- العقيدة الإسلامية وانعكاساتها على الأعمال الأدبية
- المزج بين الكتابات الأدبية والتاريخ
- محاولات مسرحية
العقيدة الإسلامية وانعكاساتها على الأعمال الأدبية
سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة، في ظل ما يسمى بصراع الحضارات وهيمنة الولايات المتحدة الأميركية على العالم يبسط بعض المفكرين الإسلاميين ليقولوا إن جزءا كبيرا من الحل الثقافي والسياسي يكمن في الإسلام، هذا حال ضيفنا المفكر والمؤرخ العراقي عماد الدين خليل الذي يحذر من أشياء كثيرة ومنها مثلا احتمال نقل المياه العراقية إلى إسرائيل. يعتبر الدكتور عماد الدين خليل أحمد أكثر الكتاب العراقيين غزارة وفي مقدمة العاملين على ربط كل الحلول للقضايا العربية والإسلامية بالإسلام والقرآن الكريم، فهو لم يعمق معارفه العلمية والفكرية والفنية إلا ليعود إلى الفكرة القائلة بأن في الرجوع إلى الإسلام الحقيقي يمكن للعرب والمسلمين أن يستعيدوا مجدهم وعزتهم واللافت أن عددا من كتبه ازداد رواجا بعد انتشار أفكار صراع الحضارات والثقافات وحين أجرينا هذه المقبلة معه كان يمارس مهنة التعليم في الأردن ويستعد لعودة إلى العراق.
عماد الدين خليل- كاتب ومفكر إسلامي: بسم الله الرحمن الرحيم وأفضل الصلاة والسلام على رسول الله والشكر الجزيل لقناة الجزيرة.
سامي كليب: شكرا لك.
عماد الدين خليل: ولبرنامج زيارة خاصة..
سامي كليب: كمان شكرا.
عماد الدين خليل: على إتاحة هذه الفرصة للحديث في جملة أمور حقيقة بدءا من أني ها هنا مرتبطا بفصل دراسي واحد بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة اليرموك وأوشك هذا الفصل أن ينتهي وسأرجع ثانية إن شاء الله إلى العراق للعمل في كلية الآداب التي أرتبط بها منذ زمن بعيد.. منذ أواخر ستينات القرن الماضي وأنا أعمل في كلية الآداب أعود إلي هذه مواصلة أعمالي في قسم التاريخ.
سامي كليب: ستعود نهائيا إلى العراق؟
عماد الدين خليل: يعني بشكل قد يكون نهائي ولكني أخرج من حين وآخر إلى هذا البلد أو ذاك تلبية لمؤتمر أو ندوة أو دعوة وأرجع ثانية لكي أستقر في العراق.
سامي كليب: في العراق ولد الكاتب عماد الدين خليل عام 1941 ومن الموصل التقط أولى صور الحياة حيث درس الابتدائية قبل أن يحصل على إجازة في التاريخ والحضارة الإسلامية من جامعة بغداد ثم الماجستير من معهد الدراسات العليا في جامعة بغداد أما الدكتوراه فحصل عليها من جامعة عين شمس في القاهرة وكانت أطروحته عن إمارة ظهرت في العهد السلجوقي وكان لها دور هام وخطير في عصر الحروب الصليبية وقد لفتني وأنا أقرأ مقابلاته السابقة حديثه عن أمور خطيرة تحدث في عراقه منذ الاجتياح الأميركي، فهو تحدث بالتفصيل عن سرقة مياه العراق صوب إسرائيل أو عن قتل علماء عراقيين عمدا بغية إحداث خلل علمي في العراق وتوقف التقدم الكبير الذي كان شهده في عهد الرئيس السابق صدام حسين على المستويات العلمية والطبية والتربوية والتكنولوجية أو عن سرقة المتاحف.
عماد الدين خليل: والله هذه أيها الأخ الكريم كارثة كبيرة ذات يعني بعد ثقافي، محاولة لتسطيح الثقافة والحضارة في ديارنا العراقية، قطع جذورها وتغييبها وحدثت بشكل رهيب، تدمير كل المؤسسات الثقافية من متاحف الفنون التشكيلية إلى مراكز المخطوطات والوثائق وإلى المتاحف والمكتبات المركزية، نُهبت ودمرت، لم تكن القضية يعني عفوية بغرض السرقة والحصول على المال وإنما كان هذا قصد يسبق لتدمير هذا التراث بدليل أنهم أحرقوا..
سامي كليب: من قبل من؟
عماد الدين خليل: بالله يقال يعني أن مجموعات كبيرة دُربت قبل الاحتلال الأميركي للعراق لكي تدخل العراق فتمارس هذا الدور وسُمح لها بتأدية هذا الدور على مداه وألحق بالعراق كسورا خطيرة وخطيرة جدا أسلوب..
سامي كليب: مجموعات أميركية أم إسرائيلية؟
عماد الدين خليل: المجموعات يعني قيل بأن أميركا دربت في رومانيا ربما وهذا مجرد كلام لكن الواقع أكثر ثقلا من التخمينات أن ما حدث فعلا هو نهب وتدمير العمق التراثي لهذا البلد.
سامي كليب: ذكرني الأمر بمسرحيتك المغول.. يعني وكأننا نعيد في الواقع جزءا مما حصل على أيام المغول ومما كتبت مسرحية في سبعة فصول تتحدث عن الحصار الجائر وما حصل بعد ذلك وتحدثت وفق ما أعتقد عن أمير صالح يعني من بين الذين أنقذوا المدينة من الحصار، هل من أمير صالح اليوم يستطيع أن ينقذ؟
" مأساة العراق مع المغول في منتصف القرن السابع الهجري تعود الآن على أكثر من مستوى وبأكثر من ملمح " |
عماد الدين خليل: والله التاريخ كما يقول المؤرخ والفيلسوف الإيطالي المعروف بنستكروتشا هذا التاريخ كله معاصر ويعيد نفسه بين حين وآخر، فعلا مأساتنا مع المغول في القرن السابع في منتصف القرن السابع الهجري هذه الآن تعود في العراق على أكثر من مستوى وبأكثر من ملمح، برزت في يومها قيادات صالحة للمجابهة والآن كذلك موجود قيادات صالحة للمجابهة وحماية استقلالية العراق، فلا يمكن أن يخلو عصر من العصور لأي بلد اُحتلت أرضه ممن يقول لا للمحتل.
