ابحث عن
 
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:33 (مكة المكرمة)، 10:33 (غرينتش)
طباعة الصفحة إرسال المقال
المستشرقون البريطانيون في القرن العشرين

غلاف الكتاب
-اسم الكتاب: المستشرقون البريطانيون في القرن العشرين
-المؤلف: ليزلي ماكلوغلن
-عدد الصفحات: 228 صفحة
-الناشر: إثكا بريس، لندن

كامبردج بوك ريفيوز
يستعرض هذا الكتاب تواريخ ومساهمات شريحة واسعة من البريطانيين الذين اهتموا بالشرق والعرب عبر القرون ويسميهم المؤلف: "المستعربين البريطانيين". المؤلف هو الباحث والمستعرب البريطاني ليزلي ماكلوكلن أستاذ الدراسات العربية في جامعة إكستر. وهو يجمل تعريفه للمستعربين البريطانيين بقوله إنهم تلك الشرائح من الباحثين والأكاديميين والرحالة والدبلوماسيين والجواسيس والمؤرخين الذين شدهم الاهتمام إلى المنطقة العربية عبر القرون وسافروا إليها وتعلموا العربية فيها ثم عايشوا أهلها وكتبوا عنهم، وعمليا أسسوا لعلوم التاريخ والدراسات الخاصة بالمنطقة في الغرب. يتابع الكتاب نشاط هؤلاء المستعربين ويقتصر على القرن العشرين. وعموما فإنه يعالج دورهم المركزي في المراحل المختلفة وتطور أهميتهم بالتوازي مع التوسع الاستعماري البريطاني الذي أعطى المنطقة العربية أهمية جوهرية، ثم يرصد استمرار أهميتهم رغم أفول النفوذ البريطاني في المنطقة.


لعب المستعربون أدوارا مهمة في الشؤون البريطانية العربية سواء في سنوات الحرب أو السلم وكانوا على الدوام قريبين من دوائر صنع القرار وقد احتلوا وظائف ومراكز في وزارات الخارجية كمستشارين أو سفراء
على وجه الإجمال لعب المستعربون أدوارا مهمة في الشؤون البريطانية العربية سواء في سنوات الحرب أو السلم، وكانوا على الدوام قريبين من دوائر صنع القرار، وقد احتلوا وظائف ومراكز في وزارات الخارجية كمستشارين أو سفراء. وكثير منهم وربما الغالبية تحولت إما بعد الخدمة في المؤسسات الحكومية أو من دون المرور بها. وهناك بالطبع شريحة واسعة منهم انخرطت في صلب العمل التجسسي والعسكري سواء، خاصة في أوج نفوذ الإمبراطورية البريطانية في المنطقة.

باستخدامه تعبير "مستعرب" و"مستعربين" عوضا عن "مستشرق" و"مستشرقين" يحاول ماكلوكلن تفادي المدلولات السلبية للفظين الأخيرين في المخيلة العربية. وكان إدوارد سعيد في كتابه الشهير "الاستشراق" الذي صدر عام 1978 قد اتهم المستشرقين الغربيين بتكريس جهودهم لخدمة الإمبراطوريات الاستعمارية وخلق صور وتعميمات سلبية عن الشرق عملت على تكوين تهيؤات وتخيلات إما استهزائية أو استصغارية عند عامة الغربيين عن الشعوب والثقافات الشرقية.

