بقلم غراهام فولر
بدأت الإدارة الأميركية مؤخرا بإرسال إشارات متضاربة بشأن سياساتها الخاصة بالحرب على الإرهاب، واستهدفت تلك الرسائل طهران على وجه الخصوص. ويدل هذا الأمر على أن الرئيس بوش ليست لديه سياسة واضحة وأن واشنطن تتحسس طريقها وتقوم بدراسة الكثير من العوامل المختلفة.
ولا شك بأن إدارة بوش سعت إلى حد ما لتحسين علاقتها بطهران حتى قبل 11 سبتمبر/أيلول الماضي. وبعد ذلك التاريخ قام الرئيس الإيراني خاتمي ببعض الحركات الذكية لدعم الحرب على الإرهاب واتخذ بعض الخطوات الملموسة عندما عرض تقديم المساعدة إن لزم الأمر لإنقاذ أي طيار أميركي تسقط طائرته في أفغانستان. وقد رحبت طهران بسقوط نظام طالبان الذي كان يناصبها العداء. وكان بعض المسؤولين في الإدارة الأميركية يأملون بأن يكون ذلك فاتحة خير للعلاقات مع إيران، ولذلك كانت إشارات الغزل بادية في اللغة الدبلوماسية بين الجانبين.
لكن عددا من الأحداث وقعت بعد ذلك غيرت الوضع كثيرا؛ الأول أن إسرائيل حاولت فرض وجهة نظرها بشأن طهران على الإدارة الأميركية. وهذه ليست المرة الأولى التي تقوم بها إسرائيل بهذا العمل، فلو عدنا إلى سنوات الحرب العراقية الإيرانية فقد كان هناك نقاش طويل في إسرائيل بشأن أي من البلدين يمثل خطرا أكبر على إسرائيل، وهو نقاش لم يتوقف حتى اليوم. ولأن واشنطن تكن عداء واضحا لنظام صدام حسين فإن الإسرائيليين يريدون الاستفادة من محاولة وضع إيران ضمن التصنيف نفسه الذي تضعه واشنطن للعراق، وهو أنه نظام يجب تغييره.
” الخط المتشدد في إيران وعلى رأسه آية الله علي خامنئي يفشل كلية محاولة يقوم بها الإصلاحيون بزعامة الرئيس خاتمي لتحسين العلاقات الإيرانية مع الغرب مثلما حدث في موضوع رفض تعيين السفير البريطاني الجديد بطهران ” |
الأمر الثاني أن إيران كما هي عادتها تظهر وجهين مختلفين للغرب، فالمعتدلون يسعون للإصلاح والتحرر السياسي وللمصالحة مع الولايات المتحدة كما يحاولون إضعاف قوة الملالي الذين لا يحظون بشعبية بين الإيرانيين وهي القوة التي تتحكم بحياة الشعب. لكن في كل مرة تكون فيها فرصة لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة أو أوروبا، يقوم المتشددون وعلى رأسهم آية الله علي خامنئي بإجهاض المبادرة. وفي كل مرة توشك فيها إيران على تحقيق إنجاز دبلوماسي مع أوروبا على سبيل المثال، كان المتشددون يزيدون المكافأة المخصصة لرأس سلمان رشدي ويدلون بتصريحات استفزازية أو كما حدث مؤخرا عندما رفضوا وبطريقة مهينة تعيين السفير البريطاني الجديد في طهران باعتباره يهوديا وجاسوسا (وهو بالمناسبة دبلوماسي عريق وصديق لإيران وليس يهوديا ولا جاسوسا كما قالوا). وفي الأسبوع الماضي أكدت جماعة متشددة حكم الموت على سلمان رشدي. ويعلم الملالي أن عملية السلام هي الهدف الأول للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ولذلك قرر المتشددون شحن أسلحة لعرفات (لأول مرة في التاريخ) وهو ما جعل اسم عرفات يرتبط بـ"التطرف" ويقضي على حريته. إن حادث السفينة "كارين إيه" غريب ويبدو وكأنه جهد قام به متشددون إيرانيون وسهلته إسرائيل لإيقاع عرفات في فخ تهريب الأسلحة مما يضعف مكانته لدى بوش. ومن الواضح أن الفلسطينيين سيكونون سعداء لو حصلوا على شحنة الأسلحة، فكل حركة تحرير وطني تحتاجها، لكن الفخ نجح مما جعل بوش يزيد من ضغطه الشديد على عرفات.
وقد واصلت إسرائيل تذكير واشنطن بأن إيران تطور أسلحة نووية وتؤكد لها ضرورة تغيير النظام في طهران، (المخابرات الأميركية أفضل حكم على قدرات إيران النووية، لكن إسرائيل يمكنها التأثير في الكونغرس والإعلام الأميركي). وفي الوقت نفسه ادعى بوش وجود دليل على أن إيران تعمل ضد نظام كابل برئاسة حامد كرزاي عن طريق تقديم مساعدات عسكرية لأحد قادة الحرب في هرات قرب الحدود الغربية لأفغانستان. وربما كان هذا الادعاء صحيحا، إذ إن هرات ظلت دوما منطقة نفوذ فارسي مضادة لمنطقة قندهار البشتونية، لكن هذه التهمة ليست كبيرة أو خطيرة. وأخيرا ادعت واشنطن أنه ربما يكون الإيرانيون قد ساعدوا قادة طالبان والقاعدة على الهروب إلى بلدان أخرى عبر الأراضي الإيرانية. وعلى الرغم من أن البعض قد يكون فر إلى داخل إيران فإنه من غير المحتمل أن يكون ذلك من ضمن سياسات الرئيس خاتمي وإنما من تدبير بعض المتشددين. والمعروف أن طهران تكره آراء القاعدة المعادية للشيعة. كما أن هناك إشاعة أخرى ربما أطلقها الإسرائيليون، وهي أن إيران تساعد تنظيم القاعدة في الحصول على ملجأ بوادي البقاع في لبنان، وهي رواية منافية للعقل.
