عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
عنوان هذا الكتاب لا يعطي فكرة صائبة عن محتواه، فعندما يطالع القارئ عبارة "مقدمة قصيرة جدا" في العنوان, يتبادر إلى ذهنه على الفور أن الكتاب لا يضم سوى نظرة سطحية عابرة على مشكلة بالغة التعقيد، لكن قراءة الصفحات القليلة الأولى كافية لتبديد هذا الانطباع.
|
-اسم الكتاب: الشيزوفرينيا.. مقدمة قصيرة جدا
-المؤلف: سي فريث واي جونستون عدد الصفحات: 169 -الطبعة: الأولى 2003 -الناشر: أوكسفور يونيفيرسيتي بريس, لندن
| |
فالكتاب أبعد ما يكون عن السطحية والارتجال، ومؤلفاه متخصصان ضليعان بموضوعهما، وهما كريستوفر فريث أستاذ علم النفس العصبي في يونيفرسيتي كوليدج بلندن ومؤلف كتاب (السيكولوجيا العصبية الإدراكية للشيزوفرينيا) الصادر عام 1992، ومعه إيف جونستون رئيسة قسم علم النفس السريري في جامعة أدنبره ومؤلفة كتاب (الشيزوفرينيا.. المفاهيم والمعاملة السريرية) الصادر عام 1999.
وفي هذا الكتاب يقدم هذا الخبيران الممارسان صورة شاملة وبالغة الوضوح لهذا الاختلال الذي يصيب الدماغ بكل ما يكتنفه من أعراض وآثار, وما يقف وراءه من أسباب محققة ومحتملة.
كما يقدمان تاريخا مفصلا لأساليب علاج هذا المرض. وعلى الرغم من صغر حجم الكتاب النسبي فإن المؤلفين استطاعا أن يفعما صفحات هذا الكتاب الـ169 بالمعلومات الغنية التي تحيط القارئ علما بالموضوع دون أن تسبب له أي إرباك ودون أن تشعره بأي وصاية من جانب المؤلفين.
” ما نعرفه عن الشيزوفرينيا لم يتغير كثيرا منذ أول طروحات قدمها كرايبيلين، لكن ثمة مناطق للشك ما زالت تكتنف حواشيه, وليس من المحتمل توضيحها قبل توفر المعرفة الكافية بالأساس العصبي لهذا الاختلال ” |
أعراض الشيزوفرينيا
يعالج الكتاب عددا من الموضوعات المختلفة, من بينها -على سبيل المثال- كيف تم تعريف المرض وتحديد أعراضه على مر الزمن، ويتناول أيضا الأعراض الإيجابية للمرض مثل الأوهام والهلوسات والتفكير المضطرب قبل أن ينتقل إلى الأعراض السلبية مثل الفراغ العاطفي وفقدان الإرادة والهلوسة السمعية (سماع أصوات لا وجود لها في الواقع) وأوهام السيطرة (تخيل وجود سيطرة خارجية على حركات الجسم). ويقدم الكتاب تفسيرا لكل حالة من هذه الحالات موضحا أنها جميعا تعود إلى اختلال عمل التغذية الارتجاعية داخل الدماغ.
يستعرض المؤلفان مختلف النظريات التي وردت حول مسببات الشيزوفرينيا, ويرجحان التفسيرات البدنية الفسيولوجية (العصبية في هذه الحالة) على التفسيرات النفسية.
وفي دراستهما لطرق علاج المرض عبر المدة التي انقضت منذ تاريخ اكتشافه نجدهما يميلان إلى ترجيح استخدام العقاقير المضادة للاختلالات الوظيفية في الدماغ على استخدام المعالجة النفسية.
ويعالج المؤلفان أيضا الاعتقاد الشائع, الذي تغذيه الروايات والأفلام وتغطيات صحف الإثارة, بكون المصابين بالشيزوفرينيا يحملون ميلا شديدا لممارسة العنف.
ومع اعترافهما بأن نسبة ممارسة العنف لدى المصابين بهذا المرض أعلى منها لدى الأشخاص العاديين, فإنهما يبذلان جهدا كبيرا لتفنيد ذلك الاعتقاد عن طريق تقديم الأرقام والبيانات الموثقة.
في الفصل الأول يورد المؤلفان اقتباسات من أقوال المصابين بالمرض وهم يصفون ما يعانونه من أعراض. وهناك مقارنة بين روايتين: الأولى قدمها مريض عام 1967, والثانية يعود تاريخها إلى عام 1690, ويمكن من خلال المقارنة التعرف على الحالتين الإيجابية والسلبية للمرض.
