لا أعرف إن كان أحدا قد قرأ كل ما كتب لكن تقريبا قرأت كل المذكرات التي كتبها زملاؤك حتى ما كتب بالفرنسية مثل كتابك أنت ترجمته ترجمة خاصة لي واطلعت عليه. الأمر يعني به من الأهوال ما أريد أن يعيشه المشاهد على قدر المستطاع لأن لم يُتخيل أن إنسانا يفعل في بشر مثلما فُعل بكم. ذهبت إلى تزمامارت، قضيت الليلة الأولى والليالي التالية ووجدت أنك يجب أن تتعايش أنت ومن معك في هذا الوضع الذي كنتم فيه لكن بين سطور الكتب والمذكرات التي كتبت شعرت أنه في الأسابيع الأولى وربما في العام الأول بدأ شيء من الهستريا والجنون يسيطر عليكم.
صالح حشاد: هي صحيح في الأول يعني المسافة ما بين الزنازين ولما بدأ الكل يتكلم ويصيح يعني هذا كان شيئا رهيبا، الإنسان يعني وبدأ الأصدقاء في الأيام الأولى كان أمل خفيف يعني أن ربنا يمهد لنا الأشياء لنخرج إلى الخارج ولكن مع طول الأيام لم يتم شيء وبدأنا دخلنا في مرحلة قاسية وهي لمدة خمس سنوات وفي هذه المرحلة..
أحمد منصور: السنوات الخمس الأولى..
صالح حشاد: الخمس الأولى..
أحمد منصور: كانت أصعب سنوات عليكم.
صالح حشاد: يعني هذا بالنسبة لي يعني كما عشت تزمامارت أفرق بين المراحل بالنسبة لي لأنه غادي تحدث بعض الأشياء..
أحمد منصور: في مراحل أخرى.
صالح حشاد: بالنسبة لي في مراحل أخرى، إذاً في هذه السنوات كانت قاسية جدا..
أحمد منصور (مقاطعا): ما أصعب ما كان في السنوات الخمس الأولى؟
صالح حشاد (متابعا): كنا نعيش كما تعيش الحشرات يعني ليست عيشة لإنسان يعني الظروف قاسية الزنزانة يعني مظلمة، فصل الصيف الحرارة تفوق 42 يعني كيف يمكن لإنسان أن يعيش في هذه الظروف؟ ولكن الأسوأ..
أحمد منصور (مقاطعا): 42 خارج الزنزانة؟
صالح حشاد: يعني نحن داخل الزنزانة تفوق أربعين سنتيغراد..
أحمد منصور: دون هواء؟
صالح حشاد: دون هواء نقي ودون تغير الهواء..
أحمد منصور: صف لنا الصيف داخل الزنزانة.
صالح حشاد: والله يعني الصيف حرارة كثيرة يعني ولكن المشكل الرئيسي الذي كنا نتخبط فيه وهو في الليل نريد أن ننام شيئا ما ولكن هناك مئات الحشرات تهجم علينا في الليل..
أحمد منصور: مئات!
صالح حشاد: مئات ولهذا الكثير منا لا يستطيع أن ينام إذاً يظل في الليل يقفز ليبتعد من هذه الحشرات، وفي النهار نستطيع أن ننام شيئا ما لنكون يقظين في الليل، وهذه نكتة يعني كل يوم سنحكي لأصدقائنا قتلت مائة بقة يعني الآخر يقول خمسين إلى آخره، هذه يعني الظروف التي بدأنا نعيش فيها. ولكن كنا دائما نحمل الأمل أن ربنا سيغير الأوضاع، وكنا نصيح ونضرب الأبواب ونطلب من الحراس أن يأتوا بالمدير إلى آخره ولكن لم نلق أي أذن..
أحمد منصور: من كان يسمعكم وأنتم في هذا الممر وفي هذه الزنازين حتى لو طرقتم، هل كان الحراس يسمعونكم؟
صالح حشاد: ليس الحراس ولكن الحراس الذين يحرسون على السجن..
أحمد منصور: من الخارج.
صالح حشاد: أيوه من الخارج كانوا يسمعون الأبواب ويأتي الحراس..
أحمد منصور: وماذا كانوا يفعلون لكم؟
صالح حشاد: يفعلون، لا يفعلون شيئا.
