ابحث عن
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة|تواصل معنا
الأربعاء 28/1/1431 هـ - الموافق 13/1/2010 م (آخر تحديث) الساعة 10:49 (مكة المكرمة)، 7:49 (غرينتش)
طباعة الصفحة إرسال المقال
وثيقة الملتقى
العراق.. رهانات الوحدة وتحديات بناء الدولة


نظم مركز الجزيرة للدراسات ملتقى حول العراق تحت عنوان: "العراق: رهانات الوحدة وتحديات بناء الدولة" وذلك من 25 إلى 26 فبراير/شباط 2007، بفندق شيراتون الدوحة، بقطر.

"
ما يتعرض له العراق منذ بداية الاحتلال في ربيع 2003 هو مستوى آخر من الامتحان، ليس لأن قطاعاً من العراقيين ساهم في تسويغ الغزو والاحتلال فحسب، وإنما أيضاً لأن النظام العراقي الذي ولد مع الاحتلال لا يشبه العراق ولا تاريخه ولا ميراثه
"
وقد صدر عن الملتقى الوثيقة التالية
مر العراق خلال العقود القليلة الماضية بحقبة من أكثر حقبات تاريخه صعوبة وتعقيداً.

فمن سنوات الحرب العراقية–الإيرانية الطويلة والباهظة الخسائر بالأرواح والأموال، مروراً بسنوات الحصار بالغة القسوة، إلى الغزو والاحتلال الأجنبي، كان العراق يخرج من محنة ليدخل أخرى.

ولكن ما يتعرض له العراق منذ بداية الاحتلال في ربيع 2003 هو مستوى آخر من الامتحان، ليس لأن قطاعاً من العراقيين ساهم في تسويغ الغزو والاحتلال فحسب، وإنما أيضاً لأن النظام العراقي الذي ولد مع الاحتلال لا يشبه العراق ولا تاريخه ولا ميراثه، ولن يكون قادراً على إعادة البلاد إلى عافيتها.

تعرض العراق، وطناً ودولة وشعباً، للتشويه والإنكار، وتواطأت فئات وتيارات محلية مع قوى خارجية نافذة على تأسيس سردية بديلة لتاريخ العراق ومكوناته والمعالم الكبرى لهويته. قيل مثلاً، إن العراق دولة مصطنعة، أقامها البريطانيون بقوة السلاح من ثلاث ولايات عثمانية شمالية وجنوبية ووسطى مختلفة. وقيل إن الشعب العراقي شعب منقسم على ذاته، ليس فقط بين عرب وأكراد، ولكن أيضاً بين سنة وشيعة، وغيرهم، لم يبقهم معاً طوال العقود الثمانية الماضية إلا بطش سلطة مركزية متحكمة. وحتى هوية العراق العربية أصبحت موضع تساؤل.

نحن المجتمعين، عراقيين وغير عراقيين، في ندوة مركز الجزيرة للدراسات حول العراق، نؤكد على ما يلي:

  1. برز العراق باعتباره وطناً ومجالاً جغرافياً محدد السمات والمزاج منذ مطلع الفتح الإسلامي، وبالرغم من الخلافات الصغيرة بين المؤرخين والجغرافيين المسلمين، فقد عرف هؤلاء العراق بأنه البلاد الممتدة من عبدان إلى حديثة الموصل. قسم العراق إدارياً مطلع الفتح الإسلامي إلى عدة ولايات أحياناً، وأصبح ولاية واحدة أحياناً أخرى، أصبح مركز مجال إمبراطوري إسلامي لحقبة من الزمن، وتقاسمته دويلات وإمارات إسلامية في ظل الخلافة العباسية في حقبات أخرى.

    وبعد فاصلة من الاضطراب والتدافع تلت الغزو المغولي، أصبح العراق جزءاً من السلطنة العثمانية. في العهد العثماني، ومثل أغلب بلدان المشرق العربي، أدير العراق في بعض الفترات باعتباره ولايات ثلاث أو أكثر، وفي فترات أخرى باعتباره ولاية واحدة. ولكن هذه التقسيمات الإدارية لم تنل من وحدة العراق، وكان يشار إليه في الأدبيات العثمانية بالبلاد العراقية أو الخطة العراقية. كما ظلت بغداد منذ تأسيسها مركز العراق الاقتصادي والسياسي والعلمي الرئيس، بل والمركز صاحب التأثير الأكبر على مدن العراق الأخرى وحكامها، من البصرة إلى الموصل والسليمانية.
  2. كل دول المشرق، بحدودها المعروفة الآن، بما في ذلك تركيا نفسها، التي تضم العاصمة العثمانية السابقة، وليدة الحرب العالمية الأولى وانهيار النظام العثماني. وكما أن الفرنسيين لم يخترعوا أهمية دمشق وثقلها التاريخي بالنسبة لسورية، فإن البريطانيين لم يجهلوا معنى القاهرة وبغداد بالنسبة للدولتين المصرية والعراقية الحديثتين.

