هيثم غالب الناهي
منذ احتلال العراق من قبل الدولة العثمانية منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، كان للعراق خصوصية تختلف عن الأقاليم العربية الأخرى.
فعلى الرغم من أن تلك الأقاليم التي كانت تابعة للدولة العباسية العربية الإسلامية كانت لها خصوصية معينة في إدارة الدولة؛ فإنّ الباب العالي في الآستانة كان يتعامل معها بتوابع مباشرة عن طريق والٍ للإقليم يتبع السياسة الموجهة مباشرة.
" الدولة العراقية ضمن الاحتلال العثماني كان لها كيان خاص يختلف في مسلة قوانينه عن مسلة القوانين التي كانت تتمتع بها الأقاليم الأخرى " |
في حين كان العراق منذ بدأ الاحتلال العثماني يتم التعامل معه على أساس دولة قائمة بذاتها، ولها قوانينها الذاتية التي يرسمها الوالي المعين من الآستانة ضمن الأُسس الاجتماعية والاقتصادية والتربوية الخاصة بالعراق.
ولكون حدود العراق كانت شاسعة؛ تمتد إلى أعماق الجزيرة العربية؛ عكفت الدولة العثمانية على تقسيم العراق إلى ولايات متعددة بدءا من القرن السابع عشر الميلادي؛ حتى أصبح في أتون منتصف القرن الثامن عشر الميلادي للعراق ثلاث ولايات هي البصرة وبغداد والموصل (1).
ولو تتبعنا الخارطة السياسية لهذه الأقاليم لوجدنا أن كلا منها كان يتمتع بأداء دولة قائمة بذلتها على الرغم من تبعية ولايتي البصرة والموصل لولاية بغداد. والسبب في ذلك كان يعود لامتدادات كلّ من تلك الولايات إلى أعماق جغرافية؛ أصل كل منها تبلغ مساحتها أكبر من مساحة العراق الحالي (2).
ولقد استمر حال التعامل مع العراق بهذا الأسلوب حتى سقوط الدولة العثمانية عام 1918م بعد الحرب العالمية الأولى (3).
لعله مما تقدّم يمكننا أنْ نستنتج أنَّ الدولة العراقية ضمن الاحتلال العثماني كان لها كيان خاص يختلف في مسلة قوانينه عن مسلة القوانين التي كان تتمتع بها الأقاليم الأخرى؛ كنتيجة لوضعه الجغرافي والديمغرافي والاقتصادي والإستراتيجي والديني الذي كان يتصارع عليه الأقوياء؛ وصولا إلى المنابع الدافئة كما وصفها قيصر روسيا آنذالك (1).
هذه المسلة القانونية التي لا نود أنْ ندخل في هواجسها العميقة كي لا نخرج عن صلب موضوعنا؛ أحدثت شرخا كبيرا حول العراق ما بين الحلفاء في الحرب العالمية الأولى؛ قبل أنْ يحدث هذا الشرخ مع الدولة التركية الحديثة المبنية على أنقاض الدولة العثمانية (5،4).
الدولة العراقية ما بين احتلالين
العوامل الدولية ودورها في انهيار الدولة العراقية
حقيقة ما يسمى العراق الجديد في السلم والاستقرار الدولي
نتائج البحث
الدولة العراقية ما بين احتلالين 
قبل البدء في أتون الحديث لا بدّ أنْ نذكر أنّ المقصود بالدولة العراقية ما بين احتلالين؛ هو الأُسس التي وجدت على أساسها الدولة وتطبيقاتها القانونية والدستورية والمؤسساتية منذ بدء قيام الدولة العراقية الحديثة الأولى خلال الاحتلال البريطاني للعراق عام 1918م حتى سقوطها يوم 9 أبريل/ نيسان 2003م.
وعليه في موضعنا هذا نود أنْ نضع أطر بناء الدولة العراقية ضمن تسلسلها التاريخي، ولكن باختصار شديد جدا لندخل في صلب موضوعنا الذي يركز على ما بعد الاحتلال الثاني.
نشأة العراق كدولة
لعل اعتبار قيام الدولة العراقية الحديثة مع الاحتلال البريطاني قد جاء نتيجة محصلة لانتقال العراق من احتلال عثماني لاحتلال بريطاني، علاوة على أنّ الاحتلال البريطاني كان ناتج حرب كونية أعيد من خلالها ديموغرافية العالم أجمع وضمن متطلبات ما بعد الحرب لإقرار السلم المدني بين دول العالم.
ناهيك عن القرارات التي اتخذتها الدول الخارجة من الحرب والتي تنص على ضرورة عدم الخوض في حروب كونية لمدّة عقدين حّى ولو كانت مجبرة؛ لتتفرغ لإعادة بناء دولها نتيجة ما لحق بها من دمار اقتصادي وعلمي واجتماعي وتربوي خلال الحرب العالمية الأولى.
نستخلص مما تقدّم أن هناك عوامل دولية عديدة قد تخللتها المرحلة لإعادة بناء السلم المدني في العراق وهيكلة الدولة العراقية. ولعل ثورة العشرين وما نتج عنها قد وضع دولة الاحتلال البريطاني أمام معضلة حقيقية تلخصت بضرورة إيجاد حلّ جوهري لمسألة العراق كدولة؛ فتم الإعلان عن اعتبارها دولة ملكية لها دستور وكيان قانوني، مع النظر في استقلاليتها وفكها من الانتداب في حال استكملت الجوانب الأساسية لاعتبارها كدولة.
ولعل الدول الأوروبية التي كانت عضوا بعصبة الأمم لعبت الدور الكبير في إرساء ذلك؛ عندما ألزمت بريطانيا بمعاهدات السلم والحرب التي تتضمن ضررورة إعادة هيكلة الدولة الواقعة تحت الانتداب ضمن القوانين والأطر الدستورية المناسبة لوضعها الإثني والجغرافي (7،6).
" الدولة العراقية الحديثة بدأت أولى لبنات بنائها بسن قانون من صلب رغبات ومنافع الشعب العراقي وبضمان دولي لإعادة بناء السلم المدني بعد أنْ أفسدته الحرب العالمية الأولى والاحتلال العثماني من قبلها " |
لقد وفر هذا المنحى الكثير على دولة الاحتلال البريطاني على الرغم من ظهور تيارات داعمة لبناء الدولة بعيدا عن الاحتلال، وأخرى ارتأت أنْ تكون تجربة جمهورية لا ملكية؛ ولكن كان لعصبة الأمم وقرار الانتداب دور كبير في وضع صورة وشكل الدولة العراقية غير المستقرة ضمن المحددات الدولية لها. ونتيجة لتلك الصراعات وإصرار الاحتلال البريطاني على إبراز معالم الدولة العراقية ضمن الالتزامات المبرمة في عصبة الأمم ليتحول العراق من دولة منتدبة لدولة مستقلة عضوة بالمجتمع الدولي ومنظماته، كانت هناك عدة مسلمات أقدمت عليها بريطانيا، وذلك لإعطاء طابع الدولة والسيادة للحكم المقترح في العراق والذي كان في وقته ملكيا على الرغم من ظهور مناداة قوية لإعلانه دولة جمهورية
(8).
لقد جاء في صك الانتداب البريطاني للعراق بقرار عصبة الأمم في يناير عام 1921م؛ كيفية تنظيم العلاقة بين العراق والدولة المنتدبة؛ إذ نصت المادة الأولى على ما يلي "للمنتدب أنْ يضع في أي وقت (على ألا يتجاوز ثلاث سنوات من تاريخ تنفيذ الانتداب) قانونا أساسيا للعراق يعرض على مجلس عصبة الأمم للمصادقة عليه. وهذا القانون يسن بمشورة الحكومة الوطنية ويبين حقوق الأهالي الساكنين ضمن البلاد ومنافعهم ورغائبهم. ويحتوي على مواد تسهل تدرج العراق وتقدّمه كدولة مستقلة. وتجري الإدارة في العراق طبقا لروح الانتداب قبل تنفيذ القانون الأساسي".
واستنادا للفقرة الأولى المذكورة أعلاه في صك الانتداب البريطاني، نرى ما يلي (10،9):
- إنَّ عصبة الأمم اعترفت ضمنا وبقرار دولي أنّ العراق دولة؛ بترابه وشعبه الذي تسيطر عليه الدولة المنتدبة.
- عكفت الدول الغربية على اعتبار الانتداب مرحلة من مراحل الوصاية الدولية لسن القوانين ريثما يستقل العراق تدريجيا.
- إنَّ القوانين الواجب وضعها لا بدّ أنْ تكون ضمن مراعاة حقوق الأهالي والساكنين ومراعاة منافعهم ورغباتهم.
- لا يسن القانون إلا بمشورة ممثلي الشعب العراقي.
- لا تعتبر القوانين ملزمة ما لم تصادق عليها عصبة الأمم.
ومن خلال ما ذكر أعلاه نرى أنَّ الدولة العراقية الحديثة قد بدأت أولى لبنات بنائها بسن قانون من صلب رغبات ومنافع الشعب العراقي، وبضمان دولي لإعادة بناء السلم المدني بعد أنْ أفسدته الحرب العالمية الأولى والاحتلال العثماني من قبلها.
ولو تعمقنا أكثر في صلب صك الانتداب البريطاني؛ لوجدنا الالتزام الدولي لإعادة هيكلة الدولة العراقية وبناء مؤسساتها وفق الأطر الاجتماعية والدينية والإثنية؛ ملزم في جميع الجوانب الأساسية من الصك.
فالمادة الثامنة تقول "يؤمن المنتدب للجميع حرية الوجدان التامة وحرية العبادات في كلّ هيئاتها وأشكالها شرط ألا يخل ذلك بالأمن العام والآداب، ولا تميز بين فئة بسبب جنسيته أو دينه أو لغته (10). والمنتدب يشجع التعليم بلغة العراق الوطنية (يقصد العربية) ولا ينكر على فئة حقا، ولا تضار في تأييد مدارسها الخاصة لتعليم أبنائها مفاهيمهم الخاصة على أنْ ينطبق ذلك على مقتضيات التعليم التي ترسمها الحكومة".
وبالتالي نرى أنّ العامل الدولي كان له أثر فعال لإلزام بريطانيا على الحفاظ على وحدة العراق أرضا وشعبا، ورسم ملامح الحقوق الخاصة والعامة وإرساء أسس بناء القوانين الخاصة بالتعليم والأديان والجنسية واللغة للإبقاء على العراق ضمن دائرة كيانه الذاتي (12،11،10).
لقد ألزمت عصبة الأمم دولة الاحتلال البريطاني بكتابة الدستور وبرمجة مسلة القوانين ضمن الأُسس المذكورة في صك الانتداب؛ ولأجل ذلك تمّ يوم 27 ديسمبر/ كانون الأول 1921م تشكيل لجنة في دار المندوب السامي البريطاني في بغداد من المقدم هـ يونغ ومستشار وزارة المالية ب. دراور، ونايجل دافيدسن السكرتير القانوني للمندوب السامي.
وقد سعت بريطانيا للحصول على مكاسب عديدة في الدستور بأساليب ملتوية، من خلال تأليف مجلس باسم مجلس الملك يتألف من ثلاثين عضوا معينا ومن ضمنهم الوزراء لهم صلاحيات تشريع القوانين.
ولكن جوبه ذلك بالرفض من قبل الساسة العراقيين الوطنيين؛ إذ أدّى رفضهم إلى تعديله عدة مرات؛ على التوالي في الأوّل من مارس 1922؛ و16 أبريل/ نيسان 1922 و19 أبريل/ نيسان 1923م وسبتمبر/ أيلول 1923م.
ولكن في المحصلة ونظرا لما كان العراق يتحمل من مصير مجهول لضياع ولاية الموصل أو العراق بأجمعه نتيجة الخلاف ما بين وزارتي الخارجية والدفاع البريطانيتين، تمّ يوم 25 فبراير/ شباط 1924م انتخاب صوري لمجلس التأسيس ضمّ في عضويته 25 عنصرا من مختلف أطياف المجتمع العراقي كما قيل.
وقد شرع هذا المجلس بتأليف لجنة في السابع من أبريل/ نيسان 1924م لدراسة مشروع الدستور مؤلّفة من نائب عن كلّ لواء (محافظة) البالغ عددها أربعة عشر لواء؛ باستثناء نائبين عن ولاية الموصل نتيجة الحالة الانقسامية التي تمر بها الموصل.
وما إن انتهت اللجنة من دراسة المشروع حتّى أحالته إلى المجلس يوم 12\6\1924م لتستمر مناقشة مشروع الدستور ثماني عشرة جلسة بدءا من 14\6\1924م حتى 21\7\1924م (18،17،16،15،14،13،12،11،10،9،8)
العراق الدولة كجمهورية
" على الرغم من المصالح البريطانية في العراق فإنها أسهمت في مجال بناء الفرد العراقي من الناحية الحضارية من خلال إرسال البعثات إلى بريطانيا في التخصصات التي تحتاجها الدولة مستقبلا ناهيك عن الخبرات التي جلبها الإنجليز إلى العراق لتطوير العمل " |
تمّ إسقاط وجه الدولة العراقية الملكية يوم 14 يوليو/ تموز 1958م، واستبدلت بوجه جمهوري حديث عرفته الحضارة المتمدنة كنتيجة لما بعد الحرب العالمية الثانية.
ولقد ورث العراق الجمهوري هيكلة إدارية واقتصادية وقانونية لم يكن يعرفها قبل انتهاء الاحتلال العثماني قط.
ولقد تمثل الإرث الذي صاحب عراق الدولة الجمهورية، بتشكيل وزاري يعنى بكل جانب من جوانب الدولة الأساسية كالأمن والاقتصاد والخدمات والزراعة والتربية.
