|
-اسم الكتاب: أوروبا أكبر أم أكثر اتحاداً؟ -المؤلف: تيتو بوري وفابريزيو كوريسيللي -عدد الصفحات:139 -الطبعة: الأولى 2003 -الناشر: لاتيرزا, روما - باري | |
لعل خلفية مؤلفي الكتاب, تيتو بوري وفابريزيو كوريسيللي, كمتخصصين في الاقتصاد تعكس اهتماما بالآثار الاقتصادية لعملية التوحيد الأوروبية, ومن هنا فإن مطالع الكتاب يجد أن رصدهما لعملية التوحيد يكاد يعتمد أساسا على الجانب الاقتصادي.
رغم ذلك فإن الكتاب مفيد وسلس خاصة وأنه يستهدف الرد على التساؤلات التي تحير رجل الشارع الأوروبي الغربي وتخوفه من توسيع الاتحاد شرقا. وسعيا وراء تحقيق هذا الهدف, قام المؤلفان بصياغة مضمون الكتاب على شكل إجابات عن عشر تساؤلات غالباً ما يطرحها مواطنو الاتحاد الأوروبي.
أما فحوى تلك التساؤلات فإنها معنية بالآثار التي ستنجم عن توسيع الاتحاد الأوروبي خاصة تلك المتعلقة بأسواق العمالة والتشغيل في الدول الأعضاء بالاتحاد, وبموجة الهجرة من دول أوروبا الشرقية والوسطى إلى دول أوروبا الغربية, وبأثر التوسيع على قيمة صرف اليورو ومستقبل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
لقد مر الاتحاد الأوروبي بحجمه الراهن بأربع مراحل من التوسيع جرت كلها بعد قيام السوق الأوروبية المشتركة عام 1957. وبلغ عدد الدول الأعضاء المؤسسة لتلك السوق ستا هي بلجيكا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا الغربية وهولندا ولوكسمبورغ.
” المرحلة الجديدة من توسيع الاتحاد الأوروبي لا تخلو من حسنات إذ ستتوفر لأعضائه موارد زراعية وصناعية جديدة تتوفر لدى الدول الجديدة وإن كانت تفتقر إلى الخدمات المناسبة ” |
وشهد عام 1973 انضمام الدانمارك وإيرلندا والمملكة المتحدة إلى الدول المؤسسة. أما عام 1981 فشهد انضمام اليونان وبعدها البرتغال عام 1986 ثم تبعتها إسبانيا. وأخيرا أصبحت النمسا وفنلندا والسويد أعضاء في الاتحاد عام 1995.
وسوف يفتح التوسيع الجديد المقرر هذا العام باب الانضمام لكل من إستونيا وليتوانيا وجمهورية التشيك وبولندا وسلوفاكيا وسلوفنيا وهنغاريا ومالطا وقبرص. وسيكون هذا التوسيع هو الخامس في تاريخ الاتحاد والذي سيختلف بحسناته وسيئاته عن كل مراحل التوسيع السابقة.
ولعل أهم سيئات التوسيع الجديد بالنسبة لأعضاء الاتحاد الحالية أن الدول التي ستلتحق قريبا تعتبر جميعاً من بين ما يصفه الباحثان بـ "الأقارب الفقراء" في الأسرة الأوروبية. 
حيث لا يتجاوز معدل دخل الفرد في تلك الدول سوى 40% من معدل دخل الفرد في دول الاتحاد الراهنة. أما في مراحل توسيع الاتحاد السابقة فإن الفرق في معدل دخل الفرد بين الأعضاء والذين سيلتحقون لم يكن أبدا بهذه الحدة.
في المقابل فإن المرحلة الجديدة من التوسيع لا تخلو من حسنات, إذ ستتوفر للأعضاء موارد زراعية وصناعية جديدة توجد لدى الدول الجديدة, ولكنها موارد لا تزال تفتقر إلى الخدمات المناسبة.
