ابحث عن
 
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:33 (مكة المكرمة)، 10:33 (غرينتش)
طباعة الصفحة إرسال المقال
المستقبل المتقن: تحدي العولمة ووعدها الخفي

عرض: خالد الحروب
يظل الجدل حول العولمة هو أهم جدل معاصر، بدليل سيل الدراسات الذي لا ينقطع وفي مخلتف اللغات حولها, بل أيضاً بشهادة المنظر الكبير أنتوني غيدنز السوسيولوجي المعاصر الأشهر، ورئيس كلية لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية.

ومثل كل الظواهر الكبيرة والخلافية فإن الآراء حول العولمة تتعارض بين حدود قصوى, تبعاً لخلفية هذا الباحث الأيديولوجية، أو الرؤية السياسية لذاك, أو الوجهة العامة التي ينحاز إليها أكاديمي مهتم بها, أو صحفي شغوف بمتابعتها. مع ذلك, فإن التنوع في المعالجات والكتب الصادرة حول العولمة لا يمنع من القول بأن أغلب ما صدر حتى الآن, وما زال يصدر, يقع في مربع النقد، أو التحفظ تجاه هذه الظاهرة متعددة الوجوه, ومتناقضة الآثار على البشر.

غلاف الكتاب
 
اسم الكتاب:
المستقبل المتقن، تحدي العولمة ووعدها الخفي.

المؤلفان:
جون مايكلثويت وأدريان وودريدج.
عدد الصفحات:
386 صفحة.
الطبعة:
الأولى - 2000م
الناشر:
وليام هانيمان- لندن- بريطانيا.

ومن هنا فإن أهمية الكتاب الذي بين يدينا تأتي من كون مؤلفيه يعلنان من البداية موقفاً مدافعاً عن العولمة، في وجه تراكم النقد الموجه لها من كل الاتجاهات. ورغم هذا الإعلان غير المتحفظ فإنهما واعيان لأهم خطأ يشترك فيه نقاد ومؤيدو العولمة معاً وهو المبالغة. فهناك مبالغة يسهل رصدها في الدراسات المتشائمة من العولمة، والمتوقعة لنتائج كارثية متسببة عنها, وكذا أيضاً في الدراسات المبالغة في تصوير ثمرات العولمة وكأنها سوف تعم الكل بالقدر نفسه.


العولمة المتسارعة بعد نهاية الحرب الباردة قد تقود العالم إلى الازدهار، أو إلى الدمار

دمار أو ازدهار

يجادل المؤلفان بأن العولمة المتسارعة بعد نهاية الحرب الباردة قد تقود العالم إلى الازدهار أو الى الدمار، وهذا الاحتمال المزدوج لنتائج التحولات الكبرى له سوابق زمنية. فتاريخياً -وعلى الأقل في القرن العشرين- هناك منعطفان سبقا العولمة، وأتاحا مثل هذين الاحتمالين، هما:

-نهاية الحرب العالمية الأولى، حين أسس المنتصرون وضعاَ دولياً كان سبباً للدمار الذي أعقب تلك الحرب.

-ونهاية الحرب العالمية الثانية، عندما أسس المنتصرون أيضاً النظام الدولي الذي أتاح الازدهار اللاحق منذ منتصف القرن العشرين (في الجزء الغربي من الكرة الأرضية على أقل تقدير).

وعلى هذا -وكما يقول المؤلفان- فإننا أمام منعطف تاريخي، سوف تحدد فيه العولمة في السنوات القليلة القادمة مسار البشرية في القرن الواحد والعشرين: إما الدمار، وإما الازدهار.

والعولمة التسعينية تسارعت -عمليا- بسبب غياب عائقين كبيرين وقفا في وجهها لعقود طويلة:

-الأول هو الستار الحديدي الذي فصل أوروربا الشرقية عن الغربية.

-والثاني هو سيادة نهج تدخل الدولة في السوق.

ومن هنا فعلى رغم وجود شركات متعددة الجنسيات منذ عقد الستينيات, ورغم وجود عناصر عولمة متعددة هنا وهناك، خاصة في مجال تكنولوجيا الاتصالات والإعلام, إلا أن عولمة الإنتاج الاقتصادي, وهي العمود الفقري للعولمة الراهنة, لم تبدأ حقيقة إلا منذ مطلع التسعينات.

شرور كامنة
يرى الكاتبان أن كثيرا من الشرور التي تنسب إلى العولمة هي كامنة في الأصل في الواقع المعني، وأن العولمة لم تعمل سوى على كشف هشاشة هذا الواقع وتعفن الفساد فيه، ولذا فإن اللوم الحقيقي يجب أن يوجّه إلى الحكومات، أو إلى الأطراف المسؤولة مباشرة عن نشوء تلك الشرور، التي تراكمت على مدار عقود من الإدارة السياسية والاقتصادية الفاشلة, كما هو الحال في معظم دول العالم الثالث والدول العربية.