هذا الإرث الذي تمّت مراجعة بنود تعديله ضمن المرحلة التي تحتم تغييره، جعلت العراق يكون بلدا في طور بناء مؤسساته المستقلة.
ولعل نصّ الدستور على ضرورة تشريع قوانين تتلخص بضرورة معالجة احتياجات الفرد العراقي وتحديد واجباته وحقوقه، جعلت العراق الجمهوري يتسلم سلطته وفق إرث دولة متكاملة.
وبالتالي فيمكن إجمال ما حققه العهد الملكي في بناء الدولة العراقية بما يلي (23،22،21،20،19):
- خروج العراق من الانتداب البريطاني الذي أقرته عصبة الأمم يوم 25/4/1920م وتغييرها لمعاهدة لمدّة 25 سنة قابلة للتجديد أو الإلغاء. أي أنَّ العراق بهذا الإصرار كان قد وضع اللبنة الأولى نحو الاستقلال والذي تحقق في وضع الأُسس التي تمكن العراق من الخروج من حالة الاحتلال إلى حالة الاستقلالية الوطنية ولو بالتدريج.
- تشكيل الجيش العراقي يوم 6/1/1921م، وهي حالة كانت تعتبر أساسية لاستكمال صيغة الدولة والاعتراف بها دوليا وقتذاك.
- تمّ رسم ملامح الهيكلية للدولة من خلال تشكيل أوّل وزارة للعراق منذ سقوطه بيد الاحتلال العثماني عام 1526م؛ إذ تمّ إعلان أوّل وزارة يوم 25/11/1920م تنظم حال الدولة وأدواتها، وتعتبر أساسا للتطور في مجال الحكم المستقبلي.
- على الرغم من خضوع العراق تحت وطأة الاحتلال البريطاني، فإنّه بمساعدة بريطانية تمكن من ترتيب اقتصاديات البلد وفق الإنتاج والصادرات والموردات. وبالتالي فقد دخل العراق ضمن الأُسس القانونية للتعامل التجاري.
- دخول العراق بمساعدة بريطانية في عصبة الأمم عام 1930م على الرغم من رفض بريطانيا هذا الطلب عام 1927م. إذ مهد دخوله عصبة الأمم الارضية للاعتراف بالعراق كدولة مستقلة معترف بها دوليا.
- على الرغم من تأكد بريطانيا بوجود البترول في الأراضي العراقية بوفرة؛ فإنّه لم يعلن عن وجود البترول في العراق إلا عام 1931م، وعامل التأخير في الإعلان كان أمرا مهما؛ لأن العراق في حينه كان عضوا بعصبة الأمم ومعترفا به كدولة مستقلة. وهو ما سهل عليه عقد اتفاقيات بترولية مع دول أوروبية مختلفة كفرنسا وألمانيا وأميركا. وتمكن من خلال هذه الاتفاقيات من تأسيس خطّ نقل البترول عام 1934م ما بين الموصل وطرابلس في لبنان. وتبعه عام 1936م فتح أنبوب بترول آخر عرف بخط حيفا. وبالتالي أصبح العراق في حينها دولة لها مردود اقتصادي ثابت يمكنها من خلاله وضع ميزانيتها السنوية كدولة لها اقتصادياتها الثابتة.
- دخل العراق العرف الدولي المتمثل بعقد اتفاقيات بين الدول من الناحية الاقتصادية والأمنية والثقافية؛ ولعل أولها المعاهدة الأمنية التي عقدها مع تركيا لحفظ أمن الحدود. تلاها عقد معاهدة الأخوة ما بين العراق والسعودية واليمن. ولعل من أهم الاتفاقات التي عقدها العراق عام 1937م لترسيم الحدود مع إيران؛ ومعاهدة الدول الإسلامية الأربع العراق وتركيا وإيران وأفغانستان، تلاها الاتفاق السعودي العراقي حول منطقة الحياد بين البلدين. وبالتالي فهذا يعني أنَّ العراق قد دخل مرحلة دولية ضمن فهم للقوانين والمعاهدات الدولية التي كانت تنقص كثيرا من الدول المستقلة.
- إنَّ تنظيم الدولة اقتصاديا قد أسهم في بناء أرضية قانونية للتعامل مع الخارج، ورسم ملامح الأداء المؤسسي والوظيفي بما يتلاءم بحال العراق كدولة.
- لقد كان البرلمان ودستوره على الرغم من الالتباسات التي صاحبته حجر أساس للسير نحو تطور آليات الدولة وليس تحطيمها.
- لما كان العراق قد بدأ بالاعتماد على إمكانياته ليكون دولة معترفا بها، ويسعى للدخول في عصبة الأمم بمساعدة بريطانية؛ عكف على تطوير التعليم والاعتماد على أبناء العراق في ملء دوائر ومؤسسات الدولة العراقية.
- على الرغم من المصالح البريطانية في العراق فإنّها أسهمت في مجال بناء الفرد العراقي من الناحية الحضارية من خلال إرسال البعثات إلى بريطانيا في التخصصات التي تحتاجها الدولة مستقبلا. ناهيك عن الخبرات التي جلبها الإنجليز إلى العراق لتطوير العمل.
- لما كانت هناك حاجة لتنقل جيش الاحتلال في العراق من خلال خطوط السكك الحديدية والمطارات والموانيء العراقية، فقد تدرب العراقيون لحمل كفاءة الاعتناء بمصادر دولتهم في هذا الجانب، وتم تأسيس وزارة لذلك.
لذا فعلى الرغم من أنّ العراق الجمهوري قد عطل البرلمان والدستور في وقت واحد بصفته دستور وبرلمان حقبة قد ولت؛ فإن الوقائع تدلّ من خلال الممارسات في أجهزة الدولة باستثناء الأمنية منها؛ أنَّ العراق كجمهورية لما بعد 14 يوليو/ تموز 1958م قد عطل الشكليات في المواد الدستورية المرتبطة بالوجه الملكي؛ ومارست أجهزة الدولة مهامها دون توقف ضمن مسلة الدولة القانونية والهيكلة التي ساعدت بها بريطانيا وبإشراف من دول العالم الأعضاء في عصبة الأمم (23).
أي أنّ الوعي السياسي كان يميز في حينه بين الدولة كمؤسسة قائمة بحدّ ذاتها وبين شكلية نظام الحكم. فعلى سبيل المثال استمر القانون التربوي للدولة العراقية على ما تمّ تأسيسه ضمن أدوات الدولة المتوفرة حين تأسيسها، وتم تطوير ما يمكن تطويره دون المساس بآلية العمل وهيكلية القانون التربوي (21).
وكذلك ينعكس المبدأ ذاته على النفط والاقتصاد والتخطيط؛ حتّى أنّه لم يصار لإلغاء هيئة الإعمار التي تمّ تأسيسها في العراق الملكي بقدر ما أبدلت تسميتها لتستمر كمؤسسة بناء واستثمار مستقبلي للعراق.
ولكن كما هو التغيير في الأنظمة بدول العالم وقتذاك فقد تمّ تغيير السياسة الخارجية ضمن المصالح الخاصة للدولة، وتم تغيير المؤسسة الأمنية والعسكرية ضمن ما يمكن من خلاله حماية النظام الجمهوري من مغبة السقوط. أما برامج العراق كدولة ضمن دستورية هيكليته السابقة فلم تتغير قط (22,20).
لقد استمر القانون العراقي الذي انبثق بكيانه الجنائي والتنفيذي والاقتصادي والتربوي مطبقا إلا بعض التغيرات الطفيفة التي تراعي المرحلة التي كانت بجمعها توفيقية إيجابية وغير سلبية. وهو ناتج عن الخبرة التي اكتسبها العاملون بهذا الجانب.
وراح الحاكمون يحاولون تطوير العراق وفق الخطّة المرسومة في المشاريع الإستراتيجية للعراق كدولة وليس كمؤسسة عسكرية حاكمة كما يتضح للبعض.
وهو ما دفع الحاكمين بعد نيف من الأسابيع لإعادة النظر في إيجاد بديل عن الدستور الملكي ليحافظ على مسار الدولة وقيامها، لكونهم ممن ساهم في بنائها ووصولها بهذا القدر من الديناميكية العملية.
ولعل النظرة الثاقبة للدستور المؤقت الصادر في السابع والعشرين من يوليو/ تموز 1958، يعطينا مدى تحمس الحاكمين في استمرارية الدولة العراقية على مسارها المؤسسي.
فدستور 1958 الذي جاء بأربعة أبواب مكونة من ثلاثين مادة، لم تغفل كلّ ما جاء بالدستور الأساس الصادر عام 1925م إلا في نواحي صلاحيات الملك والمعاهدات وغيرها التي ترسخ الوجود الملكي.
" دستور 1958 الذي جاء بأربعة أبواب مكونة من ثلاثين مادة لم يغفل كلّ ما جاء بالدستور الأساس الصادر عام 1925م إلا في نواحي صلاحيات الملك والمعاهدات وغيرها التي ترسخ الوجود الملكي " |
فإذا استثنينا الأهداف السياسية للدستور وركزنا على الدولة ونظمها الزراعية والاقتصادية والصناعية والتربوية والنفطية والخدمية، نرى أن أهم ما جاء بالدستور هو المادة 28 التي تنص على "المادة
(28) - كلّ ما قررته التشريعات النافذة قبل 14 يوليو/ تموز سنة 1958 تبقى سارية المفعول، ويجوز إلغاء هذه التشريعات أو تعديلها بالطريقة المبينة بهذا الدستور المؤقت
(24)"..
وهنا يقصد بالطريقة التي بينها الدستور هي ما جاء بالمادة 20 إلى المادة 26 والتي تحدد بها سلطات الحكم وإصدار القرارات من قبل مجلس السيادة ورئاسة الوزراء ومجلس الوزراء (25).
أي أنّ القرارات لم تنحصر بجهة معينة يمكنها إلغاء مؤسسات الدولة بقدر ما يمكن جعل القانون متوافقا مع تطلعات الدولة. أما بخصوص القضاء واستقلاليته فقد حدد الدستور نفس التوجه الذي حدده الدستور الأساسي لعام 1925م والذي اعتبر القضاء مستقلا ولا سلطة للدولة عليه.
ناهيك عن أن جلّ البنود المتعلّقة بتنظيم حقوق وواجبات الفرد والأقليات وتعايشها كانت نسخة من الدستور الأساسي لعام 1925م؛ إيمانا بضرروة استمرار تطوير مسلة القانون في العراق والحفاظ عليه ككيان دولي مرتبط بمصالح دولية (26).
فما حدث عام 1958م وانفتاح السلطة الجديدة على الشرق بعد أنْ كانت مقفلة على بريطانيا وتوجهاتها، قد ساهم مساهمة فعالة في تطوير الدولة العراقية خصوصا بعد أن أصبح الاتحاد السوفياتي دولة كبرى وتبحث عن مصالح في المنطقة.
ولقد كان انفتاح العراق على تلك الدول وتمازج الثقافة العربية العراقية المندمجة مع الثقافة البريطانية، قد فتح أبوابا لتطوير العراق. إذ أثر الاتحاد السوفياتي تأثيرا مباشرا في مسار الدولة العراقية بعد أنْ كان محددا بالغرب (27,25). وبات الطموح في التطور التربوي والصناعي شغل الشاغل للعراقيين؛ إذ فتح الاتحاد السوفياتي جلّ إمكانياته أمام العراق للتدريب على سبل الحضارة الجديدة ونقلها لتطوير الدولة العراقية.
فبعد أنْ كان العراقي يتمتع بثقافة محدودة في جوانب الحياة التربوية والصناعية، تمكن من أنْ ينطلق لمرحلة الإبداع والتطور الذاتي نتيجة التدريب الطوعي بدلا من التعليم المبرمج الذي كان يشرف عليه الغرب في العراق. فحدث أن وجدت طبقة مثقفة تعنى بالعلوم الإنسانية والفن وغيرها من العلوم التي كان المجتمع لا يعنى بها؛ حتّى أنَّ العراق خلال هذه الفترة القصيرة كانت فيه طبقة الكتاب والباحثين والفنانين والممثلين تفوق ما امتلكه العراق خلال خمس عقود مرت (27).
كان إصرار العراق على الرغم من الاختلافات السياسية فيه يطمح للانتقال نحو الاكتفاء الذاتي زراعيا وصناعيا وحتّى تكنولوجيا؛ ولما كان العراق يعتمد على البترول بواقع 25% وسيطرة الشركات الغربية على كامل منتجه، إذ لا يسمح للعراق بأكثر من 11% من كامل منتجه؛ قرر الحاكمون ضرورة زيادة حصتهم لتطوير وتفعيل تطور الدولة العراقية؛ وعلى الرغم من طول المباحثات واشتداد المعارك الكلامية واللقائية ما بين الشركات البترولية فإنّ العراق في النهاية تمكن من استيعاب المسألة من خلال إصدار قرارات لا تبيح للشركات البترولية السيطرة على كلّ ما يمتلك العراق من بترول في باطن الأرض.
وبهذا يكون العراق قد انتقل من مرحلة الاعتماد على العون لإثبات الوجود، إلى مرحلة الوجود والبقاء أطول.
وعليه كانت خطوة ترتيب القرارات البترولية وبناء السدود لتطوير الزراعة وإنشاء موانئ عملاقة تتناسب واحتياجات البلد وتحسين التربية والصحة؛ مسارات مهمة في تطوير بناء الدولة العراقية على الرغم من التشنج السياسي. وهو ما يعني أنَّ الكادر الإداري الحكومي العراقي حينذاك كان ينظر لمسألة استمرارية الدولة بنظرة مهنية أكثر منها سياسية.
