ابحث عن
 
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة|تواصل معنا
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:33 (مكة المكرمة)، 10:33 (غرينتش)
طباعة الصفحة إرسال المقال
احتلال مدني.. سياسات العمارة الإسرائيلية

عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
هذا الكتاب "المفاجئ" يمكن تصنيفه بسهولة في سياق الأدبيات الإسرائيلية التي أنتجها مؤخرا من يطلق عليهم "المؤرخون الإسرائيليون الجدد", ممن قدموا قراءات جديدة في تاريخ وصيرورة قيام إسرائيل مخالفة لما تم التوافق عليه إسرائيلياً لعدة عقود.

غلاف الكتاب
-اسم الكتاب: احتلال مدني.. سياسات العمارة الإسرائيلية
-المؤلف: رافي سيغال وإيال وايزمان
-عدد الصفحات: 187
-الطبعة: الأولى 2003
-الناشر: لندن, فيرسو

تلك القراءات شملت مسائل أساسية أثارت ردود فعل غاضبة من قبل المؤسسة الرسمية الإسرائيلية وأنصار الرواية الصهيونية التقليدية, خاصة إزاء قضايا مركزية مثل مسؤولية إسرائيل في تهجير الفلسطينيين, ووجود نظرية "الترانسفير" في جوهر المشروع الصهيوني, ومسؤولية إسرائيل في إفشال معظم -أو كافة- طروحات السلام في المنطقة.

وقد تمت مراجعة أهم أدبيات المؤرخين الإسرائيليين الجدد في سلسلة مراجعات "الجزيرة نت". والكتاب الذي بين أيدينا يندرج في هذه الأدبيات, حتى من دون أن يقدم لنفسه بذلك، فهو يقدم مطالعة نادرة لمنهج ونظرية العمارة الإسرائيلية، وكيف خدمت هذه العمارة المشروع الصهيوني وكانت مسيسة لأبعد حدود, وكيف سمحت لنفسها بأن تُوظف لخدمة المؤسسة السياسية والعسكرية بعيداً جداً -في كثير من الأحيان- عن مفاهيم العمارة والبناء الموضوعية وذات الانحياز للجماليات العامة والمفردات الهندسية.

محررا الكتاب: رافي سيغال وإيال وايزمان هما معماريان إسرائيليان يساريان راعهما ما رصداه من تحالف عضوي بين العمارة والمعماريين الإسرائيليين وسياسات الاحتلال، ويصلان إلى حد المطالبة بمحاكمة كثير من المعماريين الإسرائيليين والشركات التي يعملون بها من قبل محكمة دولية بتهمة التواطؤ مع احتلال غير شرعي والمساعدة في تكريس الظلم على شعب محتل وتغيير معالم حياته المدنية والمعمارية والمعيشية، خلافاً للمواثيق الدولية وفي مقدمتها ميثاق جنيف.


يطالب المؤلفان بمحاكمة المعماريين ومكاتب الهندسة الإسرائيلية من قبل محكمة دولية بتهمة تغيير معالم حياة الشعب الفلسطيني
من منظور كلي وشامل يمكن أن نقرأ أطروحة الكتاب كما يلي: علم العمارة والبناء -ابتداء- هو من أكثر العلوم جمالية وعمقاً وارتباطا بالتاريخ والحضارات. وقد كان ومازال تاريخ العمارة ذاتها واحدا من أهم تواريخ رصد مسارات الثقافات والأمم ومراحل تكوينها, وتسجيل الانعطافات التاريخية التي مرت وتمر بها.

ففي أوقات الرخاء يلتحف هذا العلم بملاءة من البراءة والسلامية تضفي عليه جمالاً فوق جمال، ويعكس خلالها تجليات أفكار المعماريين وأشواقهم لرؤية ما ينفعل في دواخلهم من تماه مع هذه القيمة الراقية أو تلك. أما في أوقات الشدة والحرب فيخلع ثوب البراءة ويدوس على كل جمالياته, ويستنفر قدراته لخوض الصراع منحازا إلى هذا الطرف أو ذاك. وخلالها يوظف كل مفرداته في خدمة صناع السياسة وقادة الحرب, ويتحول إلى سلاح وحشي في يد القوة الباطشة.

ومن منظور تفصيلي يقدم شواهد مكثفة على حالة خاصة, فإن الحالة الإسرائيلية تقدم نموذجاً دقيقاً وبشعاً على ما تقوم به العمارة في سني الحرب والصراع. الحالة الإسرائيلية ليست خاصة, إذ إن تاريخ استغلال العمارة لخدمة السياسة وأهواء الحكام ونزواتهم يعود إلى مطلع الإنسانية, وليس أدل على ذلك من أهرامات مصر, وسور الصين العظيم, والآثار الرومانية والإغريقية في أكثر من مكان.

