عرض/ إبراهيم غرايبة
يصف المؤلف كتابه هذا بأنه قصة وقائع سياسية قائمة، وهي في نفس الوقت شكل أحوال سياسية قادمة، وهي تتعلق بمشكلة المشاكل للعالم العربي في المدى المنظور من المستقبل، وفي مجال السلامة القومية، وهي العلاقة مع الإمبراطورية الأميركية وإدارتها باستنارة وكفاءة وسط مجموعة من شبة المستحيلات المحيطة بهذه العلاقة.
العلاقات العربية الأميركية
|
-اسم الكتاب: الإمبراطورية الأميركية والإغارة على العراق -المؤلف: محمد حسنين هيكل -عدد الصفحات:441 -الطبعة: الأولى 2003 -الناشر: دار الشروق، القاهرة | |
تحيط بالعلاقات العربية الأميركية بيئة تتكون من شبه مستحيلات أربعة تبدو وكأنها أضلاع صندوق مغلق، وهي كما يراها المؤلف:
1- صعوبة إقامة صداقة حقيقية مع الإمبراطورية الأميركية, لأن تلك فرصة أفلتت من زمن طويل، فقد تبدت لها احتمالات ممكنة سنة 1945، ولكنها تبددت عام 1948.
2- خطورة الدخول في عداء مطلق مع الإمبراطورية الأميركية, لأن هذه الدرجة من العداء تصل بحركة الأشياء إلى الصدام العنيف، وذلك تحد لا تستطيع الأمة احتماله، فهو في اللحظة هذه وللزمن المرئي يفوق طاقتها أو يتعدى مواردها.
3- منزلق الاندفاع إلى النهاية في مثل هذا العداء بدون حد، لأن ذلك يصل بأصحابه إلى حالة من الكراهية العاجزة تضرهم بأكثر مما تصيب غيرهم، وتلك وصفة فشل أكثر منها نجاح بشري.
4- استحالة الصبر إذا توهم العرب أن بإمكانهم تجاهل الإمبراطورية الأميركية وتركها لعوامل الزمن تعريها وتكسر شوكتها، كما حدث لإمبراطوريات سبقتها، لأن وزن الحقائق لا يسمح بمثل هذا التجاهل، فالواقع الراهن له أحكامه، وانتظار الظنون فرض يصعب اعتماده للتصرف الآني مع وجود الإمبراطورية الأميركية بسطوتها وبأسها في قلب العالم العربي بطلبه مرة أو بطلبها مرات.
الإمبراطورية وتكاليف الهيمنة
” عاشت الإمبراطورية الأميركية بعيدة عن أي تهديد مباشر لأرضها وسكانها، وراكمت من أسباب القدرة والثروة مددا وفيرا، وبالتالي قدرا ضخما من المناعة والثقة بالنفس يزيد أحيانا على الحد ” |
يرى المؤلف أن السياسة الأميركية برغم أنها تبدو أمام العرب عاصفة من العنف الأحمق والجامح، فإن ذلك ينبغي ألا يخيف ويغري بالفرار، لأن واحدا من أهم دروس التاريخ أن الإمبراطوريات العاتية تكابر حتى تصل إلى الذرى العالية، ثم تكتشف عند الوصول هناك أن البقاء فادح التكاليف، وعندها تظهر حتمية النزول، لكن الإمبراطوريات تعاند وساعتها يبلغ العنف مداه، وذلك ما حدث لكل الإمبراطوريات سابقا، من الإمبراطورية الرومانية في العالم القديم، إلى الإمبراطوريتين الكبريين في التاريخ الإسلامي (الأموية والعباسية) في العصر الوسيط إلى الإمبراطوريات الأوروبية في العصرين القريب والحديث.
فتلك الإمبراطوريات جميعا بلغت الذرى زمن الصعود، وكلها بعد ذلك وبسب أعباء وتكاليف الإمبراطورية اضطرت إلى النزول على السفوح، وكلها في حالة الصعود استعانت بالقوة، وكلها في اتقاء النزول قاومت بالعنف.
وذلك ما يحدث للإمبراطورية الأميركية, وإن كان في حالتها يستدعي قدرا أكثر من الحرص والتدقيق، لأن هذه الإمبراطورية فصيلة تختلف عما سبقها، فهي تملك من عوامل القوة الاقتصادية والمالية ما يتفوق على سابقاتها طوال التاريخ، وهذه الإمبراطورية توظف لخدمة أهدافها أقوى وأكبر منجزات التقدم الإنساني في جميع المجالات.
