تلازم السلطة والخلافة
منذ قيام السلطة الفلسطينية وقضية خلافة عرفات تطرح بشدة إذ لم يعمد الرئيس الفلسطيني إلى تسمية أي بديل له منذ توليه قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح، ومع تزايد التقارير عن تدهور صحة عرفات تزايدت التكهنات بشأن الخليفة المنتظر لتولي قيادة دفة السلطة الفلسطينية.
أبو العلاء وأبو مازن والتقاسم
وفقا لقانون السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير اللتين يترأسهما عرفات فإن رئيس المجلس التشريعي يتولى رئاسة السلطة الفلسطينية في حين يتولى أمين سر منظمة التحرير رئاستها.
ووفق هذا التصنيف فإنه في حال غياب عرفات في صورة طبيعية فسيتولى أحمد قريع -أبو العلاء- رئاسة السلطة الفلسطينية ويتولى محمود عباس -أبو مازن- رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية. إلا أن الطبيعة السياسية للشعب الفلسطيني وقواه السياسية لن تسمح بإتمام الأمر على هذه الصورة التي لن يقبل الكثير بها فإنه لا يعول كثيرا على ما تقوله النظم الداخلية أو القوانين لذا فإن مرحلة ما بعد عرفات تتطلب وجود رجال قادرين على الإمساك بزمام قيادة سياسية فلسطينية رسمية تكون مقبولة عربيا وإسرائيليا ودوليا.
الخليفة الجديد.. والإجماع العربي- الإسرائيلي
كان أحد السيناريوهات التي تم تداولها بقوه لمرحلة ما بعد عرفات هي تولي أحمد قريع -أبو العلاء- أو محمود عباس -أبو مازن- قيادة الشق السياسي في السلطة الفلسطينية وتولي عملية التفاوض مع الجانب الإسرائيلي، ويعد كلا الشخصين من الجيل القديم في منظمة التحرير وهما من أبرز عرابي التسوية في منظمة التحرير إلا أنهما لا يتمتعان بالثقة الكافية سواء في داخل حركة فتح العمود الفقري للسلطة الفلسطينية أو في أوساط الشعب الفلسطيني، في حين يوكل أمر فرض الأمن في المناطق الخاضعة للحكم الذاتي الفلسطيني لرجل الأمن القوي في السلطة جبريل الرجوب الذي يتمتع بعلاقات متميزة مع الجانب الإسرائيلي وهو موضع الترحيب في الإدارة الأميركية.
المسعى الأميركي الإسرائيلي
سعى كل من الجانبين الإسرائيلي والأميركي إلى العمل على تحقيق هذا السيناريو وتنفيذه على أرض الواقع, الأمر الذي دفع عرفات إلى منع أبو العلاء وأبو مازن والرجوب من الالتقاء مع الإسرائيليين أو الأميركيين بدون إذن منه، وهو ما أوقف تلك الترتيبات في حينه.
وعلى الرغم من أن الأشخاص الثلاثة لا يتمتعون بعلاقات قوية مع الجانب العربي ولا يجدون قبولا كبيرا في الأوساط الرسمية العربية إلا إنه سيتم التعامل معهم عربيا ويحظون بالقبول العربي إذا أثبتوا المقدرة اللازمة على فرض أنفسهم في الساحة الفلسطينية.
شارون يجس النبض
عادت التحركات الإسرائيلية والأميركية للبحث عن خليفة لعرفات لتبرز على المشهد الفلسطيني من جديد بعد إعلان شارون أن عرفات لم يعد شريكا للسلام وأنه ندم على عدم تصفيته في بيروت، وجاء اجتماع شارون مع أبو العلاء وأبو مازن الشهر الماضي في محاولة لتحسس إمكانية إعادة طرح التصور القديم مرة أخرى، ولكن بدا من تصريحات السلطة في ذلك الحين والتي كانت تشدد على أن أي لقاء مع الحكومة الإسرائيلية يتم بناء على أوامر عرفات لتشير بوضوح إلى أن أيا من الرجلين لم يكن مستعدا للحلول مكان عرفات في حال إقدام الإسرائيليين على تصفيته والتخلص منه إذ من شأن ذلك أن يظهرهم بصورة العملاء للإسرائيليين وأنهم متواطئون في عملية تصفيه عرفات مما سيصعب عليهم مهمة تسيير الأمور على الساحة الفلسطينية وفرض الاتفاقيات التي يتم التوصل إليها مع الإسرائيليين. 
إنهاء السلطة.. والبحث عن بديل لها
” في حال إنهاء وجود السلطة فإن جيش الاحتلال الإسرائيلي سيضطر إلى البقاء لمدة أطول في مناطق الحكم الذاتي، حتى يتمكن من إنشاء وتكوين أجهزة مدنية فلسطينية جديدة على غرار نظام روابط القرى الذي حاول الإسرائيليون إقامته وتطبيقه أثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى ” |
لجأت الحكومة الإسرائيلية إلى العمل في مسارين متوازيين الأول إيجاد خليفة لعرفات مع التلويح له بهذه الورقة، فيما تمثل المسار الثاني بتقويض السلطة الفلسطينية وإزالة وجودها على الأراضي الفلسطينية وذلك عبر تدمير مقارها وبناها التحتية.