وفي العصر الحديث تفنن هتلر ومن بعده ستالين في حشر العمارة ضمن إطار التحريض الأيدولوجي، فبرزت "عمارة نازية" و"عمارة بلشفية" وغيرهما. لكن حالة العمارة الإسرائيلية تمتاز بخصوصية إضافية لناحية التوظيف السياسي والعسكري، إذ تقوم على أرض مغتصبة ومحتلة, وتلعب دوراً أساسياً في قلب عملية الاحتلال والاستيطان المتمثلة في حركة المستعمرات الواسعة النطاق.

من هنا فإن كتاب سيغال ووايزمن يتصف بالريادية في مجاله ويستحق الانتباه والتوقف عنده، ليس فقط لأن مؤلفيه مجموعة من المعماريين الإسرائيليين المسيسين ضد النزعة التوسعية الصهيونية والناشطين السياسيين المعارضين، وإنما أيضاً لأن الكتاب برمته, بما فيه من صور مهمة للغاية وشارحة للمسائل الأساسية التي يعرض لها الكتاب, كان من المفترض أن يكون معرضاً يمثل إسرائيل في تظاهرة معمارية ببرلين.

لكن بسبب التوجه الشجاع للمعرض المفترض والصور المرافقة له, وبما ينطوي عليه من كشف مدمر للتواطؤ المعماري الإسرائيلي مع الإستراتيجية العسكرية والاحتلالية الصهيونية، فقد تم إلغاء مشاركته في التجمع المفترض من قبل اتحاد المعماريين الإسرائيليين. كما أحرقت عشرات الآلاف من النسخ التي كانت في البداية على شكل ملحق أسبوعي موسع تابع لإحدى الصحف الإسرائيلية, وحورب محرراه وتعرض كل من شارك فيه إلى نقد شرس.

يتابع الكتاب فصول تطور العمارة الإسرائيلية قبيل وأثناء نشوء الكيان وترافقها مع المراحل التاريخية اللاحقة, ويرصد أهم مظاهر تواطؤ العمارة الإسرائيلية وتسليم المعماري نفسه أداة رخيصة في أداة جيش الاحتلال.

في البداية يعرض لنا أحد الأبحاث الأولية مفهوماً أساسياً شكل البنية المركزية للعمارة الإسرائيلية وهو مفهوم "السور والبرج". ويتجسد هذا المفهوم -المؤسس للتفكير المعماري الإسرائيلي- من خلال التجمعات الاستيطانية المبعثرة على أرض فلسطين قبل قيام إسرائيل -ومن ثم بعدها- وحتى يومنا هذا.

وينقل هذا المفهوم شكل القلعة العسكرية التقليدية ويعيد إنتاجه بشكل حديث, حيث يكون السور هو السياج الدائري الحامي لما بداخلها, ووظيفته صد الأعداء وحماية سكان القلعة. أما البرج فوظيفته المراقبة الدائمة وضمان عدم اقتراب أي من الخصوم باتجاه القلعة.

ويشرح الكتاب كيف أن تلك التجمعات الاستيطانية احتوت على هذا النمط "القلاعي", حيث السور والبرج يتكاملان في المهمات الأمنية والدفاعية. والفرضية "المعمارية الأمنية" هنا هي أن العرب الفلسطينيين هم الأعداء الذين يفترض المعماري والعسكري في آن معاً أنهم متأهبون للانقضاض على التجمع السكني الصهيوني "البريء"!


ظلت نظرية "السور والبرج" تحتل موقعا مركزيا في التطبيق على الأرض حتى بعد قيام الدولة العبرية بعقود وتمتعها بقوة عسكرية جبروتية
وقد ظلت نظرية "السور والبرج" تحتل موقعاً مركزياً في التطبيق على الأرض حتى بعد قيام الدولة العبرية بعقود وتمتعها بقوة عسكرية جبروتية. و
في وقت لاحق كانت أشد تمثيلات "السور والبرج" وحشية في المستوطنات التي انتشرت كالسرطان في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي التطبيق العملي يكون السور أول ما يتم بناؤه حتى يؤمن الداخل, ثم يليه البرج. بعد ذلك أي بعد تأمين الحدود الخارجية ضد "الأعداء", يبدأ العمل في بناء البيوت في داخل فضاء السور. لكن تلك البيوت متأثرة هي الأخرى بالنظرية المعمارية الأم القائمة على الأمن والدفاع.

التصميم الداخلي للبيوت وتوزيع غرفها يقوم على أن تكون غرف النوم في الجزء الأقرب إلى قلب المستوطنة, بينما تكون غرف المعيشة والجلوس هي المطلة على المحيط الخارجي الموازي للسور الكلي, بغية أن تكون أبراج مراقبة مصغرة هي الأخرى.