وعاشت الإمبراطورية الأميركية بعيدة عن أي تهديد مباشر لأرضها وسكانها، وراكمت من أسباب القدرة والثروة مددا وفيرا، وبالتالي قدرا ضخما من المناعة والثقة بالنفس يزيد أحيانا على الحد.
وتملك هذه الإمبراطورية سطوة في السلاح لم تتوافر لغيرها من الإمبراطوريات مع وجود توافق حرج بين التكنولوجيا العسكرية والتكنولوجيا المدنية. واستطاعت الإمبراطورية الأميركية أن تعرض من جاذبية النموذج ما يمهد لتوسعها وانتشارها، بغواية في أساليب الحياة تعزز وسائط القوة.
وتمكنت الإمبراطورية الأميركية من أسلوب جديد في السيطرة، يقوم على نظام شديد الجرأة والجسارة إلى درجة الاقتحام والاختراق لخصوصيات الدول والشعوب، والقدرة على خطف وعي الآخرين وارتهانه أسير إعلام مصور وملون، مكتوب وناطق يعطي لنفسه احتكار وضع جدول اهتمامات الرأي العام العالمي وسحب الآخرين وراءه وجرهم مهرولين. ولكن الحكمة الصوفية القائلة "عند التمام يبدأ النقصان" صادقة بالعرفان والبرهان.
إدارة بوش وعقلها
كيف تحول المشروع الإمبراطوري الأميركي من الحرب على الإرهاب إلى الحرب على العراق؟ وكيف انتقلت بؤرة الحوادث في ما جرى يوم 11 سبتمبر/ أيلول 2001 من نيويورك إلى كابل، ثم من كابل إلى بغداد؟
لقد وجدت الإدارة الأميركية بعد تدمير برجي مركز التجارة مباشرة أنها بحاجة إلى ضرب العراق، لأن الشعب الأميركي برأي الرئيس بوش كان بحاجة إلى عمل كبير، وليس معركة واحدة، ولكن حرب ممتدة يشعر بها الشعب الأميركي، ويتأكد أن الإدارة الأميركية تدافع عنه حتى أقاصي الأرض، واتخذ قرار الحرب على العراق بعد الأحداث بأيام قليلة.
كانت هذه الفقرة هي ملخص رواية وزير الخارجية الأميركي كولن باول للصحفي الأميركي "بوب وودوارد" الذي نشر كتابا أسماه "حرب بوش" وضمنه أكثر من مائة مقابلة مع قادة ومسؤولين أميركان، واقترح مصطلح محور الشر لتبرير العملية، ولم تكن في حسابات البيت الأبيض عند اتخاذ القرار أسلحة دمار شامل يملكها النظام العراقي، ولم يكن في الحساب أيضا قضايا الدكتاتورية والديمقراطية، ولم تكن هناك صلات بتنظيم القاعدة وخلاياها.
الواقع أنه كانت هناك أحوال إنسانية وصراعات سياسية ومطالب إمبراطورية وضرورات بترولية ولوازم انتخابية، وكله يتداخل ويختلط في وعاء طبخ القرار الأميركي، وذلك طبق يحتاج إلى محسنات للطعم ولمسات جمال على الشكل ترضي الذوق وتفتح الشهية، وعندها تجيء لحظة إضافة المغريات من نوع "أسلحة الدمار" و"إبعاد الدكتاتور" و"ضمان حقوق الإنسان" و"مستقبل الديمقراطية".
السياسة والتلفزيون بأميركا
” سقطت السياسة ضحية التلفزيون، فبغلبة الصورة على الفكرة وأسبقية الانطباع على الحقيقة والإقناع نقل التلفزيون السياسة إلى عالم المسرح، وكذلك يتحول السياسي إلى ممثل مشغول بالأداء أولا وأخيرا ” |
أنفق المشروع الأميركي من الموارد ما يفوق قدرته، وارتهن الاقتصاد العالمي أو الجزء الأكبر منه في وعاء عملته حتى أصبحت سلة الدولار وحدها تميل بنسبة 60% من كمية النقد المطروح في العالم، وكان الكثير من محتوى الدولار ثروة آخرين تصوروا أن القوة الأميركية أهم ضمان للسلامة والأمن في عالم مضطرب يموج بالصراعات والمؤامرات والمفاجآت.
لقد دخلت الإمبراطورية الأميركية على مدى السنوات الأربعين الماضية في منافسة ومواجهات خطرة وحاسمة مع الاتحاد السوفياتي واليابان وأوروبا، مستخدمة القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية والمعنوية على نحو مكثف وبتكاليف باهظة على الآخرين وعلى نفسها، وجربت السلاح حيث ينفع وحيث لا ينفع، وجربت الضغوط الاقتصادية حين تلزم وحين لا تلزم، وجربت العمل الخفي عندما وجدت الظروف مواتية للانقلابات العسكرية أو هيأتها لتصبح مواتية.
