دراسات - فعاليات - الطبقة الوسطى.. الشرط الاجتماعي لإعادة السلم المدني وبناء الدولة
ابحث عن
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة
عن المركز تقدير موقفتقاريرملفاتقضايا للحوارأوراق الجزيرةفعالياتمنتدى المشرقعالم الكتب
الأربعاء 4/12/1429 هـ - الموافق3/12/2008 م (آخر تحديث) الساعة 11:49 (مكة المكرمة)، 8:49 (غرينتش)
مواضيع متعلقة
طباعة الصفحة إرسال المقال
متطلبات قيام الدولة العراقية
الطبقة الوسطى.. الشرط الاجتماعي لإعادة السلم المدني وبناء الدولة
 
مثلما قامت الديمقراطية بصيغتها التحريرية (الليبرالية) في البلدان المتمدنة على مجموعة حوامل سياسية وفكرية، فإنها قامت ثالثا على حامل اجتماعي يتمثل في الطبقة الوسطى الميسورة اقتصادياً والمستنيرة عقليا.

إن تلك الحوامل جميعاً هي عبارة عن مقدمات ولوازم ومتطلبات تؤدي في حال حضورها إلى تأسيس أرضية خصبة ومناخات ملائمة للبناء الديمقراطي، بينما يؤدي غيابها أو ضعفها -كلها أو بعضها- إلى شقاء الديمقراطية تحولاً وبناء.

وإذا كان الحامل الاجتماعي معلوماً حسب ما جاء آنفاً فإن الحامل السياسي للبناء الديمقراطي يتمثل في وجود نظام سياسي يعتمد مؤسسات البرلمان والأحزاب والمجتمع المدني ويقوم على مبادئ التعددية السياسية بشقيها التعددية الحزبية وتعددية الرأي، مع وجود دستور يقر مجموعة أخرى من الآليات والقيم أهمها التداول السلمي للسلطة والانتخابات والفصل ما بين السلطات واستقلال القضاء واحترام حقوق الإنسان.

أما الحامل الفكري للبناء الديمقراطي فإنه يتمثل بمناخات فكرية تعكس سيادة النزعات الفردية والطبيعية والعقلانية في الحياة المجتمعية.

وهذه الورقة ستهتم بالمقدمات الاجتماعية للبناء الديمقراطي والمتمثلة في الطبقة الوسطى بوصفها الحامل الاجتماعي للديمقراطية بصيغتها التحررية، فماذا نعني بالطبقة الوسطى؟ وما حدود علاقتها بالتحولات الديمقراطية في العراق الحديث والمعاصر؟
 
تفترض هذه الورقة أن العلاقة بين الطبقة الوسطى والديمقراطية تتحدد طبيعتها السلبية عند ضعف أو غياب الطبقة الوسطى، وعندها ستكون الديمقراطية في حالة شقاء حتى لو كانت الحوامل السياسية والفكرية للديمقراطية الليبرالية حاضرة.

وسنحاول تأكيد صحة هذه الفرضية من خلال المحاور الاتية:
  • ماهية الطبقة الوسطى وعلاقتها بالتحول الديمقراطي.
  • اللحظات الديمقراطية الليبرالية في العراق الملكي.
  • جمهوريات "أهلا ووداعاً معاً" للطبقة الوسطى في العراق.
 
 
 
من الوجهة التاريخية مثلت فكرة الديمقراطية الليبرالية -على حد تعبير هارولد لاسكي- الثمن الذي اضطرت إلى دفعه الطبقة الوسطى لضمان مؤازرة الجماهير لها في كفاحها ضد الأرستقراطية الإقطاعية من أجل السلطان(1).

لقد بدأ تكوين الطبقة الوسطى مع الثورة التجارية التي ظهرت بوادرها في أوروبا عصر النهضة، وأسهمت في تغيير النظام الاجتماعي الذي كان قائماً على وجود طبقتين أساسيتين هما الطبقة الأرستقراطية وطبقة العوام(2).

وقد تشكلت طلائع هذه الطبقة من التجار الجوالين الذين ينتقلون من مكان إلى مكان يحملون بضاعتهم على أكتافهم أو على الدواب ويتجولون على أقدامهم، فأطلق عليهم لقب "المعفرة أقدامهم"(3).

ولما كانت التجارة بحاجة إلى أماكن أمينة تختزن فيها البضائع وتكون مراكز للتوزيع في أركان المدن أو عند مفترقات الطرق البرية أو على الأنهار، فقد حصل التجار في مقابل ثمن على حق إنشاء محطات تجارية وتحصينها والدفاع عنها عرفت باسم "بُرج" (Bourg) وأخذ منها تسمية "برجوازية" (4) الذي أطلق كصفة على التجار الذين يجتمعون فيها.

ولما لم يكن التجار طبقة منتجة وليسوا طرفا في علاقة الإنتاج السائدة بين الإقطاعيين والفلاحين فقد سميت طبقتهم باسم "الطبقة الوسطى(5).

وقد جذبت هذه المراكز التجارية الحرفيين الذين يقومون بالصناعات من أجل الاستهلاك فانتقلوا إليها، وبدأت الصناعة من أجل البيع تجارة، وحين ازداد عدد المقيمين في تلك المراكز كان على الفلاحين في الإقطاعيات أن يزيدوا في إنتاجهم الزراعي لمواجهة احتياجات أفراد الطبقة الجديدة، فأصبحت الزراعة هي الأخرى من أجل البيع تجارة لا من أجل الاستهلاك فقط.