وهناك سيئة أخرى يمكن أن يأتي بها التوسيع وتتعلق بفساد المؤسسات المحلية. حيث يظهر "مؤشر مراقبة الفساد" الصادر عن منظمة مراقبة "الشفافية الدولية", أن مواطني دول العضوية الجديدة يحملون "إحساسا" بوجود درجة عالية من الفساد في بلدانهم. ومن شأن فقدان الثقة بالمؤسسات المحلية على هذا النحو أن يخلق صعوبات كبيرة في مجال الحصول على استثمارات اقتصادية من جانب المستثمرين الأجانب.
هل سيفقد بعض مواطني الاتحاد الأوروبي أعمالهم نتيجة التوسيع المرتقب؟ وهل ستنخفض أجور فئات من العاملين والموظفين؟ يخصص المؤلفان جزءاً كبيراً من كتابهما للإجابة عن هذه التساؤلات التي تستحوذ على عقل رجل الشارع الأوروبي المتوجس من إغراق سوق العمالة في بلاده بأيد رخيصة تحل مكانه وتضيق عليه فرص العمل أو تتسبب في تخفيض معدل الأجور التي يتقاضاها.
” درجة الاختلاف بين معدلات الرواتب في جزأي أوروبا الشرقي والغربي, ودرجة الاندماج بين مواطني الاتحاد تحدثان قدرا من الحرج لدى الأوروبيين الذين يتخوفون من تغييرات درامية في أسواق العمالة ” |
ولا شك أن موضوع العمالة والتشغيل وموجات الهجرة المتوقعة من دول أوروبا الشرقية من أهم القضايا المقلقة لدول الاتحاد الحالية. وفي هذا السياق, يرى بوري وكوريسيللي أن آثار التوسيع المرتقب على سوق العمالة في دول الاتحاد يمكن تحديدها برصد ثلاثة مجالات محددة تتمثل في التجارة الدولية والاستثمار الأجنبي والهجرة.
إن درجة الاختلاف العالية بين معدلات الرواتب والأجور في جزأي أوروبا الشرقي والغربي ودرجة الاندماج بين مواطني الاتحاد تحدثان قدرا من الحرج لدى أولئك المواطنين الأوروبيين الذين يتخوفون من أن يصبح الاندماج مسؤولاً عن إنزال تغييرات درامية في أسواق العمالة لديهم.
فموجات الهجرة الكبيرة من العمال الوافدين من أوروبا الشرقية من شأنها إغراق سوق العمل في دول الاتحاد وغمرها بأعداد كبيرة من الأيدي العاملة الرخيصة, وهو ما سيتسبب في خفض المستوى المعاشي للعمال الأقل كفاءة ومهارة.
ورغم رجحان كفة احتمال تأثر سوق العمالة بمثل هذا الحدث الكبير, إلا أن المؤلفين يقللان من قدر ما يصفانه بالتشاؤم الكارثي. وهما يحاولان التخفيف من وطأة تلك التخوفات بالإشارة إلى تلك التخوفات المشابهة التي تصاعدت حدتها ما بين عامي 1981 و1986 بانضمام دول أفقر مثل اليونان والبرتغال وإسبانيا إلى الاتحاد الأوروبي. كما شاعت مثل تلك التخوفات عام 1989 عند انهيار جدار برلين وإعادة توحيد الألمانيتين.
ولكن دول الاتحاد لم تشهد تلك السنوات أيا من موجات الهجرة التي توقعها كثيرون. كما يجد المؤلفان أنه لا أساس للمخاوف التي تتعلق باحتمال أن يكون للتوسيع المرتقب آثار سلبية على قيمة صرف العملة الأوروبية الموحدة, فمنذ البدء بتداول اليورو عام 2000 وهو العملة الفعلية المتداولة ليس في معظم دول الاتحاد (منطقة اليورو) إنما داخل تلك الدول التي سوف تنضم إلى عضوية الاتحاد في العام الراهن.
