ابحث عن
 
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة|تواصل معنا
الخميس 22/3/1427 هـ - الموافق 20/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 13:33 (مكة المكرمة)، 10:33 (غرينتش)
طباعة الصفحة إرسال المقال
الإسلاميون والإصلاح السياسي

نبيل شبيب

بعد أن كانت الكلمات المتداولة أكثر من سواها في أوساط التيار الإسلامي تدور حول محوري التغيير الجذري الشامل والحكم الإسلامي الراشد، أصبحت في الوقت الحاضر تدور حول محاور الإصلاح السياسي، والحكم الديمقراطي، والتعددية، والانفتاح على الآخر، والوسطية، مما يؤكد أن عملية التطوير فكرا وحركة، أخذت مجراها، تدريجيا على الأقل، وأن الإسلاميين قطعوا مرحلة كبيرة وتجاوزوا عقبات كانت تبدو كأداء قبل جيل واحد.

إصلاح بتفاوت 
الإشكالية الكبرى
واجبات كبرى

إصلاح.. بتفاوت

"
وصول تيارات خصوم الإسلاميين إلى السلطة اقترن بتفريغ شعارات الديمقراطية والحرية من مضامينها، وهذا ما يجعل الاتهام الموجه إلى التيار الإسلامي بشأن نوايا حركاته ورجالاته اتهاما معكوسا

"

وعند النظر في واقع الحركات الإسلامية، في السلطة وخارجها، في تركيا والمغرب، في إيران، في مصر وسوريا، في الكويت ومنطقة الخليج، ناهيك عن الأوضاع الخاصة في الجزائر والعراق وفلسطين، نجد أن التطور لم يتحقق بصورة متجانسة، فالاتجاه واحد مشترك، ولكن تتفاوت الحدود القصوى أو الخطوط الحمراء بين حركة وأخرى، مما يمكن تفسير بعض عناوينه فقط باختلاف الظروف المحلية، إذ يعود التفاوت أيضا إلى أسباب ذاتية، واجتهادات متباينة بصدد الجمع بين المنطلق الإسلامي شرعيا والتعامل مع الواقع السياسي القائم.

باستثناء حزب التحرير والحركة الشيعية في إيران، لم تعد الأطروحات السياسية الإسلامية تركز على صيغة الخلافة أو الإمامة/ولاية الفقيه. وإلى جانب المصطلحات الإسلامية، كالشورى والعدالة والبيعة تستخدم البدائل الإسلامية المطروحة مصطلحات نشأت في الأصل خارج نطاق الفكر الإسلامي، كالديمقراطية والتعددية والانتخابات تعبيرا عن الإرادة الشعبية.

وهو ما يثير إشكاليات داخل نطاق الحركات الإسلامية التي تجد نفسها أمام ضرورة التوفيق بين مناهج التربية والتوعية التي نشأ عليها أتباعها وأنصارها دون استخدام تلك المصطلحات، وبين تسويغ استخدامها حديثا وبيان أن الحركات الإسلامية لا تتخلى بذلك عن منطلقاتها الإسلامية، والأهداف أو الشعارات المطروحة تبعا لذلك، مثل حكم الشريعة، والإسلام هو الحل، والشورى.

هل الإصلاح ذريعة؟
وبالمقابل تكشف نظرة الخصوم التقليديين إلى هذه الإشكاليات عن خلل في القدرة الذاتية على التعامل مع الطرح الإسلامي الجديد، كما يظهر عند التأمل في أساليب المتشددين من العلمانيين و"الليبراليين" التشكيكية، على النقيض من القوميين، أو النسبة الأكبر منهم، ممن اختاروا طريق الحوار، فأمكن الوصول بينهم وبين الإسلاميين إلى معالم أرضية مشتركة للعمل من أجل إصلاح سياسي.

مشكلة المتشددين هنا ناجمة في الدرجة الأولى عن أن وصول تياراتهم إلى السلطة اقترن بتفريغ شعارات الديمقراطية والحرية من مضامينها، وهذا مما يجعل الاتهام الموجه إلى التيار الإسلامي بشأن نوايا حركاته ورجالاته اتهاما معكوسا، وهو هنا لا يقف عند حدود النوايا، بل يصل إلى مستوى الإدانة بعد أن ظهر الدليل من خلال التجربة العملية.