"
بدأ تكوين الطبقة الوسطى مع الثورة التجارية التي ظهرت بوادرها في أوروبا عصر النهضة، وأسهمت في تغيير النظام الاجتماعي الذي كان قائماً على وجود طبقتين أساسيتين هما الطبقة الأرستقراطية وطبقة العوام
"
المهم في هذه التطورات الاجتماعية أن التجارة كانت بحاجة إلى قواعد تعامل واضحة ومحددة، وإلى قضاة يفصلون في المنازعات ويقطنون مواقع قريبة من هذه المراكز التجارية أو داخلها. كما كانت بحاجة إلى رجال يعرفون كيف تصاغ العقود وكيف تتم إجراءات المطالبة بالديون واستيفائها.

ولم تكن قواعد العرف السائدة أو نظام الاحتكام إلى السيد الإقطاعي تصلح لكل هذه المعاملات، ما اضطر الطبقة الجديدة إلى الاستعانة بالقانون الروماني العتيق، وأنشئت الجامعات لتدريسه والمحاكم لتطبيقه والقضاء للفصل بموجبه، والفقهاء لشرحه والمحامين ليدافعوا به عن أفرادها.

كما أصبح رجال القانون بجوار أمراء المال الجدد مثل الفرسان بجوار الأمير الإقطاعي، فاشترى لهم التجار من الملوك ألقاباً، وأصبح من بينهم من يوسم بألقاب خاصة "فارس القانون".

أما الثمن فكان تمويلهم صراع الملوك، وعلى أثر استقراض الملوك للأموال من أفراد هذه الطبقة الجديدة الغنية، أخذ الملوك يتنازلون لأفراد هذه الطبقة عن بعض الامتيازات ويمنحونهم بعض الحقوق(6).

بيد أن ما كانت تحتاجه البرجوازية أكثر من أي شيء آخر هو الحرية الفردية، أي حرية الإرادة والتعاقد والتملك والربح والتنافس بعيداً عن أي تدخل من أي سلطة، وإذا كان لا بد من سلطة فلتكن في أضيق الحدود، أو فلتكن وظيفتها على وجه الدقة المحافظة على الحرية الفردية وممارستها، أي أن تكون بمثابة "الشرطة" الحامية لتحفظ الأمن من الخارج وفي الداخل، ثم تترك لكل واحد أن ينتقل حيث يريد وأن يفعل ما يريد، وأن يكون كل ذلك بأقل تكلفة(7).

وهكذا شيئا فشيئا بدأت الطبقة الجديدة تتململ بعدما أدركت ضعة شأنها أمام الساسة النبلاء اجتماعياً وسياسياً، وللتخلص من ذلك الحال شرعت تنافس أولئك الذين ورثوا جاههم عن أسلافهم فأصبحوا حكاماً من دون مزية عقلية أو بدنية يمتازون بها عن سواهم، وأخذت هذه الطبقة تطالب بالحرية وبحق المساواة. ولم تقتصر مطالبتها بالمساواة على نفسها فحسب، بل عممتها على سائر المواطنين لكسب عطف الفئات الواسعة وتأييدها لها(8).

وعلى امتداد أكثر من قرن ابتداء من القرن السادس عشر حتى القرن الثامن عشر، كانت الحياة الاجتماعية في أوروبا تتسم ببروز وتطور البرجوازية التي أخذت على عاتقها تطوير المجتمع وتحولت إلى القوة القائدة للعمل ضد العلاقات الأقطاعية العتيقة، كما سعت إلى تشكيل دولتها بمعزل عن هيمنة الكنيسة فوقفت إلى جانب -بل على رأس- الثورات الأوروبية الكبيرة التي وضعت البشرية على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة فانتصرت في إنجلترا كما انتصرت في فرنسا، لينتهي الأمر فيهما إلى سيادة الديمقراطية الليبرالية، وهذا الأمر لم يكن هيناً، فوصول البرجوازية إلى هذا المطاف استغرق قرنا ونصف القرن ليصاغ بعدها نظام جديد محل النظام القديم(9).

وإذا ما تجنبنا الحتمية الاقتصادية-الاجتماعية العمياء فإنه سيكون من السهل علينا القول بأن وجود البرجوازية لا يعني بالضرورة  اعتمادها الديمقراطية الليبرالية، ولكن بالمقابل وجود الثانية يقضي من الناحية الفعلية وجود الأولى.

بكلمة أوضح، لقد مرت على البرجوازية الأوروبية حقبة تاريخية طويلة كانت خلالها بعيدة عن اعتماد الديمقراطية الليبرالية، وربما كانت قد سلمت خلال ذلك بالحكم الملكي المطلق كنظام للحكم. فطيلة القرن السادس عشر وحتى النصف الأول من القرن السابع عشر سلمت البرجوازية الأوروبية بهذه الصيغة من أنظمة الحكم، بقدر ما كانت هذه الأنظمة تخدم مصالحها في تصفية الإقطاع وإقامة الدول القومية ونشوء الأسواق الوطنية في أعقاب ذلك.