سامي كليب: يتجنب الكاتب العراقي عماد الدين خليل الكثير من الأسئلة حول المقاومة الإسلامية في العراق وحول نهب مياه بلاده ويتلافى الدخول في تفاصيل ما كتب سابقا عن اليهود واليهودية مع الإشارة إلى أنه كان ومنذ عام 1966 وحتى عام 2000 قد عمل مشرفا على المكتبة المركزية بجامعة الموصل قبل أن ينتقل للتدريس في دبي ثم عمان وفهمت في خلال الحديث أنه لا يتراجع عن مواقفه السابقة أو يندم وإنما يعتمد في الوقت الراهن خطابا حذرا على الأرجح لأنه عائد إلى العراق وربما قلق على مصيره ومصير عائلته في بلد لم يعد أحد يعرف من يقتل فيه من ولماذا وأين؟
عماد الدين خليل: قتل ما لا يقل عن ثلاثمائة عالم في العراق والقائمة بعد مفتوحة لتصفية رؤوس أخرى.
سامي كليب: طيب دكتور يعني تربط دائما عودة المشروع الحضاري بالإسلام بالقرآن الكريم وما إلى ذلك يعني.. هل يعني ماذا تقول مثلا للمسيحي المتنور الذي يود أن يعيد المشروع الحضاري العربي أيضا على طريقته ولا يريد أن يعيده هبر القرآن أو الإسلام؟
عماد الدين خليل: أن نرجع للتجربة للواقع التاريخي لهذه الأمة الذي تعايش فيه المسلم والمسيحي واليهودي والصابئ والمجوسي معايشة طيبة استمروا من خلالها يؤدون أعمالهم يمارسون حقوقهم المدنية والدينية ولم يتعرضوا لأي قدر من القسر والإكراه على الإطلاق ويعترف حتى المؤرق والمستشرق الإنجليزي المعروف برنارد لويس على انحيازيته في أن اليهود على وجه التحديد الذين ضُغط عليهم في أوروبا وهاجروا إلى الدولة العثمانية لقوا في الدولة العثمانية صدرا رحبا وعاشوا أجمل حياتهم أيام العثمانيين، كذلك عدنا في تاريخنا الإسلامي المسيحيون واليهود كانوا منهم الأطباء كان منهم المترجمون كان منهم أرباب الدواوين..
سامي كليب: طبعا تستشهد ببرنارد.. اسمح لي تستشهد ببرنارد لويس ولكن قال أشياء كثيرة أيضا ضد الإسلام وضد العروبة..
عماد الدين خليل: ضد أي لكن أنا قلق على انحيازيته رجل منحاز بمعنى الكلمة والتحق أخيرا بالمخابرات الأميركية لكي يعمل في ظلالها ويوظف خبراته التاريخية عن..
سامي كليب: لا أنا يعني فقط سؤالي لو سمحت لي دكتور عماد الدين خليل إنه مثلا بعض المفكرين العرب من إدوارد سعيد رحمه الله إلى جبرا إبراهيم جبرا إلى اليوم عزمي بشارة مثلا في الكنيست الإسرائيلي أحد نواب العرب في الواقع الذين لهم مواقف مشرفة.. يعني هذه الأسماء كلها هذه الأسماء المسيحية التي تود أن تكون جزءا من.. والتي كان لها الفضل يعني أيضا وصولا إلى ميخائيل نعيمة، إلى جبران خليل جبران وإلى ذلك في نشر الثقافة في نشر الأدب في نشر المعرفة العربية في نشر القومية العربية، طيب هذه طبعا مشروعها ليس مرتبطا لا بالإسلام ولا بالقرآن، يعني هل فقط المشروع الحضاري مرتبط بالإسلام والقرآن والعروبة هي صونوا للإسلام؟
عماد الدين خليل: المشروع الحضاري عندما يتحقق ويتاح له أن يجد موقع له في هذا العالم فإنه سيقبل الآخر، ليس ثمة في عقيدتنا نقي للآخر، {لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ} قبول للآخر وإعطاء الفرصة على مداها لأن يعبر عن طاقاته وقدراته وأن يتمتع بمبدأ تكافؤ الفرص.. هذا موجود، فلا يتصورن أحد بأن الإسلام يلغي الآخر أو ينفيه من الحساب وإنما يعطي الفرصة الكاملة {لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ} {لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ} المهم أن هذا الدين باعتباره السقف الأعلى للأديان كافة وخاتمها وجاء لكي ينقحها مما علقت فيها من أخطاء ويهيمن عليها أي يعيد صياغتها بما يتوافق واللفظ التوحيدي التي جاءت الأديان كلها من أجله في هذا السياق يبدو أن من حق الإسلام أن تكون بصماته واضحة في إعادة صياغة المصير البشري وعندما ستعاد صيغة المصير البشري في ضوء المعطيات الإسلامية.. في ضوء مبادئ المشروع الحضاري ومرتكزاته الأساسية فإن الآخر سيجد فرصة وفرصة كبيرة جدا في أن يعيش سعيدا قادرا على التحقق الذاتي في ظلال هذا المشروع.
سامي كليب: طيب طبعا هذا مشروع بحاجة لجدل كبير لسعات طويلة من النقاش، تفضلت وذكرت مالك بن نبيل هذا المفكر الإسلامي الجزائري الذي كان يوصف في الواقع في عصره وفيما بعد بأنه من أكثر المفكرين المغاربة انفتاحا بشكل عام، تأثرت به وفق ما قرأت في سيرتك؟
عماد الدين خليل: نعم.
سامي كليب: يعني باختصار شديد ما الذي يميزه عن غيره لمالك بن نبيل؟
عماد الدين خليل: قدرته على هندسة الأفكار، هو رجل مهندس أساسا يعني البكالوريوس بتوع الهندسة ووظف قدراته الهندسية في إعادة صياغة المفاهيم الإسلامية صياغة فكرية محكمة وبرؤية مهندسة لهذه الأفكار، حقيقة أدهشني هذا الرجل منذ ستينيات القرن الماضي عندما بدأت كتاباته الأولى شروط النهضة والصراع الفكري في البلاد المستعمرة ووجهة العالم الإسلامي تتدفق على ديارنا في العراق وغير العراق، أدهشنا بقدرته على تصميم الأفكار تصميما هندسيا يعني أشبه بمعادلات فكرية تعطينا نتائج محكمة قدر الإمكان بعيدا عن الفضفاضية والإنشائية والخطابية التي تعتم ولا توضح.