تقول الرواية الأولى "يغمرني اليأس في بعض الأحيان، لكنني بعد كل حالة من هذه الحالات أغرق في المزيد من اللامبالاة، إن نفسي تضيع مني وتغرق في المرض، وأنغمس في ما يشبه غياب الوعي".
أما الرواية الثانية فتقول "لقد سكنتني الكثير من الرؤى والأصوات المقلقة، ورغم أنها في اعتقادي غير موجودة في الواقع, فإنها بدت لي موجودة وقائمة بالفعل, وكان لها علي نفس التأثير الذي كان يمكن أن يكون لها لو كانت موجودة فعلا".
يناقش المؤلفان بالتفصيل أعراض الشيزوفرينيا وطرق تشخيصها في الفصول الأولى من الكتاب, ويصححان الفكرة الشائعة عن كون الأشخاص الذين يعانون من الشيزوفرينيا هم أشخاص مصابون بانفصام الشخصية.
ونجدهما يفعلان ذلك من خلال استعراض أعمال الرواد في هذا المجال وبالأخص منها البحوث التي أجراها إميل كرايبيلين خلال الفترة من العام 1893 وحتى وفاته عام 1926.
كما يستعرضان بحوث يوجين بلولر الذي عمل في هذا الحقل حتى أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، حيث أكد بلولر على الهلوسة (المدركات الزائفة) والأوهام (المعتقدات الزائفة) بصفتها أهم الأعراض التي تميز المرض.
وكان بلولر هو الذي أطلق اسم "شيزوفرينيا" على هذا المرض وهي كلمة لاتينية تعني "الدماغ المنشطر" في إشارة إلى ضعف الترابط بين الوظائف المختلفة للدماغ على نحو يجعل الأفكار غير مترابطة ويضعف التنسيق بين العمليات العاطفية والإدراكية والإرادية. ولم يتحقق الإجماع الطبي على اعتماد مقاييس محددة لتشخيص المرض حتى الربع الأخير من القرن العشرين.
كان كورت شنايدر قد جاء بقائمة أطلق عليها اسم "أعراض الدرجة الأولى" اعتمدت كمقياس لتشخيص الشيزوفرينيا. لكن طرقا أخرى غير قائمة شنايدر باتت سارية أيضا وبضمنها الطريقة المعروفة بـ"نظام كاتيغو" التي تستخدم الكمبيوتر وفحص DSM-IV.
ويندهش القارئ إذ يطلع على قلة ما تغير في حصيلة المعلومات المتوفرة عن المرض منذ القرن التاسع عشر حتى الآن, حيث لا تزال الكثير من المعضلات التي تكتنفه بحاجة إلى تفسير.
يقول المؤلفان "إن ما نعرفه عن الشيزوفرينيا لم يتغير كثيرا منذ أول طروحات كرايبيلين، فمفهومه للمرض لا زال يتمتع بنفوذه، لكن ثمة مناطق للشك ما زالت تكتنف حواشيه, وليس من المحتمل توضيحها قبل توفر المعرفة الكافية بالأساس العصبي لهذا الاختلال".
” تخلع الصحافة الشعبية صورة سلبية على الشيزوفرينيا والمصابين بها وتقدم الإحصاءات نسبة منخفضة من أعمال العنف التي يقوم بها أشخاص مصابون بهذا المرض ” |
الشيزوفرينيا والإثارة السينمائية
من بين الجوانب التي تستهوي القارئ وتثير اهتمامه في هذا الكتاب العدد الكبير من الحالات الدراسية المأخوذة عن التجارب السريرية لكل من فريث وجونستون، حيث لا يقتصر تأثير هذه الحالات على تقديم الأدلة المقنعة على صحة الآراء التي يطرحها المؤلفان بخصوص الجوانب المختلفة من المرض, إنما يتعداه إلى زيادة وعي القارئ في ما يتعلق بمختلف الجوانب المحيطة بالشيزوفرينيا والسماح له بالاطلاع عليها عن كثب.
ورغم أهمية وطرافة المادة التي يقدمها فإن الكتاب لا يعتمد عليها وحدها كأداة لإثارة اهتمام القارئ, إنما يرفدها بأسلوب المؤلفين الشيق وقدرتهما على شد انتباه القارئ وتحريك فضوله.
إن مشكلة المؤلفات التقليدية التي وضعت حول الأمراض العصبية والنفسية أنها تعتمد واحدا من أسلوبين، أما الأول فهو تقديم طرح موضوعي بالكامل عن البحوث والفحوص السريرية، وفي هذه الحالة يكون الجمهور الذي يتوجه إليه الكتاب مقتصرا على ممارسي المهنة الآخرين, وبالتالي فإن مؤلفي هذا النوع من الكتب غير مهتمين أصلا بعنصر الشد والتشويق.