إن هذا يقود إلى القول بأن هذه الطبقة ستميل إلى اعتماد الديمقراطية الليبرالية بدءاً من اللحظة التي يعجز فيها نظام الحكم الملكي المطلق كنظام للحكم عن تلبية مصالحها، أي بدءاً من اللحظة التي يضع عجز هذه الصيغة من الحكم هذه الطبقة وجهاً لوجه أمام السلطة السياسية. والذي يترتب على هذا أن البرجوازية الأوروبية طيلة المدة التي لم تكن فيها في حالة مواجهة مع السلطة السياسية كانت تسلم بالحكم المطلق.

ولم تعلن عن تمسكها بالديمقراطية الليبرالية لأنها مع جميع الطبقات الأخرى كانت بأمس الحاجة إلى عاهل يمارس دور الحكم والفيصل فيما بينها(10).

ولكن منذ اللحظة التي وجدت فيها الطبقة البرجوازية نفسها أمام السلطة الحاكمة وجهاً لوجه انطلاقاً من مصالحها، راحت تطالب بالديمقراطية الليبرالية. والحقيقة أننا غير معنيين هنا بمتابعة اعتماد الديمقراطية الليبرالية من قبل البرجوازية، وإنما الذي يعنينا بالأحرى هو التلازم بين وجود الديمقراطية الليبرالية ووجود الطبقة البرجوازية بحيث لا يمكن للأولى أن توجد بدون الثانية.

ومما لا شك فيه أن هذا التلازم يقوم على افتراض من أن المرتكزات الفكرية التي تعتمدها الديمقراطية الليبرالية لا تؤمنها إلا الطبقة الوسطى، وإذا ما تابعنا الأمر على المستوى التأريخي سنرى صحة هذا الافتراض. فالفردية مع النزعة الطبيعية والنزعة العقلانية ليست نزعات ناضجة ومتكاملة فقط وإنما كذلك مهيمنة على المستوى الثقافي، تلازمت في وجودها مع وجود الطبقة الوسطى في المجتمعات المتمدنة.

وفي شأن المقوم السياسي للديمقراطية الليبرالية فالملاحظ أن مرتكزات الديمقراطية آنفة الذكر تتخذ بعدها السياسي من طبيعة نظام الحكم، وهذا النظام هو الذي يعبر عنه بالديمقراطية الليبرالية. بكلمة أوضح، إن الفردية وما يتصل بها من النزعة الطبيعية والنزعة العقلانية -فضلاً عن الحرية- تتجسد على مستوى الممارسة السياسية في نظام الحكم الذي يعبر عنه بالنظام الديمقراطي الليبرالي.

وبهذا المعنى فإن الديمقراطية الليبرالية ينظر إليها كممارسة معينة تتم من خلالها الممارسة السياسية والحكم، ولا نريد أن نمعن هنا في متابعة هذه المؤسسات، ذلك أن متابعة من مثل هذا النوع ستخرجنا من إطار بحثنا إذ ستنقلنا من ميدان الأفكار والنظريات السياسية إلى ميدان القانون الدستوري والأنظمة السياسية، لذا فإننا سنكتفي بالإشارة إلى أنه لا يمكن تصور قيام الديمقراطية بدون مؤسسات قانونية وآلية تمثيلية(11).
 
 
إذا كانت المقومات الاجتماعية والسياسية المتمثلة في نهوض الطبقة الوسطى ونظامها الديمقراطي التمثيلي الخاص بها قد شكلت عناصر ملازمة لوجود الديمقراطية الليبرالية في أوروبا الحديثة، فهل كانت مثل تلك المقومات قد توافرت لتنتهي بالتالي إلى وجود فكر وبناء سياسي ديمقراطي ليبرالي مصاحب لوجودها في العراق الحديث؟

عند رسم اللوحة الاجتماعية العامة لمجتمع دولة العراق الملكي، وبشكل خاص لظروف نشأة الطبقة الوسطى العراقية، نلاحظ أن هذه الطبقة بفئاتها المتنوعة كانت ضعيفة، وبالتالي فإن دور كل فئة منها أو شريحة فيها كانت هي الأخرى ضعيفة على الصعيد الفكري، الأمر الذي جعلها طبقة أقل استعداداً لتقبل الفكر الديمقراطي الليبرالي أو التجاوب معه.

بيد أن هذا الضعف لم يكن يعني أن يظل الفكر الديمقراطي الليبرالي في العراق الملكي في حالة انتظار وترقب خارج حدود البلاد حتى تتشكل وتتقوى الدعامة الاجتماعية الاقتصادية اللازمة لكينونته على غرار ما حصل في أوروبا الحديثة، والسبب في ذلك بطبيعة الحال يعود ألى أن الديمقراطية الليبرالية ليست إفرازاً فكرياً تأريخياً يحتاج دائماً وبالحتم إلى مقومات اجتماعية اقتصادية محددة، وإنما هي كأي فكرة جديدة تمثل اختياراً واعيا.

وهذا الاختيار الواعي سيقع أمر نقله أو تمثله والتجاوب معه، بل وحتى أمر تطبيقه ونقده على كاهل فئة المثقفين الذين سيقومون بمهمة استدعاء القيم الجديدة لمجتمعهم وضمنها فكرة الديمقراطية الليبرالية وقيمها.

وبقدر ما يشكل المثقفون فئة اجتماعية تتعامل مع منظومة الأفكار، فإن تحديد علاقتهم مع الفكر الديمقراطي الليبرالي تتطلب بطبيعة الحال تحديد مفهوم المثقف ثم متابعة أصول نشأة الفئة المثقفة العراقية، وبالتالي تعيين حجمها الاجتماعي ودورها السياسي والفضاءات والنزعات الفكرية التي تنفستها وارتكزت عليها مع العناية بأبرز المثقفين المساهمين في إغنائها.