    الحقيقة التي لا ينبغي القفز عليها أن وجود مصر وسورية والعراق، كأوطان لا كدول حديثة مجزئة، سبق وجود النظام الاستعماري بقرون طويلة. كما أن توق شعوب المنطقة العربية للوحدة، يمثل رغبة الشعوب في كسر حدود الدولة الحديثة، التي رسمتها القوى الاستعمارية، لا تحطيم وحدة العراق وسورية ومصر، وإلا فكيف نفسر تصويت أبناء ولاية الموصل في منتصف العشرينات، وتحت إشراف عصبة الأمم، للبقاء ضمن الدولة العراقية عندما انفجر النزاع بين العراق وتركيا على مصير الموصل.
  3. كان العراق موطناً للقبائل العربية اليمانية والشمالية (إلى جانب الصابئة والأنباط والفرس) منذ ما قبل الفتح الإسلامي. وقد تدفقت الهجرات العربية القبلية إلى العراق مباشرة بعد الفتح واستمرت حتى القرن التاسع عشر. وككل مجال إسلامي مركزي، شهد العراق حركة تعرب واسعة النطاق.

    "
    ولدت الدولة العراقية الحديثة في 1921 والنمط السائد للدولة في العالم هو نمط الدولة المسيطرة على شعبها وحدودها، الدولة باعتبارها مصدراً للقانون والشرعية، التي لا تتحكم في مقدرات بلادها وحسب، بل وتطلب الولاء من شعبها
    "
    ولكن انهيار السلطة العباسية المركزية في نهايات القرن الثالث الهجري، ونشوء إمارات إسلامية شبه مستقلة في المشرق الإسلامي الأسيوي، تبنى أمراؤها الثقافة الفارسية، وضع حداً لحركة التعرب. وحتى ولادة الفكرة العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لم يعرف العراق في فترة واحدة من تاريخه شكاً في هويته العربية وفي هيمنة العربية على فضائه الثقافي، ولا في الانتشار العربي الحضري والقبلي على جغرافيته، بالرغم من استمرار وجود مجموعات إثنية وثقافية أخرى، لم تجد غضاضة في أن تكون جزءاً من العراق العربي–الإسلامي. وعلى مر العصور، ظل العراق بوتقة تعرب إسلامية حيوية، لم تتوقف عن الفعل إلا بعد تبلور الاتجاهات القومية الحصرية في المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى.
  4. في العراق ولد التشيع والتسنن على السواء، وفي حواضره سجلت النصوص المؤسسة لكل منهما. ولم يحدث مطلقاً أن تجلى التشيع أو التسنن في كيانات إثنية أو قبلية حصرية، بل ظلا دائماً خيارين إسلاميين داخل المجموعات الإثنية والقبلية، بل والأسرية، الواحدة. وليس صحيحاً أن التشيع تعرض للاضطهاد طوال التاريخ الإسلامي للعراق، فالخلفاء العباسيون الأوائل لم يكونوا سنة بالمعنى المعروف للتسنن، وحتى بعد الصعود السني الكبير في القرن الثالث الهجري، لم يعدم التاريخ العباسي بروز خلفاء عباسيين متشيعين، من المأمون إلى الناصر. وقد كان أغلب وزراء الدولة العباسية في القرن الأخير من تاريخها من الشيعة. كانت السلطة البويهية سلطة شيعية، كما أن الدولة الحمدانية في شمالي العراق وسورية كانت كذلك.
  5. إن من التبسيط تبرئة التاريخ الإسلامي كله من حوادث الاضطهاد للمخالفين للسلطة الحاكمة أو للمجموعات المتمردة. ولكن حوادث الاضطهاد وقعت من الجميع وعانى منها الجميع، من تمرد الخوارج وبطش الحجاج، مروراً بحكم المنصور المركزي والتعصب البويهي، وصولاً إلى دموية الحركة والغزوات الصفوية ومقارعة ولاة بغداد العثمانيين لتمرد العشائر شيعة وسنة.
  6. وربما كان الشيعة دائماً ظاهرة حضرية في العراق. ومنذ النصف الثاني للقرن الثامن عشر، أخذ التشيع في الانتشار بين العشائر العربية الجنوبية. وما إن توقفت حركة التشيع في مطلع القرن العشرين، حتى كان أغلب العشائر العربية العراقية قد توزعت بين التشيع والتسنن، من شمر وتميم والدليم إلى الجبور والجنابيين وربيعة، طبقاً للمناطق التي يقطنها هذا الفرع أو ذاك من العشيرة في أغلب الأحيان.
  7. ليس هناك جنوب شيعي ووسط أو شمال سني، فالسنة يتواجدون في أغلب المحافظات الجنوبية، بهذا القدر أو ذاك، والشيعة يتواجدون في أغلب الوسط والشمال، بهذا القدر أو ذاك. وبغداد بكل تداخلها الطائفي هي صورة أصيلة للعراق، ولا تشمل هذه الصورة المتداخلة العراقيين العرب والأكراد والتركمان من المسلمين وحسب، بل والمسيحيين بكل طوائفهم والصابئة وغيرهم.
  8. ولدت الدولة العراقية الحديثة في 1921 والنمط السائد للدولة في العالم هو نمط الدولة المسيطرة على شعبها وحدودها، الدولة باعتبارها مصدراً للقانون والشرعية، التي لا تتحكم في مقدرات بلادها وحسب، بل وتطلب الولاء من شعبها. ومن الخطأ وصف الدولة العراقية بالطائفية، أو الإثنية العربية، وإن بدت بعض حالات التمييز الجانبية. كانت عروبة الدولة العراقية خيار كل طبقتها السياسية تقريباً، الطبقة التي كان العديد من عناصرها من أصول كردية وتركمانية وطنية. وقد ظل عراقيون أكراد يحتلون مواقع بارزة في الجيش ومؤسسة الحكم، حتى بعد انطلاق الحركة القومية الكردية.