لذا لم تتمكن الدولة من خسران خبرائها بعد 14 يوليو/ تموز 1958م بقدر ما الكثير منهم قد حصل على مناصب مرموقة لضرورة استمرارية الدولة؛ باستثناء التخلص من الجهات الأمنية وبعض الساسة غير الفاعلين، وكلاهما لا يعني شيئا في استمرارية تطور كيان الدولة العراقية (30،29،28).
لقد انتهت حقبة يوليو/ تموز يوم 8 فبراير/ شباط 1963م والعراق يذخر كدولة بمشاريع استثمارية كبيرة لبناء 67 مصنعا إنتاجيا؛ 34 مصنعا لتصنيع المنتجات الزراعية؛ وخمس سدود رئيسيّة لتنظيم مخزون المياه واستصلاح أربعة ملايين دونم من الأراضي الزراعية البور وجيش معد بمستوى عال لا يتدخل إلا بشؤون حماية الوطن؛ ومؤسسات تعليمية مجانية في كلّ ناحية وقضاء عراقي؛ وبواقع 28 مستشفى بجميع أنحاء العراق و45 مستوصفا في القرى والنواحي وبأعداد هائلة من الأطباء والمهندسين والإداريين والفنيين.
كما افتتح العراق إكمالا لمنهاج الحقبة الملكية ثلاث جامعات أخرى وسبع كليات متخصصة أخرى وسبع معاهد فنية، وقلت نسبة الأمية من 82 إلى 51% خلال فترة أربع سنوات، ناهيك عن الطرق والمشاريع الترفيهية الأخرى (30).
ومع بروز حقبة فبراير/ شباط التي استمرت تسعة أشهر ونيفا من الزمان؛ نرى على الرغم من اختلاف التوجه السياسي فإن أداء الدولة استمر كما هو ولو بأداء هابط عن الحقبة الأخرى نتيجة للتهديدات السياسية؛ ولكن استمر الأداء في العراق كدولة قائمة بذاتها؛ وأصدر الحاكمون لهذه الحقبة دستورا آخر تحت رقم 25 يوم 4 أبريل/ نيسان 1925؛ تخلل عشرون مادة جلها ركز على نوعية نظام الحكم في العراق والصلاحيات المنوطة بالحاكمين (31)؛ إلا أنه لم يتطرق لإلغاء أو تثبيت أو تعديل القوانين العراقية السارية المفعول والمعمول بها ضمنا.
وبالتالي فإن الحاكمين لهذه الحقبة لم يتدخلوا في شؤون بناء الدولة أكثر من شؤون البقاء في السلطة، فاستمر أداء الدولة العراقية كما هو الحال الذي كان عليه في حقبة 1958م (32). ولكن لم يؤشر التاريخ لأية حالة من التقدّم قد حققها العراق في بناء الدولة أثناء هذه الفترة؛ بقدر ما كان الخوف من الانهيار وخسارة ما تمّ بناؤه خلال حقبة أكثر من أربعين عاما على تأسيس الدولة العراقية (30).
النقلة النوعية في بناء الدولة
مع إطلالة الثامن عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 1963م؛ عكف الحاكمون الجدد على إزالة المظاهر الحزبية والاقتتال من أجل السلطة وإعادة تحييد واستقلالية الجيش والقضاء؛ بعد أنْ كان في تلك الحقبة يسير بمسار محدد من قبل الحاكمين.
ويبدو أن مغزى بناء الدولة المدنية والانتقال نحو الاستقرار في بناء المؤسسات كان الشغل الشاغل؛ فلذا ما إن انتهى الحاكمون من تسليط الضوء على الاستقرار الأمني وانتهوا منه حتّى دأبوا على كتابة دستور مؤقت خلال خمسة أشهر ونيف من الأيام؛ إذ صدر في التاسع والعشرين من أبريل/ نيسان 1964 والذي جاء في ديباجته "(34) وتحقيقاً لروحية ثورة ذلك اليوم المجيد التي تهدف إلى إيجاد الاستقرار والطمأنينة وتهيئة الفرص الكافية لمختلف أبناء الشعب دون تمييز بسبب الجنس أو الأصل أو الدين، للانصراف إلى العمل المثمر، وتصحيح الأوضاع الاجتماعية وبناء المجتمع الفاضل الذي ينعم بالرفاه والثقافة والعلم والصحة ويعمل على تنشئة الأجيال الصاعدة على الروح العربية الإسلامية وحب الوطن والوحدة الشاملة. نعلن هذا الدستور المؤقت الذي ثبتت فيه قواعد الحكم ونظمت به علاقة الدولة بالفرد والمجتمع ليعمل به مدّة فترة الانتقال التي نرجو ألا يطول أمدها حيث يوضع دستور البلاد الدائم الذي تكون الكلمة الأخيرة فيه للشعب في إقرار نظام الحكم الجمهوري ونوعه."
لقد غطى دستور عام 1964م في أبوابه الستة ومواده المائة وست مواد جميع أنظمة وكيانات ومؤسسات الدولة. ولعل الباب الثاني وما جاب به من مواد (المادة 4 إلى 17) قد حدد علاقة الدولة بالمجتمع والعكس هو الصحيح.
وكانت المادة السابعة في هذا الدستور وما تلاها من مواد أربع أخرى أسست لاستمرار بناء الدولة، وإعادة صياغتها في جوانب اقتصادية كانت مستغلة من فئات خارجية أخرى.
ومن خلال تفحص هذه المواد يمكن أنْ نستنتج أنّ الدولة سارية باتجاه مبني على أسس تراكمية اقتصادية وقانونية، لا تحاول تجاوزها كي لا تنهار الدولة على الرغم من عدم مثاليتها.
" حدد دستور عام 1964م برأينا الملامح الرئيسيّة لكيان العراق كدولة تنوي الخروج من مرحلة العالم الثالث نحو النامية إلى المتقدمة؛ من خلال رسم الخطوط المتعلّقة بالسياسة الاقتصادية والإدارية وعلاقتها بالعالم الخارجي " |
فلذا جاءت المادة السابعة عنوانا ليس لاستثمار وبناء الاقتصاد بل لرسم خطّ العلاقة ما بين الاقتصاد والفرد لمنع استغلال الفرد وزجه بتبعيات أخرى.
أما المادة الثامنة فقد حددت الاقتصاد ومجاله ضمن خطّة شاملة يحكمها قانون لكي تنخرط في آلية لا يمكن إلغاؤها بمجرد إلغاء فترة الحكم. ناهيك عن تنظيم العلاقة ما بين الاقتصاد العام والخاص، وكلاهما يهدف في عرف الدستور إلى رفع مستوى المعيشة (36).
ولعل المادة التاسعة قد حددت مسار ما جاء من قوانين سابقة، وسارت بنفس الاتجاه في الحفاظ على موارد الدولة وثرواتها الطبيعية وكيفية استغلالها بأسلوب حسن يضمن الاستفادة القصوى منها.
وبالتالي جاءت هذه المادة أداة تطبيقية لما جاء في قانون رقم 80 الصادر في حقبة يوليو/ تموز والذي فيه تمكنت الدولة العراقية من إعادة الموارد الطبيعية إلى مؤسسات الدولة، وأعطتها الصلاحيات لاستثمارها بعد أنْ كانت في حقبة ما بيد الشركات البترولية.
وهو ما يُبين مدى التطور الفكري ولو كان نظريا في مرحلة ما في عملية بناء الدولة العراقية، والاعتماد على التمويل الذاتي المسنود بالموارد الطبيعية لبناء الدولة واستمراريتها (36,35).
لقد جاءت المادة العاشرة من الدستور لعام 1964م حاضنة للمواد التي سبقتها، إذ حددت عدم جواز استخدام رأس مال الدولة إلا في خدمة الاقتصاد العراقي، وشرط ألا يتعارض استخدامه مع ما يمكن أنْ يؤدي إلى هدره أو إتلافه.
وبالتالي كانت تلك المواد بجملتها مسار ذاتيا لتقويم المسار الماضي وإعادة العراق إلى وضعه الطبيعي، حيثُ إنَّ هذا المسار المحدد لم يكن قد جاء اعتباطا بقدر ما استفادت الدولة العراقية كمؤسسة من الحقب الماضية وليس كأنظمة حكم سياسية، وجعلت المؤثرات الخارجية من خلال المعاهدات والاتفاقات تفتح أبوابا لتنضيج فكرة بناء الدولة وديمومتها.
فحقبة تشرين وما بعدها لم تفرط بالانفتاح على الشرق والإبقاء على العلاقة الحميمة مع الغرب؛ بل فتحت لأوّل مرة أبوابا جديدة مع دول غربية أخرى كألمانيا وفرنسا وهولندا وإسبانيا والبرتغال؛ وساهمت تلك الدول مساهمة فعالة في تطوير نظام النقل المائي والزراعي والبنكي من خلال نقل الخبرات التقنية وإدراجها في بنود خطّة البناء العراقي (38,37).
هذه المواد قد تكون منقوصة لو لم تنتقل الدولة في دستورها للنظر في مستقبل الدولة من خلال رفدها بأسرة مدعومة ومحمية بقانون تستوجبه المادتان الخامسة عشرة والسادسة عشرة؛ لينهي الدستور بابه الثاني بالمادة السابعة عشرة والذي حاول فيها إشراك المواطن في استمرارية الدولة من خلال ربطها بأدواتها الفعالة، ووضع واجب العمل كهدف أساسي للحفاظ على أسس الدولة العراقية من خلال رفدها ودعمها بالطاقات الشعبية التي ربما كانت منعزلة عن الدستور في الحقب الماضية؛ لعدم وضوح واجباتها والتزاماتها وفق قانون مسن بتوجيه من مواد الدستور.
ويبدو أن هذه المادة كانت مدخلا للباب الثالث الذي حدد به واجبات المواطن بصورة واضحة وفق مكونات الدولة منذ تأسيسها ولحين صدوره، مراعيا في بنوده ضرورة إعطاء القانون سلطة الجزم في الأمور وسيادته أساسا في استمرارية البناء والصيانة للدولة؛ التي أصبح في دستورها هذا المواطن جزءا لا يتجزء.
فبدلا من تحديد حقوقه فقط، أوضح الباب الثالث وبعض من الباب الثاني أنَّ الدولة في تكوينها لا يمكن أنْ تكون متكاملة ما لم يكن المواطن جزءا من عملية المسيرة بدءا من الطفولة وحتى نهاية حياته العملية التي على عاتق الدولة تأهيلها وصيانتها.
لقد حدد الباب الثالث في الدستور السبل الكفيلة بمستلزمات الدولة العراقية؛ ولو أن بعضها كان معمولا به ضمنا؛ أي وفق القوانين المشرعة سلفا أو ضمن القوانين الإدارية الملزمة. ولكن وضعها في الدستور كانت ملاذا حقيقا لعدم جواز اختراقها إلا وفق الأُسس التي بنيت عليها تلك القوانين.
إذ حدد من خلالها الحريات الأساسية في الدولة العراقية؛ بدءا من حرية الصحافة إلى حرية بناء المجتمعات ولكن دون عشوائية، وضرورة تنظيمها بقانون يصونها ويصون الدولة.
وفي الحقيقة كانت تلك المواد الدستورية نتيجة الانفتاح على الشرق والغرب، وملاحظة تطور الدولة في مجتمعاتهم دون الاعتناء بالنموذج السياسي. فلذا وفرت تلك الالتفاتات حرية بناء المجتمع وعلاقته بالدولة وقوانينها وأنظمتها.
لقد حددت المواد 33 و34 و36 و37 و38 من دستور عام 1964م الأُسس التي يجب أنْ يتم تطويرها لديمومة بقاء الدولة؛ لأنّها العماد الذي يمكن من خلاله تحديد مسار التقدّم أو الهبوط للانتقال من بناء الدولة على ركام الموروث السابق من قوانين وأنظمة منذ الاحتلال العثماني ومرورا بالاحتلال البريطاني والحقبة الملكية وحتى قيام دولة الجمهورية.
فلذا ركز الدستور كما ركزت الدساتير السابقة على الصحة والتعليم والدفاع والضرائب التي تفرضها الدولة.
وشدد على ضرورة التعامل معها وفق قانون يُسن، وتشرف الدولة على أدائه وتطويره ضمن ما يستجد.
ويبدو أنّ التركيز على العناصر الأساسية للتعليم والصحة والضريبة والرسوم والعمل وتنظيمه ناتج عن التطورات التي لحقت بالعالم، واستحداث منظمات دولية لمتابعة هذه الأمور المتعلّقة بالسلم العالمي والتي أحد أهمها الصحة والتعليم.
فلقد شهدت الأمم المتحدة في تلك الحقبة ولادة اليونسكو التي تعنى بالتعليم وتطويره ومحو الأمية؛ وولادة منظمة الصحة العالمية واليونسيف التي تعنى بصحة الأمومة والطفل.
ولهذا ركز الدستور على تلك القيم في مواده ليتناغم مع مستجدات الساحة الأممية، وليرتفع العراق من الدولة في طور النشأة إلى مرحلة الدولة المتكاملة.
وعليه، لاستكمال هذه المهام وإعطاء المواطن دوره في الدولة المتكاملة، نصت المادة 39 على حقّ الانتخابات وفق قانون لاستكمال حقوق المواطنة والمقابلة لواجبات المواطنة (39).