أحمد منصور: النقيب بالكبير يقول "في الصيف درجة الحرارة ملتهبة والزنزانات تثير شعورا بالاختناق، يضطر السجين لإلصاق أنفه على خصائص الباب ليستنشق الهواء البارد وعندما ينهكه الحر ويغدو صدره كالنار يهرع إلى سريره يبحث عن بعض الراحة فتهاجمه من جميع الأرجاء الحشرات الطفيلية البق والبراغيث والخنافس والرتيلاء والعقارب تندس بمكر تحت الغطاء، كان هذا الحيوان الكريه يمنعنا من القيام بأي حركة طائشة".
صالح حشاد: هذا صحيح، هذه هي تزمامارت هذه هي زنزانة تزمامارت وهذه هي حياتنا التي دامت مدة خمسة أشهر يعني هكذا..
أحمد منصور: وكيف كان الشتاء؟
صالح حشاد: الشتاء كانت يعني الحرارة تهبط ربما ثلاثة يعني تحت الصفر وهذا كان مرعبا أيضا لأن الغطاء لم يكن لدينا غطاء ولهذا كان السجين أيضا في الليل يريد أن ينام لا يستطيع أن ينام والذي ينام سيصبح مريضا بكثرة البرودة..
أحمد منصور: "الشتاء جليدي، الثلج يتساقط في تزمامارت، يستيقظ السجين وسط الليل وهو يرتعش فينصرف إلى رقص مجنون.."
صالح حشاد: رقص مجنوه إيه.
أحمد منصور: ".. ليدفأ كما أن صرير الصفيح وهو يتقلص يعطي لتلك اليقظة طابعا شيطانيا".
صالح حشاد: شيطانيا. هذه صفة والله صورة جميلة لتزمامارت ما قاله هذه هي الحقيقة، وهكذا مرت الأيام.
أحمد منصور: كيف كنتم تتعاملون مع الأمراض؟
صالح حشاد: بعد سنة أولا يعني كان بيننا أتى السجناء الذين حكموا بثلاث سنوات، وبعد سنة نطق واحد من هؤلاء السجناء وطلب من الحراس أنني قضيت الثلاثة عقوبتي..
أحمد منصور: وأريد أن أخرج.
صالح حشاد: أريد أن أخرج، قالوا له
سنذهب إلى المدير سنبلغ رسالتك، في الغد جاء حارس وقال له حكمت بثلاث سنوات؟ هنا يا أخي لا تقل ثلاث سنوات، هنا قل إلى الأبد هذا هو آخر المطاف، الذي دخل تزمامارت لن يخرج منها أبدا. هنا عرفت أننا حكم علينا بالموت البطيء في تزمامارت. الظروف كانت غير إنسانية كنا نعيش يعني لا يمكن وصفها لأنه بكثرة الآلام وبكثرة المشاكل وهكذا بدأنا، بدأ.. الأكل كان هزيلا لا دهنيات ولا لحوم ولا أي شيء.
أحمد منصور: كان واضحا أن هناك صراعا بين الحياة والموت، جاء بكم الحسن الثاني حتى تموتوا في هذا المكان لكنكم تشبثتم بالحياة..
صالح حشاد: تشبثنا بالحياة.
أحمد منصور: كيف كان الصراع؟
صالح حشاد: والله كان صراعنا قويا، لأنه عرفنا بأننا رمينا هنا للموت إذاً فعلينا أن نفعل شيئا واحدا وهو أن نستمر في الحياة.. كان ربما يقع شيء ما.
أحمد منصور: كيف استطعتم السيطرة على الأوضاع وأنتم تغالبون الموت وتتشبثون بالحياة؟
صالح حشاد: وهذه كانت نقطة من قوتنا في العمارة لما أحسسنا بيننا الصداع وهذه الهستريا والناس بدأت تضرب الأبواب، هذا الصداع هو خطر للجميع إذاً هنا بدأنا نفكر في خطة جماعية وناقشناها وهي أن يكون لنا برنامج مدقق للمرور في الحياة في هذه الظروف الصعبة..
أحمد منصور: ما أهم عناصر هذا البرنامج؟
صالح حشاد: البرنامج وهو كالتالي، في الصباح لما نسمع صوت العصافير واحد من الزنزانة أو بعد الآخر سيقرأ آيات من القرآن الكريم ويدعو إلى الله أن يفرج عنا، هناك نبدأ الكلام بكلام خفيف يعني ليس بصداع يعني كل واحد يتكلم مع صديقه الذي بجانبه أو أمامه ثم..