أما بصدد تكوين الفئة المثقفة في الدولة العراقية الحديثة فالملاحظ أن للمثقفين العراقيين مساهماتهم المباشرة وغير المباشرة في صناعة المرتكزات الفكرية الأساسية للديمقراطية الليبرالية في الفكر السياسي العراقي الحديث، بقدر ما كانت تلك الإسهامات تصب باتجاه شق جداول وتأسيس مجرى عام للنزعات الفكرية الفردية والطبيعية والعقلانية بعضها أو جميعها معاً.

والحقيقة التي بدت جلية هنا أن العراق الملكي قدر أن تكون له فئة مثقفة كانت متعلمة تعليما عصريا وتنتمي إلى أصول اجتماعية غير متقاربة نسبياً غير أنها كانت قد اتفقت مبدئيا بمختلف شرائحها وبحكم عصريتها على قضية جوهرية مشتركة، هي قضية الإصلاح والتحديث وضرورة الخروج من واقع الضعف والتخلف الذي انتاب بلاد الرافدين، فبعد الحرب العالمية الأولى أصبح كل جناح من أجنحة هذه الفئة يسلك سبيله الذي ينتهي، وبالتالي إلى إشاعة منطق الدولة الحديثة المتجاوب سياسياً مع الديمقراطية الليبرالية(12).

وعلى أساس من ذلك كان معظم عطاء الجيل الأول من فئة المثقفين العراقيين قد خدم ضمن إطار سياسي، فكانت مجهودات هذا الجيل ضمن هذا الإطار عبارة عن مجهودات تأسيسية اتكأت فكريا في الغالب على التراث السياسي الليبرالي الغربي(13).

والمهم بعد ذلك كله أن فئة المثقفين العراقيين إذا كانت قد وجدت في تأسيس الدولة العراقية الحديثة فرصة لتحقيق تطلعاتها في الديمقراطية الليبرالية، فهذا الأمر يقودنا إلى تقدير أهمية ما قدمته تلك الدولة ومؤسساتها الحديثة على صعيد منظومة الأفكار والقيم الحديثة للديمقراطية الليبرالية بصرف النظر عن الدوافع الخارجية لتأسيسها.

وهكذا فإن الواقع الاجتماعي الاقتصادي المتخلف للعراق الحديث لم يمنع من وجود مقومات للديمقراطية الليبرالية في أرض يصعب أن تنبت الديمقراطية فيها. فإذا كانت الديمقراطية الليبرالية في العراق الملكي قد افتقدت البناء الاجتماعي الاقتصادي لتوطيدها، فإن بالإمكان تجاوز هذا العامل لتجد الديمقراطية ضالتها في العامل السياسي أو بالأحرى في البناء السياسي ليمثل البناء المهم الذي ارتكزت عليه فئة المثقفين العراقيين في تطلعها الفكري والعملي نحو الديمقراطية الليبرالية.

"
الواقع الاجتماعي الاقتصادي المتخلف للعراق الحديث لم يمنع من وجود مقومات للديمقراطية الليبرالية في أرض يصعب أن تنبت الديمقراطية فيها
"
إن هامشية أثر الأرضية الاجتماعية الاقتصادية على ترسيخ الفكر الديمقراطي الليبرالي في العراق الملكي لا يدفعنا دفعاً إلى منح المقومات السياسية مرتبة الأولوية في هذا المضمار، لا سيما أن تلك الأرضية ظلت تفتقد العمق الذي يؤهلها تماما لأن تجعل الديمقراطية الليبرالية قادرة على تثبيت جذورها ومنحها قدرة التكون والاستمرار والتطور.

بكلمة أوضح، إذا كان البناء الاجتماعي الاقتصادي للفكر الديمقراطي الليبرالي في التجربة الأوروبية قد شكل عنصراً غائباً بالنسبة للعراق الحديث، فإن ذلك الغياب لا يشطب بالضرورة وجود هذا الفكر وتطبيقاته وإن ظل هذا الفكر وتلك الممارسة -بسبب هذا الغياب- ضعيفاً لا يعبر عن أزمان وإنما يعبر فقط عن لحظات(14).

وفضلا عن دور المثقفين العراقيين في نقل وتمثل الأفكار العصرية الجديدة إلى مجتمعهم التقليدي القديم، بات للممارسات والمؤسسات السياسية الحديثة في تلك الحقبة (تكوين الدولة) دورها أيضاً في توطيد الفكر الديمقراطي الليبرالي بقدر ما شكلت تلك الممارسات وهذه المؤسسات في تلك الحقبة البناء السياسي الذي ارتكز عليه هؤلاء المثقفون في تطلعهم نحو هذا الفكر.

وتلخيصاً لهذه الخلاصة يتبين لنا أن ضعف المقوم الاجتماعي الاقتصادي للديمقراطية الليبرالية في العراق الملكي لم يمنع من أن تمثل الفئة المثقفة العصرية والمؤسسات السياسية -بما فيها الدستور والبرلمان والأحزاب السياسية والصحافة الحرة- شروطاً مهمة لنمو الفكر الديمقراطي الليبرالي، ولكن دون ضمان تواصله وتطوره.