ولو استثنينا الفصل الأوّل من الباب الرابع المتعلق بسلطات رئيس الجمهورية وتبعياته السياسية والذي يعتبر نقطة ضعف بالدستور لعدم مراعاة الالتزام النيابي والدستور؛ ذلك الفصل الذي ضمّ المواد من 40 حتى المادة 60؛ نرى أنَّ الفصل الثاني قد حدد السلطات التشريعية بمواد ملزمة بدءا من المادة 61 حتى المادة 63؛ إذ تضمن في مادته 61 أنّ "مجلس الأمة هو الهيئة التي تمارس السلطة التشريعية".
وبالتالي فقد طرح الدستور آلية ضرورة الانتقال إلى الحياة النيابية والدستور الدائم بأقرب فرصة ممكنة؛ ليتمكن العراق من الانتقال إلى بناء الدولة العصرية.
في حين حددت المادتان 62 و63 شكل المجلس وكيفية انعقاده، وتشكيل مجلس تشريع يناط به كتابة الدستور الدائم بفترة لا تزيد على سنتين اعتبارا من صدور هذا الدستور.
أما الفصل الثالث فقد حدد السلطة التنفيذية بأربعة أقسام، وهي رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء والقوات المسلحة والإدارة المحلية. وحدد الدستور صلاحية القوات المسلحة وسلطتها التنفيذية في المواد 77 حتى المادة 82؛ وقد جاءت موادها منصفة وفعالة وفق ما يحتاجه البلد.
وقد حرص الدستور على عدم جواز إنشاء جيش أو مليشيا لأي فئة أو جهة؛ وحدد بالمادة 77 و82 أن مهمة الجيش تتجسد فقط في حماية الشعب والوطن ولا يجوز للجيش أنْ يكون عقائديا أو حزبيا أو ميالا لأي طرف أو حزب بأية طريقة كانت.
وبهذا نرى أنّ الدستور أراد أنْ ينهي مظهر الدولة العسكرية لينتقل من خلال السلطة التنفيذية إلى الدولة المدنية المتكاملة الأوجه والتي عززها في المواد الواردة في السلطة التنفيذية للإدارة المحلية الواردة في القسم الرابع من هذا الباب. ففي بندّ الإدارة المحلية وردت مادتان مهمتان هما:
- مادة 83 - تقسم الجمهورية العراقية إلى وحدات إدارية تنظم وتدار وفقاً للقانون.
- مادة 84 - تختص الهيئات الممثلة للوحدات الإدارية بِكل ما يهم الوحدات التي تمثلها وتساهم في تنفيذ الخطّة للدولة، ولها أن تنشئ وتدبر المرافق والمشروعات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتربوية، وذلك على الوجه المبين في القانون.
" لم يتسن لدستور 1964م الانتقال إلى مرحلة الدستور الدائم نتيجة تغير ملامح الحكم عام 1966م ومن ثمّ 1968، ومع هذا استمرت الدولة العراقية في بنودها المرسومة على الرغم من غياب الحياة النيابية والدستورية " |
وهما مادتان مهمتان وضعتا العراق ضمن هيكلة إدارية لتسهيل تنفيذ القوانين مع صلاحيات لدراسة وإنشاء مرافق الدولة التي يحتاجها المواطن بصورة يومية.
ووفق الدستور سنت الدولة العراقية قوانين ضريبية وتعليمية وصحية ربطتها بالإدارة المحلية مباشرة. وبالتالي نرى مدى تأثر الدولة بالعلم الإداري الحديث الذي ورثه من الغرب من جهة ومن الشرق، وعلاقته به من جهة أخرى. ولعل هذا النتاج جاء نتيجة مرضية لما ما رسته الخبرات العراقية المبعوثة من صلاحيات تطوير في الجانب الإداري والقانوني والتربوي.
لقد عكس الباب الرابع شكل الدولة بسلطاتها المهمة وعلاقة بعضها بالبعض الآخر بصورة واضحة ومتسقة لا يمكن أنْ يخترقها الفساد الإداري إذا ما أريد الالتزام بذلك جملة وتفصيلا.
فقد حوى الفصل الرابع من الباب الرابع المتعلق بالسلطة القضائية والذي ضم المواد 85 حتى 93 الكثير من الالتزامات القانونية التي يجب تشريعها وفق الدستور. وقد أوضح بها الدستور مدى أهمية سيادة القانون وكيفية التعامل مع القوانين التي يمكن أنْ تنظم الدولة.
ولعل المادة 93 التي جاء فيها "يشكل مجلس الدولة بقانون ويختص بالقضاء الإداري وصياغة القوانين والأنظمة وتدقيقها وتفسيرها" تعتبر حالة لم يسبق للدساتير العراقية السابقة أن طرقتها أو نسجتها.
وبالتالي فالدستور قد أسس لبناء المؤسسات التي تنقل حالة الدولة العراقية من مستوى عدم الاستقرار إلى مستوى الخبرة والتطوير، خصوصا وأن أولى هذه المؤسسات كانت تعنى بمراجعة القوانين والأنظمة وتدققها وتفسرها؛ علاوة على التخصص بالقضاء الإداري الذي يمكن من خلالها ربط مرافق الدولة بأنظمة لا يمكن تجاوزها وحصر مسارها في أفق لا يتجاوز الطموحات أو ينحرف عنها في آية مرحلة.
وهو ما يمهد الانتقال في توفير الاستثمار والبنية الاقتصادية التي يمكنها أنْ تديم تطوير أسسها والحفاظ عليها مهما كانت التغيرات السياسية التي قد تواجه الأنظمة وتعصف بها (40).
لقد حدد دستور عام 1964م برأينا الملامح الرئيسيّة لكيان العراق كدولة تنوي الخروج من مرحلة العالم الثالث نحو النامية إلى المتقدمة؛ من خلال رسم الخطوط المتعلّقة بالسياسة الاقتصادية والإدارية وعلاقتها بالعالم الخارجي.
فوفق الدستور دخل العراق بمعاهدات ثقافية وعلمية واقتصادية وإدارية طورت حاله، وجعلته يبحث عن استقرار حقيقي لأدائه ضمن القانون الذي يضمن المسار دون انحراف.
وقد رسم التطبيق لمواد الدستور وانفتاح العراق كدولة على المؤسسات الدولية؛ كيفية نقل الدولة من حال الشركة شبه الرسمية إلى الرسمية وصولا إلى المؤسسة والقانون المؤسساتي.
وهو ما تمّ بالفعل بعد صدور الدستور المؤقت لعام 1964م وتنفيذ فقراته الملزمة بهذا الجانب، والذي تعزز بإلغاء هيمنة الشركات الغربية وخاصة التأمينية والبنكية منها من خلال تأمينها.
فعلى الرغم من أن هناك لغطا كبيرا حول ما أقدمت عليه الدولة من تأميم المال الخاص الذي يعود حقّه للمواطن ضمن التغيرات الاشتراكية؛ فإنه لا صحة لذلك مطلقا بقدر ما كان التأميم قد شمل البنوك الأجنبية وشركات التأمين والاستثمار النفطي، وبعضا من الشركات الخاصة المهيمنة على أسس اقتصادية حيوية كشركة الدامرجي للمطاحن والتي كان مردودها الاقتصادي لا يقل عن مردود أية شركة عراقية حكومية منتجة ومساهمة في ميزانية الدولة.
وبهذا التأميم وفر العراق من خلاله ما يقارب 121 مليون دولار أميركي سنويا، وسيطر على المضاربات في السوق العراقية التي قد تهلك الاقتصاد بالتراكم الزمني (41).
لقد شهد العراق كدولة تطبيقا حيويا لمفاصل الدستور من الجوانب الاقتصادية؛ ولتنفيذ خططه بحث في قانونية الحفاظ على مصادر الدولة والحفاظ عليها وتوظيفها؛ وشهد في عهد حكومة طاهر يحيى تنفيذا حقيقيا لقانون 80 الخاص بالموارد النفطية الذي صدر في عهد عبد الكريم قاسم؛ والذي تمّ سنه وفق الدستور المؤقت لعام 1958م.
وعلى ضوء الدستور المؤقت لعام 1964م تمّ إنشاء شركة النفط الوطنية العراقية بكامل المال العراقي وشركة ناقلات النفط العراقية وبكامل المال العراقي. وشرعت بسن قانون لإنشاء الشركات التعاونية لإنتاج الفسفور والكبريت ضمن خطّة يمكن استخدام مردوداتها الاقتصادية لإعادة تأهيل قانون الصحة والتعليم. ولكي يستكمل العراق إمكاناته في هذه المجالات تعاقد مع الاتحاد السوفياتي وهولندا وفرنسا لتدريب الكادر الفني ومنح العراق بعثات في مجالات تخصص الطاقة والتصنيع.
ونتيجة لهذه العلاقات التجارية والأكاديمية ساهمت بريطانيا وفرنسا في فتح المعاهد التقنية النفطية والهندسية من خلال نقل تجاربهم في التعليم. وشهد العراق تحولا في المرافق التعليمية، إذ تمّ افتتاح ثلاث جامعات في وقت واحد بالإضافة إلى أربع كليات أخرى.
كما شهد العراق لأوّل مرة إنشاء المدارس الثانوية الصناعية المهنية؛ وتشريع قانون تربوي خاص بها. وبذلك تمكن العراق كدولة من وضع لبنة المؤسساتية من خلال توفير الكادر التقني والكادر المتقدم ضمن سلسلة الأداء الإداري في تشكيل صناعي جديد (42).
وعلى الرغم من الأحداث السياسية التي عرقلت مسيرة الدولة العراقية لأسباب تنظيمية فإن مسارها استمر بصورة وأخرى. ونتيجة لهذه المساهمات التي أدتها الدولة العراقية في تنفيذ التزاماتها بالدستور؛ ولدت عند العراق مع عام 1964م مسلة كبيرة من المشاريع تحتاج إلى دعم مالي غير متوفر، مما دفعها إلى إعادة النظر في استثماراتها وخاصة النفطية منها لزيادة رأس المال الذي يمكن من خلالها تنفيذ المشاريع الإنتاجية التي تحافظ على بقاء الدولة.
لذا استمرت المداولات ما بين عراق الدولة والشركات النفطية كاستمرار لما دار من محادثات خلال الفترة الواقعة ما بين عام 1961 وحتى ديسمبر/ كانون الأول 1962.
وتوصل العراق لحل المشكلة بترك الشركات الأجنبية العراق، وتسليم المنشأة النفطية خلال سبع سنوات على أنْ تلتزم بتدريب الكادر العراقي.
وتعتبر هذه بحدّ ذاتها خطوة كبيرة لإدارة مؤسسات الدولة بكوادر ذاتية. مما فتح المجال أمام العراق للتعاقد مع الشركات الأخرى غير المحتكرة وخاصة إيراب الفرنسية للتنقيب عن البترول ضمن عقد يضمن العراق فيه السيادة على موارده على أنْ تدار مناصفة ما بين العراق والشركة، وبواقع من الأرباح يسمح بتطوير المؤسسة النفطية واستغلال العراق كامل أرباحه لمشاريعه الوطنية.
ومع حقبة دستور عام 1964م حتى دستور 21 سبتمبر/ أيلول 1968م يمكن أنْ نقول إن الدولة العراقية حققت في طريق بنائها ما يلي (45,44):
- وضع الهيكلية الإدارية الحقيقية لبناء الدولة المؤسساتية.
- إرساء القانون الإداري الذي نظم التعامل ما بين الدولة والفرد.
- حدد الحريات التي يمكن أنْ يتمتع بها الفرد من واقع دولة حضارية.
- وضع اللبنة الأساسية لبناء الدولة المدنية المستندة إلى البرلمان والدستور على الرغم من غيابها.
- توظيف موارد الدولة في إكمال البنى الأساسية لكيانها.
- الانفتاح على التجارب المؤسساتية التي كان يعيشها العالم في حينه وفق المعاهدات التي أبرمت مع الاتحاد السوفياتي وفرنسا وألمانيّا.
- إعطاء القانون الشرعية المطلقة في رسم الأنظمة التربوية والاقتصادية والصحية والخدمية.
- الانتقال بالدولة العراقية من الدولة المركزية إلى الإدارات المحلية رويدا رويدا.
- رسم معالم الاعتناء بالأمومة والطفولة والأسرة وفق المتغيرات التي طرأت في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية التي تعنى ببناء السلم العالمي.
- تحديد صلاحيات الجيش ووضعه موضع تنفيذ قرارات الدولة والحفاظ عليها دون الأهواء والالتزامات الحزبية.
- تشريع بناء الهيئات الإدارية والقضائية والدبلوماسية وفق ما تحتاجه الدولة.
- بناء كيان الضمان الاجتماعي وتحديد واجبات المواطن لربطه بالمواطنة والحفاظ على مصادر الدولة.
- رسم السياسة الاقتصادية المستقبلية للعراق كدولة ضمن مسلة القوانين وترتيب العلاقات الخارجية ضمن هذه المجالات.
- اعتبار العراق ملكا لِكلّ أفراد المجتمع ونزع التعنت الطائفي والقومي والمذهبي من خلال مساواة أفراد المجتمع ومنح حقوق الأقليات.
لم يتسن لدستور 1964م الانتقال إلى مرحلة الدستور الدائم نتيجة تغير ملامح الحكم عام 1966م ومن ثمّ عام 1968م. ومع هذا استمرت الدولة العراقية في بنودها المرسومة على الرغم من غياب الحياة النيابية والدستورية.
إذ عكف الحاكمون في مرحلة ما بعد 17 يوليو/ تموز 1968م على إصدار دستور آخر يوم 21 سبتمبر/ أيلول 1968م والذي لم يكن يختلف في معظم بنوده الأساسية عن الدساتير السابقة للدولة العراقية (34).