” واشنطن لن تحاول تغيير النظام في طهران بالقوة رغم أن إسرائيل تريد ذلك.. فلا يوجد أحد في واشنطن بلغ به الغباء إلى حد التفكير بإمكانية تغيير النظام الإيراني بالأساليب العسكرية ” |
ومن المؤكد أن واشنطن لن تحاول تغيير النظام في طهران بأساليب عسكرية رغم أن إسرائيل تريد ذلك، فلا يوجد أحد في واشنطن بلغ به الغباء إلى حد التفكير بإمكانية تغيير النظام الإيراني بالقوة. غير أن هناك نقاشا بشأن الإستراتيجية التي يجب اتباعها من أجل تغيير سياسات طهران؛ ما هو الأسلوب الأكثر فعالية؟ وهل يكون ذلك عن طريق إظهار الود لخاتمي؟
لقد ازداد الشعور بالإحباط عند كثير من المحللين الأميركان وغالبية الشعب الإيراني من مستقبل حركة خاتمي التحررية لأن المتشددين بدوا على الدوام قادرين على كبح جهود خاتمي التي ترمي إلى إصلاح النظام رغم التأييد القوي الذي يتمتع به من غالبية السكان الذين صوتوا له في انتخابات حقيقية، فكيف يمكن تعزيز موقفه؟ أليس الدعم الأميركي له يعتبر في حقيقة الأمر "قبلة الموت"؟
هل يجب على واشنطن محاولة تخويف النظام الإيراني عن طريق التهديد من قبيل الإعلان بأنه جزء من "محور الشر"؟ إن هذا الأسلوب لن يكون مجديا بالتأكيد لأنه سيوحد الشعب خلف النظام عندما يجابه تهديدا خارجيا، وهو مبدأ معروف جيدا في السياسة. والواقع أن الملالي المتشددين يرحبون بمواجهة مع أميركا لأن ذلك يجعل معارضة الإصلاحيين لقائد النظام خامنئي أكثر صعوبة.
كان هناك الكثير من الكلام بشأن ابن الشاه السابق رضا بهلوي الذي يعيش في واشنطن والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع الحزب الجمهوري. ورضا شاب ذو شخصية سياسية جذابة، وكان في زمن والده صغيرا وبالتالي لم يكن متورطا في سياسات والده، ولذلك يجد فيه بعض الإيرانيين أملا بأن يكون في المستقبل ملكا دستوريا مثل خوان كارلوس الذي عاد إلى إسبانيا بعد سقوط نظام فرانكو قبل ثلاثين عاما ليكون ملكا دستوريا لإسبانيا دون أن يرأس الحكومة. وهذه الفكرة تبقى بحاجة إلى التجربة، لكن الشباب الإيراني على وجه الخصوص يبحث عن أفكار جديدة، وربما تكون إيران واحدة من عدد قليل من الدول التي يحمل فيها الشباب أو حتى غالبية الشعب رؤية سلبية جدا لفكرة الإسلام السياسي. إنهم مع ذلك مسلمون مخلصون لكنهم يكرهون الملالي الذين يحكمون باسم الإسلام. وبالطبع فإن واشنطن لا تستطيع إعادة رضا بهلوي إلى العرش لكنها لا ترفض وجود نقاش علني لهذه الفكرة باعتبارها ورقة ضغط على طهران، فهل يمكن أن يكون لها أي تأثير؟
كما أن كولن باول عرض البدء بمحادثات مع طهران في أي وقت، لكن الأجواء الحالية تجعل ذلك غير محتمل وخصوصا أن المتشددين في إيران يعارضون ذلك. وإذا كان هناك لوبي إسرائيلي في أميركا فإن هناك لوبي نفط يريد أن يرى تحسنا في العلاقات الأميركية الإيرانية من أجل الاستثمار في تطوير صناعة الطاقة في إيران.
ويواصل خاتمي إرسال بعض الإشارات الإيجابية للولايات المتحدة مثل قراره الأخير بإغلاق مكتب قلب الدين حكمتيار الذي كان شخصية سلفية متشددة ساعد في تدمير العاصمة كابل إبان الاشتباكات العسكرية بين قواته وقوات رباني قبل ثماني سنوات. وحكمتيار ليس صديقا للنظام المعتدل الجديد في كابل، وهو معاد قوي لأميركا. كما أن واشنطن تحتاج لتعاون إيران إذا قررت الأولى القيام بأي عملية عسكرية على صدام حسين في المستقبل.
أعتقد أن السياسة الأميركية تجاه إيران لن تتبلور بشكل واضح لبعض الوقت، فهناك الكثير من التناقضات سواء في واشنطن أو طهران. قد يكون هناك الكثير من الضجة في واشنطن بشأن إيران، لكنه لا يوجد اتفاق داخل أميركا على السياسة تجاه طهرا،ن ولن يكون هناك عمل كثير في هذا الاتجاه. كما أن الولايات المتحدة لا تلقى سوى دعم بسيط من أوروبا في هذه المسألة، ولكن كما أشرت سابقا فإن المتشددين دمروا علاقاتهم مع بريطانيا مرة أخرى ولذلك فإن لندن لن تكون متحمسة لتحسين العلاقات مع طهران لمدة من الزمن.
إن الوضع مشوش تماما وغير واضح، ومن المحتمل أن يبقى كذلك لمدة من الزمن لأنني لا أعتقد أن بوش قادر في الوقت الحالي على صياغة سياسة واضحة وعملية تجاه إيران، كما أن خامنئي على أي حال سعيد جدا بهذا الوضع.