    ولأن تصور الدولة كان من البداية تصوراً حديثاً، فقد سلمت مقاليدها لعناصر تلقت تعليماً وتدريباً حديثاً في الجيش والبيروقراطية العثمانية المتأخرة، التي كانت في أغلبيتها العظمى من السنة، نظراً لابتعاد الشيعة العراقيين عن التعليم العثماني الحديث أو الخدمة في أجهزة الدولة العثمانية. الدولة العراقية الحديثة، بكلمة أخرى، وليدة ظرف تاريخي معين لا مؤامرة سنية للسيطرة والتحكم. وبانتشار التعليم الحديث في أنحاء العراق، اتسع نطاق المشاركة الشيعية في مؤسسات الدولة المختلفة، بما في ذلك الجيش وبيروقراطية الدولة وموقع رئاسة الوزراء.
  9. "
    ليس هناك شك في أن الامتيازات التي حظي بها الأكراد في العراق، على المستويين الثقافي والسياسي، هي الأكبر في أي من دول الجوار ذات الأقليات الكردية الملموسة.
    "
    بنيت الدولة العراقية الحديثة، بما لها وما عليها، بيد أبنائها جميعهم، سنة وشيعة وعرباً وغير عرب. كان قادة الحركة القومية العربية، من نادي المثنى بن حارثة الشيباني، إلى حزب الاستقلال، إلى حزب البعث، من السنة والشيعة، وكذلك كانت قيادات الحزب الشيوعي المختلفة. الذين واجهوا الغزو البريطاني في الحرب الأولى كانوا سنة وشيعة، والذين انخرطوا في ثورة العشرين -الحدث المؤسس للوطنية العراقية الحديثة- كانوا سنة وشيعة. وحتى الحرب العراقية–الإيرانية، بسياقها وآثارها المأساوية، خاضها العراقيون سنة وشيعة. ولهذا، لا يستقيم العراق إلا بأحزاب لكل العراقيين، ولا يصح أن ينظر إلى شعبه باعتباره أكثرية وأقلية، ذلك أن مفهوم الأغلبية والأقلية مفهوم سياسي وبرلماني.

