” نعرف الكثير عن الحضور البريطاني في الهند, ولا تزال الكتابات الأكاديمية الموثقة تمدنا بالمزيد منه, لكن تاريخ حضور الهند في بريطانيا هو الذي عانى إهمالا كبيرا ” |
نعرف الكثير عن التاريخ والحضور البريطاني في الهند, ولا تزال الكتابات الأكاديمية الموثقة تمدنا بالمزيد منه, وتكاد لا تتوقف. لكن تاريخ حضور الهند في بريطانيا هو الذي عانى إهمالا كبيرا، ولعل ذلك يعود إلى إرث التعالي الاستعماري القديم على "السكان المحليين" وعدم اعتبارهم أهلا لتقديم أي مساهمة تذكر للبلد الذي اعتبر "مركز الحضارة والمدنية".
بلطف ولكن بإصرار تذكرنا فيسرام بأن العكس هو الصحيح.. الهند هي مركز الحضارة والمدنية. وهي حين تواصل بهذا الكتاب المسيرة التي ابتدأتها عام 1986 عندما أصدرت كتاب "دايات ونوتية وأمراء.. هنود في بريطانيا 1700 -1947" أعقبته بكتاب "المساهمة السوداء في التاريخ" (1988), تعود أيضا إلى معرض "سكان لندن" الذي أقامه معرض لندن عام 1994 كمصدر لمادتها التاريخية. لاحظ -مثلاً- المساهمة الرائدة في دراسة ضغط الدم التي قدمها فريدريك أكبر محمد (1849-1884) وهو طبيب وعالم من مواليد برايتون, أو النجاح السياسي لدادابهاي ناوروجي الذي أصبح في عام 1892 أول عضو هندي في البرلمان البريطاني.
أما البحارة والنوتية الهنود فقد باتوا يشكلون في مطلع القرن العشرين حوالي ربع القوة البريطانية العاملة في البحر, في حين كانت المشاركة العسكرية الهندية خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية مشهودة في تحقيق النصر العسكري للحلفاء. ومن أجل إعطاء صورة شاملة لتنوع وجوه التاريخ الهندي في بريطانيا, لا تفوت المؤلفة الإشارة إلى نجاحات مثل نجاح رجل الأعمال دين محمد الذي افتتح قبل ذلك بأكثر من قرن أول مقهى هندستاني في ميدان بورتمان بلندن (1810) ودار على الزبائن بالأراجيل "ذات التبغ الخالص الحق" والأطباق الهندية الشهية.
” ظل لون البشرة يشكل قضية صعبة في بريطانيا على مدى 400 عام وذلك لأسباب تعود إلى الجهل أو العنصرية ” |
نظرة دونية
تقدم لنا هذه المعلومات تحدياً -لا تعلنه المؤلفة وإنما تصر على العودة إليه باستمرار- للصور النمطية الدونية التي تظهر المهاجرين الآسيويين بمظهر سيل من الأشخاص غير المتعلمين وغير المتكيفين اجتاحوا البلاد بعد الحرب العالمية الثانية.
إلا أن الكتاب لا يمتنع عن إثارة بعض التلميحات المقلقة، فدراسة فيسرام التي تظهر ابتكار ومرونة وسعة حيلة الجالية المهاجرة الأكبر والأقدم في بريطانيا, تظهر أيضا أن تلك المزايا قد احتقرت واستهين بها بسبب التمييز العنصري والاقتصادي الذي مارسه المجتمع المضيف.
هناك أدلة متكررة وواضحة في الكتاب عن شيوع التمييز العنصري رغم ما تبذله فيسرام من جهد لتفادي إثارة جدل واضح بشأن معاداة العنصرية كان سيعود عليها بردود فعل عكسية ويبرز قضية معينة على حساب قضايا أخرى. لكنها مهما بذلت من جهد, فلا مفر من مواجهة الحقيقة القبيحة التي تفيد بأن لون البشرة ظل يشكل قضية صعبة وعلى مدى السنوات الأربعمائة الماضية، سواء لأسباب تعود إلى الجهل أو العنصرية أو النظريات الداروينية الاجتماعية.
عند النظر إلى الأمر من هذه الزاوية, تبدو بعض "الانتصارات" التي تبرزها المؤلفة جوفاء لا معنى لها. فهل كان ناوروجي مثلاً سيفوز بانتخابات فينزوبوري سنترال عام 1892 لو أن حزب الأحرار لم يعتبره "جنتلماناً إنجليزياً متعلماً" ذا بشرة فاتحة و"رأس قوقازي"? وبدون الانتقاص من إنجازه الشخصي, فإن صعوده السياسي كان قد اعتبر انتصاراً لاندماجه في المجتمع الإنجليزي وليس لهنديته.