وفي حال إنهاء وجود السلطة فإن جيش الاحتلال الإسرائيلي سيضطر إلى البقاء لمدة أطول في مناطق الحكم الذاتي، حتى يتمكن من إنشاء وتكوين أجهزة مدنية فلسطينية جديدة على غرار نظام روابط القرى الذي حاول الإسرائيليون إقامته وتطبيقه أثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى. مع محاولة التوصل إلى اتفاقيات مرحلية جديدة مع قيادات فلسطينية قد تقبل بالعرض الإسرائيلي بمنحهم بعض المسؤوليات لعدة سنوات.
إلا أن هذا الخيار مستبعد في ظل المقاومة الفلسطينية الشديدة للاحتلال الإسرائيلي لأن فشل أي نظام إداري يقيمه الإسرائيليون كما حدث في "روابط القرى" سيدفع قوى المقاومة الفلسطينية إلى تولي زمام المبادرة وقيادة الشعب الفلسطيني لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي وفي مخيلتهم ما أنجزه حزب الله في جنوب لبنان.
التهديد بتصفية عرفات.. العصا والجزرة
لم يخف شارون رغبته في التخلص من عرفات بأي طريقة كانت وقد عمد إلى ذلك منذ فرض الحصار عليه في رام الله وتشديد الخناق حوله مؤخرا أو كما قال بنيامين بن إليعازر وزير الحرب في حكومة شارون "شل حركته"، وظهرت رغبة شارون هذه عندما بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي بقصف مقر عرفات وعزله عن العالم.
عرفات خيار وحيد
وعلى الرغم من طول مدة بقاء عرفات محاصرا في مقر إقامته في رام الله وتزايد الأنباء عن الصعوبات التي يواجهها في مقره بسبب الحصار الإسرائيلي إلا أن شارون لم يقدم حتى الآن على تصفيه عرفات أو ترحيله وذلك لأنه أدرك أن عرفات هو الرجل الوحيد القادر في هذه المرحلة على تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه مع الجانب الإسرائيلي.
من خلال ذلك يمكن القول إن التهديدات الإسرائيلية بتصفية عرفات أو طرده من مناطق الحكم الذاتي والتي ترافقت مع تصريحات الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي بشأن إيجاد بديل لعرفات يمكنه التفاهم مع الإسرائيليين لم تكن سوى أسلوب لممارسة الضغط على عرفات واتباع مبدأ العصا والجزرة معه.
لذا قد تعمد الإدارة الأميركية إلى التدخل لإنهاء الهجمة الإسرائيلية الشرسة على الشعب الفلسطيني بعد أن يكون شارون قد حقق أهدافه من عملية إعادة احتلال مناطق الحكم الذاتي وعندها سيجد عرفات نفسه وحيدا أمام الهجمة الإسرائيلية والتدخل الأميركي المشروط بعد البرود العربي الرسمي في تعامله مع الهجوم الإسرائيلي.
وهو ما سيدفع عرفات إلى القبول بما يعرض عليه وتعد موافقته على خطاب الرئيس الأميركي الأخير، الذي دعا فيه إلى الانسحاب الإسرائيلي ووجوب إدانة عرفات لأعمال المقاومة والعمل على إنهاء الانتفاضة، دليلا على استعداد عرفات والسلطة للقبول بما قد يعرضه الجانب الأميركي واعتباره مقدمة لإنهاء الهجوم الإسرائيلي على عرفات والسلطة.
” مهما يكن ما سيسفر عنه الوضع الحالي للسلطة الفلسطينية التي احترف قادتها التخلص والتأقلم مع الأزمات التي تحيط بهم في الكثير من الأحيان فإن بقاء هذه السلطة أو زوالها يبقى بيد إسرائيل وأميركا اللتين عملتا على إنشائها ” |
ولكي لا تبدو السلطة كمن فرط بإنجازات الانتفاضة فإن جيش الاحتلال الإسرائيلي سينسحب من مناطق الحكم الذاتي الأمر الذي سيجعل السلطة تظهر بمظهر من حقق إنجازا سياسيا مهما بانسحاب الجيش الإسرائيلي من مناطق الحكم الذاتي لتقديمه إلى الشارع الفلسطيني.
وفي حال تم التوصل لتلك الصيغة لإنهاء الانتفاضة الفلسطينية فإن هذا الأمر سيعيد السلطة الفلسطينية إلى المربع الأول قبل الانتفاضة والدخول في جدلية المفاوضات التي تفضي إلى مفاوضات أخرى.
ومهما يكن ما سيسفر عنه الوضع الحالي للسلطة الفلسطينية التي احترف قادتها التخلص والتأقلم مع الأزمات التي تحيط بهم في الكثير من الأحيان فإن بقاء السلطة الفلسطينية أو زوالها يبقى بيد الدولة العبرية والولايات المتحدة اللتين عملتا على إنشائها. وسيبقى مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي رهنا بما يفرزه الشارع الفلسطيني من قيادات جديدة تكون قادرة على قادة الشعب الفلسطيني لتحقيق حلمه بالتحرير مهما كان ثمنه.
_______________
* صحفي وكاتب فلسطيني