  10. بيد أن ولادة العراق الحديث في عصر الحركات القومية كان يعني أن عليه التعامل مع بروز حركة قومية كردية، ذات طابع سياسي وثقافي على السواء. والحقيقة أن الطبقة السياسية العراقية، منذ عبد الرحمن البزاز على الأقل، أجمعت على القبول بوجود كيان كردي داخل العراق، يتمتع بهذا القدر أو ذاك من الحكم الذاتي. وليس هناك شك في أن الامتيازات التي حظي بها الأكراد في العراق، على المستويين الثقافي والسياسي، هي الأكبر في أي من دول الجوار ذات الأقليات الكردية الملموسة.
  11. فيما عدا الخصوصية الكردية، فإن أنماط الحكم والوثائق الدستورية التي ولدت بعد الاحتلال، بما في ذلك نظام المحاصة ومشروع الفدرالية، ليست محل إجماع العراقيين، ولن تؤدي بالعراق إلا إلى الانحدار نحو الكارثة. إن العراق غير قابل للانقسام، وكل محاولات إعادة بنائه على أساس من المحاصة الطائفية والإثنية، تدفع البلاد إلى مزيد من التناحر، ليس بين الطوائف والأعراق وحسب، بل وداخل كل طائفة ومجموعة إثنية.
  12. إن دولة أو كتلة في العالم، مهما بلغت من قوة ونفوذ، لا يجب أن تفترض لنفسها سلطة أخلاقية عليا على شعب آخر، تغزوه بلا مبرر وتقوض أنظمته السياسية ونسيجه الاجتماعي، وتعيد بناءه كما ترغب أو ترغب مجموعة من المتحالفين معها من الطامعين بالسلطة والثروة. الشعب العراقي لم يطلب تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في شؤونه، وحقه في مقاومة الاحتلال الأميركي هو حق تكفله القوانين والشرائع الدولية. وعلى المحتل أن يتوقف عن ابتزاز العراقيين باحتمالات اندلاع حرب أهلية، ويبدأ بالخروج من البلاد. وبعدها فقط، بعد الاستقلال الناجز، يمكن أن يمضي العراقيون نحو استكمال وضع أسس دولتهم واجتماعهم السياسي من جديد.

  13. "
    كان قدر العراق الحديث أن يجاور عدداً من الدول الإقليمية الرئيسة، التي لا تقل عنه مساحة وقوة، إن لم تزد. وكان قدره أن يوضع في قفص "جيوبوليتكي" بلا منفذ كاف على البحر. وهو ما جعل قادة العراق الأوائل دعاة رئيسيين للوحدة العربية، التي رأوا فيها خلاص العراق والمنطقة كلها
    "
    كان قدر العراق الحديث أن يجاور عدداً من الدول الإقليمية الرئيسة، التي لا تقل عنه مساحة وقوة، إن لم تزد. وكان قدره أن يوضع في قفص "جيوبوليتكي" بلا منفذ كاف على البحر. وقد أدرك قادة العراق الأوائل هذه الحقيقة منذ الاستقلال الأول في الثلاثينات، وهو ما جعلهم دعاة رئيسيين للوحدة العربية، التي رأوا فيها خلاص العراق والمنطقة ككل. ولكن العراق يمثل أيضاً صورة مصغرة عن جواره العربي والإسلامي، بكل تنوعه الطائفي والمذهبي والإثني. لا من مصلحة العراق أن يثير التوترات مع جواره، ولا من مصلحة الجوار أن يعبث بمصير العراق. إن علاقة العراق بإيران وتركيا يجب أن تنطلق من علاقات الجيرة ومبدأ الوحدة الإسلامية، ومن الإدراك أن التنازع مدمر لكل الأطراف. كما أن تشظي العراق أو فقدانه الأمن والاستقرار يهدد بدفع المنطقة كلها إلى التشظي وفقدان الاستقرار.

  14. وأخيراُ نؤكد على ضرورة إيجاد عقد سياسي اجتماعي جديد بين التكوينات الفكرية والسياسية الوطنية، في إطار وثيقة دستورية يتم الاستفتاء عليها في ظروف سليمة وطبيعية وبعيداً عن الاحتلال والتدخل الخارجي والإقليمي. كما نؤكد على حق الشعب العراقي في بحث طبيعة الحكم الذي يرتئيه مناسبا لأوضاعه في ظروف سلمية. مع الأخذ بعين الاعتبار وحدة العراق وسيادته على موارده، وضرورة التطلع إلى جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي كي يبذلا المزيد من المساعي بهدف ضمان استقلال العراق ووحدته، أرضاً وشعباً.
المصدر: الجزيرة
شارك
شارك
طباعة الصفحة إرسال المقال
من موقع الأخبار
الرؤية والأهداف|اتصل بنا|تقدير موقف|تقارير|ملفات|حوارات|قضايا|كتب الجزيرة|أوراق الجزيرة|مؤتمرات|ندوات|منتدى المشرق|أطروحات و كتب