|
عندما تم تكليفي من قبل قناة الجزيرة لتغطية الحرب في أفغانستان، للمرحلة التالية التي تلت سقوط طالبان، على أن أحل مكان الزميل يوسف الشولي في مدينة قندهار اكتشفنا أنا ومترجم أفغاني، أن الوصول للمدينة في غاية الخطورة، بسبب القصف الأميركي، وبسبب قطاع الطرق، فتعرفنا على مهرب، ودفعنا له مبلغا من النقود على أن يذهب بنا إلى قندهار ويجنبنا قطاع الطرق، وبالفعل سرنا معه، ولكن في منتصف الطريق تفاجأنا به يرفع السلاح بوجهنا ويهددنا بالقتل إن لم نقم بإعطائه كل ما لدينا من أموال، لم يكن أمامنا كي ننجو بحياتنا غير الاستجابة له، ولكننا مع ذلك نجحنا بأن ننفذ بجزء من المال كنا قد أخفيناه في ثنايا ملابسنا.
وبعد ذلك تركنا المهرب في نصف الطريق ورحل وكان ذلك أول أيام عيد الفطر، ولحظتها شعرت أن الموت قريب مني لا محالة، فإن لم أمت بقصف أميركي، سأموت بلا شك على يد قطاع الطرق الذين يملؤون المكان، أو المليشيات الأفغانية، خاصة أنني عربي، وفي تلك الفترة زاد حقد الكثير من الأفغانيين على العرب بعد مقتل زعيم قوات الشمال أحمد شاه مسعود على يد شخصين عربيين.
وفجأة مر بالقرب منا موكب من السيارات، ثم توقفت إحداها بقربنا، وطل منها حاكم مدينة ستيل بوك ولحسن الحظ كانت لنا علاقة طيبة به، كما أنه كان متعاطفا مع العرب، وشقيقته متزوجة من مواطن عربي، وعندما علم أن وجهتنا مدينة قندهار، طلب مني أن أصعد معه، واعدا إياي بأن يعرفني على حاكم الولاية واسمه بول آغا، حتى تسهل مهمتي الصحفية، وكان هو ذاهب ليهنئ الحاكم بقدوم العيد.
وفي ديوان حاكم قندهار كان يوجد أكثر من 1000 رجل جاءوا لتقديم التهاني له بالعيد، شعرت بالخوف يتملكني من جديد، صرت أتصرف وكأنني مصور مع وفد مدينة ستيل بوك، وعندما جاء دوري لتحية الحاكم، سألني الأخير عن هويتي، وهنا أسقط من يدي، فالكذب لن يكون في مصلحتي، فتمالكت أعصابي وقلت له "أنا مراسل لقناة الجزيرة"، وما أن نطقت بهذه الجملة، حتى انقض علي أحد الحراس الذي كان يقف إلى جانب الحاكم، وأمسكني من عنقي وهو يهزني ويصرخ "عرب عرب" ثم رماني أرضا وقد صوب سلاحه تجاه رأسي.
هنا استنجدت بحاكم مدينة ستين بوك الذي جاء بي لقندهار، ومن ثم استدعاني بول آغا وطلب مني أن أجلس جانبه، وسألني "ما مشكلتك"، فرددت عليه "يبدو أنكم أنتم الذين لديكم مشكلة وليس أنا، فأنا عربي وأعمل صحفي بقناة الجزيرة، وظيفتي أن أنقل الوقائع التي أراها على الأرض كما هي، فإذا سمحتم لي بالعمل بولايتكم ظللت، وإن رفضتم سأعود على الفور".
فأبتسم الحاكم وقال لي "ستبقى وسأوفر لك الحماية طول عملك هنا"، ولكن عندما انتهى الحاكم من استقبال المهنئين وخرج من الديوان نسي وعده، فلحقت به أسأله عن الحراسة، فالتفت حوله ووجد حارسا ضخما جدا، قال لي هذا هو حارسك منذ الآن.
و بعد أن ذهب الحاكم نظرت للحارس فوجدته مثيرا للخوف أكثر من الأمان بالنسبة لي، فقررت الاستغناء عنه.
ومن ثم ذهبت لمكتب CNN حيث كان هناك اتفاقية تعاون –لوجستي- بين الجزيرة وبينهم، وعلمت من إدارة الجزيرة أنه وفقا للاتفاقية سيكون بمقدوري النوم في مكاتبهم.
وعندما ذهبت وكان الليل قد حل، طلبت منهم أن يسمحوا لي بالإقامة، فاعتذروا، عن ذلك لأنه لا يوجد لديهم غرف، فقلت لهم حسنا دعوني أقضي الليلة فقط، فرفضوا، وقبل أن أخرج قلت لهم "إن أول خبر سيكون على شاشتكم اليوم هو مقتل صحفي عربي في شوارع قندهار".
ويبدو أن هذه الجملة حركت ضمائرهم، فوافقوا على السماح لي بالإقامة بمكتبهم، وقد منحوني غرفة الحمام، وكانت صغيرة جدا، أقمت فيها مع المترجم الأفغاني ثلاثة أسابيع. |