أحمد منصور (مقاطعا): من كان بجانبك ومن كان أمامك؟
صالح حشاد: كان أمامي الملازم منصت، لي معه قصة لأنه أنبأني بشيء جميل سنأتي إليه لما نمر إلى الرسائل. وكان..
أحمد منصور (مقاطعا): منصت كان من الصخيرات ولا..
صالح حشاد: كان من الصخيرات.
أحمد منصور: من كان إلى جوارك؟
صالح حشاد: كان الطويل بجواري..
أحمد منصور: مبارك الطويل.
صالح حشاد: وكان بجوار منصت النقيب الوافي، الوافي الذي حكم بعشر سنوات، من بعد كان أمامي من أهرمومو النقيب غلول، غلول ليس.. لأنهما اثنان. وهكذا مرت الأمور.
أحمد منصور: متى رأيتم وجوه بعضكم لأول مرة؟
صالح حشاد: والله بعد سنين يعني لم أكن..
أحمد منصور: فقط لم تكونوا تعرفون بعضكم إلا بالصوت.
صالح حشاد: بالصوت، وأعرف عائلته وما يجري في عائلته وأصدقاءه وأباه وأخوته ولكن لم أصفه يعني حسب صوته لأني كنت أعرفه بصوته. وهكذا أخي المنصت هو من بعد سنوات ربما أربع سنوات وخمس..
أحمد منصور: خمس سنوات، أول مرة تراه بعد خمس سنوات.
صالح حشاد: أيوه..
أحمد منصور: رغم أنه في الزنزانة المقابلة لك!
صالح حشاد: مقابلة لي يعني أتكلم معه كل يوم.
أحمد منصور: كيف كانت صورته حينما رأيته؟
صالح حشاد: والله أنا كنت أتخيله رجلا طويلا، لما رأيت منصت لأول مرة كانت صدمة كبيرة..
أحمد منصور: صدمة لماذا؟
صالح حشاد: رأيت إنسانا يعني رقيق القامة وكانت له لحية هيك هوشي منه، يعني لحية هوشي منه، وكان يلبس نظارات ولكن حيدوا النظارات وهكذا ترى يعني بأنه كان يلبس النظارات تشوف وكان له شعر طويل، طويل يصل إلى ركبتيه، هكذا رأيته..
أحمد منصور: طبعا لم تكونوا تحلقون شعوركم..
صالح حشاد: لا لم يكن أي شيء..
أحمد منصور: ولا تستحمون ولا تقصون أظافركم ولا..
صالح حشاد: ورأيت الشعور تهبط إلى ركبتي هكذا وشعور يعني رطبة وخفيفة يعني تهبط أمامي. لما رأيته والله ابتسمنا وهو قال لي أيضا لما رأيتك يعني كنت أتخيلك بشكل آخر، هكذا يعني..
أحمد منصور: يعني طيار وقائد سرب طويل وعريض..
صالح حشاد: هذه أرجعتني إلى الوراء، طويل وطيار.. يعني المهم رأيت منصت ورآني في الحقيقة والله كانت صدمة بيننا وصرنا نضحك.
أحمد منصور: أنا ما تعجبت له أيضا وأنا أطالع المذكرات، حتى ربما في العام الماضي حينما زرتك التقيت مع بعض الذين كانوا في تزمامارت وكثير منهم رووا لي بعض الأشياء. لم ير أحد منكم الآخر إلا بعد خمس سنوات!
صالح حشاد: أيوه.. يعني تقريبا..
أحمد منصور: تقريبا يعني. وكل واحد فيكم حينما رأى الآخر ذهل بمنظر الآخر ولم يكن يتخيل..
صالح حشاد: أيوه، كل كان يتخيل بشكل آخر حسب الصوت وحسب.

خروج الرسالة الأولى وتنظيم برنامج للاستمرار
أحمد منصور: أول رسالة خرجت من سجن تزمامارت خرجت في 20 أغسطس عام 1973..
صالح حشاد: أيوه.
أحمد منصور: وكانت منك أنت إلى زوجتك، ما معنى النجاح الآن في أن تربطوا اتصالا مع عائلاتكم؟
صالح حشاد: والله أول هاجس كان لذهني يعني عرفت بأننا في هذا السجن الرهيب كنت دائما أفكر في ربط اتصال مع عائلتي هذا هو المهم الوحيد يعني لتكون عائلتنا على.. ولكن الأهم هو أن تكون على علم..