المزج بين الكتابات الأدبية والتاريخ
سامي كليب: إنشائية والخطابية تشكل أيضا جزء من كتابتك.. يعني بعض الكتابات حتى التاريخية تود أن تكون فيها بعض الإنشاء الجميل.. يعني الإنشاء ليس دائما سلبيا وأيضا بعض الشذرات الأدبية وبعض اللماحات الأدبية حتى حضرتك في كتابة التاريخ تنحو بهذا الاتجاه فما العيب في ذلك؟
عماد الدين خليل: هنالك صراع حقيقة أنا أعاني منه منذ زمن بعيد ولم يستقر إلا بعد ما فصلت بين أعمالي الفكرية وأعمالي التاريخية وأعمالي الأدبية، يطغى أحيانا النزوع الأدبي..
سامي كليب: صحيح؟
عماد الدين خليل: لأن يدخل على الخط فحاولت أن أشكمه في نهاية الأمر والآن معظم أعمالي التاريخية والفكرية أيضا تعتمد فكرة تنزيل تصاميم ذهنية بعيدا عن الإنشائية والخطابية والأدب له ساحته ومساحته الخاصة.
سامي كليب: ندمت على ذلك؟
عماد الدين خليل: يعني إلى حد ما.
سامي كليب: لم يندم الكاتب العراقي عماد الدين خليل فقط على هذا المزج بين الأدب والتاريخ في أعماله السابقة وأينما ندم أيضا على بعض ما كتب شعرا ومسرحا وهذا طبيعي في تجربة رجل وضع حتى الآن عشرات الكتب والأبحاث والدراسات التي وإن حافظت على الفكرة الأولى والقائلة بأرجحية الإسلام على كل شيء آخر إلا أنها تأثرت بالتيارات الفكرية المختلفة التي عاشها أو عاصرها أو خبئها ومن يقرأ كتابه الحامل عنوان تجديد العقل الإسلامي سيجد تلك المحاولات الحثيثة لدى عماد الدين خليل لتطوير العقل الإسلامي بما يتناسب والعلوم الحديثة من جهة وما يحافظ على جوهر الدين من ناحية ثانية وسألته هل أن الحوار كاف لإقناع الآخر وللتمازج الحضاري معه أم أن الصراع حتميا أيضا؟
عماد الدين خليل: الحوار والصراع معا حيثما تطلب الأمر صراعا استجشيت القدرات لمجابهة الموقف وحيث ما تتطلب الأمر فتح بوابات للحوار الآخذ والعطاء وهنا التجربة الإسلامية.. لا نجد ضر في هذا..
سامي كليب: هل عشت دكتور في بيئة غير مسلمة؟ هل قرأت عن شيء غير الإسلام؟
عماد الدين خليل: قضيت فترة من الوقت ولكن على تباعد يعني ومدايا زمنية محدودة في إنجلترا في فرنسا في أسبانيا ولكني تعاملت مع الفكر الغربي من خلال ما نُقل إلينا عنه من مُتَرجمات جعلت الإنسان يطلع جيدا على.. وحقيقة تأثري إلى حد كبير في عدد من هذه المؤلفات التي ترجمت إلى اللغة العربية من الفكر الغربي يفكرون بعمق ولديهم قدرة مدهشة على الاكتشاف وعلى تصميم الأفكار وقد تعلمت منهم شيئا الكثير حقيقة..
سامي كليب: ولكن أسألك لأن الغريب في بعض ما كتبت حضرتك تقول إنه انتهى عصر أولئك الذين كانوا يأتون من الغرب ويقولون لنا بأن هذه الأفكار العلمانية والمنفتحة وما إلى ذلك هي الأفكار الصحيحة من أجل المعرفة الحقيقية اكتشاف حقيقة الأمور وصار الإسلام يعيد صياغة نفسه وبدأ المفكرون المسلمون في عصرنا الحالي يعني ينهلون من ثقافتهم وتاريخهم وتراثهم لكي يقدموا ما هو أفضل وكأن بك ترفض هذا القادم من الغرب؟
عماد الدين خليل: لا كنت أتحدث عن ما جرى في الستينات وسبعينات القرن الماضي..
سامي كليب: حتى الخمسينات صحيح..
عماد الدين خليل: وحتى الخمسينات من خلال عمل الجامعي طالبا ومدرسا وأستاذا كان معظم القادمين من الغرب يحملون رؤى الغربيين أنفسهم المادية العلمانية التي تتناقض ابتداء مع الثوابت الإسلامية وكانوا يبشرون بهذا في الجامعات التي يدرسون فيها وكنا نحن طلبة نتصدى لهم بقدر ما نملكه من علم محدود وتسعة من عشرة أقدر أقول لك.. تسعة من عشرة من القادمين من ديار الغرب كانوا يوم ذاك يأتون مبشرين بالفكر الغربي وبالمعطى الغربي على حساب الثوابت الإسلامية والمعطيات الإسلامية، الآن انعكست الآية، الآن حسب خبرتي وقد درست في عدد كبير من الجامعات تسعة من عشرة ممن يبنون ولا يهدمون، ممن يعطون طلابهم وجهات نظر أصيلة تنسجم والثوابت والمرئيات الإسلامية لحسن الحظ.. انعكست الآية..
سامي كليب: من أين لك هذا النزوع الإسلامي منذ البداية؟ هل أهلك كانوا ذوي فكر إسلامي معين؟ يعني خبرنا شوي عن عائلتك عن الوالدة والوالد.
عماد الدين خليل: والله العائلة في الحقيقة تأثير وللوارثة تأثير وللبيئة تأثير وللمتابعات الشخصية والقراءات التأثير الأكبر في الحقيقة..
سامي كليب: مثلا الأهل الوالد؟
عماد الدين خليل: الوالد كان رجلا متدينا لا تفوته صلاة ولكن التدين بمفهومه يعني الشعبي، تعلمت منه الكثير هذا الالتزام المنضبط بكل ما يأمر به هذا الدين، هذا الاحترام الذي يعني يبلغ حد الدهشة لكل الثوابت الإسلامية والتقاليد الإسلامية، تعلمت منه الكثير وكذلك من الوالدة رحمهم الله وقد توفي في أواخر القرن الماضي وأثر في تأثيرا كبيرا ولكن المؤثر الأكبر ربما كان مؤثرا وراثيا جدي لأمي اللي هو محمد حسن أفندي البزاز كان شاعرا إيمانيا، تغني في قصائده بعشق الرسول وحبه صلى الله عليه وسلم، كانت مترعة بالشفافية والغنائية والوجدانية وتوفي وهو بعد شاب بسبب من حساسيته الفائقة، تأثرت به كثيرا، ربما تسربت تأثيرات وراثية من هذا الجد إلى أمي إلى تكويني العصبي فأصبحت أعاني من حالة من الحساسية المفرطة تجاه الأشياء.. الحساسية التي قادتني أحيانا إلى حد الإعياء، يعني كان يسميها كولن ولسن في كتابه سقوط الحضارة وأنا منتمي كذلك انعدام فاصل الألم بين الإنسان وبين العالم، الوخزة تصل بسرعة ولا يوجد بينها وبين الإنسان فاصل ما.