تاريخيا وكما يذكر مؤلف الكتاب الذي بين أيدينا في الفصل الأول تأسست الدراسات العربية في أوكسفورد سنة 1636 وفي كامبردج سنة 1632. وكان الدافع الأساسي وراءها دينيا تبشيريا، أي للتعرف على لغة الشرق وتسهيل مهمة التبشير المسيحي هناك. ومن المثير حقا -كما يورد المؤلف- أن تتضمن رسالة رئيس جامعة كامبردج إلى السير توماس آدمز مؤسس كرسي الدراسات العربية في كامبردج نصا يقول إن الحافز على تأسيس ذلك الكرسي هو "نشر الدين المسيحي في أوساط الذين يعيشون الآن في الظلام". والشيء الملفت للانتباه هو أن الغالبية الكبرى من العلماء الذين اهتموا بالعربية ودراساتها كانوا من رجال الدين المسيحي ومرتبطين بالكنيسة أولا، ثم تحولوا إلى الجامعات والأكاديميات. وهذا كان حال أول بروفيسور للعربية في أكسفورد إدوارد بيكوك (1604-1691)، ثم جاء من بعده ابنه الذي انخرط أولا في السلك الكنسي ثم إلى حقل الدراسات العربية.

يربط المؤلف بين تزايد الاهتمام البريطاني بشبه الجزيرة الهندية بعد حرب السنوات السبع (1756-1763) وأفول النفوذ الفرنسي هناك وزيادة الاهتمام بالمنطقة العربية وبالتالي الدراسات العربية، فمع انجلاء موقع الهند كتاج المستعمرات البريطانية أصبح هدف لندن الإستراتيجي هو الحفاظ على خطوط الاتصالات مع ذلك "التاج" والطرق المؤدية إليه ساخنة وأمينة وغير متقطعة، وتحديدا طريقي البحر الأحمر والخليج. ومن هنا فإن بريطانيا انخرطت بشكل أكبر في المنطقة العربية وبكل المجالات، ذلك أن تلك المنطقة هي المعبر الطبيعي للهند. وكان أن سيطر الأسطول البريطاني على الخليج العربي وكذا عدن كمحطات له وتدخل في الشؤون الداخلية للمشيخات هناك على حساب النفوذ الفرنسي الآفل لضمان خطوط الاتصالات مع الهند. واحتلت بريطانيا عمليا مناطق من الخليج وعدن ثم لاحقا مصر (1881-1882) للسيطرة على قناة السويس والعراق أيضا تحت ذرائع الوصول الآمن إلى الهند. أثناء كل هذا النشاط العسكري والسياسي الذي لا يهدأ تطورت أجيال من المستعربين البريطانيين الذين انخرطوا في جهد الإمبراطورية الاستعماري في المنطقة بشكل أو بآخر. وفي الحالات القصوى عمل بعض هؤلاء يدا بيد مع أجهزة الاستخبارات البريطانية لتحقيق مهمات سياسية وأمنية. ومن الأمثلة على ذلك بروفيسور اللغة العربية واللغات الآسيوية في كامبردج إيه إتش بالمر الذي أتقن العربية البدوية والفارسية والهندوسية وهو في العشرينيات من عمره. وقد أرسله رئيس الوزراء البريطاني آنذاك غلادستون في مهمة إلى بدو مصر من أجل قطع علاقاتهم مع العناصر الوطنية وحركة عرابي باشا. وكان يعمل مع قائد الجيش البريطاني في مصر، لكن كانت نهايته على يد البدو المصريين أنفسهم الذين قتلوه ومعه زمرة من العسكريين البريطانيين سنة 1882.