أحمد منصور: بأنك على قيد الحياة..
صالح حشاد: على قيد الحياة وما يجري في تزمامارت، إذاً كان حارس كان رجلا قيما كان لي وطلبت منه، هل ممكن أن؟ قال لي أنت من أين؟ قلت له أنا من القنيطرة، زوجتي صيدلانية وهكذا، وهو كان يقطن بجانب القنيطرة، وهكذا من بعد قال لي يوما أتاني بورقة وكتبت رسالة ولكن..
أحمد منصور: كتبتها بأي شيء؟
صالح حشاد: لا، أتاني بطرد من الشمع يعني ولكن دائما فكرت بأن ربما شيء.. ربما يريد أن..
أحمد منصور: يوقع بك.
صالح حشاد: أن يلعب بي أو شيئا ما، إذاً كتبت إلى زوجتي، غادرنا القنيطرة ونحن في هذه.. ولم أقل لها شيئا يعني عن..
أحمد منصور: حتى تمضي سنة أو..
صالح حشاد: والرجل الذي سيأتي بهذه الرسالة هو رجل طويل له.. يعني الصفة..
أحمد منصور: وصفته زوجتك في مذكراتها.
صالح حشاد: أيوه. إذاً ذهب بالرسالة الأولى، والثانية..
أحمد منصور: هذا كان اسمه أحمد..
صالح حشاد: أحمد خربوش. لما بدأت الثقة يعني أحسست أنه ثقة هنا كتبت إلى زوجتي قلت لها ما يجري في تزمامارت وأرسلي لنا الدواء إلى آخره، وفعلا أتى بشيء من الدواء ولكن وا أسفاه ألقي عليه القبض وتم التفتيش، ولكن النقطة الأهم هنا وهي كانت في جيبه الرسائل ولما بدؤوا التفتيش..
أحمد منصور (مقاطعا): بعد شهرين ألقي القبض عليه، في أكتوبر.
صالح حشاد: أيوه. لما بدأ التفتيش كان له صديق..
أحمد منصور: من السجانين.
صالح حشاد: من الحراس الذين بدؤوا تفتيشه وهكذا غمز إلى صاحبه وقال له عندي رسائل وهكذا أخذ الرسائل الحارس الذي الآن نسميه ملاك تزمامارت.
أحمد منصور: هذا الذي ظل إلى طوال الـ 18 عاما يربط بينكم وبين عائلاتكم.
صالح حشاد: أيوه، من سنة 1978 يعني بعد خمس سنين من 1973 إلى1978.
أحمد منصور: يعني أنتم قعدتم من 1973 إلى 1978..
صالح حشاد: عشنا تزمامارت القاسية وبدأنا في موت بطيء..
أحمد منصور: اللي هي الخمس سنوات الأولى هذه.
صالح حشاد: أيوه هذه المرحلة الأولى..
أحمد منصور: لكن فقط زوجتك علمت أنك على قيد الحياة..
صالح حشاد: على قيد الحياة وأنني في تزمامارت..
أحمد منصور: وبقيت إلى 1978..
صالح حشاد: إلى 1978 لم تعلم شيئا.
أحمد منصور: لكن متى هذا الحارس.. لو تذكر اسمه تكريما له لأن..
صالح حشاد: سي محمد الشربادوي يعني..
أحمد منصور: هو لا زال على قيد الحياة.
صالح حشاد: والله لا زال على قيد الحياة وهو رجل طيب ورجل عظيم لأن ضميره يعني لم يسمح -قالها لي بالحرف- ضميري لم يسمح لي أن أرى هذا المنكر يعني هذه الأشياء وهكذا..
أحمد منصور: كل زملائك الذين كتبوا عن أهوال تزمامارت حتى سموه ملاك تزمامارت يعني هو كان في نفس الوقت نائب مدير السجن..
صالح حشاد: أيوه نائب مدير السجن.
أحمد منصور: في مذكراتك أيضا تقول إنه في بداية العام 1974 -أنا لسه في الخمس سنين الأولى لأنها كانت خمس سنوات عصيبة- "سادت الفوضى الجناح، الرجال أصبحوا قريبين من الجنون، كان لا بد من الاتفاق على مواجهة الموت والتشبث بالحياة".
صالح حشاد: هذا صحيح لأنه يعني الظروف يعني كانت قاسية إلى أن وصلنا إلى الحد يعني الذات فقدت جميع الاحتياطات التي كانت فيها، إذاً أصبحنا العقل تاه يعني وأصبح مريضا ولهذا بعد الهستريا وصلنا إلى الموت بدأ الموتى في العمارة في..