سامي كليب: هل تأثرت ببعض الأفكار القومية العربية مثلا طبعا حين قامت ثورة يوليو في مصر الرئيس؟ جمال عبد الناصر عبر عن بعد قومي عربي كبير كنت شابا كيف تعاطيت مع هذه الفكرة؟
عماد الدين خليل: كنت دائما انظر إلى القومية على أنها ليست خيارا والإنسان العقائدي يجب أن يختار العقيدة التي ينتمي إليها، العقيدة اختيار..
سامي كليب: كيف يعني ليست خيارا؟
عماد الدين خليل: لأنه أنت مرغم على أن تكون عربيا على أن تولد من أبي عربي وأم عربية القومية وجود وليست عقيدة عندما حولت القومية إلى عقيدة ألحقت بنا هذه المصائب والويلات التي لا زلنا نعاني مراراتها.. القومية توجد إحساس بالانتماء..
سامي كليب: أفهم من كلامك لم تعجب بعبد الناصر؟
عماد الدين خليل: لم أعجب بعبد الناصر صراحة، لم أعجب بعبد الناصر ولكن عندما أقيسه الآن في اللحظات الراهنة على ما يجري في الساحة من قبول وانحناء ربما يكون يعني قدر من الإعجاب قد يتسرب إلى مفاصل الإنسان.
سامي كليب: تقول دكتور عماد الدين خليل بدأت حياتي من محاولات مبكرة في عالم اللون وحين أخفقت تحولت إلى الكلمة، بدأت بالرسم وفق ما أعتقد؟
عماد الدين خليل: والله كان عندي يعني كنت أعشق الجمال وتأثير الجمال في تكويني العصبي تأثير مباشر ويكاد يكون يوميا فأردت أن أخرج هذه الطاقة المشحونة من الداخل إلى الخارج عن طريق الرسم بالألوان فلما أخفقت في هذا إخفاقا ذريعا ولم تطاوعني يدي على تحقيق هذا الذي أبغيه تحولت إلى الرسم بالكلمات كما يسميها نزار قباني الشاعر المعروف الرسم بالكلمات وأصبحت الكلمات قديرا..
سامي كليب: تحب شعر نزار قباني؟
عماد الدين خليل: الشعر السياسي نزار قباني..
سامي كليب: والعاطفي؟
عماد الدين خليل: والعاطفي لا..
سامي كليب: شو السبب؟
عماد الدين خليل: العاطفي ينطوي على مستوى فني كبير ولكنه ينطوي بنفس الوقت على مضامين تنزل بالإنسان إلى الدرك الأسفل يعني وهو قد يصل إلى حد الفجور في أعماله الوجدانية ولكن في أعماله السياسية تألق كثيرا وقدم رؤية متميزة وبشجاعة فائقة في مجابهة طاغوت هذا العصر.
سامي كليب: يعني بأفهم منك مثلا إنك لم تحب أبو النواس؟
عماد الدين خليل: أبو نواس في قصائده..
سامي كليب: ندم فيها..
عماد الدين خليل: التي ندم فيها وأعلن توبته تمثل طعم عذب حقيقة في تراثنا الشعري فيما يمكن تسميته بقصائد التوبة أو العودة إلى الله، قدم شيئا كثيرا في هذا المجال..
سامي كليب: طب دكتور لم تحب في حياتك؟ لم تهد مثلا امرأة أحببتها قصيدة عاطفية؟
عماد الدين خليل: والله أحببت زوجتي حقيقية لأنها كانت السند والظهير عبر ما يقرب من خمسين سنة مما يكاد يكون ليس حياة عائلية، كنت منعزلا مع أعمالي وكتاباتي ولم تتح لنا الفرصة عائلية حميمة كما يعيش بقية الناس وهي تحملت هذا كثيرا وكانت تدفعني دفعا إلى مزيد من العمل والإنجاز، هذه المرآة التي..
سامي كليب: كتبت عنها قصيدة عاطفية؟
عماد الدين خليل: لا لم أكتب لها قصيدة عاطفية ولكن يعني محبتها تتغلغل في القلب لأنها فعلا أعانتني كثيرا على ما حققته عبر مسيرة ما يقرب من ثلاثين سنة.
سامي كليب: لك تعبير جميل عن مرحلة الدراسة تقول كانت قصائد المعري والمتنبي وأبي العتاهية والبحتري تسكنني وكنت أجتاز المسافات الطوال تحت الشمس في ربيع الموصل الحار وأنا أستعيدها كي أتحرر منها فما أزداد إلا احتراقا، كتبت شعر على ما يبدو كان لك ديوان في البداية..
عماد الدين خليل: ديوان مبكر من عمل الستينات والسبعينات بعنوان جداول الحب واليقين..
سامي كليب: وندمت على بعضه فيما بعد كما قرأت لك..
عماد الدين خليل: لم أكن مقتنع بمستواه الفني ولهذا عدت مرة أخرى لكي أحقق طموحي الشعري ثم أتوقف نهائيا عن قول الشعر، عدت ثانيا في التسعينيات لكي انسج جملة من القصائد التي اقتنعت بمستواها الفني ونُشر ربما في دار الوفاء في مصر وسيعاد نشره في دار ابن كثير..
سامي كليب: دائما نابعة من التراث الإسلامي والفكر الإسلامي.
عماد الدين خليل: لا قصائد أشبه بقصائد الوجدان الديني يعني، التأمل الهادئ في المصير والحياة البشرية والميلاد والموت..
سامي كليب: تحفظها عن ظهر قلب؟
عماد الدين خليل: كنت أحفظها في وقت ما كانت ذاكرتي تسعفني، أما الآن فلم تعد هذه الذاكرة تسعفني كثيرا.
[فاصل إعلاني]
سامي كليب: بالشعر مكان لا بأس به في تجربة وسيرة الكاتب العراقي عماد الدين خليل ومن يقرأ ديوانه الحامل عنوان تأملات في زمن الغربة والذي كتبه في التسعينيات لن يفاجأ بأن شعره لن يختلف عن أدبه ومسرحه وكتبه الفكرية والتاريخية والسياسية لجهة الانطلاق من فكرة الإسلام والقيم الأخلاقية والدينية لتحويل العالم المحيط به أبياتا من الشعر للقافية والوزن والبحور الخليلية.