لكن الأهم من ذلك من ناحية إجمالية هي أن نظرية السور والبرج العسكرية أصلاً, تندرج في سياق التشييد العسكري وليس المدني, أي عندما يكون البناء المشيد واقعاً في أرض معادية وليس في أرض مملوكة وآمنة. ويعني هذا أن تطبيق هذه النظرية المعمارية في الأرض الفلسطينية ينطوي على اعتراف عميق -وإن كان غير ضمني- بأن كل هذا التشييد إنما يقام على أرض غير آمنة ولا تعود أحقيتها لمن يبني عليها، إذ لو كان آمناً مطمئناً لما لجأ إلى هذا النمط من العمارة البشعة والعدائية.

وعلى صعيد التخطيط المدني كان المعماري الإسرائيلي يطبق تعليمات السياسي الإسرائيلي لجهة إنجاز مخططات معمارية استيطانية تحقق عدة أهداف توسعية في آن معاً. ولعل المقابلة الهامة التي احتواها الكتاب مع أحد أهم معماريي المؤسسة الرسمية الإسرائيلية وصهيونييها، عكست بجلاء التواطؤ البشع ضد الأرض والسكان الفلسطينيين.

فالمعماري المذكور صمم مستوطنة معاليه أدوميم على مشارف القدس والتي خنقت المدينة من جهة الشرق. يقول هذا المعماري إن ما كان يريد تحقيقه من خلال التصميمات التي اقترحها -وبحسب تعليمات أسياده- هو:

  1. قضم أكبر قدر ممكن من أراضي الفلسطينيين.
  2. إقامة المستوطنة على مجموعة من التلال المطلة بحيث تكون مسيطرة إستراتيجياً وعسكرياً على ما يجاورها.
  3. احتواء المستوطنة على آفاق توسع مستقبلي كبيرة تؤهلها لاستيعاب عشرات الألوف من المستوطنين الجدد لمنافسة القدس ديمغرافياً وجغرافياً وسياسياً.
  4. تصريف خدمات المجاري والصحة الخاصة بها باتجاه القدس.

اعتمادا على مثل هذا الدور وغيره مما قامت به مكاتب هندسية معمارية وتخطيطية، يطرح محررا الكتاب هذه الفكرة الجريئة التي أشير إليها وإن كانت لا تزال تبحث عن آليات تطبيقها، ألا وهي الدعوة إلى محاكمة كل معماري إسرائيلي شارك في تصميم وبناء المستوطنات الإسرائيلية لأن الأراضي المقامة عليها تلك المستوطنات أراض محتلة بحسب القانون الدولي ولا يجوز تغيير طبيعتها من قبل المحتل, وأن الانخراط في أي مشروع معاد لسكانها يعتبر جريمة يعاقب عليها ذلك القانون.


في ضوء استحالة قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات أرض غير مقطعة صار حل الدولتين أبعد منالا, وحل عوضا منه حل الدولة الواحدة ذات القوميتين
محررا الكتاب يوردان فيه صوراً ومخططات تتحدث عن جرائم الاستيطان ببلاغة أكثر مما قد تتحدث عنه المجلدات، ويشرحان كيف أن "الماستر بلان" الإسرائيلية (المخطط الأساسي) كانت وما زالت تقصد تقطيع أوصال الأرض الفلسطينية وحرمان الفلسطينيين من أي تواصل أرضي ليس فقط بين قطاع غزة والضفة الغربية, وإنما حتى داخل الضفة الغربية نفسها.

ونرى كيف نجحت سياسة التقطيع المعماري الاستيطاني في خلق "بانتوستانات" فلسطينية هي أشبه بمعازل عنصرية محاطة بطرق التفافية خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية. كل ذلك بهدف قطع الطريق على أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة وذات تواصلية أرضية معقولة.

لكن المفارقة التي آلت إليها تلك السياسة الاستيطانية العنصرية -كما يشير المحرران- هي أن ذلك النجاح الاستيطاني في تحقيق هدف التقطيع قاد إلى كابوس لم تكن الدولة الإسرائيلية تحلم به.

ففي ضوء استحالة قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات أرض غير مقطعة صار حل الدولتين أبعد منالاً, وحل عوضاً منه حل الدولة الواحدة ذات القوميتين التي صارت تفرض نفسها بسبب التداخل الديمغرافي الاستيطاني من جهة والعربي داخل الخط الأخضر من جهة ثانية.

المصدر: الجزيرة
طباعة الصفحة إرسال المقال
شارك
شارك
تهويد القدس
القدس: نجاح إسرائيلي واضح نحو التهويد جغرافيا وسكانيا
القرارات الدولية تحظر الاستيطان
جدار الفصل الإسرائيلي.. الدلالات والآثار المتوقعة
فلسطينيو 1948 في مواجهة التهويد
روسيا تحذر من محاولات عزل الأسد
قتلى وقصف واقتحام برزة بدمشق
خطوات نووية إيرانية وقلق غربي
مشعل تجنب لقاء الأسد قبل مغادرة دمشق

تحليلات|كتب|وجهات نظر|تغطيات 2009|ملفات خاصة 2010

جميع حقوق النشر محفوظة2000- 2012م(انظر اتفاقية استخدام الموقع)