وخلال هذه السنوات الأربعين راحت الكفة تميل لصالح علاقة رأس المال في علاقته بالسياسة، وصارت الشركات الكبرى تصوغ السياسات الكبرى والعامة للإمبراطورية الأميركية, وتجمعت لهذه المؤسسات كافة عناصر القوة المستجدة، من رأس المال والفكر، فالمصالح التقليدية الجديدة من البنوك والتأمين والنقل والبترول والفضاء والإلكترونيات، جندت المفكرين والدارسين للإستراتيجية العالمية والسياسة الدولية ممن يملكون كفاءة التحليل والرؤية المبكرة لاحتمالات المستقبل على اتساع أقاليم العالم وبلدانه، وجندت أيضا كل كبار الضباط العسكريين بعد تقاعدهم من الخدمة العسكرية، وقد قدمت هذه المؤسسات للسياسة وزراء ومسؤولين مثل كيسنجر، وشولتز (الخارجية) وبراون، ورمسفيلد (الدفاع) وبريجنسكي، وكوندوليزا رايس (الأمن القومي).
وأصبح العالم ساحة واحدة مفتوحة بسبب الثورة الإلكترونية ودخولها إلى وسائل المواصلات والاتصالات، وانتقلت ساحة الحروب إلى العالم المتخلف نائية عن الدول الصناعية الكبرى، وتنامت أعمال أجهزة المخابرات وأنشطتها لجمع المعلومات وتحليلها، وإعداد التقارير والاستشارات، وتدبير الخطط والعمليات.
وصارت الوسيلة الأساسية في العمل والتطويع والمواجهة هي الأقمار الصناعية ومحطات التلفزة وشبكة الإنترنت والتلفونات المحمولة وأجهزة الكمبيوتر، وحدث أن التلفزيون في هذه الأزمنة صنع لنفسه عصرا بأكمله، وكان هذا العصر التلفزيوني الحاضر في كل بيت، وكل ملتقى، هو الأداة التي اغتالت العمل السياسي بأساليبه المعروفة منذ بدأت العهود الديمقراطية بعد الثورة الأميركية والثورة الفرنسية أوائل القرن التاسع عشر.
وراح الكثيرون يدرسون بجد هل أصبح التلفزيون صانع السياسة، وبأي تكاليف على الوعي، وعلى فرصة الاختيار وعلى الحقيقة؟ وسقطت السياسة ضحية التلفزيون، فبغلبة الصورة على الفكرة وأسبقية الانطباع على الحقيقة والإقناع نقل التلفزيون السياسة إلى عالم المسرح، وفيه الموقع والمنظر والضوء والحوار المرسوم والمخرج الموجه، وكذلك يتحول السياسي إلى ممثل مشغول بالأداء في حد ذاته أولا وأخيرا.
ومعنى ذلك أن الرسالة السياسية مصنوعة على مواصفات يهمها أكبر قدر من التأثير وليس أكبر قدر من الحقيقة، ومع تواصل الأيام حدثت عملية تضخم سياسي يشابه التضخم النقدي، إذ إن تواضع التأثير بحكم التعود يوما بعد يوم جرى إلى تعويض نفسه بالزيادة في العرض.
ونتيجة لذلك فإن السياسة ومعها العملية الانتخابية على جميع المستويات الرئاسية أو السياسية أو التنفيذية حتى انتخابات الكونغرس والمجتمع المدني والنقابات المهنية والعمالية والأندية الرياضية تحولت إلى عمليات مكلفة تحتاج إلى تمويل كثيف يكفي لشراء وقت كاف لوضع الرسالة السياسية على الشاشة الأوسع انتشارا، وبالتالي الأغلى، ويقدر على توفير الخبراء الأقدر بين المنتجين والمخرجين وخبراء الضوء والصوت إلى جانب الإنفاق على جيش كبير من مؤلفي القصص إلى كتاب السيناريوهات إلى المديرين إلى المخرجين إلى مهندسي المناظر وخبراء التجميل.
وهذه الأحوال جعلت العملية السياسية ملهوفة باستمرار على المزيد من المال، وذلك يدفعها برضاها أو مكرهة إلى حيث توجد مصادره، وهناك يكون عليها أن تبيع أو ترهن قرارها عند المنبع.