الدولة العصرية وخيوط تقدّمها
" نظرة جدية لدستور 21 سبتمبر/ أيلول 1968م تعطينا فهما واقعيا يستند إلى أنّ المواد الخمس والتسعين والمدرجة بخمسة أبواب لا تختلف في مضمونها ونصها أيضاً عند دستور عام 1964م إلا في الأمور الشكلية أو التي تتعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية ومجلس قيادة الثورة " |
نظرة جدية لدستور 21 سبتمبر/ أيلول 1968م تعطينا فهما واقعيا يستند إلى أنّ المواد الخمس والتسعين والمدرجة بخمسة أبواب لا تختلف في مضمونها ونصها أيضاً عند دستور عام 1964م إلا في الأمور الشكلية أو التي تتعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية ومجلس قيادة الثورة.
فالأبواب المتعلّقة بالصحة والمواطن والتعليم والسلطات الثلاث وحيادية الجيش وتوظيف الاقتصاد وغيره مما طرحناه آنفا، جاءت جميعها متطابقة نصا ومعنى.
ولكن الذي استرعى انتباهنا هو المادة التاسعة والثمانون التي تقول "تبقى التشريعات النافذة قبل صدور هذا الدستور سارية المفعول ولا يجوز إلغاؤها أو تعديلها إلا بالطريقة المبينة في هذا الدستور".
أي أنَّ مسار الدولة العراقية استمر في بنائه دون تعطيل على الرغم من إبدال صفة الحكم. وبالتالي استمر نشاط الدولة بعيدا عن أنظمة الحكم وكيفية التعامل للبقاء في السلطة. فالشيء الوحيد الذي استبدل من دستور إلى آخر ومنذ نشأة الدولة هو صلاحيات رأس السلطة.
وحتّى هذه الصلاحيات كانت مرهونة بمواد دستورية لا يمكن تجاوزها مهما بلغ الأمر. وهو ما يفسر استمرارية الدولة العراقية في كافة مجالاتها (44).
لقد مرت الدولة العراقية في أول مرحلة لما بعد 17 يوليو/ تموز 1968م بخمول شامل جدا استمر لثلاثة أعوام ونيف من الأشهر. وكان هذا الخمول ناتجا عن التجاء سلطة الحكم إلى تثبيت سلطتها قبل البدء في تشريع استمرارية الدولة العراقية.
وبالتالي على الرغم من استمرار مرافق الدولة العراقية الأساسية في مسارها المرسوم مسبقا وخاصة في الخدمات والصحة والتعليم والنقل والنفط؛ فإنّ الدولة توعكت نتيجة محاولة الحاكمين الجدد إبدال الكادر المتخصص في نواحي الدولة بكادر موالٍ للحزب الحاكم.
ناهيك عن حالة عدم الاستقرار السياسي والخوض في جوانبها لغرض تصفية الطامعين للوصول إلى السلطة؛ مما سبب بوجود بطالة زادت نسبتها حوالي 13% عما كانت عليه قبل استلامهم للسلطة.
وكانت نسبة البطالة هذه أمرا مستعصيا يستوجب حله قبل 17 يوليو/ تموز 1968م (44)؛ لأنّه جاء نتيجة لعدم الوصول لاتفاق مع الشركات النفطية البريطانية والهولندية من جهة والتجاء الدولة العراقية للتعاقد مع شركة إيراب للتنقيب والتصدير للبترول في المستكشف بالمناطق المحددة بالعقد. مما حدا بهذه الشركات أن قللت إنتاجها بواقع 23% وسرحت نصف العاملين بشركة نفط الشمال وشركة نفط الجنوب.
ونتيجة عدم الاستقرار السياسي بالعراق واستمرار المشكلة مع الشركات البريطانية والهولندية على الرغم من إلغاء الحاكمين -بقرار سياسي- العقد غير المنفذ مع شركة إيراب؛ زادت نسبة البطالة بواقع الضعف. علاوة على تعثر أداء المرافق التي كان تساهم في دخل الدولة نتيجة لتدخل الحاكمين الجدد بمرافق الدولة وإقالة وطرد المهنيين بسبب عدم ولائهم للسلطة الجديدة.
كلّ هذه الأسباب ساهمت مساهمة فعالة على مدى ثلاث سنوات في هبوط مستوى بناء الدولة العراقية، واستشرى الفساد الإداري والرشى وغيرها بسبب ذلك أيضاً.
ويبدو أنَّ الحاكمين لما بعد 17 يوليو/ تموز 1968م قد عرفوا أن استمرارية البقاء في السلطة ستكون مهددة إذا ما استمروا على هذا المنوال؛ لذا قرروا فصل نظام الحكم عن الدولة وسبل أدائها.
ولعل أولى هذه القيم التي اتبعوها تتضمن الالتجاء مرة أخرى لمذكرة التفاهم المعقودة مع الشركات البريطانية ورئيس الوزراء السابق طاهر يحيى، والتي لم توقعها الشركات لمطالبة العراق بالتعويضات عن تقليل الإنتاج وزيادة سعر تأجير أراضي التنقيب البترولية (45).
وكنتيجة لتهديد العراق بالالتجاء إلى الاتحاد السوفياتي للتنقيب والإنتاج والتصنيع البترولي، وافقت عام 1972م الشركات البترولية البريطانية والهولندية على إنهاء احتكارها للبترول العراقي ودفع التعويضات التي بذمتها وسبق أن اتفق عليها مع الدولة العراقية والبالغة 141 مليون جنيه إسترليني، وهو مبلغ كبير جدا إذا ما عرفنا أن ميزانية الدولة العراقية كانت في وقت التعويض عام 1972م لا تزيد على 23 مليون دينار عراقي أي بواقع أربعين مليون جنيه إسترليني أو أقل بقليل.
ولعل هذا الاتفاق الذي عرف باتفاق تأميم البترول كان نقطة تحول في الدولة العراقية التي شهدت تطورا كبيرا حتى 1968م ومن ثمّ هبوطا في الأداء والاستكمال لمدّة ثلاثة أعوام (46).
لقد عمدت الدولة العراقية على استعمال مبلغ التعويض استعمالا جوهريا يساعد في تخطي المشاكل التي ولدت خلال الثلاث سنوات الماضية؛ خصوصا بعد أنْ تمكن الحاكمون بالأدوات الأمنية من استحكام مرافق الحكم؛ ومقدراتهم على إفشال أربع محاولات لإسقاطهم.
ولعل موقف الاتحاد السوفياتي ومعاودة العلاقات مع فرنسا قد ساهما إسهاما جوهريا في توظيف تلك الأموال التي بدأت برفع مستوى المعيشة للموظف والعامل العراقي، ودعم الريف العراقي وتشجيع الفلاحة من خلال توفير المستلزمات الضرورية للإنتاج الزراعي بكلفة مدعومة من الدولة العراقية.
ولم تهمل الدولة العراقية تفعيل وتأهيل التعليم في العراق؛ ونتيجة لتطويرها هذا الجانب ورفد المؤسسات النفطية الوطنية العراقية بكوادر تقنية، ساهمت في إنشاء معاهد تكنولوجية في سبع محافظات عراقية؛ وساهمت في العمل على افتتاح وتطوير أقسام علمية أخرى في جامعات القطر العراقي وإعادة تأهيل الموانئ العراقية ومؤسسات النقل والمواصلات.
وللحيلولة دون إفشال خطة تطوير الدولة العراقية وإرجاعها لحالتها الطبيعية إلى ما كانت عليه قبل 17 يوليو/ تموز 1968م؛ شرعت الدولة قوانين إدارية صارمة تحارب الفساد وتحارب الرشاوى؛ واستبدلت العناصر غير الكفؤة بمرافق الدولة وتم تأهيل البعض منها بإرسالهم دورات تأهيلية في الاتحاد السوفياتي ودول الشرق الأوروبي والغرب الأوروبي أيضاً (47).
مع إطلالة عام 1973م يمكن أنْ نقول إنّ الدولة العراقية باتت تخطط لتكون دولة عصرية في مرافقها الصناعية والتعليمية والصحية والخدمية؛ فنتيجة للوفرة المالية أقدمت الدولة على فتح باب البعثات والإيفادات لاكتساب الخبرات الخارجية لإعادة بناء الدولة ضمن خطوط حديثة.
ونتيجة لانفتاح العراق على الشركات الاستثمارية العديدة في مختلف العالم، بات العديد من الدول يمنح العراق خبرات مجانية ريثما يتمكن من الحصول على عقود استثمارية.
لذا شهدت الصناعة النفطية تطورا كبيرا في تطويرها واستثماراتها المتعددة التي باتت تدار بكادر تقني وفني وعراقي بحت. وللحيلولة دون التوقف في الخطّة البنائية الجديدة للدولة العراقية فقد مهدت بقرارات صائبة لعودة الخبرات العراقية في كافة المجالات على الرغم من ابتعاثها ما يقارب 4200 بعثة تخصصية خلال ثلاث سنوات بدءا من عام 1972م حتى 1975م (48).
" لقد حقق العراق خلال سبع سنوات إنجازات كبيرة في مرحلة بناء الدولة؛ تمكن من خلالها من إنشاء وتفعيل المؤسسات المهمة التي تطور الجانب الإداري واستمراريته أسوة بالدول المتقدمة " |
ولما كانت الدولة العراقية قد بدأت انفتاحها تجاريا وتصنيعيا على العالم الخارجي، فقد قامت بتطوير موانئها لتتوافق مع الزخم عليها؛ وطورت شركة ناقلات النفط لتنعم ببيع صادراتها النفطية بكفاءة عراقية؛ وأنشأت أسطولا ناقلا بحريا بعد أنْ أسست مؤسسة النقل البحري العراق. ولم تكتف بهذه المؤسسات الاقتصادية وحسب بل قامت بتأسيس المؤسسة العامة للثروة السمكية والتي كان لها أسطولها الخاص للاتجار بالأسماك ومراعاة طرق زراعتها.
كما ساهمت خلال هذه السنوات في عملية بناء معامل كثيرة للتصنيع النفطي والتعدين كان أهمها البتروكيمياويات والورق والفسفور والكبريت والسكر والحديد الصلب والأسمنت والطابوق ومصافي النفط. وهذه بجمعها تجعل العراق في مرحلة الإنتاج التي بدأت؛ ليكون دولة اكتفت ذاتيا لاحتياجاتها الحقيقية من تلك المواد الأساسية التي تعتمد على المواد الأوّلية الموجودة بالأراضي العراقية.
ولعل للدولة مساهمات عديدة تعاونية وشبه تعاونية وخاصة للاستهلاك المحلي التي يمكن من خلال إنتاجها إيقاف صرف العملة الصعبة لتكون العملة العراقية قوية. وهو ما انعكس فعلا على ذلك، إذ كان سعر الصرف للدينار العراقي بتلك المرحلة يعادل 3.31 دولارات أميركية (49).
إنَّ المرحلة التصنيعية والزراعية التي قامت بها الدولة العراقية بنجاح لم تنته عام 1975م؛ بل شهد العراق مع عام 1978م تطورا في بناء معامل لإنتاج الآلات الزراعية الثقيلة، واقتنى خبرة ألمانيّة وسوفياتية في بناء هياكل السيارات الضخمة والآلات الرافعة؛ وحقق نجاحا في الاستثمار النفطي من خلال اكتشاف احتياطي نفطي كبير. أما على الجانب الخدمي فقد تمكن العراق من ربط جميع مدنه بشبكة طرق كبيرة وواسعة، واهتم بالصحة بصورة عامة حتى مُنح شهادة من منظمة الصحة العالمية كونه البلد الوحيد في منطقة الشرق الأوسط الخالي من الأمراض المستوطنة والسل والجدري وشلل الأطفال.
ومنح شهادة من منظمة اليونسيف لكونه البلد الوحيد في أفريقيا وآسيا الخالي من شلل الأطفال والأمية بين الأطفال من 6 إلى عشر سنوات خلال عام 1977م.
كما مُنح شهادة من منظمة اليونسكو العالمية عام 1978م لكونه البلد الوحيد في دول العالم الذي توفر فيه الدولة تعليما مجانيا من رياض الأطفال حتّى الجامعة ليس بالأجور الدراسية فحسب؛ بل حتى في مستلزمات الدراسة.
ومن خلال هذه المنجزات اعترفت الأمم المتحدة بأنّ العراق خرج من منصة الدول النامية عام 1979م وهو الآن في مضمار الدول التي سوف تدخل مستوى الدول المتقدمة. وبنيت الأمم المتحدة نتائجها على أسس الدولة العراقية التي وصلت إليها في ذلك الوقت والمتعلّقة بالخدمات والصحة والتعليم والاقتصاد والتصنيع والزراعة (50).
لقد حقق العراق خلال سبع سنوات إنجازات كبيرة في مرحلة بناء الدولة؛ تمكن من خلالها من إنشاء وتفعيل المؤسسات المهمة التي تطور الجانب الإداري وتضمن استمراريته أسوة بالدول المتقدمة؛ فقد أسس مكتبة وطنية كبيرة أسوة بمكتبة الكونغرس الأميركي والمتحف البريطاني، وأسس المعهد القضائي لتخريج قضاة متمرسين وذوي خبرة ضمن المستلزمات الدولية، وأسس المعهد الدبلوماسي لامتلاك خبرات دبلوماسية لتكون أداة دبلوماسية عراقية ذات خبرة، وأسس مركز البحث العلمي ومركز الدراسات النووية ومركز الدراسات النفطية...إلخ (51،49).
وسمح بتأسيس النقابات المهنية والنوادي الثقافية؛ وكانت لها أدوار مهمة في خلق الدولة العصرية على الرغم من المضايقات السياسية.
واستمر في الانفتاح على الغرب وإرسال البعثات المتخصصة في الجوانب العلمية والثقافية والإنسانية.