أي أن الأفكار والممارسات الديمقراطية الليبرالية التي عرفها تاريخ العراق السياسي والفكري الحديث معرفة برقية، وقعت بسبب ضعف وهشاشة الطبقة الوسطى في نطاق الإطار المعرفي للفئة المثقفة العصرية بوصفها اختياراً فكرياً واعياً وليس بوصفها اختياراً اجتماعياً عاماً.

كما أنها وقعت في نطاق الإطار السياسي المؤسساتي المتمثل بنشوء دولة عقلانية حديثة اتكأت على التراث الليبرالي للدولة الغالبة (بريطانيا) والذي افترض نجاعة تأهيل مؤسسات تلك الدولة المغلوبة لأن تكون بمثابة حاوية للأفكار والممارسات الديمقراطية الليبرالية.

كل ذلك جعل الديمقراطية الليبرالية في العراق الملكي وما بعده بمثابة "الأحجار الكريمة في مستنقع آسن"(15)، الأمر الذي يؤكد فرضيتنا التي تفيد بأن ضعف الطبقة الوسطى يجعل من مقومات وجود واستمرار البناء الديمقراطي بمثابة مقدمات وضعية مصطنعة أكثر منها مقومات موضوعية ثابتة، الأمر الذي وضع أمام استيطان الديمقراطية الليبرالية ووجودها وانتشارها في هذه البلاد شرطين فقط هما: شرط الوعي الذي لا يمكن الفكاك منه إلا على أيدي المثقفين، وشرط نظام الحكم ومؤسساته الديمقراطية الليبرالية المصوغة وفق الصيغة الدستورية البرلمانية. أما الشرط الغائب فقد ظل غائباً بعد هذه الحقبة ألا وهو شرط وجود الحامل الاجتماعي للديمقراطية الليبرالية المتمثل في الطبقة الوسطى.
 
 
عسكرة السلطة وترييف المدن ومعاداة التعددية الحزبية ورفض التداول السلمي للسلطة وحروب اللامعنى كانت تمثل أبرز العلامات الفارقة "لجمهوريات الخوف" العراقية التي قالت جميعها "أهلاً ووداعاً للطبقة الوسطى" فحصلت القطيعة بين اللحظات الديمقراطية للعراق الملكي آنفة الذكر وبين ديمقراطية المستقبل الصعب لعراق اليوم.

منذ التكوين الحديث للدولة عاشت الطبقة الوسطى وأجيالها المتعاقبة في العراق الحديث حالة من التشظي والتحلل والتهشم باتجاه الأدنى وفي سياق عملية إفقار شاملة لها ولمن دونها من جموع الفئات الفقيرة أساسا.

لقد نمت الطبقة الوسطى في العراق نموا سريعا خلال العقود الثلاثة من عمر الدولة العراقية الحديثة، وغزت هذه الطبقة أجهزة الدولة من أسفل وظلت مستبعدة من أعلى، وبعد نهاية العهد الملكي استطاعت هذه الطبقة اختراق قمة الدولة ولكن على يد الفئات الوسطى العسكرية، أي ما أطلق عليه اسم "الجندي/السياسي"(16).

وعن هذه الطبقة يمكن ملاحظة ثلاثة أجيال في العراق الحديث(17): الجيل الأول الذي نشأ على أثر إصلاحات داود باشا ومدحت باشا من عسكريين ومدنيين من الذين شغلوا مراكز وسيطة في الجيش والإدارة العثمانية، تلك الإصلاحات التي أدت إلى نقل المجتمع العراقي في أقل من نصف قرن من حالة ركود وعزلة تاريخية وبنية بدائية متخلفة إلى مجتمع يتأهب لدخول التاريخ من جديد(18).

أما الجيلان الثاني والثالث للطبقة الوسطى العراقية فإنهم سينقسمون إلى فريقين: أحدهما النخبة الحاكمة في الدولة العراقية، والثاني لعب دور المعارضة للحكومة ولأجل التحرر والاستقلال من الاحتلال البريطاني.

وعلى هذا الأساس نشأت للمرة الأولى في العراق ما قبل الجمهوري إمكانية بناء مجتمع جديد يستند إلى دستور مدني حديث، لكن بدون توفر الأرضية المناسبة لمثل هذا المجتمع المدني وهي علاقات الإنتاج الرأسمالية كما وجدت في أوروبا وأميركا(19).

وقد قدرت نسبة الفئات الوسيطة المدنية من جملة سكان المدن بـ28% عام 1958، ثم تصاعدت نسبة الطبقة الوسطى إلى 34% عام 1968 وإلى 47-48% عام 1987 من إجمالي السكان(20).

وعن مواصفات الطبقة الوسطى في العراق نتوقف عند توصيف الباحث المبدع فالح عبد الجبار عندما يقول إنها "جنة الانقسام"، مضيفا أنها طبقة مكونة مثلا من فئات تعتمد التعليم الحديث (أي حديثة) وأخرى تعتمد الحرف (أي تقليدية)، كما أنها تنقسم بوصفها طبقة حديثة إلى فئة تعتمد على الملكية (رأس المال/العقار) وأخرى تعتمد على الراتب الحكومي.

وتتدرج هذه الفئات إلى مراتب عليا ووسطى ودنيا من حيث الدخل، وتنشطر مكوناتها على أساس إثني وديني وطائفي تتقاطع مع التمايزات الاجتماعية، لذلك أصبحت هذه الطبقة مرتعاً للتشظي والانشطار والاحتراب(21).