هذا النوع من الحكايات التي تم فيها الالتفاف حول "حاجز اللون" بدلاً من "تخطيه" يذكرنا بسهولة التكيف مع العنصرية بقدر ما يقدم شهادة على قوة جالية معينة. فهل كانت العلاقات العنصرية في بريطانيا قد بلغت الحد الذي يمكن فيه إثبات زيف التعليق الذي أطلقه رئيس الوزراء سالزبوري عام 1886 حين قال "أشك في أننا قد وصلنا إلى النقطة التي يمكن فيها لدائرة انتخابية بريطانية أن تختار رجلاً أسود لتمثيلها"؟! لكن التلميحات لا تدخل في حساب كتاب "الآسيويون في بريطانيا" الذي تصفه فيسرام بأنه "دراسة قائمة على الملاحظة"، وهو مفهوم تتمسك به بحرفية كثيرة.
فامتلاك كل الحقائق المعنية شيء, وربطها بشكل مؤد إلى استنتاج ما شيء آخر. وفي هذا المجال بالذات تحقق فيسرام إخفاقا يؤسف له، لأن كتاب "الآسيويون في بريطانيا" هو تاريخ في الحد الأساسي الأقصى. وبغض النظر عن حجم الجهد الذي وضعته المؤلفة فيه, فإن الحقيقة المؤلمة تفيد بأنها غير مؤهلة (أو غير مستعدة) لتشريح حقائقها وتحليلها وتفسيرها.
” لم يحقق الكتاب اختراقا حقيقيا للتاريخ السلبي للجماعات الآسيوية المهاجرة, إلا أنه يظل مصدرا غنيا بالمعلومات ” |
تماثل وفروق
تتضح الطبيعة التقريرية للكتاب منذ بدايته فهو منظم حسب التسلسل الزمني, وكل فصل فيه هو في الواقع موجز لدليل معاصر عن الحضور الهندي/ الآسيوي الشرقي في بريطانيا. وهناك أيضا درجة من الاختيار في التصدي لهذه المهمة يشمل تعريف التوجهات السكانية والاقتصادية والسياسية لكل فترة، لكن المؤلفة لا تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. وكمثال على ذلك نجد فيسرام تقدم قائمة تحتل نصف صفحة من الكتاب تدرج فيها أسماء عدد من البقالات الهندية التي كانت قائمة في مدن بريطانية في ثلاثينات القرن العشرين كدليل على أن ظهور الدكاكين "الإثنية" يشير إلى أن "الجالية الهندية" كانت قد أصبحت مستقرة في بريطانيا قبل مجيء المهاجرين الآسيويين الذين تدفقوا عليها بعد خمسينات القرن نفسه.
ويتوقف التحليل عند هذا الحد، لكن عودة المؤلفة إلى استخدام اصطلاح "الجالية الهندية" يعكس افتراضاً ضمنياً بأن الجاليات الهندية كانت تماثل بعضها بعضا على امتداد كل فترات ذلك التاريخ الطويل, وأن هناك نوعاً من الاستمرارية يستند إلى "هندية" فطرية يربط ما بين الجاليات الهندية المختلفة التي تشكلت في فترات مختلفة وأنحاء مختلفة من المملكة المتحدة.
وإذا تركنا التحليل جانباً, فإن الإقرار بالفروق النوعية بين هنود لندن في القرن التاسع عشر وهنود مدينة بيرنلي الصناعية في الشمال التي استقبلت موجة سريعة من المهاجرين في أعقاب الحرب العالمية الثانية, غائب تماماً عن كتاب فيسرام.
لقد أضفى امتناع فيسرام عن تقديم التحليلات طابعاً غير شخصي على الكتاب, وجعله -رغم المعلومات المثيرة التي ضمها- كتاباً لا يتصف بالحرارة والحيوية. وإذا كانت الموضوعية وحجب الرأي الشخصي أمورا ليست بالسيئة في تأليف الكتب, فإنها يمكن أن تكون مصدراً للسأم والضجر في بعض الحالات كما هي الحال في كتاب "الآسيويون في بريطانيا." ولا ينقذ الكتاب من هذه النقيصة ويجعله مادة شيقة للقراءة إلا ما تضمنه من غزارة في المعلومات والحالات الدراسية والمقتطفات, إضافة إلى جرعة عالية من تدخل القارئ.
لكن ربما كان أهم انتقاد للكتاب هو مصادرته غير المباشرة لأصوات من تريد المؤلفة وصف إنجازاتهم، فبغير قصد منها انتهت فيسرام إلى مصادرة أصوات النوتية والدايات والأرستقراطيين والباعة الجوالين وأصحاب الدكاكين والسياسيين والطلاب الذين شكلوا فسيفساء الآسيويين في بريطانيا، إذ يتولد لدى القارئ إحساس بأن هناك من يتحدث عنهم بدلاً من السماح لهم بالحديث عن أنفسهم.
وهنا يحق التساؤل حول المدى الذي يمكن أن يحقق التاريخ الذي كتبته فيسرام "اختراقاً" حقيقياً، وهو التاريخ الذي سقط في التقليد الأكاديمي الذي تولى في أيام الحكم الاستعماري "الحديث بلسان" الآخرين الذين اعتبروا "مواضيع دراسية سلبية"؟ لعل هذا هو التقصير الأكبر في الكتاب الذي يظل مع ذلك مصدراً غنياً -وربما الأهم- بشأن جغرافية ومعلومات الجاليات الآسيوية في بريطانيا وتاريخها.