تصاعدت أهمية المستعربين البريطانيين في الربع الأول من القرن العشرين توازياً مع زيادة أهمية النفوذ البريطاني الاستعماري في الشرق الأوسط، فقد احتاجت الإمبراطورية إلى التعرف إلى المنطقة التي صارت تنخرط في كل زواياها، فجندت خبراء في كل المجالات لدراسة المنطقة وتقديم المشورة الضرورية. لكن الجهد الرسمي لم يبدأ من الصفر. فقد كان عمر الاستشراق البريطاني آنذاك قد صار يقاس بالقرون. في العقدين الأولين من القرن برزت أسماء مستعربين مهمة كان لها دور في صوغ شكل المنطقة بشكل عام. أبرز هؤلاء توماس لورانس الذي صار يعرف بـ"لورنس العرب" وسنتحدث عنه أدناه. ومنهم أيضا ديفد هوغارث والسير مكماهون وقد رأسا المكتب العربي في القاهرة الذي أسسته الخارجية البريطانية سنة 1916. كانت مهمة المكتب إثارة النقمة على العثمانيين وإدارة الاتصالات مع العرب، وكان مكماهون هو ضابط الاتصال مع الشريف حسين لتنسيق الثورة العربية ضد الأتراك. وهناك أيضا السير مارك سايكس وزير الخارجية البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى الذي صاغ مع بيكو وزير خارجية فرنسا اتفاقية سايكس بيكو السيئة الصيت التي قسمت المنطقة العربية بين الاستعمارين البريطاني والفرنسي سنة 1916. كان سايكس من أكثر البريطانيين ميلا للمشروعات الصهيونية في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وقد عمل بنشاط بالغ لإقناع الخارجية واللورد بلفور لإصدار الوعد المشؤوم سنة 1917. من أولئك أيضا الجنرال غوردون الحاكم الإنجليزي للسودان الذي أثر أيضا في تاريخ السودان الحديث وقتله السودانيون أثناء محاولته إخماد ثورة المهدي في السودان عام 1880. كذلك يأتي في مقدمة الأسماء جون فيلبي الذي كان على صلة وثيقة بالملك بن سعود ومستشاره إبان حروب توحيد الجزيرة العربية (وهو والد الجاسوس الشهير كيم فيلبي الذي كان قد استعرب هو الآخر).

لورانس العرب وصل إلى دمشق عام 1917 مع الجيش البريطاني وكان أول شيء قام به زيارة قبر صلاح الدين ونزع قلادة إعجاب كان قد وضعها على القبر الإمبراطور الألماني وليم الثاني في زيارة له للقبر، وأخذها معه إلى بريطانيا وما زالت حتى اليوم في المتحف الحربي البريطاني ومعها ملاحظة مكتوبة من لورانس تقول "لم يعد صلاح الدين بحاجة لها بعد الآن". وكان لورانس قد درس العربية في أكسفورد على يد مستعرب آخر مشهور هو ديفد جورج هوغارث الذي يعتبر من أشهر الجواسيس المستعربين. ثم انتقل بعد ذلك إلى لبنان ودرس العربية على يد مدرسة لبنانية مسيحية هي السيدة فريدة عقل، لكن ظل كثيرون يشكون في مدى إتقانه للعربية، فقد رد على بعض الرسائل العربية للأمير فيصل باللغة الفرنسية. لكن ما هو أهم من ذلك هو أن الهالة التي يحاط بها لورانس والدور الذي قام به في "توجيه" الثورة على الأتراك مبالغ فيهما، كما أن تقييماته واستشاراته لتشرتشل لم تتصف بالدقة والعمق، فعلى سبيل المثال كان قد أشار على تشرتشل في توصيات مطولة رفعها له بأن على بريطانيا الانتباه بشكل كبير إلى ما يجري في اليمن، وعلل ذلك بقوله "لأنه حيث يسير اليمن يسير العالم العربي".

في تلك الفترة أيضا أسست بريطانيا "القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية" عام 1938، كما تأسس المجلس الثقافي البريطاني الذي فتح فروعا في كثير من العواصم العربية بهدف نشر الثقافة البريطانية وإيجاد صلات مع الشعوب العربية على أوسع نطاق. كان الهدف العسكري من وراء هذه المؤسسات منافسة الإعلام الألماني والإيطالي الموجه للمنطقة العربية. بعد ذلك بسنوات أي عام 1944 تأسس في القدس أهم مركز للمستعربين البريطانيين في الشرق الأوسط، وهو المركز الذي سيكون له صيت كبير في العقود اللاحقة وسوف تثار حوله الشبهات والخلافات، إنه مركز الشرق الأوسط للدراسات العربية أو "ميكاس".