عماد الدين خليل: حسبت العطاء لمن يستزيد إذا به غصة حلق شروق/ نعيش به اللفحات عطاش ومن حولنا ألف نبأ دفوق/ ونغرق ركضا وراء السراب وطعم اللظى جمره في الحلوق/ وأشكو لمن والمسار طويل ولست على ظله بلحوق/ أصارحكم إثر نصف مضينا فما بعدها خدعة لبريق/ وأقسم بالله أني أراها عدوا تخفى بثوب صديق/ إذا ضحكت كشفت عن نيوب وقد مزجت سمها برحيق/ وإن أثلثت لحظات خطاها فما ثم من بعد غير العقوق/ تنادي وقد زينت نفسها وأخفت تجاعيد وجه عتيق/ وتفتن إذ طليت كل غر فينسى أخاديد تلك الحروق/ ولكنه إذ يجر إليها مشوقا لأحضان صب مشوق/ تعالنه بضياع المصير وتسلمه لخضم عميق/ فما هو إلا حصاد الغرور يؤول على غفلة لحريق/ ونصحوا بعد فوات الأوان ولا إذا انصرمت من رفيقي/ أصارحكم لا أريد مراء ونحن على عتبات المضيق/ تمر السنون فتأكل منا وتقضم في مغرب وشروق/ ويأكل منشار أعمارنا ويحسبها زفرة لشهيق/ تمر فلا تلتفت لوراء تلم الكؤوس فلا من غبوق/ وما هو إلا انصرام الثواني ويُسمع في الدار صوت النعيق/ أصارحكم فالأماني القصار كذاب وما حكمها بدقيق/ تخايل أن الرداء أصيل ولكنه مثخن بشقوق/ وأن النسيج برغم عراه يشف عن الزيف جد رقيق/ وأن المراكب في البحر تجري غريق عليها وغير غريق/ تأمن في كل يوم وصولاً فتغتالها عقبات الطريق/ أصارحكم بعد نصف مضينا وقد يلمح النصح غير شفيق/ ولكنه العذر يوم الحساب ويوم يفر أخ من شقيق/ خبرت الحياة على كل حال فميزت بين حسن وعقيق/ وأبلت ثيابي تصاريفها فما سلمت وصلة من خروق/ خرجت فما أرجو شروان قير ولست للذاتها بعشيق/ وشتان بين أسير يعاني وصب يغازلها وطليق.
سامي كليب: شكراً جزيلاً، بس الغريب في ها القصيدة الجميلة إنه فيها يأس وفيها ندم وفيها إحباط، شو السبب؟
عماد الدين خليل: والله لأنه وجهتها لمن تجاوز الخمسين من العمر وهي رؤية فوقية للحياة الدنيا المختزلة بأيام قليلة ودقائق معدودة، نحن دائماً ننسى ونحن نعيش من داخل الدنيا أن هذه الدنيا عبارة عن حلم.. عبارة عن لحظة عابرة وعلينا أن لا ننشب أظافرنا فيها بأكثر ما يجب وألا نخرج إليها بأكثر مما يجب وأن نفكر فيما وراء الدنيا في شيء أكبر وأعظم من الدنيا وهي الآخرة، هذه الرؤية المتوازنة في المنظور الإسلامي بين إعادة صياغة الدنيا وبين الاستعلاء على الدنيا، بين أن تكون داخل الدنيا وبين أن تكون فوقها، القصيدة محاولة لتسليط الضوء على الجانب الآخر أننا في عمرنا القصير إن هي إلا ثواني معدودة ثم تنتهي إلى غير رجعة.
سامي كليب: طيب كما هو ملاحظ القصيدة عمودية ولك رأي في هذا الموضوع.. تقول أن شعر التفعيلة هو الشعر الحر هو بعض الأنماط الشعرية الحديثة ومنها قصيدة النثر لم تضرب القصيدة العمودية وإنما أكدت قوتها لكن الشعر والذي وتراث عربي وإسلامي عريق جداً ضعف أمام أشكال التعبير الأخرى منها خصوصاً المسرح منها خصوصاً الأدب وما إلى ذلك، الغريب إنه حضرتك في بدايتك مثل ما فهمت كنت تكتب الشعر الحر أيضاً المتفلت من أي قواف يعني وأوزان، شو اللي غير لك رأيك فيما بعد؟
عماد الدين خليل: يعني هناك ثلاث أنماط من الأداء يعني الشعر الحر أو شعر التفعيلة يقوم أيضاً على الوحدة العروضية، على التفعيلة الواحدة التي تنتمي إلى هذا البحر العري أو ذاك بس تبقى الفارق بين القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة أو قصيدة ما يسمى بالشعر الحر توزيع المقاطع بشكل آخر يختلف عن توزيعه في الحالة العمودية والاثنتان يعني تنبنيان على وحدة بنائية واحدة هي النغمة أو التركيبة العروضية، إنما النثر الشعري كنت أيام الشباب حقيقة مندفع وراء كتابة مجموعة من المقطوعات أسميتها نثراً شعرياً أو شعراً منثورا والأدق أن نسميها شعراً منثوراً وليست نثراً شعرياً.. ليست لا تنتمي إلى الجنس الشعري في الحقيقة وإنما هي تنتمي إلى النثر ولكن تنبض بروح الشعر، توقفت عن قول هذا حقيقة وكنت..
سامي كليب: إذا أذكر تماماً أنك كنت تقول قبل ربع قرن مش بعدي كثير كنت تطالب بتحرير الشعر من هيمنة القافية والعمود، كنت تسميها هيمنة.
عماد الدين خليل: هيمنة القافية وتوزيعه توزيعاً حراً ولكن مع احترام الوحدة العروضية والبنية الأساسية لهذه الوحدة.
سامي كليب: دكتور عماد الدين خليل في الحديث عن الشعر والأدب والقراءة بشكل عام يبدو إنه وضعنا العربي في القراءة كارثي أو كوارثي.. يعني كما يسمى يعني مثلاً لا أدري إذا كنت تعرف دنيس جونسن ديفز اللي هو يعني ترجم العديد من الأدب العربي إلى الإنجليزية بشكل كبير في الواقع عشرات المؤلفات.. يقول في حديث نشر في صحيفة الحياة قبل بضعة أيام إن الغربيين والعرب سواسية في جهل بعضهم البعض وأن البلاد العربية لا تعرف أين هي وماذا تريد بالضبط وماذا تفعل وهي غير مهتمة مطلقاً لا بأميركا ولا بأوروبا ولا تقرأ، بشكل عام توافق هذا القول؟
عماد الدين خليل: والله إلى حد كبير وقد بدأت حديثك أيها الأخ الكريم بقول أننا مقبلين على كارثة ثقافية حقيقة فيما بتعلق بالتعامل مع القراءة ومع الكتابة، الجهل يعني إلى مرحلة السبعينيات كان الطالب الجامعي والطالب حتى المتوسط أو الدراسة الثانوية يقرأ ويقرأ بنهم وكان الكتاب يمثل نقطة الارتكاز الأساسية في تكوينه الثقافي والحقيقة المعلم الأكبر الذي يخرج المبدعين والمفكرين والباحثين والكتاب هو الكتاب، ليست الجامعة وليست الشاشة التلفازية، الذي يخرج المبدعين والكتاب هو الكتاب..