إن هذه الطبيعة الانقسامية جعلت من الطبقة الوسطى طبقة مركبة أو مزدوجة تتعدد وظائفها، ولكن يجمع بينها احتلالها موقعا أو مكانا وسطا بين الذين لا يملكون وبين كبار الملاك.

وهذه الطبقة تضم ضمن ما تضمه عناصر وفئات ضباط الجيش(22) فهي الطبقة التي تضم كل الشرائح التي تملك رأس مال صغيراً أو قطعة صغيرة من الأرض، أو تخصصاً فنيا، أو مستوى ثقافيا يسمح لها بأن تعيش معتمدة على قوة عملها أو شراء قوة عمل الغير في أغلب الأحوال(23).
 
"
نمت الطبقة الوسطى في العراق نموا سريعا خلال العقود الثلاثة من عمر الدولة العراقية الحديثة، وغزت هذه الطبقة أجهزة الدولة من أسفل وظلت مستبعدة من أعلى، وبعد نهاية العهد الملكي استطاعت هذه الطبقة اختراق قمة الدولة
"
وعلى هذا الأساس يمكن وصف الطبقة الوسطى بأنها الطبقة الميسورة اقتصادياً والمستنيرة عقليا(24). وفي سياق هذه التوصيفات والمواصفات يميز البعض بين الطبقة الوسطى التقليدية والطبقة الوسطى الجديدة فيعرفون الأولى بأنها الطبقة التي تتألف من المثقفين التقليديين من علماء وقضاة ومعلمين وحرفيين وأصحاب المهن الشعبية وصغار رجال الأعمال والتجار وأصحاب الدكاكيين وموظفي الدولة وضباط الجيش الصغار والجنود المتقدمين وغيرهم.

أما الطبقة الوسطى الجديدة فتتكون من المثقفين والتقنيين وخريجي الجامعات والمهنيين من أطباء ومحامين ومهندسين والموظفين في القطاعات العامة والخاصة والذين يتقاضون رواتب لقاء عملهم في الدولة والشركات التجارية والصناعية والمالية وضباط الجيش وأصحاب المشروعات الفردية  الصغيرة والموسرين الجدد ورجال الأعمال الحرة(‌25).

وبقدر تعلق الأمر بالعراق فإن تواتر الزيادة في نسبة وحجم الطبقة الوسطى حسب الأرقام لا تعني قوة ونفوذ دور هذه الطبقة لا في الحياة السياسية ولا في الحياة الاقتصادية أيضاً، وذلك لأن معظم فئات هذه الطبقة موظفون في الدولة، أي أن النسبة الكبرى من فئات هذه الطبقة غير مستقلة عن الدولة بل هي محتواة من قبلها، وهذه الدولة مارست معهم وعلى مؤسسات المجتمع المدني سياسة ابتلاع، فأصبحت هذه الدولة أكبر رب عمل من جهة وجهاز ضبط وسيطرة من جهة أخرى(26).

وتأسيسا على ما تقدم نستطيع بسهولة أن نتلمس ضعف وهشاشة الطبقة الوسطى العراقية -رغم كبر حجمها- أمام جبروت الدولة الأمنية، حيث إن ميسورية هذه الطبقة واستنارتها مصدرهما أصلا من الدولة.

فإذا كان لهذه الطبقة من قوة ودور فإن حراكها الاجتماعي يعتمد على التعليم وعلى الرواتب الحكومية بعدما استوعبت الدولة الأمنية القسم الأكبر منها، فأصبحت هذه الطبقة الأشد تعلقاً من سواها بالدولة الأمنية، وهي المحرومة من الملكية الكبيرة أصلا (رأسمال أو عقارات) كمصدر مستقل للدخل.

وهكذا بدءا من عراق ستينيات القرن الماضي شهدنا اختلال التوازن النسبي في العلاقة بين الدولة والمجتمع لصالح الدولة، فإذا كانت الحركات الاجتماعية والسياسية المدنية الحديثة قد ملأت المشهد السياسي العراقي بين أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي (وثبة 1948، وانتفاضتا 1952 و1956، فالتظاهرات المليونية عام 1959)(27)، فإن غياب هذه الحركات عن المشهد السياسي منذ ستينيات القرن الماضي شهد بل عبر عن ضعف للوجود المستقل للطبقة الوسطى وحركاتها الاحتجاجية المدينية عن الدولة. كما عبر عن اختلال التوازن النسبي بين المجتمع والدولة لصالح الأخيرة.

وبسبب هذا الجذب الذي أصاب الحركات المدينية للطبقتين الوسطى والعاملة في العراق، انتقل الثقل السياسي إلى دور ونشاط العسكر أي منظمي العنف داخل الدولة(28).

ولكن رغم فقدان استقلاليتها عن الدولة انتفخت هذه الطبقة حجما وهزلت دوراً في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بعدما عاشت على "عسل الفورة النفطية"، غير أن قطاعات واسعة من الأجراء والفئات الدنيا والمتوسطة من داخل الطبقة الوسطى أصبحت -بحسب تقرير الأمم المتحدة عام 1996- "دون خط الفقر" على إثر التضخم الفائق الذي أتى على مدخراتها وقوض قدراتها الشرائية وتركها تعيش على فتات المؤن الحكومية (بطاقة التموين)(29).

حتى ذهب الحال إلى اضطرار أحد المشتغلين في المجال الأيدولوجي آنذاك إلى نعي الطبقة الوسطى التي "فقدناها"(30).