أما الأسلوب الثاني فهو الأسلوب الروائي المبسط الذي يبحث عن الجمهور الواسع من القراء عن طريق التركيز على الجوانب الأكثر شعبية مثل الحالات المعروفة التي يسمع فيها المصاب أصواتا تأمره باقتراف الجرائم والقتل وأعمال العنف, وهو الأسلوب الذي يسير على خطى رواية "الدكتور جايكل والمستر هايد".
إن مثل هذه المؤلفات قد تحقق من الشعبية ما يدفع المعنيين إلى تحويلها إلى أفلام سينمائية مثل "فخ الأفعى"، لكنها من الناحية المعرفية لا تحقق سوى نشر المزيد من الجهل والخوف.
أما هذا الكتاب فإنه لا يهمل معالجة الأمور التي تهم الجمهور, لكنه يفعل ذلك بطريقة تحترم ذكاء القارئ وفطنته. ويتناول المؤلفان الصورة السلبية التي تخلعها الصحافة الشعبية على الشيزوفرينيا والمصابين بها, ويقدمان الإحصاءات التي تظهر النسبة المنخفضة من أعمال العنف التي يقوم بها أشخاص مصابون بهذا المرض كما تظهر صعوبة التكهن بدقة بالأشخاص الذين يمكن أن يشكلوا مصدر خطر في المستقبل.
وهذا القسم من الكتاب مفيد بشكل خاص بالنسبة لأولئك الذين يبحثون عن معرفة أفضل بالقضايا التي يثيرها هذا الفصل وبموقف الأحكام القانونية السارية حاليا والمتعلقة بالصحة العقلية.
ومن المعالم المهمة الأخرى في الكتاب الاختيار الموفق للصورة والرسوم البيانية التي توضح المفاهيم التي يتطرق إليها المؤلفان وتقع خارج حدود إلمام القارئ العادي المهتم بالموضوع الذي يفتقر -في الوقت نفسه- إلى المعرفة الطبية والتقنية اللازمة أو إلى فهم المصطلحات الطبية، ومن أجل تجاوز هذه العقبة قدم المؤلفان رسوما تمثل المناطق المختلفة من الدماغ البشري ووضعا لها تعريفات بأسمائها والوظائف المحددة التي تقوم بها.
” يعالج المؤلفان عددا من القضايا الأخلاقية والمعنوية مثل حق المريض في الامتناع عن تلقي العلاج أو تناول الدواء وعددا من القضايا الفلسفية ذات الصلة بالعلاقة بين الدماغ والفكر ” |
الداء والدواء
يكتسب الفصل الخاص بالأدوية المضادة للاختلالات العصبية والنفسية أهمية خاصة من بين فصول الكتاب بالنظر لما يسلطه من أضواء على هذا الجانب المهم من المعالجة، ويتعرف القارئ من خلال هذا الفصل على الطرق التي تعمل بها العقاقير المختلفة.
فالأدوية الحديثة مثل "كلوربروزامين" و"كلوزابين" تؤدي مفعولها, على ما يبدو, من خلال تعطيلها لعمل مستقبلات الدوبامين في الدماغ، الأمر الذي يقلل من حدة الأوهام والهلوسات التي تنتاب المصابين بالشيزوفرينيا.
ومرة أخرى يسعى المؤلفان إلى تنوير بصيرة القارئ مع الابتعاد عن السقوط في التبسيطية المفرطة، كما يعالجان عددا من القضايا الأخلاقية والمعنوية مثل حق المريض في الامتناع عن تلقي العلاج أو تناول الدواء, والآثار التي يتركها إدخال المريض إلى المستشفى, إلى جانب عدد من القضايا الفلسفية ذات الصلة بالعلاقة بين الدماغ والفكر.
إنه كتاب يقدم معرفة مثيرة بالشيزوفرينيا, ويزيل الكثير من الأساطير المحيطة بهذا الاختلال الذهني الذي يصيب الإنسان. ويقدم المؤلفان لكل فصل من فصول الكتاب الثمانية الأسانيد والمراجع مع عدد من النصوص المقترحة للقراءة من قبل من يريد التوسع في المعرفة, وهو أمر ليس بالبعيد عن الاحتمال حيث لا مجال للشك بأن هذا الكتاب الشيق سيدفع بعدد كبير من قرائه إلى السعي لطلب المزيد من المعلومات حول "الشيزوفرينيا" وما يتعلق بها.