سامي كليب: نصيحتك دائماً في المقابلات.. اسمح لي بالمقاطعة نصيحتك الدائمة تقو اقرأ اقرأ اقرأ.
" لا يستطيع المدرس أو المعلم أن يؤدي دوره وأن يخرج أجيالاً من المتألقين لأنه لم يقرأ في السنة الواحدة كتاباً واحداً " |
عماد الدين خليل: اقرأ حتى تكل عيناك، اقرأ اقرأ حتى البراعم الأخيرة من حياتك لابد من القراءة هي الزاد اليومي للمفكر والأديب والمبدع والباحث فلما انفكت الأجيال الثمانينيات والتسعينات من طلابنا وأنا أعرفهم جيداً في أكثر من بلد عربي وقد درست جيداً.. لا يقرءون في السنة كتاباً واحداً لا بل هنالك كارثة أكثر من هذا أن المدرس والمعلم وحتى بعض الأساتذة الجامعيين لا يقرءون في السنة كتاباً واحداً، كيف يستطيع المدرس أو المعلم أو يؤدي دوره وأن يخرج أجيالاً من المتألقين إن لم يكون قد قرأ في السنة الواحدة كتاباً واحداً.
سامي كليب: يعني فهمت مثلاً إنه حضرتك تجبر نفسك على الكتابة بشكل يومي لأربع خمس ساعات من الكتابة والقراءة، تقول إنه لا أقرأ بشكل يعني متشابه كل يوم في بعض الأيام أقرأ ساعة في بعض المرات خمس ساعات أو أكثر ولكن كل يوم تجبر نفسك على الكتابة.
عماد الدين خليل: الكتابة عمل ملزم.
سامي كليب: ولذلك لك يعني اسم الله عليك عشرات المؤلفات والكتب والدراسات والمقالات الصحافية، يعني من أكثر الناس الذين عذبوني وأنا أقرأ عنهم يعني كلما وجدت مؤلف وجدت إلى جانبه مؤلف آخر، كل ما اعتقدت أني انتهيت وجدت مؤلفات جديدة، كل يوم تكتب؟
عماد الدين خليل: كل يوم تقريباً، يعني أصبح الداء والدواء.. أصبحت الكتابة بالنسبة لي الداء والدواء، عندما أقضي فترات متطاولة زمنية بعيداً عن الكتابة يحسرني القلق حسراً ويقودني بالضرورة إني أرجع مرة ثانية لكي أمسك بالورقة والقلم منذ خمسين سنة تقريباً منذ أتذكر عام 1960 ولحد الآن تكاد تكون الكتابة عملاً يومياً بالنسبة لي، أتذكر كثير من الكتاب الذين كانت الكتابة بالنسبة لهم عملاً يومياً، نجيب محفوظ عبر كل الريبورتاجات التي وجدت معه كان يشير إلى نقطة معينة أنه على مدى أربعين أو خمسين سنة من أعماله الروائية والقصصية كان يجلس يومياً من الساعة الثامنة أو التاسعة صباحاً حتى الساعة الواحدة ظهراً.. أربع ساعات يلزم فيها نفسه بالعمل، الكتابة ليست شعراً ننتظر فيه لحظات تنزل الوحي الشعري من السماء لكي نكتب هذه القصيدة أو تلك في حالة من التوتر النفسي، الكتابة عمل ملزم يجب أن ترغم نفسك عليه وقد قاسيت الأمرين حقيقة وأنا أعاني من هذه الحالة التسلطية إذا صح التعبير التي تقودني مرغماً إلى الكتابة لأني لا أستطيع أن أتحرر منها..
سامي كليب: يعني لا تكتب إذاً دائماً بمتعة؟
عماد الدين خليل: والله في كثير من الأحيان أكتب وأنا في حالة قلق ألا أنجز أفضل مما أنجزته يوم أمس.

محاولات مسرحية
سامي كليب: وبين الأمس البعيد والأمس القريب لم تقتصر كتابات الكاتب المؤرخ العراقي عماد الدين خليل على الأدب والتاريخ والشعر وإنما هو تناول المسرح أيضاً ومن أعماله مسرحية المغول ويتحدث فيها عن حصار الموصل على أيدي المغول ومسرحية العبور وهي من فصل واحد ولديه مسرحية أخرى يقول إنه ندم عليها بعنوان المأسورون وكتب أخرى بعنوان الإعصار والمئذنة وكتب السيف والكلمة إضافة إلى معجزة في الضفة الغربية ورغم كل ما ألف وكتب إلا أن له رأياً لافتاً وغريباً يقول بأن المرأة يجب ألا تمثل في المسرح.
عماد الدين خليل: وقد كتبته في مقدمة العبور على ما أذكر أن المرأة ليست من الضرورة.. يعني ليست قدراً محتوماً أن تبرز المرأة بشكل مباشر بلحمها ودمها على خشبة المسرح، ممكن أن تحضر المرأة بشكل غير مباشر.
سامي كليب: شو السبب؟
عماد الدين خليل: حضور المرأة كأم كزوجة بشكل غير مباشر، لأنه هنالك مفارقة حقيقة يعني إحنا عندنا في المنطوق القرآني {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا وقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} أنت تأتي إلى المسرح وعليك أن تحدق جيداً في الممثلين الذي يؤدون دوراً ما وأن لا تجعل رأسك منكباً إلى الأرض هذه مفارقة غير مقبولة وبالتالي ممكن يعني أنا رأيت عبر حياتي في الخمسينيات أفلاماً سينمائية بلغت القمة في إخراجها وأدائها التمثيلي وكل مستلزماتها الفنية ولم يكن فيها امرأة واحدة، ليس بالضرورة أن نزرع المرأة بشكل يقتحم على البنية الفنية للعمل المسرحي هذه البنية، ليس من الضرورة بما كان.
سامي كليب: أنت بتقتل نصف المجتمع يعني بالتعبير المسرحي؟
عماد الدين خليل: المرأة لها مساحات واسعة تتحرك فيها من هذه البؤرة المحدودة التي هي العمل المسرحي والتي بدأت تتآكل بعد ما ظهر..