أخيرا يحاول الكتاب رصد ما سيكون لعملية التوسيع المرتقبة من تأثير على المؤسسات التابعة للاتحاد الأوروبي. وتتمثل تلك المؤسسات المهمة بخمس هي البرلمان والمجلس ومحكمة العدل والمحكمة الاقتصادية والبعثة الأوروبية. علاوة على تلك المؤسسات فهناك البنك المركزي الأوروبي الذي يقوم بتحديد السياسة النقدية للدول الأعضاء في منطقة اليورو.
وفي هذا السياق يشير الكاتبان بأسف إلى أن معاهدة نيس -وهي الميثاق الذي يسمح لمؤسسات الاتحاد الأوروبي بضم دول جديدة إلى عضويته- لا تقدم حلولاً مناسبة تساعد تلك المؤسسات على التغلب على الإشكاليات التي قد تصاحب عملية توسيع العضوية لتبلغ 25 دولة أو أكثر. إذ أن تلك المعاهدة وضعت على نحو يكفل تعزيز مكانة الدول الأكبر على حساب الأصغر في الاتحاد.
ويحذر الكاتبان من أن هذا الوضع يهدد بنشوء نوعين غير متوازنين من العضوية داخل الاتحاد، وهما عضوية الدول الكبيرة التي ستكون قادرة على اتخاذ القرارات المهمة, وعضوية الدول الأصغر التي لن تجد نفسها متمتعة حتى بحق تدشين حوار جدي لتناول هذه المسألة أو مسائل أخرى.
ولا يفوت الباحثين الإشارة إلى أن معاهدة نيس تفتح المجال في نفس الوقت أمام بروز ما يمكن وصفه بـ "التعاون المعزز" الذي يسمح بقيام تحالفات بين الدول الأعضاء بهدف مساعدة الدول الأصغر على إيجاد موقع مهم لها داخل الاتحاد.
وهكذا وبعد أن تمكن الأوروبيون من بناء أوروبا الغربية عشية الحرب العالمية الثانية, وبعد نضالهم المستميت نحو تشكيل اقتصاد قوي يكفل لهم مستوى معيشيا متفوقا على سائر دول العالم, فإنهم يشعرون اليوم بحاجة ملحة نحو معرفة المزيد حول التغيرات القادمة التي ستصاحب توسيع الاتحاد الأوروبي هذا العام.
ومنذ طرح اليورو للتداول عام 2000 والناس هناك منشغلون بالتفكير فيما سيتركه مثل هذا الحدث من آثار على نمط الحياة التي يعيشونها وتلك التي سيواجهونها مستقبلا.
” يعكس هذا الكتاب دعوات أوروبية يذهب بعضها إلى أهمية توسعة الاتحاد ليصبح عملاقا أوروبيا قادرا على تقوية نفوذه وحماية مصالحه في وجه المارد الأميركي ” |
ويعكس عنوان الكتاب "أوروبا أكبر أم أكثر اتحادا" دعوات أوروبية يذهب بعضها إلى أهمية توسعة الاتحاد ليشمل كل الأوروبيين حتى يتسنى له أن يصبح عملاقا أوروبيا قادرا على تقوية نفوذه وحماية مصالحه في وجه المارد الأميركي الذي بات القوة العظمى الوحيدة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.
أما بعض تلك الدعوات فيذهب إلى أن الوحدة الحقيقية والقادرة على الصمود هي تلك القائمة على تلبية الحاجات والمصالح الداخلية لكل من دول الاتحاد بعيدا عن شعارات القوة والثقل السياسي على المسرح العالمي.
إن هذا الكتاب يتلمس تلك التخوفات ويحاول تقديم إجابات واضحة عن الكثير من الأسئلة الجوهرية ذات الصلة. ولكنه يبتعد عن الاستغراق في المصطلحات الاقتصادية الصعبة, ويحاول توضيح الصورة للقارئ الأوروبي غير المتخصص, وكل من يريد الإلمام بتفاصيل قيام الاتحاد الأوروبي وقضايا توسعته بصورة سهلة وقريبة.