الاتهام الرئيسي القائل بأن الحركات الإسلامية تتخذ من أطروحات الديمقراطية والتعددية والتداول على السلطة ذريعة للوصول إلى السلطة وإلغاء الآخر لاحقا، اتهام ضعيف من زاوية أخرى، وهي أن طرح الديمقراطية فكريا والخوض في ممارسات ديمقراطية على أرض الواقع ليس جديدا كل الجدة في تاريخ الحركات الإسلامية.

فعلى الصعيد الفكري نجد منذ الخمسينيات الميلادية كتبا وبيانات وأدبيات إسلامية عديدة، تتحدث عن الشورى وتستخدم تعبير الديمقراطية مباشرة، ومعظمها ينطلق من الانتخابات وسيلة لتحقيقها.

كما أن المشاركة الفعلية في انتخابات ديمقراطية كانت جزءا من الواقع السياسي في سوريا في أواخر الأربعينيات وأوائل الستينيات الميلادية. أما عدم ظهور مزيد من الأطروحات والممارسات في العقود التالية، فلا ينفصل عن حقيقة نشوء أنظمة استبدادية باتجاهات غير إسلامية حالت دون الممارسات الديمقراطية عموما.

وباستثناء حالة الانقلاب العسكري الخاصة بالسودان وحالة الثورة الشعبية الخاصة بإيران، نجد أن الحركات الإسلامية لم تمتنع عن المشاركة الديمقراطية الجزئية المتاحة، كما في الكويت واليمن، فضلا عن تركيا رغم القيود المفروضة التي تجعل المشاركة الإسلامية في الديمقراطية مشروطة بالمرجعية العلمانية المتشددة مسبقا، ثم الجزائر حيث ظهر أن المطلوب علمانيا -في أفضل الحالات ديمقراطية- يستثني الإسلاميين وإن حصلوا على غالبية الأصوات، وهو ما يتكرر في حالة فلسطين وحماس بصورة جديدة.

الإشكالية الكبرى

"
لم يكن ممكنا عند طرح النظريات الكبرى للرأسمالية أو الشيوعية، ولا "الليبرالية"، الحكمُ مسبقا على مستقبل أي منها كما نعاصره فيما وصلت إليه الرأسمالية المتشددة أو الشيوعية المنهارة، أو ما يسمى الليبرالية الجديدة، ولا يمكن منطقيا التعاطي مع الطرح الإسلامي الجديد بموازين أخرى

"

إن الإشكالية الأكبر المطروحة على ساحة الإصلاح السياسي هي إشكالية المرجعية، هل تكون إسلامية أم علمانية، حيث أن أسس الطرح الفكري من الجانبين لا يلتقي على التصورات الكبرى حول الكون والإنسان،
وبالتالي لا يمكن العثور على حل وسطي.

المرجعية.. الواقع والطموح
فالطرفان يحتاجان إلى أرضية مشتركة تحدد المعطيات والشروط والقواعد الملزمة على أرض الواقع العملي، دون إسقاط اختلاف التصورات المرجعية الكبرى أو تجاهله.

المرجعية تحدد صياغة الدستور، والأطر القانونية الكبرى، وتنطوي -وهنا محور الجانب التطبيقي- على "خطوط حمراء" تقررها التشريعات القانونية فتحدد حرية أصحاب مرجعية أخرى غير التي يؤخذ بها تبعا للإرادة الشعبية بموافقة الغالبية.

ويحسن التنويه هنا بعدم وجود حرية "مطلقة" في أي نظام حكم سياسي قديم أو حديث. فالمفاضلة الممكنة هي ما بين مرجعية وأخرى بمقدار حجم مجال الحرية المقرر للآخر وحرية حركته، ثم مصداقية ضمانات البقاء على ذلك واستمراره.

الحركات الإسلامية لا تطرح مشاريع الإصلاح السياسي حتى الآن مع مسألة المرجعية بصورة قاطعة واضحة، وبالمقابل يتشبث الطرف الآخر بالمرجعية العلمانية، سواء كان في السلطة أو خارجها.

نجد مثلا أن حركة الإخوان المسلمين في سوريا/حالة المنفى، تمضي إلى أقصى مدى في مشاريع الإصلاح المشتركة مع الآخر، من مختلف أطياف المعارضة السورية، ولكن لا يصدر عنها موقف ينطوي على التخلي عن "المرجعية الإسلامية" لصالح مرجعية علمانية، بل يقوم التعاون على أرضية هدف عملي مشترك رغم اختلاف المرجعيتين، وشبيه ذلك يسري على ما شهدته حركة الإخوان المسلمين في مصر/حالة الحظر الرسمي.

