة عنها وهكذا.
المعضلات الكبرى
يستهل لومبورغ كتابه بفصل يستعرض فيه كل المعضلات الكبرى النازلة بكوكبنا. وفضلا عن المروجين التقليديين لذلك مثل وسائل الإعلام, فإنه يوضح كيف أن بعض الدراسات التي تتصف بالعلمية والموضوعيه تعرضت لتجاهل انتقائي وأن الدراسات الأخرى التي لاقت طريقها إلى النشر لم يشكل معيار اختيارها وزن ما تعتمد عليه من أدلة بل حجم ما تستعرضه من تلك المعضلات التي تعاني منها بيئتنا وبنظرة تشاؤمية. ويقول لومبورغ إن منظمات مثل "السلام الأخضر" لا تحتاج إلى إيراد أدلة في موقعها الإلكتروني على زعمها بأن "نصف أنواع الكائنات الحية على الأرض يحتمل اختفاؤه خلال السنوات الخمس والسبعين المقبلة". بينما تشير الحقائق العلمية, كما يقتبس لومبورغ إلى أن النسبة الأصح لاختفاء تلك الأنواع خلال الخمسين عاما الماضية لم تتجاوز 0.7%, وهي النسبة التي أقر بها رئيس المنظمة الدنماركي على موقع المنظمة الإلكتروني.
ويعتبر لومبورغ أن هذه أصبحت من "الأكاذيب الصريحة" التي صارت تعتبر أمرا شائعا جدا في إطار معالجة ما تمر به البيئة من مشاكل. ويسلط لومبورغ الضوء على إحصائيات مشوهة أخرى اعتمدت عليها دراسات معروفة واستعان بها دعاة التخويف والتهويل أيضا.
توضيح حقائق
” إن التشريعات الحكومية ذات النية الحسنة, وبينها اتفاق كيوتو, يمكن أن تؤدي بنا إلى دفع كلفة الاحتباس الحراري وغيرها من مخاطر بيئية مرتين ” |
ويتجلى احترام لومبورغ لقرائه من خلال توضيحه الحقائق المختلفة وعدم الكذب عليهم, وهو احترام يصعب على المرء أن يلمس به في مواعظ العديد من المنظمات غير الحكومية. وكان قد تعرض لانتقادات قبل نشر كتابه هذا وبعده, لإفشائه حقائق ذهب منتقدوه إلى أنها ستدفع العالم إلى طي أجندته البيئية ونسيانها. بيد أن هذه الانتقادات غير ديمقراطية بالمرة, ففي حين أن لومبورغ وضع ثقته فينا "نحن" عموم الناس بحسن التعامل مع الحقائق, نجد أن منطق منتقديه ينطلق من عدم الثقة بغالبية سكان العالم في أن تتصرف بصورة منضبطة وحكيمة دون إرهابها وتخويفها بمعلومات مشوهة وبيانات غير دقيقة.
ولا بد من القول هنا إن الخوف غير العقلاني لا يفضي إلى اتخاذ قرارات حكيمة. ويوضح لومبورغ بالفعل هنا كيف أن التشريعات الحكومية ذات النية الحسنة, وبينها اتفاق كيوتو, يمكن أن يؤدي بنا إلى دفع كلفة الاحتباس الحراري وغيرها من مخاطر بيئية مرتين. وقد يعترض بعض القراء على لجوء المؤلف إلى حساب تلك الكلفة أو المنافع بعدد حيوات الناس, ولكنه ينظر إلى هذا الأمر على أن من واجبنا استغلال المنافع إلى الحد الأقصى لأجل إنقاذ حياة الآخرين. فلماذا ينصب تركيزنا على تقليص كميات الغازات العادمة المتصاعدة من مصانع الإطارات المطاطية مثلا (كلفة ذلك تصل إلى 22 مليون دولار للحياة الواحدة في العام) بدل أن نجعل استخدام ربط الأحزمة في السيارات إجباريا (وكلفته 69 دولارا للحياة في العام).