ولعلنا لا يمكن أنْ ندرج هنا كلّ الإنجازات التي طورت العراق كدولة لأنها هيكلية مؤسساتية تبدأ من نعومة أظافر الطفل إلى أنْ يصبح عنصرا نافعا في الدولة.
ولكن يمكن أنْ نقول نهاية المطاف؛ إن الدولة العراقية أبلت بلاء حسنا في تأسيس المؤسسات الاجتماعية كرعاية الكبار والمعوقين ورعاية القاصرين وأموالهم وتأهيل الأحداث المحكومين ورعاية الأيتام، وغيرها من المؤسسات الاجتماعية.
وتمكنت من إحكام الجانب الأمني بصورة مطلقة حتّى وصلت نسبة الجريمة منذ عام 1975 حتى 1983م (صفر%) نتيجة تمرس ذوي الخبرة في التحقيق ومتابعة الجريمة (51،50).
العوامل الدولية ودورها في انهيار الدولة العراقية 
انتهت الحرب العراقية الإيرانية والعراق مدين للدول الغربية والعربية بما يقارب 67 مليار دولار؛ إلا أنّه خرج وهو يحمل خبرة متناهية ليس في التصنيع المدني وحسب؛ بل في التصنيع والتسويق الحربي أيضاً.
وعليه فللدخول في فحوى بدء انهيار الدولة العراقية لا بدّ أنْ نبين ماذا كانت تمتلك الدولة من مؤسسات إنتاجية ومؤسسات ومراكز مساعدة للإنتاج وقيام كيان الدولة واستقلاليتها.
فرغم عدم وجود ديمقراطية محسوسة وفي ظلّ النظام الأمني الصارم والاستحواذ الحزبي على مكائن ومرافق الدولة؛ خرج العراق منتصرا من حرب دامت ثماني سنوات دون أنْ تتعرض منشأته الرئيسيّة للتدمير أو التقنين، يصاحبها إرث من الكادر الفني والهندسي والإداري والأكاديمي والصحي والعلمي؛ وهذا يعني أنَّ الدولة ما زالت في عنفوان شموخها، وسوف تعود للاستقرار والاستمرار في النمو خلال فترة قصيرة جدا إذا ما تمكنت من إعادة تأهيل مرافقها وفق الأسلوب والصيغ التي كانت متبعة قبل الحرب. فالعراق كان في تلك الفترة التي سبقت بدء انهيار الدولة يتمتع بامتيازات اجتماعية واقتصادية وإعلامية وصحية وتربوية وعسكرية وتصنيعية عديدة لا مجال لذكرها هنا (55،54،53،52،51).
بدء انهيار الدولة العراقية
" انتهت الحرب العراقية الإيرانية في أغسطس/ آب 1988م والعراق قد حددت خسارته بواقع 226 مليار دولار فقط من عام 1980 حتى 1985م " |
انتهت الحرب العراقية الإيرانية في أغسطس/ آب 1988م والعراق قد حددت خسارته بواقع 226 مليار دولار فقط من عام 1980 حتى 1985م
(59) وقد مثل هذا الرقم التقديري خسارة العراق بما يقارب 120.8 مليارا من وقف إنتاجه البترولي بأسعار عام 1985م؛ 64 مليارا خسارة من إيقاف الإنتاج في مرافق العراق الأخرى غير البترولية. أي أن العراق قد خسر ما يقارب 184.8 مليار دولار خلال خمس سنوات من الحرب وهو يساوي قيمة ما يمكنه إنتاجه بالصورة الفعلية في حالة السلم.
ووفق هذه الدراسة التي أعدها مركز أبحاث الشرق الأوسط الياباني عام 1987م، فإن العراق بلد منتج لغير البترول؛ إذا ما عرفنا أن خسارته من الإنتاج غير البترولي خلال حقبة خمس سنوات هي 64 مليار دولار، أي بواقع 17 مليارا للسنة الواحدة؛ وبهذه الإحصائية نعرف قدرة العراق الإنتاجية التي جاءت مخالفة لما كانت تذكره الدراسات الغربية والتي مفادها أنَّ العراق لا يمتلك إلا البترول وأن جلّ اقتصاده مستند إلى الإنتاج البترولي.
ويقول المركز اليابياني في الدراسة إنّ الحرب قد دمرت ما يقارب 33 مليار دولار من ممتلكات الدولة العراقية؛ وحوالي 8.2 مليارات دولار ممتلكات فردية خاصة. ومن خلال إحصائيات الدراسة يمكن أنْ نقول إنّه مع عام 1988 السنة الثامنة للحرب؛ يكون العراق قد خسر إضافة لما ذكر أعلاه خمسين مليار دولار (59،58،57،56).
كانت الدولة العراقية قد انتبهت إلى خسارتها وثقل المهمة التي على عاتقها لإعادة البناء؛ فسرعت بوضع خطّة خمسية اقتصادية كبيرة لما بعد الحرب، إلا أنّها وجدت نفسها لا يمكن الاستمرار بمشاريعها والخطّة الخمسية معا ما لم تتخلص من كاهل بعض المعامل الحكومية.
فبدأت بتحويل بعضها للقطاع الخاص مما أفقد العراق قدرة الإنتاج لسد الاحتياج المحلي وسد احتياجات المشاريع الإنمائية التي تحتاج إلى إنتاجية بعض المعامل المكملة لمشاريعه؛ إضافة إلى دخول السوق بمضاربات تجارية لم يكن يعرفها السوق العراقي منذ ثلاثة عقود ونيف من الزمن.
وكانت هذه الخطوة الأولى باعتقادنا لانهيار الدولة العراقية نتيجة عدم وضوح الرؤية الاقتصادية لتحويل مؤسسات الدولة إلى القطاع الخاص. فهي خطوة لم تكن واضحة من البداية؛ وتحتاج إلى توقف في ضميرها ضمن الأسئلة المتواترة في صددها؛ فهل كان هذا التحرّك يؤدّي إلى إعادة هيكلة أساسية ودائمة لاقتصاد العراق؟ أم كان فقط إجراء مؤقّتا لرفع معدل الإنتاج وتقليل التكاليف على الدولة وإقرار مدّخرات القطاع الخاصّ وطمأنة الدائنين الغربيين. هذه النقاط لو سهل حلّ عقدتها فيمكن من خلالها معرفة لماذا انهارت الدولة العراقية.
لم يكن التدبير لانهيار الدولة العراقية قد خطط له أثناء الحرب العراقية الإيرانية؛ أو قبل انتهائها بقليل؛ ولكن باعتقادنا فإن الغرب والمتمثل بقيادة الولايات المتحدة كان ينظر للعراق كونه الدولة التي فتحت أبواب جهنم على مصراعيها أمام الغرب، وبالتالي كان يجب تفتيتها وإشغال أهلها بفتنة ربما طائفية أو عرقية. والسبب في ذلك يعود لدعوة رئيس الوزراء العراقي طاهر يحيى خلال فترة الرئيس عبد الرحمن عارف إلى استعمال البترول سلاحا.
جاء هذا الإعلان خلال حرب عام 1967 ضدّ إسرائيل وأثناء حرب الاستنزاف. ويبدو أن هذا الأمر قد تطور بتأميم العراق بتروله ومن ثمّ استعماله سلاحا، وتم حظره أثناء حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973م. هذه المفاصل جعلت الغرب والولايات المتحدة تنظر للموضوع بجدية؛ لذا فبمجرد أن انتهت حرب أكتوبر تبلورت عند جيمي كارتر الرئيس الأميركي آنذاك فكرة إنشاء قوات التدخل السريع، وطلب على حين غرة من مجلس الأمن القومي مراجعة القدرات العسكرية، وهي قصة طويلة انتهت بدخول تلك القوة أول حرب عام 1991م ضد العراق (63،62،61).
الانهيار الحقيقي للدولة العراقية
اجتاح العراق الكويت بقرار سياسي غير محسوب وغير واع يوم 1-2 أغسطس/ آب؛ وبان نشاط الدول العربية لاحتواء الازمة أو تفعيلها؛ لانقسامهم لمعسكرين أساسيين.
ولعب الأردن دورا كبيرا لإبقاء الأزمة داخل المحيط العربي؛ إلا أن موقف مصر كان مشبوها نوعا ما في هذا الأمر. وبينما المساعي العربية في حمتها أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 660 يوم 2 أغسطس/ آب 1990م أدان فيه الغزو العراقي للكويت (72،71،70،69،68،67،66،65،64).
وبعد أقل من أربعة أيام صدر في السادس من أغسطس/ آب 1990 قرار آخر من مجلس الأمن الدولي برقم 661، ذلك القرار الذي حدد فيه العقوبات الاقتصادية على العراق بصورة مجحفة جدا (73).
وبالتالي من خلال هذا القرار الأممي الأمني أصبح العراق منعزلا تماما عن العالم، وقطعت معه العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية والعلمية تماما إلا باستثناء بعض الدول الأوروبية الشرقية التي لا تتعدى عدد الأصابع.
وعمل العراق بصورة لا تنمو بأنه استوعب حجم المخطط الذي سوف يقع به فرد على قرار مجلس الأمن الدولي الخاص بالعقوبات والمقاطعة بقرار ضمّ الكويت كمحافظة عراقية تاسعة عشرة. ودخلت ضمن التخصيصات المالية للدولة العراقية على أنّها محافظة عراقية. ولعل هذا الأداء قد حفز مجلس الأمن الدولي لإصدار قرار آخر تحت رقم 664 يوم 18 أغسطس/ آب 1990 يلغي فيه الاعتراف بالقرار العراقي الذي اعتبر الكويت محافظة تاسعة عشرة للعراق (74).
لقد توالت القرارات الأممية بشأن العراق والكويت؛ وكانت كلها حصارا وعقوبات على العراق، فقد صدر ما بين 18 أغسطس / آب 1990 حتى 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1990م القرارات التالية 664, 665, 666, 667, 668, 669, 670؛ 674؛677؛678؛ وكانت جميعها تحاول عزل العراق كليا من جميع جوانب بقائه كدولة (83،82،81،80،79،78،77،76،75).
|
" توالت القرارات الأممية بشأن العراق والكويت؛ وكانت كلها حصارا وعقوبات على العراق، وتحاول عزله كليا من جميع جوانب بقائه كدولة " |
وبالإضافة إلى هذه القرارات أصدرت الجامعة العربية قرارا يدين فيه العراق، ويحدد أنّه لا يمانع استعمال القوة لإخراج العراق من الكويت.
وقد تبين أنّ القرار الذي صدر من الجامعة العربية كان بضغط من مصر والعربية السعودية؛ وقد تمّ فيه تجاوز حتى الأُسس التي بنيت على أساسه الجامعة العربية. والسبب يعود لأن قرار الجامعة العربية في حينه كان مكتوبا من قبل الأميركان، وقد ترجم إلى اللغة العربية قبل انعقاد المؤتمر بنصف ساعة. ولعبت مصر دور الشرطي لإنهاء إصدار القرار خلال أقل من عشرين دقيقة؛ ولم تحظ فرصة حتّى لمناقشته (84).
لقد قامت الولايات المتحدة الأميركية بتحذير العراق تحذيرا مميتا في حال استعمال أي من الأسلحة الفتاكة؛ فلذا أوغل فيه ضربا وتحطيما دون أنْ يرد حتّى بالأسلوب التقليدي للدفاع عن نفسه (86,85).
وباعتقادنا أنَّ السلطة العراقية كانت تفكّر في كيفية بقائها لا في كيفية حماية الدولة التي تمّ بناؤها خلال أكثر من ثمانين سنة. فلذا لم تكن السلطة تفكّر في كيفية الخروج من الأزمة كدولة؛ ولو كان هذا قد حدث لفشل المخطط الأميركي الأوروبي بالكامل والداعي لتفتيت الدولة العراقية.
ففي حديث لوزير الخارجية البريطاني حينذاك دكلس هيرد للمحطة البريطانية الرابعة في اخبار السابعة ليلا المعروفة بنشرتها الاخبارية المفصلة؛ سأل جون سنو ماذ سيكون موقفكم لو انسحب صدام حسين من الكويت. فأجاب دكلس هيرد بعد توقف دام لأكثر من 14 ثانية "سنكون في حيرة مؤلمة" ثمّ استطرد وقال "حتّى لو انسحب فنحن ماضون لتدميره كي لا يهدد جيرانه مرة أخرى".
هذا الحديث الذي كان في الخامس من يناير/ كانون الثاني 1991م؛ أي قبل انتهاء الإنذار الأممي الأميركي بعشرة أيام والذي ينتهي يوم 16 يناير/ كانون الثاني 1991م؛ لو كان من يتابع هذه الأقوال والتصريحات في النظام العراقي؛ وتم تحليله ووضع أولوية حماية الدولة قبل بقاء السلطة وانسحب العراق من الكويت لانفض التحالف وفشل المخطط. إلا أن وعي السلطة آنذاك لم يكن قد وصل إلى هذا المستوى، فلذا أثرت الدول الإقليمية والعربية والدولية في الإسراع بتفتيت الدولة العراقية كلا حسب ما قدمه من خدمات والتي يمكن إجمالها بما يلي:
1. من خلال القرارات الصادرة من مجلس الأمن الدولي والتي تمّ سردها نلاحظ أنَّ المجتمع الدولي قد أسهم مساهمة فعالة في تدمير الدولة العراقية من خلال عدم التريث والتدخل في حل مسألة العراق والكويت، بل ساهمت في وضع كافة المعلومات التجارية والاقتصادية والعسكرية بخدمة الولايات المتحدة، وهو خرق آخر ومساهمة أخرى لتدمير العراق.