بالمقابل نجد أن قطاعا كبيرا من العلمانيين، وكذلك القوى الدولية يطالبون جميعا التيار الإسلامي بمطلب مشترك على اختلاف الصياغات، محوره الاعتراف بالمرجعية العلمانية منطلقا للحكم، ويطرحون لذلك النموذج التركي على وجه التخصيص.

في الأصل لا يمكن منطقيا وواقعيا مطالبة أحد الطرفين بالتخلي عن مرجعيته، فهي تعني إلغاء وجوده السياسي بإلغاء أصول انتمائه "الفكري" كما تعني تغييب أي شكل من أشكال الحوار، الذي لا يستقيم دون تعدد الانتماء الفكري، وتغييب إمكانية إيجاد أرضية عمل مشتركة، فالحاجة إليها ناجمة ابتداء عن الحاجة إلى قواعد تضبط التعامل بين أكثر من طرف بمنطلقات فكرية متباينة.

بهذا المنظور يمكن القول إن الشوط الذي قطعته حركات إسلامية عديدة لإيجاد شروط موضوعية للحوار ولأرضية مشتركة، شوط أكبر بشكل ملحوظ من الشوط الذي قطعته الانتماءات الأخرى، باستثناء القوميين.

إنجازات وعوائق

"
هناك حاجة لطرح صيغ عملية شمولية من جانب الحركات وليس عبر أفراد، تكون أكثر تفصيلا بشأن الحكم الإسلامي المطلوب بجوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وعلاقاته الدولية

"

وهنا تبرز ميزات المطروح إسلاميا للإصلاح السياسي، إذ يتبنى مصطلحات كان الآخر يتبناها، ويطالب بتطبيق آليات كان الآخر يطالب بها، ويعلن عبر دراسات ومواثيق وبيانات عديدة عن مواقف إصلاحية تجديدية وتصورات مستقبلية، تناولت ما كان الآخر يعتبر أو يزعم أن عدم طرحه إسلاميا عقبة في وجه التلاقي مع الإسلاميين.

مثل النظرات التجديدية الوسطية لقضايا الشريعة في الحكم، والردة في الحرية الدينية، والمرأة في الحقوق والحريات الإنسانية، وصناديق الاقتراع في التعبير عن الإرادة الشعبية، وتداول السلطة في إطار التعددية السياسية والحزبية، ومن المؤكد أن تركيز ردود الآخر على التشكيك في النوايا أو التشكيك في القدرة على تطبيق المعلن، هو شهادة على عدم وجود حجج منطقية للرد على المضامين المطروحة، والتي باتت من الكثافة والانتشار بحيث يفقد التشكيك مفعوله أيضا.

ولا يمكن الحكم سلفا على مدى قدرة الإسلاميين على تطبيق ما يطرحونه على أرض الواقع العملي، فالحياة السياسية عموما أقرب إلى ساحة لتجربة المطروح من التصورات والأفكار الكبرى نظريا على أرضية التنفيذ عبر الكيانات السياسية واقعيا، والتجربة تصقل المطروح نظريا من المناهج التطبيقية وتعطيها أشكالا مبدئية تتطور تدريجيا، ويتناقض مع أنفسهم الذين يطالبون بدليل قطعي مسبق على سلامة تطبيق مستقبلي محتمل.

لم يكن ممكنا عند طرح النظريات الكبرى للرأسمالية أو الشيوعية، ولا "الليبرالية"، الحكمُ مسبقا على مستقبل أي منها، كما نعاصره فيما وصلت إليه الرأسمالية المتشددة أو الشيوعية المنهارة، أو ما يسمى الليبرالية الجديدة، ولا يمكن منطقيا التعاطي مع الطرح الإسلامي الجديد بموازين أخرى.

ومن الإشكاليات أن كثيرا مما طُرح إسلاميا من جانب الحركات السنية، ربط بين المطلوب مستقبلا وبين الماضي من العهد النبوي والراشدي. بينما أخذ المطروح إسلاميا من جانب الحركات الشيعية اتجاها انقلابيا عبر اجتهاد "ولاية الفقيه" كما هو معروف.