والتقييم المنصف للعولمة -كما يريان- هو في النظر إليها من زاوية كشف نقاط الضعف الموجودة أصلاً، ومضاعفة أثرها السالب, وليس خلقها ابتداءً. لكن ما هو خلافي أكثر في أطروحتهما هو القول بأن العولمة تساعد على انتشار الديموقراطية في العالم, وأن ثمّة تلازما بين الاثنتين، سيما وأن الظاهرتين اكتسبتا زخماً متزامناً في العقد الأخير وبعد نهاية الحرب الباردة. فهما يتحدثان عن تحطيم العولمة لما يسمى بـ "استبداد المكان" (the tyranny of place)، أي إتاحة المجال للناس لمزيد من التنقل والتواصل، وتجاوز الحدود التي حشرتهم لعشرات السنين, وأجبرتهم على نمط واحد من المعيشة، وطريقة واحدة للاستثمار وفي مكان واحد, وحدت آفاق قراءاتهم ورؤيتهم للعالم. وأبعد من ذلك أن العولمة وفرت للناس إمكانية إعادة تشكيل هوياتهم بشكل مستقل عن الأطر التقليدية التي توارثوها عن أجدادهم.

النموذج المعولم


العولمة هي ظاهرة تجارية اقتصادية في الجوهر، ومحركوها الأساسيون هم المستثمرون والمغامرون وأرباب التجارة والعمل والشركات الكبرى, وليس السياسيين أو بيروقراطيي الحكومات

ورغم ما يبدو من وجاهة في هذه المعالجة إلا أن العولمة أيضاً حدت من خيارات البشر, اقتصاديا وسياسياً وثقافياً, بحيث بدا النموذج المعولم، أي الليبرالية الاقتصادية، والديموقراطية الغربية، والثقافة الغربية، هي النموذج الوحيد المطلوب من الدول والمجتمعات تبنيه.

وفي الواقع فإن أكثر من قراءة حديثة عن العولمة والديموقراطية تشكك في عمق ودقة هذه المقولة, كما يفعل مثلاً جون غري الاقتصادي الإنجليزي المعروف، وصاحب كتاب "الفجر الكاذب: أوهام الرأسمالية المعولمة".

وعموماً يبقى أثر العولمة على انتشار الديموقراطية أثراً مختلطاً، وليس محسوماً باتجاه إيجابي. ويشار عادة إلى مثالي روسيا وإندونيسيا، حيث لم تعمل عولمة الأسواق في كلا البلدين على إنجاز عملية الانتقال الحقيقي نحو الديموقراطية. والجانب الأهم فيها ذو العلاقة بالتأثير إيجاباً في نشر الديموقراطية هو العولمة الإعلامية, والتي لم يركز عليها الباحثان. فهذا النوع من العولمة هو أكثر تأثيراً في الدفع نحو انفتاح سياسي، وتعزيز التحول البطيء نحو الديموقراطية في الدول الدكتاتورية.

والمقصود بالعولمة الإعلامية هنا هو الانفتاح المذهل على المعلومات، وكسر الاحتكار الرسمي لها، إما عن طريق البث التلفزيوني العابر للحدود، أو شبكة الإنترنت، التي مآلها الانتشار السريع حتى في الدول الفقيرة.

ثلاث قوى
ينحاز المؤلفان إلى اعتبار أن العولمة هي ظاهرة تجارية اقتصادية في الجوهر، ومحركوها الأساسيون هم المستثمرون والمغامرون وأرباب التجارة والعمل والشركات الكبرى, وليس السياسيين أو بيروقراطيي الحكومات. وهذا الانحياز انعكس بالتالي على الكتاب، الذي ضمرت فيه المعالجات السياسية والثقافية لحساب الاقتصاد وحركة رأس المال. وهما يريان أن ثمة ثلاث قوى غير سياسية هي: التكنولوجيا، ورأس المال، والإدارة، تشتغل حالياً على توحيد العالم وتقريبه  بعضه إلى بعض.

ولكن السؤال الذي يبرز هنا هو في مدى دقة النظر إلى هذه القوى باعتبارها آليات غير سياسية حقاً. ومرة أخرى يقولان بأن التكنولوجيا تحرر الناس من "استبداد المكان" ويسهبان في وصف أوجه التكنولوجيا، التي جعلت من العالم قرية صغيرة.