وبهذه الأوضاع الطارئة على المجال السياسي حدث تغير نوعي فادح في مواصفات المؤهلين للانخراط في صفوفه، فهم إما أن يكونوا جاهزين أصلا لأداء المطلوب منهم، أو يكونوا جاهزين للتعامل مع هذا المطلوب بحكم استعداد كامن لديهم، أو يكونوا على استعداد للتأثر بالأقرب إليهم والأعرف منهم بالمطلوب، على أن الأهم من ذلك وفي مطلق الأحوال أن يكونوا ممن تتوافر لهم وسائل وقدرات جمع التبرعات والهبات والمنح معلنة أو مكتومة، لأن حملة الرئاسة في الانتخابات الأميركية الأخيرة فاقت ثلاثة بلايين دولار لكل مرشح.
وفي هذه الأجواء التي اختلط فيها الجوهر مع المنظر، وقعت نقلة طالت صميم الشأن الوطني في الولايات المتحدة، ولم يسجل أحد تاريخ هذه النقلة بالضبط، والغالب أنها حدثت تدريجيا وبسرعة أيضا، فإذا هي تأتي بتغيير جوهري يمس قضية الحرية في موضع القلب، ففي تلك الأحوال وفي هذا المناخ لم تعد الأحزاب الأميركية الكبرى وفي مقدمتها الحزبان الديمقراطي والجمهوري مواقع تطرح فيها الأفكار وتناقش البدائل، وتتكامل البرامج لتعرض على الناخبين، بل إن مرشحي الأحزاب أصبحوا هم الذين يعرضون أنفسهم على أحزابهم، وهم الذين يتولون تدبير التمويل لحملاتهم، وهم الذين يتقدمون الصفوف إلى عوالم الصور، وعليهم هم وليس على الحزب خلق الانطباعات الكفيلة بفتح الطرق إلى البيت الأبيض، وكذلك حمل الذين ينتمون إلى المقاعد النيابية، ومعنى ذلك ببساطة أن المرشح يجيء ومعه برنامجه الانتخابي الذي يقنع به الحزب، ويكون الحزب على استعداد لأن يقتنع بصلاحية أي مرشح بمقدار ما لديه من إمكانيات الفوز يوم الاقتراع. 
أسئلة دون إجابة
” تواجه الإمبراطورية الأميركية لحظة شديدة الحساسية والأهمية، وذلك منطق الأشياء طالما أن القوات المسلحة أصبحت وسيلة المشروع الإمبراطوري وعليها مسؤوليته ” |
ظهر بعد أيام من الاحتلال الأميركي للعراق أن جميع الذرائع القانونية والأخلاقية التي دفعت القوات الأميركية إلى العراق غير صحيحة، بل إن القائلين به كانوا أول من يعرف أنها غير صحيحة، فليست هناك أسلحة دمار شامل، وليست للنظام العراقي إمكانية لتهديد الولايات المتحدة أو أوروبا، وليست له صلة بتنظيم القاعدة، وبدت القوات المسلحة ضيقة الصدر مع كل الأطراف، ولم توفر لها القيادة السياسية الغطاء الأخلاقي والقانوني الذي يحفظ لها قيمة وكرامة العلم الوطني، وتشعر أن الشعب العراقي ليس راضيا وليس حامدا، بل إنه ساخط وناقم، ولم تكن القوات الأميركية تملك ولا كان ذلك واجبا كفاءة مراعاة التضاريس التاريخية والدينية والاجتماعية والنفسية للشعب العراقي.
وبدا حرص شديد في واشنطن على احتواء وكتمان توترات وتقلصات عاشتها العاصمة الأميركية بين السياسيين والعسكريين، فقد تخبطت المجموعة الإمبراطورية في خياراتها لإدارة العراق بين عسكري سابق مثل الجنرال جاي غارنر إلى موظف دبلوماسي مثل بول بريمر.
وظهرت أسئلة دون إجابة، لماذا اعتذر قائد القيادة المركزية الجنرال تومي فرانكس عن قبول منصب وزير الجيش الذي عرضه عليه دونالد رمسفيلد وزير الدفاع، ولماذا أصر فرانكس على الاعتزال دون أن ينتظر لكي يسبح وسط أضواء النصر بعد غزو العراق؟ ولماذا عهد بالقيادات الميدانية الكبرى إلى جنرالات ينحدرون من أقليات عرقية، مثل جون أبي زيد وريكاردو سانشيز، بينما المعروف أن عماد قيادة القوات المشتركة باستمرار يقوم بها العناصر التقليدية ذات الأصول الأوروبية؟
إن الإمبراطورية الأميركية تواجه لحظة شديدة الحساسية والأهمية، وذلك منطق الأشياء طالما أن القوات المسلحة أصبحت وسيلة المشروع الإمبراطوري وعليها مسؤوليته.