أحمد منصور: بدأ الموت في..
صالح حشاد: في 1977.
أحمد منصور: 1974 فبراير كان أول من مات منكم؟
صالح حشاد: 1977.
أحمد منصور: محمد الشمسي؟
صالح حشاد: لا، لا، هنا نفرق بين أشياء، كانت العمارة الأخرى لم نعلم عنها شيئا..
أحمد منصور: على الإطلاق؟
صالح حشاد: لم نعلم أي شيء عن العمارة الثانية.
أحمد منصور: خلينا نقول العنبر علشان يفهموا المشاهدين في مصر، السجن كان عبارة عن عنبرين، عنبر لكم فيه 28 زنزانة؟
صالح حشاد: 29 زنزانة.
أحمد منصور: وهناك 29 زنزانة في العنبر الآخر.
صالح حشاد: 29 زنزانة أيوه.
أحمد منصور: إذاً 58 زنزانة كانوا كل الاثنين، الـ 29 زنزانة في العنبر الآخر كانت..
صالح حشاد: يعني أسوأ أكثر منا في.. عاشت تزمامارت بحيث أن أربعة فقط..
أحمد منصور: نجوا.
صالح حشاد: نجوا.
أحمد منصور: و24 ماتوا.
صالح حشاد: ماتوا.
أحمد منصور: يعني العنبر الأول مات فيه 24 داخل السجن.
صالح حشاد: أيوه، ونحن نجا منا 24.
أحمد منصور: يعني أنتم خمسة فقط ماتوا من عندكم و24..
صالح حشاد: أيوه.
أحمد منصور: أول من مات من المجموعة كلها كان الطيار محمد الشمسي..
صالح حشاد: الطيار الشمسي.
أحمد منصور: في 1974. أنتم متى علمتم بوفاته؟
صالح حشاد: من بعد في الثمانينات لما جاؤوا بستة من العنبر الذي كان يقطن فيه الشمسي جاؤوا بهم إلى عنبرنا إذاً وحكوا لنا ما وقع في العنبر..
أحمد منصور: في العنبر الآخر. الموت حينما زاركم للمرة الأولى، صف لنا كيف جاء الموت إلى عنبركم وكيف اختطف..
صالح حشاد: والله كنا كما قلت وصلنا إلى يعني وصلنا إلى الحد يعني من ولو نظمنا أنفسنا ولكن قوتنا كانت في التنظيم الذي نظمناه وعشنا به إلى أن أفرج الله عنا، وهذا التنظيم جعلنا يعني نعيش في عالم آخر، فقدنا العالم الذي كنا فيه..
أحمد منصور: لم تكونوا على صلة بالعالم الخارجي.
صالح حشاد: الخارجي. إذاً عشنا عالمنا نحن ونظمنا رؤوسنا وكانت لنا حركة يعني لنستمر في الحياة حركة ثقافية وحركة..
أحمد منصور (مقاطعا): اعط المشاهدين جانبا من هذه الحياة.
صالح حشاد: والله كان لنا برنامج مليء بالأشياء مثلا عند الصباح لما يأتوا لبضع دقائق يرمون لنا شيئا من الخبز ويذهبون فنبدأ برنامجنا يعني أولا نبدأ بالقرآن الكريم يعني في أول المطاف لم يكن لنا كتب أو أشياء ولكن كل واحد منا كان في رأسه حزبا أو حزبين..
أحمد منصور: يحفّظ الآخرين.
صالح حشاد: يحفّظ لنا، وهكذا بدأنا كانت حصص الثقافية بالإنجليزية، الكل كانوا في الولايات المتحدة إذاً كانت دروس للإنجليزية للآخرين، الإسبانية كذلك، وكنا نأخذ وقتا للتفريج عنا نحكي حكايات إلى آخره، واستمر..
أحمد منصور: كل واحد منكم تعرف بالتفصيل الممل على حياة الآخر وعائلته وأبنائه إذا كان له أبناء وكل ما يتعلق..
صالح حشاد: الكل كان يعرف أبنائي هدى وخليل ويعرف كل شيء عنا، حتى أن الصديق الذي كان بجانبي وجاء من بعد اسمه المشاوي أقسم لي بالله لأنه من بعد يشوف الصورة، أقسم بالله إذا أفرج الله عنا وإذا تزوج وكان له بنت وولد سيسميهما هدى وخليل لأنه كان صديقا حميما إلى آخره، وأفرج الله عنه وأتاه الله بطفل وأسماه خليل..