2. إن دول العالم كانت تصوت بالإيجاب للقرارات الأميركية دون أنْ تنظر إلى المعاناة الإنسانية التي سوف تطرأ على العراق، وكأنه قرار قد اتّخذ مسبقا لإنهائه بشتى الوسائل ولكن بذريعة بدت لهم ذريعة قانونية.
3. ساعد الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية في بداية انحلالها في تفتيت العراق بعد أنْ كان لها مساهمات تاريخية مهمة لبناء الدولة العراقية؛ وذلك من خلال الاعتراف بجريمة الغزو العراقي مرة؛ وعدم التدخل في نهاية الصراع مرة أخرى؛ والتصويت على كافة القرارات الأممية والإيعاز إلى منظومتها الاشتراكية للمساهمة في الحرب ضدّ العراق. ولعل الأهم في ذلك هو إعطاء الشفرات الرادارية وتفاصيل الأسلحة العراقية وخصائصها إلى الولايات المتحدة لتقوم بتنفيذ مهامها دون أنْ يكون للعراق تأثير على ذلك (87). وبالإضافة إلى تلك النزعة السوفياتية التي خذلت العراق وهي في إبان سقوطها؛ عملت شرطيا يحذر العالم بما تريده الولايات المتحدة؛ يقول وزير الخارجية السوفياتي الأسبق ألكسندر بسمرتانيكا Alexander Bessmertnykh "نحن حذرنا العراق من مغبة استعمال القوة المفرطة لتدميره؛ قوة جبارة" دون أنْ يقف موقف المدافع عن العلاقات والمعاهدات المعقودة بينهما.
4. لقد شاركت معظم الدول بقوات عسكرية أو لوجستية لدعم الولايات المتحدة في تفتيت العراق والتي لم تشارك بالقوة ساهمت مساهمة فعالة في دفع بعض من فواتير الحرب المدفوعة أصلاً، وهو ما ينطبق على كلّ من ألمانيّا واليابان والصين.
5. ساهمت الدول العربية مساهمة فعالة في تدمير العراق من خلال حرب الخليج؛ إما بالسكوت وعدم الاعتراض عما يحدث وضرورة إيجاد صيغة ينسحب فيها العراق من الكويت؛ أو بالمساعدة اللوجستية والمادية؛ فمصر والأردن على سبيل المثال قد ساهما في عبور واحتضان القطاعات العسكرية الأميركية وتهيئة العوامل القتالية لما خلف الجبهات، ناهيك عن أنَّ البعض ساهم مساهمة فعالة بقوات عسكرية ولو رمزية مثل سوريا ومصر والمغرب. ويبدو أنَّ الولايات المتحدة قد حققت مآربها بتفتيت المنظومة العربية من خلال العراق على الأقل في وحدة القرار.
6. شاركت الدول الإسلامية دون قيد أو شرط بقوات عسكرية لتدمير العراق دون الالتجاء إلى المنظمات الإسلامية وعدم الانحيازية التي ساهم العراق بشكل فعال في بنائها لدرء الخطر عن المنظومة الإسلامية؛ ومنذ تأسيس الدولة العراقية. فباكستان وماليزيا وإندونيسيا بعضها ساهم ماليا والآخر عسكريا دون أي مبرر يذكر، إذا ما استثنينا غزو الكويت واعتبرناه مسألة إسلامية عربية يمكن حلها خلال هذا المحيط.
7. أما الدول الإقليمية غير العربية كتركيا وإيران فقد كان دورهما معروفا جدا؛ لكونهما المستفيد من تدمير الدولة العراقية. فالأولى وباستحياء شديد فتحت مجالاتها الجوية والأرضية للقوات الأميركية، وساهمت بتوفير القيم اللوجستية لقتال قوات التحالف. في حين إيران قامت بتوفير المعلومات الكافية عن المنافذ التي يمكن أنْ يقوم العراق من خلالها بمهاجمة القوات الأميركية، وفتحت مجالها الجوي لطائرات التحالف فيما إذا تعرضت إلى هجوم من قبل العراق. كما أنّها أغلقت الحدود الإيرانية العراقية لمنع تسلل القوات العسكرية العراقية والالتفاف بحريا على القوات الأميركية. واعتبرت الولايات المتحدة هذا الإنجاز الإيراني إنجازا إستراتيجيا لإحكام قبضتها على العراق كدولة.
مما تقدّم نلاحظ أن العالم بصورة أو أخرى شارك في تدمير العراق كدولة؛ عن قصد أو دون قصد. ولكن بالتأكيد كان الغرب يريد تدمير العراق مهما كان الثمن لأنه أصبح قوة عسكرية وبشرية واقتصادية على الرغم من كونه قد حرج متعبا من الحرب الإيرانية العراقية. وبالتالي أراد الغرب إعادة ترتيب الخارطة السياسية للمنطقة والاستحواذ على ما يمتلك أهل تلك المنطقة. ولعل من يسفه مفهومي المؤامرة وأهمية النفط للغرب قد لا يعي مطلقا اللعبة الأممية والبعد الحضاري لكون هذين المفهومين قد بني على أساسهما العالم الجديد لما بعد الحرب العالمية الأولى، وقسم بصورة يمكن التلاعب به متى أريد ذلك.
الانهيار التام للدولة العراقية ومحاولة النهوض مجددا
|
" أرادت الولايات المتحدة من حرب الكويت الأولى الإيعاز للعالم أنّ العراق بلد مصطنع من الشيعة والسنة والأكراد ولابدّ من فصله " |
مع يوم 27 فبراير/ شباط 1991م ومن ثمّ قبول العراق بقرار مجلس الأمن رقم 686 الصادر يوم 2 مارس/ آذار 1991م (88) انهارت الدولة العراقية بالكامل؛ وأصبح العراق لا يملك إلا العقول والاختصاصات العلمية والإنسانية؛ إلا أنّها دون أدوات أو مختبرات لتطويرها.
ويبدو أن مخطط تفتيت الدولة العراقية وإنهائها لم يكن قد أقر بعد؛ ولكن ما حدث ما هو إلا البداية لتفتيتها ضمن الأولويات الموضوعة والمرسومة لتكوين دولة من دويلات أو ولايات كما كان قبل سقوط الدولة العثمانية.
لذا حين ثار الجنوب العراقي بشيعته وسنته وأديانه الأخرى؛ لعبت الولايات المتحدة دورا كبيرا بمساعدة إيران في فتح الحدود وتحويل الانتفاضة من انتفاضة عراقية إلى شيعية كما أسموها. وهو ما لم يتم مطلقا؛ إذا ما عرفنا أنَّ القطاعات الداخلة من إيران لم تتمكن من خوض المعركة مع المنتفضين الذين جلهم من العشائر العراقية العربية.
لقد حالت القوات الأميركية دون أنْ يتمكن المنتفضون من السيطرة على مخازن الأسلحة أو مرافق الدولة؛ وسمحت للدولة العراقية أنْ تنقل بعض قطعاتها لتدمر المنتفضين.
في حين أوعزت إلى الزعماء الأكراد بمن فيهم جلال الطالباني ومسعود البارزاني بوجوب مصالحة النظام العراقي لإيقاف الزحف. ومن جانب آخر أدخلت الولايات المتحدة العامل الديني في النجف وكربلاء من خلال زمر تابعة لإيران لإفشال الانتفاضة العربية في حينه والاستفادة منها في حين آخر.
إن سبب الجهد الذي بذلته الولايات المتحدة لإفشال الانتفاضة في الجنوب ومن ثمّ الإيعاز للأكراد في الشمال للانتفاضة، كان هدفه الإيعاز للعالم أنَّ العراق مقسم لشيعة وسنة وأكراد وأن ما حدث تقسيم طبيعي لا بدّ أنْ يكون أساسا في المستقبل العراقي المرسوم. وبالتالي فقد أرادت الولايات المتحدة من حرب الكويت الأولى ما يلي:
1. تحطيم القدرة العسكرية العراقية تصنيعيا وتعبويا وجعله غير قادر إلا على حماية النظام الحاكم.
2. تحطيم قدرات العراق الصناعية والزراعية وإحداث إرباك في هيكلية مؤسسات الدولة العراقية.
3. زعزعة ثقة المواطن العراقي بالنظام الحاكم وهو ما سيؤثر سلبا على مسار الدولة واأظمتها وقوانينها، لذا سقطت منظونة القوانين واستشرت الرشوة والفساد الإداري.
4. الإيعاز للعالم أنَّ العراق بلد مصطنع من الشيعة والسنة والأكراد ولا بدّ من فصله.
5. مراقبة الدولة العراقية مراقبة حثيثة لمعرفة قدراتها أثناء الأزمات ووضع خطّة للانقضاض عليها في حينه.
6. تفتيت العراق وفق القانون الدولي تحت حماية الشرعية الدولية.
7. إضعاف الشعور الوطني العراقي لتتمكن من تمرير الخطوط المرسومة لإسقاط العراق كدولة.
وبمساعدة فرنسا وبريطانيا وبعض الدول العربية تمكنت الولايات المتحدة من تنفيذ ذلك من خلال الحصار والعقوبات والمنطقة الآمنة للأكراد؛ وغيرها من القوانين والتشريعات التي سنأتي إليها لاحقا لتحديد المسارات الدولية والعربية والإقليمية التي ساهمت في إسقاط الدولة العراقية.
لقد سقطت الدولة العراقية عمليا يوم 27 فبراير/ شباط 1991م وقدرت خسائرها الاقتصادية من جراء هذه الحرب بواقع 232 مليار دولار (89).
وهذا يعني 362% من الدخل القومي العراقي لما قبل هبوط أسعار البترول عام 1989م؛ حيث كان معدل الدخل القومي العراقي 64 مليار دولار. ناهيك عن تدمير جميع المؤسسات الإنتاجية ومرافقها الخاصة والعامة. وبالتالي فقد خرج العراق من حرب الكويت وهو لا يمتلك إلا العقول التي ساهمت في بناء الدولة العراقية.
ومع كلّ ما حدث لم تكتف الولايات المتحدة على الرغم من تركيز قرار مجلس الأمن 686 على استعادة السلم والأمن الدوليين في المنطقة؛ فقد سعت وعلى مرأى ومسمع مما يسمّى الشرعية الدولية ودول العالم إلى إصدار قرار رقم 68 7 يوم 3 أبريل/ نيسان 1991م (90).
هذا القرار لم تشارك فيه أية دولة أو تناقشه بل كتب وصمم من قبل الولايات المتحدة فقط؛ وكان السبب الرئيس لإطلاق رصاصة الرحمة على ما يسمّى العراق في حينه.
كان هذا القرار ملما وشاملا بالعلاقات العراقية الكويتية وبالأزمة الدولية التي صاحبت احتلال العراق للكويت؛ وصولا إلى ربط العراق بالالتزامات التالية والتي وافق عليها النظام العراقي ضمنا أثناء لقائه مع القادة الأميركان في خيمة صفوان. وما أن انتهى اجتماع صفوان حتى ظهرت للعلن قائمة أخرى من القرارات الأممية لم تكن أقل وطئا مما صدر سابقا، وكانت على التوالي 688؛ 689؛ 692؛ 699؛ 700؛ 705؛ 706؛ 6707؛ 712 وكلها تربط العراق بقرارات تمنعه من ممارسة سلطاته كدولة سواء كانت اقتصادية ام سياسية (100،99،98،97،96،95،94،93،92،91).
مما بينا أعلاه نلاحظ أنه لم يشأ مجلس الأمن الدولي في أية حرب ومن ضمنها الحرب العالمية الثانية عندما كانت عصبة؛ أنْ تصدر قرارات بهذا الكم الهائل والمتتالي والمتسق في تحديد دولة ما.
وقد تمّ ذلك بصمت دولي كبير ودون مناقشة وتأييد مسبق دون الالتفات إلى ما سوف يحلّ بالعراق وشعبه من كارثة إنسانية ودون التحقق بمدى مصداقية ما اتهم به العراق، ناهيك عن أن الحالة المتدهورة في العراق جعلت أيضاً النظام يلتفت فقط إلى كيفية الحفاظ على وجوده دون إعطاء أهمية لإعادة بناء الدولة العراقية.
لقد كانت الأمور مرسومة مسبقا بهذا الإطار؛ فلذا نرى قرارات مجلس الأمن منذ نهاية عام 1991م حتى 1994م قد ركزت فقط على نقطة واحدة وتركت البنود التي تخص الحالة الإنسانية في العراق؛ والتي كانت تخص فقط تحديد الحدود مع الكويت، إذ جاءت في قراراتها 778 في أكتوبر/ تشرين الأول و2 نوفمبر/ تشرين الثاني 1992م (101) وقرار 806 يوم 5 فبراير/ شباط 1993م (102) وقرار 833 يوم 27 مايو/ أيار 1993م (103) وقرار 899 يوم 4 مارس/ آذار 1994م (104).
لقد حاولت الدولة العراقية إعادة ما يمكن إعادته بكفاءة الكادر العراقي؛ وعلى الرغم من الحصار الدولي ومحدودية أداء هيكل الدولة وفق القرارات التي أوجزناها آنفا؛ تمكن العراق من إعادة المرافق الرئيسيّة ولو بكفاءة يمكن من خلالها تسيير الأمور. الا أنَّ المخزون المالي والغذائي لدى العراق وفعالية الدول العربية والإقليمية لمنع العراق من التفاعل لإعادة بناء العراق لم يمكنه من الاستمرار على الرغم من رفضه مبدأ النفط مقابل الغذاء.