سامي كليب: لا ولكن هذا سينسحب على أمور أخرى يعني مثلاً لا تريد أن تمثل في السينما أيضاً.
عماد الدين خليل: لها أن تفعل ما تشاء، لها أن تخرج تعمل موظفة وتعمل في التدريس وتعمل في مجال الدعوة وتعمل حتى في مجال الحرب كما علمنا الإسلام والتاريخ الإسلامي، شواهد عديدة جداً على حضور مؤكد للمرأة التي كانت تدرس وكانت تعقد مجالس الحديث مع الرجال وكانت تعطى الرجال الكثير مما عندها المرأة لها حضور..
سامي كليب: طيب هذه مسألة أخرى ولكن اسمح لي دكتور سؤالي محدد، يعني هل حضرتك ضد المرأة في السينما؟ ضد المرأة المذيعة على التليفزيون مثلا لأنك ستحدق به؟
عماد الدين خليل: والله التليفزيون هذا يقودنا إلى الحجاب إلى مسألة الحجاب والحجاب أنا في اعتقادي ليست مسألة دينية صرفة فقط وإنما مسألة حضارية أيضا، منذ البدايات الأولى لخلق الإنسان أريد للإنسان أن لا يتكشف وأن يتغطى قدر الإمكان وهذا الفارق بيننا وبين الغربيين، الغربيين يسقطون الحجاب هذا رؤيتهم الحضارية.. التعرية القديمة من العمق اليوناني بتمثاليهم بحياتهم الخاصة، إحنا التغطية والتزين وغير المباشرة، المرأة المغطاة أفضل حتى عند عشاق الإباحية إذا أراد أن يبحث عن زوجة صالحة له يبحث عن المحجبة.. الحجاب عنده ضروري، فأنت تقودني إلى ما حدث في الساحة التلفازية أو في الساحات التلفازية.. كثير من المذيعات وحتى في الساحات السينمائية والمسرحية كثير من الممثلات أما اختاروا أحد طريقين أما أن ينشقوا على ماضيهم واعتزلوا الفن وكثر خيرهم لأنه كان الفن بالنسبة لهم حقيقة ليس في جانبه الإيجابي في جوانبه السلبية انسحاب باتجاه ما لا يريده الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وإما أن عادوا إلى العمل وقد تحجبن، يعني هنالك ممرات ممكنة للمرأة في السينما في التليفزيون في الإذاعة في الإعلام..
سامي كليب: شرط أن تكون محجبة..
عماد الدين خليل: أن تمارس دورا شرط أن تكون محجبة وعندكم في قناة الجزيرة يعني حالات من مذيعات تحجبن في نهاية الأمر ويمارسن دورهن على مداه وانفتاحه.
سامي كليب: أود أن أسألك هل ذهبت إلى السينما أو المسرح حديثا مثلا؟ منذ متى لم تذهب إلى السينما أو المسرح؟
عماد الدين خليل: المسرح في الستينيات كان همي الأساس حقيقة عندما كنت أدرس الدكتوراه في القاهرة كنت لا أفوت مسرحية.. شاهدتها جميعا يعني وبخاصة التراجيديات الكبيرة التي كانت والعقد الذهبي للمسرح كان عقد الستينيات سواء على مستوى العروض المسرحية أو مستوى المجلات..
سامي كليب: كنت تشاهد النساء على الخشبة؟
عماد الدين خليل: أو مستوى المجلات أو مستوى السلاسل لمسرحية التي كانت تدور في مصر، في ثلاث سياقات السلاسل المسرحية والمجلات المعنية بالهم المسرحي والمسرح نفسه بلغت عصرها الذهبي في عقد الستينيات، كنت يومها في القاهرة فكنت أقرأ بنهم وأرى بنهم أيضا وقد انعكس هذا على ثقافتي المسرحية وكتبت كتابي فوضى العالم في المسرح الغربي المعاصر من خلال تعاملي مع عدد كبير جدا من نصوص المسرحية الغربية ومحاولة يعني استبطان ما تريد أن تقوله بخصوص رؤية الغربي للكون والعالم والوجود والمصير والإنسان والمجتمع.
سامي كليب: طب بالستينيات كنت تشاهد النساء على المسرح لم تعترض آنذاك؟
عماد الدين خليل: كنت أشاهد النساء ولكن كنت أغض الطرف في الحقيقة، يعني كنت أشاهد العمل المسرحي حيثما برزت امرأة هنا أو هناك ما كنت.. يعني بصراحة نتكلم على المكشوف يعني أحدق فيها بما يأمرني به الله سبحانه وتعالى..
سامي كليب: والسينما، هل تذهب إلى السينما؟
عماد الدين خليل: عندما كنت شابا في الخمسينيات ذهبت إلى عدد كبير من.. يعني شاهدت عددا كبيرا من الأفلام ثم توقفت في نهاية الأمر بعد أن تحولت السينما من أعمالها الكبيرة التي عرفها المشاهدون في الخمسينيات إلى أفلام الجنس وأفلام العنف وأفلام القوة والبطش وأصبحت السينما لا تطاق، يعني حتى في تليفزيون البيت..
سامي كليب: كيف تعرف إذا مش عم تشاهد الأفلام؟
عماد الدين خليل: من خلال العروض التليفزيونية الموجودة على الشاشة الصغيرة.
سامي كليب: لك العديد من المؤلفات في الواقع سأذكر يعني التي بين أيدينا اليوم وسوف يعني نحاول قدر الإمكان أن نبث كل المؤلفات على الأقل ولو بسردها سريعا على شاشة التليفزيون، منها دراسة في السيرة.. مثلا هذه الكتب اللي بين يدي اليوم، الوحدة والتنوع في تاريخ المسلمين وهي مجموعة من البحوث في التاريخ والحضارة الإسلامية، نظرة الغرب إلى حاضر الإسلام ومستقبله، متابعات إسلامية في الفكر والدعوة والتحديات المعاصرة، مذكرات وهذا كتاب في الواقع من أواخر الكتب التي قرأتها لك مذكرات حول واقعة الحادي عشر من أيلول / سبتمبر مجموعة من المقالات في الواقع يعني بعضها كتابات تقريرية يعني تتحدث عن ما يحصل..
عماد الدين خليل: هو عمل صحفي كان..
سامي كليب: عمل صحافي..
عماد الدين خليل: صحافيا نعم..