مركزية الغرب
وإضافة إلى "مركزية الاقتصاد" في معالجة العولمة في هذا الكتاب، فإن ثمة مركزية أخرى مرتبطة بها، تلون الكتاب بشكل واضح، وهي مركزية المعالجة الغربية. وتتجسد "المركزية الغربية" ليس فقط في النظرة إلى العولمة على أنها نتاج غربي وظاهرة غربية بامتياز, بل وأيضاً في سوق الأمثلة والشواهد والقصص التي ترد في فصول الكتاب، عندما يحاول المؤلفان إقناعنا بمزايا العولمة، وتوسيعها لحرية الاختيار أمامنا كمستهلكين.

فهما يذكران بأن العولمة أتاحت لنا الحصول على سيارات, وكمبيوترات، وإجازات سنوية أرخص, وأنها أجبرت الحكومات على الإنفاق على مجالات جديدة، أدت إلى إغناء حياتنا بالموسيقى، والفن، والأدب، وكذلك الألعاب المختلفة.

وينسيان أن هذه المعايير هي غربية بامتياز، وبعيدة المنال جداً عن أحلام مئات الملايين من البشر المطحونين تحت معدلات الفقر المخيف، ولا يعرفون ما هو الكمبيوتر حتى يبتهجوا لأن سعره انخفض, كما لا يفقهون مفهوم "الإجازة السنوية" حتى يركضوا فرحاً باتجاه وكلاء سفرهم، للحجز للإجازة القادمة، لاستغلال أسعار التذاكر الرخيصة (للمستهلك الغربي).

والواقع أنه بالقدر الذي قدمت فيه الأرقام والنماذج العملية وقصص النجاح التي أورداها في الكتاب دليلاً على فوائد العولمة، فإن ذات الأرقام والقصص تقدم عتاداً علمياً لنقاد العولمة، الذين أراد الكاتبان إدارة السجال معهم، في هذا الكتاب ذي اللغة الرشيقة والأسلوب الشيق والمثير.

صحيح أن هناك مثلاً ثلاثة ملايين شحنة بريد صغيرة، تجوب العالم يومياً عبر طائرات شركة واحدة كما يستشهدان, لكن السؤال يظل حول جغرافيا هذا الشحن, وبين أي الشركات والدول يتم, وهل هو معولم حقاً، أم أنه تبادل بين المجتمعات والدول الغنية فقط؟.

ثم يقولان إن سفر شخص ما من نيويورك إلى لندن خلال عطلة نهاية الأسبوع، لحضور حفل زفاف لصديق، في السابق كان ينظر إليه على أنه غاية التحلل الاجتماعي, أما الآن فإن السكرتيرات وعمال صيانة مجاري المنازل يقومون بذلك.

ولكن يظل السؤال مرة أخرى: عن أي عالم يتحدثان؟ وكيف يمكن أن يقرأ فقراء العالم هذه القصص، وهذه الأدلة على عولمة عالم اليوم؟.

ثم لننظر إلى نسب تملك وسائل التكنولوجيا الحديثة، فمثلاً نسبة 40% من كمبيوترات العالم تقع في أمريكا. وهناك واحد من كل ثلاثمائة أفريقي يمتلكون خط هاتف. وفي نفس الوقت هناك أكثر من ثلث الرجال في ثمانية بلدان غنية, ممن هم في العشرينات من عمرهم, يمتكلون هواتف خلوية, وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 100% في الدول الاسكندنافية.

وعموماً يبقى أن أربعة أخماس مالكي الهواتف الخلوية على الأرض هم في العالم الغني. أما بنغلاديش -مثلاً- فهي تمثل "صحراء هاتفية" بحسب وصف المؤلفين، إذ إن هناك خط هاتف واحد لكل 275 شخص, و 90% من قرى البلد البالغ عددها 86 ألف قرية ليس لديها أي وسيلة للوصول إلى خدمة الهاتف على الإطلاق، وفي هذه الأرقام بالضبط يقع تحدي العولمة... ووعدها الخفي!

المصدر: الجزيرة
احفظ وشارك طباعة الصفحة إرسال المقال
الثقافة والعولمة
عالم منفلت: كيف تشكل العولمة حياتنا
توالد العولمة: التحولات والممانعة
ماليزيا تنصح بمعالجة شكاوى مناهضي العولمة
فصائل تنفي اتفاق وقف الصواريخ
برلمان العراق لم يحسم نقض الهاشمي
مبارك لبيريز: القدس مشكلة كل مسلم
مسؤول بفتح: السلطة الفلسطينية عبء

تحليلات|كتب|وجهات نظر|أحداث العام|تغطيات 2009|ملفات خاصة 2009

جميع حقوق النشر محفوظة2000- 2009م(انظر اتفاقية استخدام الموقع)