ووجه الإشكال كامن في أن أساليب هذا الطرح الإسلامي أعطت خصوم التيار الإسلامي فرصة الخلط غير المنطقي بين عدة أمور منفصلة عن بعضها بعضا في الأصل لتعزيز خصومتهم، بما يتجاوز:

  1. أن الربط بين الحاضر أو المستقبل والماضي هو ربط منطلقات وتصورات كبرى، وليس ربط تطبيقات تفصيلية تحكم الظروف التاريخية الآنية بصياغتها وتبدلها، وقد استطاعت الأطروحات الإسلامية الجديدة تجاوز هذه العقدة بصورة ملموسة.
  2. وأن التجارب الحديثة نسبيا، كما في إيران والسودان وتركيا، على الاختلاف الواضح بينها، لها ظروف ذاتية بعد مرور عدة أجيال على قيام الحدود السياسية المعاصرة، ويُحكم على كل منها بالنجاح أو الإخفاق بمعايير الإسلام، ولا يمكن اعتبارها مصدرا للحكم على الإسلام نفسه، إلا بقدر ما يمكن الجمع به مثلا بين تجربة ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية قبل إعادة توحيد ألمانيا، للحكم على الديمقراطية التي كانت عنوان كل منهما على السواء، ولو اعتمدت تلك التجارب لوجب اعتماد الحصيلة المرة والخطيرة لعشرات التجارب لحكم العلمانية في البلدان الإسلامية.
  3. وأن المقارنة بين المناهج الحركية ومناهج الحكم غير متكافئة، فمن طبيعة سائر الاتجاهات أن تطرح في مناهجها الخطوط العامة وشيئا من التفاصيل وليس كل التفاصيل، أما في دولة يتخذ فيها كل فريق مكانه من سلطة منتخبة تحكم ومعارضة حزبية ونيابية معترف بها، فآنذاك تُطرح التفاصيل حسب الاحتياجات المتقلبة، ولا يزال العدد الأكبر من الحركات الإسلامية في حكم المحظور، لم يصل إلى السلطة، ولم يأخذ مكانه بصورة مضمونة قانونيا في مقاعد المعارضة، فلا يمكن أن يطرح تصورات تفصيلية، شأنه في ذلك شأن أي اتجاه آخر يُحظر عليه العمل أو يقيد.

واجبات كبرى

لا ينفي ما سبق أن أمام الحركات الإسلامية واجبات كبرى لم يكتمل أداؤها بالمستوى الذي يجعلها مؤهلة للنجاح في السلطة، وكلمة لم يكتمل تعني أن الجهود تُبذل في هذا الاتجاه ولكن لم تصل مداها بعد، وقد بدأت تظهر الحاجة إلى:

  1. طرح صيغ عملية شمولية من جانب الحركات وليس عبر أفراد وإن كانوا قياديين حركيين، تكون أكثر تفصيلا بشأن شكل الحكم الإسلامي المطلوب، بجوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وعلاقاته الدولية.
  2. تثبيت الأطر الضرورية للتعامل مع المرجعية العلمانية، قبل الوصول إلى السلطة وبعدها، بما يوضح نقاط الاختلاف الجذري وبالتالي ما يوجب الاحتكام للإرادة الشعبية للمفاضلة بين أكثر من مرجعية -وفق ما سبق التنويه به- وما يوضح نقاط الاختلاف في الميادين التطبيقية، ليكون الاحتكام للإرادة الشعبية هو الأساس المطروح على صعيد تداول السلطة واختيار المناهج التفصيلية في مختلف الميادين.
  3. مضاعفة جهود التوعية، على مستوى أنصار الحركة الإسلامية تنظيما، أو من خلال الصحوة الإسلامية الشعبية، بما يشمل بيان التطورات الجديدة في المطروح إسلاميا، ولتخفيف حدة الخلافات القائمة طائفيا، بين السنة والشيعة، أو حركيا، بين اتجاه وآخر تحت مظلة إسلامية مشتركة، أو سياسيا مع أصحاب الاتجاهات الأخرى، وقد يكون هذا الواجب هو الأكثر إلحاحا من سواه في الوقت الحاضر.

_______________
متخصص في الشؤون الإسلامية

المصدر: الجزيرة
طباعة الصفحة إرسال المقال
شارك
شارك
الأداء الإسلامي.. ملامح ودلالات
الإسلاميون وأسباب الحضور الشعبي المتقدم
الإسلاميون.. نتائج انتخابية
الحركات الإسلامية متجددة والإصلاح الذاتي ضمن أولوياتها
الحركات الإسلامية البارزة في الوطن العربي
قتلى بقصف عنيف لحي بابا عمرو
واشنطن: تحديات أمام خطة سوريا
اتهام أممي لدمشق بجرائم ضد الإنسانية
خلاف بحماس حول اتفاق الدوحة

تحليلات|كتب|وجهات نظر|تغطيات 2009|ملفات خاصة 2010

جميع حقوق النشر محفوظة2000- 2012م(انظر اتفاقية استخدام الموقع)