سامي كليب: وطبعا في كثير من الآراء حول ما يمكن أن يحصل وكيف يمكن أن نواجه بالعودة إلى الإسلام وما إلى ذلك، مع القرآن في عالمه الرحيب، حوار في الهموم الإسلامية وهو أيضا مجموعة من المقابلات لك يعني من يود أن يتعرف أكثر عليك في بعض المقابلات منشور ليس كل المقابلات ولكن معظم التي أو الأساسية التي أجريت معك، كمان في بعض الكتب مقالات إسلامية يعني نلاحظ أنه دائما الإسلام عنوان أساسي في كتاباتك، دراسة في السيرة تحدثنا عنها في النقل التطبيقي وطبعا أصول تشكيل العقل المسلم أو إعادة تشكيل العقل المسلم وإضافة إلى عدد من المسرحيات التي كتبت، الواقع أنه من يقرأ كل هذه.. من يشاهد كل هذه المؤلفات يسأل أيضا مرة جديدة عن القراءة، يعني قرأت لجون رودنبرغ.. وضع كتابا أخيرا في الفترة الأخيرة عن القاهرة يقول فيه إني أتجول يوميا بين المعادي ومناطق متفرقة من القاهرة فلا أرى شخصا واحدا يحمل كتابا إلا المصحف، برأيك أنه هذا شيء مسيء يعني لسعة الفكر وتوسع آفاق المعرفة وحصر المعرفة فقط بالمصحف أم أمر جيد؟
عماد الدين خليل: هو المسألة يعني أيش ما بيصير سلاح ذو حدين التشبث بالمصحف واعتباره المدرسة الأم التي تخرج المسلمين في هذا العالم مسألة متفق عليها وهو كتاب لا تنقضي عجائبه ولا يخلى عن كافة الرد، أنا تعاملت مع النص القرآني على مدى خمسين سنة فوجدت نفسي أمام أمر مثير للدهشة، اكتشافات متواصلة في عمق النص القرآني تجعل الإنسان قد يكتفي بهذا النص ولكن هذا لا يكفي حقيقة.. أنه أساسا هو القرآن يدفعنا..
سامي كليب: تتحدث عن اكتشافات؟
عماد الدين خليل: إلى أن نتابع القراءات باستمرار معطيات الآخرين من أجل أن نزداد قدرة على إضاءة النص القرآني، فالعملان يكمل أحدهم الآخر، لابد من القراءات المتنوعة جنبا إلى جنب مع التعامل مع النص القرآني إذا أردنا أن نوغل عميقا فيما قدمه القرآن الكريم لنا من معطيات وكشوف.
سامي كليب: سيقودوني الحديث إلى كلامك عن الأدب الملتزم وعن دور الإسلام في ذلك.. تقول بما أن الأدب والفن عموما تعبيرا عن حالة حضارية أيا كان المستوى النوعي لهذه الحضارة فإنه يصبح بالتالي فنا ملتزما وددت أن أسألك هل الالتزام ضروري في الفن بشكل عام يعني؟
عماد الدين خليل: الالتزام ضروري يعني صعدت البرنسية لتقول أن الفن للفن، الفن بالضروري يعبر عن وجهة نظر حتى لو كانت وجهة النظر هذه نوع من الالتزام الشخصي من قناعة شخصية نوع من الالتزام.. الالتزام قائم وبالنسبة للأدب الإسلامي هو انعكاس لخبرة الإنسان المسلم التي يعيشها دقيقة بدقيقة ولحظة بلحظة، لرؤيته للعالم والكون والوجود البشري والمصير، قدرته على تحويل هذه المرئيات والقناعات المتشربة في دمه وخلاياه وأعصابه حتى النخاع لتحويلها إلى عمل أدبي وفق هذا الجسر الأدبي أو ذاك قصيدة أو شعرا أو رؤية أو مسرحية أو سيرة ذاتية أو مقالة أدبية.
سامي كليب: على كل حال وفق ما أعتقد أنك فندت بعض هذه الأمور في كتاب الفن والعقيدة وهو بمثابة دراسة قيمة حول أثر العقيدة الإسلامية طبعا في تطور الفنون خصائص الفن الإسلامي بل أيضا وهذا لفتني علاقة المسجد بالفنون، وددت أن تعطينا مثالا عن علاقة المسجد بالفنون مثالا واحدا.
عماد الدين خليل: والله أتذكر عبارة بديعة روجيه جارودي يقول القباب التي تنطوي على الخشوع والتسليم والمنائر التي ترفع إصبع الشهادة بأن لا إله إلا الله شامخة في السماء متفردة متعالية يشير إلى أن المسجد التي تكاد حجارته تصلي يشير أيضا مارسيل وازار وأولدي جرابر.. كتاب كثيرون من المهندسين المعماريين من الباحثين في الآثار الإسلامية إلى أن المسلمين في أجيالهم الأولى عكسوا رؤية كونية.. رؤية بصرية لمنظورهم الإسلامي في وقدروا يتجاوزن التجسيد إلى التجريد، بما أن الإسلام حجم من النحت ومن التشخيص لم يجد الفنان نفسه يعني أمام جدار نهائي فتح ممرات للتعبير عن قدراته الفنية من خلال التجريد.
سامي كليب: بعض مؤلفات الدكتور عماد الدين خليل طبعت مرات عديدة وخصوصا منها مثلا دراسته في السيرة وإعادة تشكيل العقل المسلم وفي النقد الإسلامي المعاصر وملامح الانقلاب الإسلامي في خلافة عمر بن عبد العزيز وهذا طبيعي ذلك أن كتب الإسلام والنجاح السريع وكتب الطبخ والجنس تبدو الأكثر مبيعا في معظم مكتبات العرب ولائحة مؤلفاته تطول ويصعب حصرها في حلقة واحدة ولكن مختصرها أن المشروع الإسلامي هو مشروع حضاري وأن رؤية الإسلام للكون والحياة تتأصل بالالتزام الأخلاقي والاستعلاء عن المغريات والأمر يبقى طبعا موضوعا للنقاش الواسع ولكن في ختام هذه الحلقة سألت الكاتب العراقي الدكتور عماد الدين خليل عما يشتاق إليه في العراق.
عماد الدين خليل: والله اشتاق إلى مدينتي الموصل، إلى أصدقائي وإلى أقربائي وإلى الأماكن التي تتداعى فيها ذكرياتي الواحدة تلو الأخرى فتعطي لحياتي طعما بعد أن تيبست إلى حد كبير هذه الحياة عبر الأشهر والسنوات الأخيرة.
سامي كليب: هل تعود متفائلا أم متشائما؟
عماد الدين خليل: سأعود متفائلا إن شاء الله ودائما بعد الليل العميق فإن الفجر قادم بإذن الله تعالى.