ولكن استمرار مقاومته لم تدم، إذ وصل العراق مع عام 1994م إلى الهاوية وانهارت معها كلّ المحاولات التي أريد من خلالها إعادة بناء الدولة العراقية.
|
" وصل العراق مع عام 1994م إلى الهاوية وانهارت معها كلّ المحاولات التي أريد من خلالها إعادة بناء الدولة العراقية " |
ويبدو أن هذا الانهيار قد سبب في اضمحلال الدولة منذ قبول العراق عام 1995م ببرنامج النفط مقابل الغذاء؛ ولو تتبعنا حالة الانهيار لوجدنا حتى في حالة قبول العراق بتصدير البترول مقابل الغذاء لم تتم الموافقة فورا؛ بل أجلت مرارا تحت ذريعة عدم الوصول إلى توافق؛ ولكن عام 1996م حين وصلت الحالة الإنسانية لمستوى مزر ونتيجة لتقارير اليونسيف والصحة العالمية وأطباء بلا حدود، تمت الموافقة على التصدير ولكن بالشروط القاسية التي حددتها الولايات المتحدة والمقرة من قبل مجلس الأمن الدولي.
ولعل اضمحلال الدولة يمكن أنْ نقول قد بدأ عام 1994م؛ في حين أنَّ الولايات المتحدة كانت تعد لاحلال الدولة وفق ما رسمته.
ولعل ما أقدمت عليه خلال هذه الفترة يمكن إيجازه بما يلي:
1. مع انتهاء حرب عام 1991م؛ باشرت الولايات المتحدة بالعمل السياسي الفوري؛ فعقد مؤتمر بيروت فورا قبول العراق وقف إطلاق النار. وكان المؤتمر ظاهرة عشوائية لا تبين أن هناك أحزاب وسياسيين لهم دورهم الذي يمكن أنْ يعتمد عليه لمستقبل العراق.
2. من خلال مؤتمر بيروت ونتيجة لما حققته الولايات المتحدة في انتفاضة الجنوب العربية والتي نجحت في تصويرها انتفاضة شعية ومثلها في الشمال انتفاضة كردية؛ ركزت الولايات المتحدة على مجموعة من العراقيين الفاشلين مهنيا وجعلتهم يشكلون أحزاب سياسية عرقية وطائفية بدعم منها.
3. ما إن اكتملت التشكيلة التي ارادتها الولايات المتحدة إلا وعقدت اجتماعا لهذه التشكيلات ضمن ما يعرف بالمؤتمر الوطني العراقي. هذا المؤتمر الذي انبثق عن مؤتمر فيينا أواخر عام 1992م أكدّ على الجوانب الطائفية. ولعب الحزبان الكرديان وحزب الدعوة والمجلس الأعلى دورا كبيرا في وضع الصيغ الطائفية والعرقية لهذا المؤتمر.
4. تمّ توجيه العمل لتلك الأحزاب مباشرة من قبل أجهزة المخابرات الغربية والأميركية بالذات، وبالتالي مع حلول عام 1994م تمكنت الولايات المتحدة من خلال مؤتمرات صلاح الدين ولندن وفرانكفورت من أنْ تفصل معارضة عراقية سياسية على الوجهة التي تريدها والتي تحاول أنْ ترعاها.
5. عملت الولايات المتحدة على تجنيد العديد من السياسيين العراقيين للعمل مباشرة تحت إمرتها وضمن ما يسمّى العراق الجديد منذ عام 1996م، فرصدت الأموال التي تمكن تلك الأحزاب من العمل.
6. كانت لدى هذه الأحزاب أطروحة غير معلنة مفادها العمل على العراقيين من الأصول غير العربية؛ أو العربية التي لها ارتباطات مباشرة مع إيران. فلذا استثني اللاجئون العراقيون في رفحا من العمل السياسي وتم أخذ نخبة من العراقيين ذوي الأصول غير العربية للتدريب في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية الشرقية ودولة شرق أوسطية معادية للعرب.
7. عملت الولايات المتحدة من خلال لجان التفتيش على الضغط على الحكومة العراقية واتهامها بوجود أسلحة دمار شامل. ولعبت هذه الأحزاب دورا هاما في نشر هذه الشائعات التي باتت تستعملها الولايات المتحدة لإصدار قرارات من مجلس الأمن الدولي. ولعب حزب الدعوة والمؤتمر الوطني والحزبان الكرديان دورا هاما في إدامة الحصار في العراق.
8. مع طلوع عام 2000م تأكدت الولايات المتحدة أنَّ الدولة العراقية وصلت إلى حدها الأقصى من الاضمحلال نتيجة الفارق ما بين الشعب ونظام الحكم. كما استشرى الفساد في مرافق الدولة وهجرها خيرة علمائه لدول أخرى.
9. فتحت الولايات المتحدة والدول العربية الإقليمية حوارا مع إيران بشأن العراق للتضييق عليه تجاريا؛ وابتزت إيران العراق بذلك ابتزازا حيويا أدّى إلى أضعاف العراق ماليا على الرغم من وجود النفط مقابل الغذاء لبيعه البترول بموافقة أميركية إلى إيران بسعر 7 دولارات وهو ما يعادل 23% من سعر البترول حينذاك.
10. مع عام نهاية عام 2000م أقدمت الولايات المتحدة على تدريب الكادر الإداري الذي سوف يستلم السلطة في العراق وجلهم من يشكّ بأصولهم العراقية كما تبين لاحقا.
11. قبل البدء في الإيذان بوضع اللمسات الأخيرة لاحتلال العراق أصدرت الولايات المتحدة في سبتمبر/أيلول 2002م كتابا تحت عنوان "التحول الديمقراطي في العراق" بمشاركة مجموعة من العراقيين؛ بين فيه كيف يمكن تدمير الدولة العراقية بالكامل وإعادة بنائها. وللغرض ذاته تمّ تدريب الكادر الذي سوف يستلم السلطة مع المستشارين الأميركيين في كلّ وزارة؛ وجل تدريباتهم كانت في تكساس وواشنطن وإسرائيل.
12. مع منتصف ديسمبر/ كانون الأوّل 2002م عقد اجتماع في أجور رود بلندن تمّ فيه التأكيد على المخاصصة الطائفية للعراق الجديد بشيعة وسنة وأكراد وأقليات وقد أقره الجميع وكانوا كلّهم قد ساهموا فعلا في إطلاق رصاصة موت الدولة العراقية.
لما توفرت هذه الأرضية للولايات المتحدة وتأكدت من أنّها سوف تقدّم على عمل لربما الدول الأوروبية وبعض دول العالم سوف لا تساعدهم على ذلك ولو بالسكوت؛ أدركت أنه لا بدّ من إقرار الحرب سريعا وتوجيه ضربة للعراق تحت سيل الأكاذيب والتي كانت نهايتها أنْ تلاشت واضمحلت الدولة العراقية يوم 9 أبريل/ نيسان 2003م.
نهاية الدولة العراقية واضمحلالها
لقد حاولت الولايات المتحدة فرض الواقع الذي أرادته في العراق؛ ولكن لم تكن تحسب حساباتها بصورة صحيحة في هذا المعترك الذي وقعت فيه.
فهي باعتقادها ترى أن هناك مجموعة معينة ستكون رافضة للاحتلال وخاصة الناشطين منهم خارج العراق؛ لذا فقد خططت لما يلي قبل أنْ تدخل العراق؛ لتنطلق خطتها فورا مع سقوط الدولة العراقية ونهبها واضمحلالها بالكامل:
1. قامت الولايات المتحدة وبعض الدول المتحالفة معها بتدريب كادر إعلامي تمّ اختياره وفق المعايير الآتية:
o أن يكون المتدرب يؤمن بإزالة الدولة القومية ليس في العراق فحسب بل في أنحاء الوطن العربي.
o أن يؤمن بحقيقة وجود الشرق الأوسط الكبير.
o ألا يؤمن بالإسلام كأساس في التشريع حتّى ولو كان مسلما ملتزما.
o أن يكون أحد أبويه غير عربي ويفضل ممن لم يحمل الجنسية العراقية؛ الا أنّه ولد هناك.
o أن يؤمن بالوجود الإسرائيلي ويطمح أنْ تقيم دولته علاقات مستقبلية معها.
o أن يكون ممن عمل مع بعض الأجهزة الحزبية التي أنشأتها الولايات المتحدة؛ حتّى ولو كان قبل الالتحاق من البعثيين السابقين.
2. إنشاء مواقع إلكترونية فورية تكون متأهبة بعد الاحتلال مباشرة؛ تكون مروجة لثقافة الاحتلال وبصيغة تمليها عليها الأجهزة الأمنية الأميركية.
3. إنشاء صحف ومجلات داخل وخارج العراق يشرف عليها خلف الكواليس كادر أميركي، تروج لثقافة الاحتلال وتشدد على أنَّ هناك نجاحات لتحقيق الديمقراطية في العراق.
4. إنشاء محطات فضائية عديدة منها فاعلة مدعومة من وراء الكواليس يمكنها أنْ تسند حكومات الاحتلال في العراق. وذلك من خلال الترويج لفعاليات الحكومة المعينة أميركيا وحجب الحقائق الملموسة على أرض الواقع.
5. إنشاء محطات راديو وتلفزيون أميركية داعمة لثقافة الاحتلال.
|
" دربت الولايات المتحدة كادرا إعلاميا، وأطلقت 200 محطة فضائية وراديوية وما يقارب 43 موقعا إلكترونيا و178 مجلة وصحيفة في وقت واحد وكلها تروج للاحتلال " |
هذه المعلومات في الواقع تمت متابعتها شخصيا؛ من خلال التصريحات التي أدلى بها المسؤولون الأميركيون؛ بالإضافة لمتابعتنا الشخصية للعناصر التي تدربت في إسرائيل وواشنطن ولندن وتكساس ومن ثمّ تمّ منحهم مواقع إعلامية كبيرة.
علاوة على انطلاق 200 محطة فضائية وراديوية وما يقارب 43 موقعا إلكترونيا و178 مجلة وصحيفة في وقت واحد، وكلها تروج للاحتلال.
فثقافة الاحتلال التي يمارسها هؤلاء من خلال مداخلات سياسييهم لا تتعدى الهجوم الصارخ على كلّ نفس وطني ضدّ الاحتلال الأميركي.
فترى هؤلاء يجوبون المحطات الفضائية لترديد نفس المسار والنسق في المصطلحات المستعملة منها "المقابر الجماعية؛ المفخخات؛ الإرهاب؛ التكفيريين؛ الصداميين؛ أيتام النظام السابق؛ البعثيين؛ الإرهابيين؛ التحرير؛ الفاتحين؛ منظمات المجتمع المدني؛ الديمقراطية؛ الفيدرالية؛ المليشيات؛ الشيعة؛ السنة؛ الأكراد؛ الأقليات؛ التعددية؛ السيادة.. إلخ"، ولو شئنا حساب مصطلحات الاحتلال فسنجدها حوالى الأربعين مصطلحا.
وما إنْ يفرغ النقاش من هذه الكلمات حتّى يبدأ من هو قد درب لهذا المنصب ينهال شتما وسبا متخذا منحى لا أخلاقيا ولا مهنيا؛ مما أساء إلى الإعلام وغيره من الوسائل الأخرى. وعلى الرغم من كلّ هذا؛ كان في الجانب الآخر وبجهود معظمها فردية سواء كانت عراقية أم عربية أم أجنبية بعضها بريطاني وأميركي؛ تمّ تأسيس مواقع إلكترونية تمّ من خلالها نقل الخبر الحقيقي وما أوصله الاحتلال بالعراق.
وبالتالي نرى أنَّ الصراع الإعلامي في نشر الحقيقة كان البادئ كمقاومة للاحتلال قبل أنْ تكون المقاومة المسلحة ليستمد القوة كلاهما من الآخر.
حقيقة ما يسمّى العراق الجديد في السلم والاستقرار الدولي
مما تقدّم يمكن أنْ نرى كيف تمّ اندثار الدولة العراقية بعد تفتيتها؛ بدءا من دخول أوّل فريق تفتيش ليجوب العراق شمالا وجنوبا يوم 14 مايو/ أيار 1991م حتى السقوط والاضمحلال.
ولقد تخلل بالإضافة لما تقدّم رسم سياسة مفادها أنْ تسلب سيادة العراق بالتدريج لينعدم السلم والاستقرار في العراق؛ وكان أهمها هو فرض الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا حظر الطيران على العراق جنوب خطّ عرض 32 وتوسيعه لاحقا ليشمل خطّ عرض 33 في السادس والعشرين من أغسطس/ آب 1992م.
بهذا بدأ تقسيم العراق إلى أجزاء؛ ليفقد كدولة سيطرته على كامل ترابه. هذا الحظر شجع الأكراد على إعلان دولتهم غير الرسمية المحمية أميركيا عام 1992م؛ وإجراء انتخابات وصفت في حينها بالبرلمانية (106،105).
الاحتلال الأميركي عام 2003م وتداعياته
لم يشأ الاحتلال الأميركي أنْ يضع يده على تراب العراق حتّى راح يحلّ مؤسساته الأمنية بقرار من الحاكم المدني بول بريمر؛ في حين استمرت القوات الأميركية في تدمير الدولة العراقية ونهبها وتعطيل آليات عملها بما فيه المتحف العراقي الذي يضم تاريخ الحضارات العراقية.
غير أن ما فعله الاحتلال الأميركي سرعان ما انعكس سوءا على إدارة الدولة العراقية؛ وأراد بريمر أنْ يعيد أنشطتها ضمن مسلة قانونية ضمت مائة قانون سميت قوانين بريمر في العراق؛ أو كما وصفت بأوامر بريمر للعراق والتي ضمت في تعريفها "هي تعليمات ملزمة أو توجيهات إلى الشعب العراقي والتي تخلق التبعات الجزائية أو لها علاقة مباشرة بكيفية تن