ويختصر الباحث المبدع فالح عبد الجبار ما أدى إليه هذا الوضع بما يأتي(31):
  • اندماج السلطة السياسية والسلطة الاقتصادية بيد الدولة.
  • التغييرات المجتمعية التي أدت إلى إضعاف الطبقات العليا وابتلاع الطبقات الوسطى في الدولة.
  • نمو الدولة كأكبر رب عمل ونموها الفائق كجهاز ضبط وسيطرة.
  • ابتلاع منظمات المجتمع المدني بالتدريج.
  • صعود الثقافة الشعبوية.
  • البيئة الدولية المواتية أو الداعمة للنموذج الكلاني.

في ظل عهد متغير احتضن تاريخ إرث الشمولية السيئة ومستقبل الديمقراطية الصعب، انفلت الأمن والأمان وتفاقم العجز في الإنتاج على نحو مؤرق، وارتفعت البطالة وتعاظم عدد المهمشين، وتفسخت الطبقة الوسطى، وتحول المجتمع إلى سوق في أيدي سدنته من الفاسدين المفسدين يجلد فيه الظالمون أصحاب الظلامات وتعاظم استقطاب الثروة في أيدي أقل من القلة دون الجسم الأعظم من السواد.

"
للخروج من حالة الحطام الشامل لا بد من النفكير جديا في إعادة تأهيل الطبقة الوسطى لنعيد لها ميسورتها الاقتصادية المستقلة واستنارتها العقلية المتجددة لأنها الحامل الاجتماعي الصلب للبناء الديمقراطي الحقيقي
"
وتغول الركود الاقتصادي السائر قدما إلى الأمام فتوزع الناس بين من راح يلتهم الثروات ويصدر ريعها إلى بنوك الخارج ومن راح يفسد من لم يفسد بعد، ومن راح يبحث عن الخلاص في معتقدات تريد للأموات أن يحكموا الأحياء، ومن راح يداوي جروح الحاضر والمستقبل بعقاقير الماضي أصبح من الطبيعي بعدما أرغمت الطبقة الوسطى على التخلي عن "ميسورتها" أن ترغم أيضاً على التخلي عن "استنارتها".

كل ذلك يحدث الآن مع تهدم منسق لقيم الوطنية والمروءة والكرامة والتضامن والتسامح والمودة والتراحم والاحترام، ليحل التلوث السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والأخلاقي.

وللخروج من حالة الحطام الشامل هذه هناك الكثير الذي يجب إنجازه، ولكن بقدر تعلق الأمر بموضوع هذه الورقة علينا أن نفكر جدياً في إعادة تأهيل الطبقة الوسطى لنعيد لها ميسورتها الاقتصادية المستقلة واستنارتها العقلية المتجددة لأنها الحامل الاجتماعي الصلب للبناء الديمقراطي الحقيقي.

إن إعادة التأهيل هذه لا يمكن أن تكون برقية سريعة من جهة ولا يمكن أن تترك بزعم أن الزمن كفيل بها من جهة ثانية، بل تحتاج إلى فعل وهذا الفعل هو "البديل/الحل" لتجاوز هذه الهشاشة بالنسبة للطبقة الوسطى ولتخفيف ذلك الشقاء بالنسبة للتحول الديمقراطي.

وهذا الفعل "البديل/الحل" ينبغي ألا يختزل بقرار أو رغبة أو أمنية، بل يحتاج إلى مشروع نهضوي تحديثي شامل ومستديم يستهدف تأسيس بنية تحتية مجتمعية "اقتصادية اجتماعية" يسبقها مناخ سياسي مستقر.

وفي سياق معادلة "السابق واللاحق" فإن عملية النهوض والإصلاح والتحديث في مجتمع يشهد هشاشة الطبقة الوسطى يكون السابق فعلاً سياسياً واللاحق فعلاً اقتصادياً، أما السابق السياسي فيتمثل في الاستقرار المبني سياسياً على التوازنات والتسويات التي لا يمكن تحققهما دون تأسيس دولة قوية "مع المواطن"، أي دولة تعتمد مؤسسات ومشاريع سياسية تعالج "مرة واحدة معا" وليس على التوالي.
 
  • استكمال السيادة بدل الاحتلال وصولاً إلى الاستقلال.
  • الديمقراطية بدل الاستبداد والدكتاتورية.
  • الهوية الوطنية بدل تنازع الهويات الفرعية (الدينية والقومية والعشائرية).

بعد كل ذلك فإن اللاحق لهذا السابق السياسي ينبغي أن يتمثل في اقتصاد إعمار، وهو اقتصاد سوق حر يعتمد على المبادرة الفردية والخصخصة وتشجيع الاستثمارات الوطنية والأجنبية.
_______________
كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد

الهوامش
(1) هارولد لاسكي، تأملات في روح العصر، ترجمة إبراهيم كبة، مطبعة التفيض، بغداد، 1945، ص47.
(2) عطا بكري، الديمقراطية في التكوين، دار العلم للملايين، بيروت، 1952، ص42.
(3) عصمت سيف الدولة، الديمقراطية، عن كتاب "أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، مجموعة مؤلفين، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1984، ص782.
(4) البرجوازية كلمة قديمة لها جذور في اللغة الميدية، وهي بمفهومها مقتبسة من الكلمة الفرنسية (bourgeoise) المأخوذة بدورها من الكلمة الفرنسية (burguse)، وفي القرون الوسطى كانت هذه اللفظة تعني لغوياً المكان المحصن. أما البورجسي فهو الذي يقيم في هذا المكان المحصن. وفي أوائل القرن الحادي عشر الميلادي لم يكن البرجوازي إلا ذاك الذي يسكن المدن، ولم يعد من الضروري أن تكون المدينة محصنة، وعندما كان الفصل الرديء يشل تحرك التجار كانوا يضطرون إلى البقاء في المدن القريبة من ملتقى طرق المواصلات أو منافذ الأنهار ليسهل عليهم معاودة أعمالهم مع تحسن الطقس. وهذا الواقع هو الذي أنعش المدن القديمة التي لم يعد ثمة سبب لبقائها فيما بعد سوى كونها مقراً للأساقفة.
واستمرت كلمة برجوازي ردحا من الزمن مرادفة لكلمة التاجر بشكل خاص وسكان المدن بشكل عام، وذلك قبل أن تأخذ مفهومها الاجتماعي الجديد الذي ظهر أواخر العصور الوسطى عندما أصبحت البرجوازية تعني الطبقة الأغنى في المجتمع الرأسمالي الوليد، أي الطبقة المسيطرة على الثروة ووسائل الإنتاج والتي بدأت تستغل العامل الأجير. للتفاصيل انظر: كمال مظهر أحمد، صفحات من تاريخ العراق المعاصر.. دراسات تحليلية، مكتبة البدليسي، بغداد، 1987، ص23. وانظر أيضا: كلود دالماس، تاريخ الحضارة الأوروبية، ترجمة توفيق وهبة، منشورات عويدات، بيروت، ص 26.
(5) عصمت سيف الدولة، مصدر سابق الذكر، ص 783.
(6) ينظر: عطا بكري، مصدر سابق الذكر، ص 88.
(7) عصمت سيف الدولة، مصدر سابق الذكر، ص 783.
(8) عطا بكري، مصدر سابق الذكر، ص 88.
(9) هارولد لاسكي، نهوض الفكر الليبرالي الأوروبي، لندن، 1936، ص 26 (بالإنجليزية).
(10) ينظر: جان توشار وآخرون، تاريخ الفكر السياسي، ترجمة إسماعيل مقلد، القاهرة، ص 302.
(11) انظر: ماكيفر، تكوين الدولة، منشورات الأنجلومصرية، القاهرة، ص 848.
(12) للتفاصيل ينظر: عامر حسن فياض، جذور الفكر الديمقراطي في العراق 1920-1929، منشورات وزارة الثقافة بغداد، 2002، ص 128 وما بعدها.
(13) المصدر نفسه.
(14) ينظر: غسان سلامة، المجتمع والدولة في المشرق العربي، مركز دراسات الوحدة، بيروت، ص 47.
(15) ينظر: عامر حسن فياض، أحجار كريمة في مستنقع آسن.. الثقافة والتحول الديمقراطي في العراق، مجلة الثقافة الجديدة، بغداد، العدد 317 لسنة 2006، ص 23.
(16) فالح عبد الجبار، الديمقراطية المستحيلة والديمقراطية الممكنة، دار المدى، بيروت، ط1، 1998، ص 36.
(17) عن أجيال الطبقة الثلاثة ينظر: فالح عبد الجبار، المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في العراق، دار ابن خلدون، القاهرة، ص 233.
(18) كمال مظهر أحمد، البرجوازية مراتبها وسبل التعامل معها، مجلة آفاق عربية، بغداد، العدد 8 فبراير/شباط 1983، ص 30، عن منتصر مجيد حميد، التحول الديمقراطي وبنية المجتمع العراقي المعاصر، رسالة ماجستير غير منشورة قدمت إلى كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 2005، ص 24.
(19) كاظم حبيب، الاستبداد والقسوة في العراق، مؤسسة جميل للطباعة والنشر، العراق، 2005، ص 211، عن منتصر مجيد حميد، المصدر السبق نفسه.
(20) فالح عبد الجبار، الديمقراطية المستحيلة، مصدر سابق الذكر، ص 27.
(21) المصدر نفسه، ص 39.
(22) محمود عبد الفضيل، التشكيلات والتكوينات الطبقية في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1997، ص 119.
(23) المصدر نفسه، ص 119.
(24) انظر: الطيب تيزيني، من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني، دار جفرا، دمشق، ط2، 2002، ص 24.
(25) انظر: حليم بركات، المجتمع العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1984، ص 154.
(26) فالح عبد الجبار، الديمقراطية المستحيلة، مصدر سابق الذكر، ص 28.
(27) المصدر نفسه، ص 21.
(28) المصدر نفسه، ص 22.
(29) المصدر نفسه، ص 45.
(30) وهو عبد الجبار محسن، مقالة انهيار الطبقة الوسطى، جريدة بابل اليومية، 20/12/1994، عن فالح عبد الجبار، الديمقراطية المستحيلة، مصدر سابق الذكر، ص 46.
(31) المصدر نفسه، ص 22 وما بعدها.
 
المصدر: الجزيرة
احفظ وشارك طباعة الصفحة إرسال المقال
من موقع الأخبار
الرؤية والأهداف|اتصل بنا|تقدير موقف|تقارير|ملفات|قضايا للحوار|أوراق الجزيرة|فعاليات|منتدى المشرق|عالم الكتب