أحمد منصور: خليل ولد وأنت في السجن ولم تر خليل على الإطلاق إلا بعد الإفراج عنك.
صالح حشاد: نعم لم أره على الإطلاق..
أحمد منصور: ولم تر هدى إلا وعمرها؟ آخر مرة رأيتها كانت؟
صالح حشاد: رأيتها كان عمرها 15 عاما..
أحمد منصور: لا، حينما دخلت إلى السجن كم كان عمرها؟
صالح حشاد: 15 عاما..
أحمد منصور: شهرا.
صالح حشاد: إيه شهرا، لما بدأت تمشي على الأرض.
أحمد منصور: ولم ترها بعد ذلك إلا..
صالح حشاد: لا، لم أرها بعد ذلك..
أحمد منصور: عام 1991.
صالح حشاد: لما أفرج الله عنا. ولكن في السجن المركزي قمت بجميع الوسائل لأرى ابني يعني أول مرة بعد زيارتي يعني قمت بأشياء مثلا قلت لامرأتي أن ترسل لي شيئا من الدراهم يعني فأرسلت لي كمية لا بأس بها من الدراهم ولكن لما وصلوا لي قلت لهم لا، لا أريد هذه الدراهم ارجعوها إلى زوجتي، إذاً طلبت من أنه لما تجي زوجتي أن يذهبوا بي لأقول سأرجعهم لك وتأتي بخليل في ذراعها ولكن لم يتم هذا، رغم يعني حاولت..
أحمد منصور: كيف كان خليل في مخيلتك؟
صالح حشاد: والله من بعد ست سنوات يعني تعرفت عليه في الصورة، في الصورة..
أحمد منصور: أول مرة ترى صورته بعد ست سنوات.
صالح حشاد: أيوه.
أحمد منصور: وكيف كانت هدى في مخيلتك؟
صالح حشاد: وهدى كانت لها صورة في ذهني لما تركتها وهي في السن ولكن من بعد ست سنوات يعني جاءتني الصورة يعني..
أحمد منصور: هذه الصورة التي جاءتك للمرة الأولى حملها الحارس الأول الذي قبض عليه وظلت في حوزة الحارس الثاني عدة سنوات..
صالح حشاد: لمدة سنوات أيوه..
أحمد منصور: ثم أعطاها لك.
صالح حشاد: أكثر من خمس سنوات..
أحمد منصور: ثم أعطاها لك وشرح لك كيف.. أنت قلت إن ابنك من المفترض أنه غير هذا، بقي محتفظا بالأشياء خمس سنوات..
صالح حشاد: أيوه..
أحمد منصور: ثم أعطاها لكم بعد خمس سنوات وبدأ يربط بينكم وبين عائلاتكم.
صالح حشاد: أيوه. لما وقعت الواقعة بدأ الحراس يعني هستريا كثيرة أخذتهم وصاروا يسبوننا ويلوموننا ويضربون علينا الأبواب ويعني يقولون لم تموتوا؟ موتوا، يعني يريدون قتلنا، قالوا يعني تريدون أن تسببوا لنا في أشياء يعني لما قبضوا خربوش إلى آخره..
أحمد منصور: لما قبضوا على أحمد خربوش..
صالح حشاد: على أحمد خربوش.
أحمد منصور: فظل الكل في رعب خمس سنوات.
صالح حشاد: خمس سنوات.
أحمد منصور: لم يمد لكم أحد يد المساعدة..
صالح حشاد: أحد يده ولم.. ولكن كمثل مثلا صديق بدأ يعني يصيح في الليل وجاء الحراس وقالوا مالك؟ قال يعني عنده ضرسه يعني تؤلمه يطلبهم يقول لهم يعني اذهبوا إلى المدير وائتونا بكلاب باش نحيد الضرس هذا، لم يفعلوا شيئا.

[فاصل إعلاني]
اختراع الكابازال والقبض على الشمس
أحمد منصور: خمس سنوات لم تخرجوا من باب الزنزانة؟
صالح حشاد: خمس سنوات.
أحمد منصور: وأول مرة ترى من أمامك كان بعد خمس سنوات.
صالح حشاد: كان بعد خمس..
أحمد منصور: من كان الشخص الذي رأيته؟