فصل مثير
ولعل الفصل الأكثر لفتا للانتباه هو الذي أفرده لومبورغ للحديث عن اللامساواة المعولمة، إذ يطرح فيه براهين قوية على أن التجارة العالمية تعمل على تضييق الفجوة بين الأغنياء والفقراء. كما تتطرق فصول أخرى إلى زيادة الغطاء النباتي ممثلا بالغابات وأن المصادر الأساسية متوفرة بشكل أكبر مما كانت عليه في أي وقت سابق. كما أن معدل عمر الفرد لأكثر من
85% من سكان العالم يصل الآن إلى ستين عاما أو أكثر, وهذا أزيد مرتين عما كان عليه في القرن الماضي. لكن هنا يمكن أن يتساءل القارئ عن زعم لومبورغ في حياده السياسي وعدم ترويجه لأي أطروحة أيديولوجية, خاصة أن السجال حول العولمة بات يأخذ أبعادا سياسية وأيديولوجية واضحة, وأن تأييد مضمون العولمة أو دحضه قد يثير شبها أيديولوجية بخلاف ما يتمسك الكاتب والكتاب به.
ويمكن اعتبار ذلك على أنه إنجازات من قبيل المعجزات, ولكن ماذا عمن يمثلون الـ15%؟ عند هذا الحد نصل إلى الفارق الجوهري الذي يشير إليه لومبورغ في مطلع كتابه بقوله "إننا لا نقصد بقولنا إن أوضاع البشر عموما تحسنت تحسنا كبيرا إن كل أمورهم باتت على ما يرام. بل إن صدر الجملة السابقة يشير إلى ما يبدو عليه العالم اليوم, في حين أن نهايتها تشير إلى ما ينبغي أن يكون عليه". ويبرهن كتاب لومبورغ على أننا نسير في الاتجاه الصحيح. وعندما ينادي المتظاهرون ضد العولمة وأنصارهم بإيجاد "توازن عادل في التجارة الدولية" فإنهم يفترضون أننا نسير في الاتجاه الخاطئ, في حين أن هذا الكتاب يلمح إلى أننا إن تقبلنا دعوتهم تلك فإننا نكون قد تبنينا تلك الحقائق المغلوطة.
يقول لومبورغ إن كتابه ليس لموقف سياسي معين, بل يعتمد بشدة على الجداول الإحصائية وهو التمييز الأساسي الذي يركز عليه المؤلف في كتابه، كتاب أدلة وبراهين وليس دعاية سياسية لموقف ما. كما أنه يضيف فارقا آخر يدعونا إلى التنبه له, وهو الانتباه أكثر عند الاستماع إلى دعاوى البيئيين إلى التفريق بين "مزاعم" قلقهم على وضع كوكبنا الأرضي وأجندتهم السياسية الفعلية. وفي هذا السياق, يشير لومبورغ إلى أكثر من حادثة للتدليل على خفة موقف البيئيين وحمولاته السياسية.
ومن تلك الحوادث ردة فعلهم عام 1989 عندما أظهرت تجارب علمية على الطاقة إمكانية إنتاج وقود يعتمد على الاندماج البارد يتسم بالنظافة التامة وعدم تلويث الجو. فبدلا من الترحيب بالنتائج الأولية ودعمها عبر أولئك البيئيين عن شعورهم بالرعب نتيجة تلك الأخبار. وفي تحليل لومبورغ فإن الموقف السلبي آنذاك, كما الآن, يكشف عن أجندة سياسية اجتماعية تريد مجتمعا أقل مركزية وأقل ميلا نحو التصنيع, وأقل استهلاكا وأقل اعتمادا على المصادر الأولية. وفي الوقت الذي لا غبار فيه على تبني أي أجندة سياسية وفق هذه الأهداف, فإنه يجب أن يرفض هو توظيف البيئة, أو إثارة إرهاب بيئي معولم, بهدف تمرير تلك الأجندة ببطء بشكل أو بآخر. 