تأسيس ميكاس (أو معهد شملان) ودوره

تأسس مركز ميكاس في سياقات الجهد البريطاني الرسمي الهادف إلى استكشاف المنطقة والتعرف إليها عن قرب وكان الهدف المباشر منه تدريس العربية للمستعربين والضباط وغيرهم ممن تحتاج إليهم الإدارة الاستعمارية في المنطقة
تأسس مركز ميكاس في سياقات الجهد البريطاني الرسمي الهادف إلى استكشاف المنطقة والتعرف إليها عن قرب، وكان الهدف المباشر منه تدريس العربية للمستعربين والضباط وغيرهم ممن تحتاج إليهم الإدارة الاستعمارية في المنطقة. كان أول مدير للمركز بيرتام توماس بينما كان المسؤول التعليمي الأول فيه أبا إيبان يهودي بريطاني لكنه ولد في جنوب أفريقيا ويعتبر من أهم المستعربين اليهود/ الإسرائيليين. وقد أصبح في ما بعد أول وزير خارجية لإسرائيل بعد قيام الدولة. عاش والداه في بريطانيا ومات أبوه فيها وهو من أصل ليتواني. درس في كامبردج اللغة العربية والعبرية وانخرط في النشاطات الصهيونية الساعية إلى بناء كيان سياسي لليهود في فلسطين.

لم يدم مركز ميكاس في القدس سوى أربع سنوات حيث تم نقله قبيل اندلاع الحرب العربية الإسرائيلية إلى لبنان وتحديدا إلى قرية شملان حيث أصبح يعرف باسمها، وهناك اشتهر وتكون اسمه والخبرات التي صار يعرف بها. وهو عمليا أول معهد في العالم تأسس لتدريس اللغة العربية لأهداف محددة. وفي السنوات التي ظل فيها المعهد مفتوحا بين العامين 1948 و1978 حينما أغلق خرج مئات البريطانيين الذين عملوا في السلك الدبلوماسي والاقتصادي والأكاديمي. وعاصر مراحل تطور لبنان الحديث. لكنه كان على الدوام محط الشبهات، ولطالما طالبت الأحزاب الوطنية والقومية واليسارية بإغلاقه بوصفه وكرا للجواسيس.

وقد لعب المركز أدوارا خلافية ويعتبرها البعض مشبوهة في أكثر من حالة. ومن تلك الحالات انخراط المركز في إدارة راديو الشرق الأدنى من قبرص الذي يبث بالعربية بعد أن رفض موظفوه العرب مواصلة العمل فيه بسبب ضلوعه في شن حرب نفسية على مصر والمصريين إبان أزمة حرب السويس بأوامر الحكومة البريطانية الضليعة في مؤامرة العدوان الثلاثي على مصر، وكان أن زرعت قنبلة في منزل مدير المركز جيمس كريغ الذي لم يصب بأذى لكن اعتدي على عضو آخر في المركز هو السير تيرينس كلارك.

المستعربون وحرب الخليج الثانية
أثناء حرب الخليج الثانية وغزو العراق كان في الكويت أثناء الغزو اثنان من المستعربين من خريجي معهد ميكاس الذين كانوا يقدمون المشورة للسفارة البريطانية في الكويت عقب تردي العلاقات مع العراق وتوترها، فقد أرادت الحكومة البريطانية الاستفادة من خبراتهم. ويسرد المؤلف هنا أسماء كثيرة لدبلوماسيين وسفراء وأكاديميين و"خبراء" في شؤون المنطقة وضعوا خبراتهم في خدمة الحكومة وانخرطوا في الجهد "الدعائي أو التوضيحي" لأهداف الحرب. فمن السفير البريطاني في الكويت مايكل ويستون إلى السفير البريطاني في الرياض السير آلان مونرو مرورا بالسير بيتر دي لا بيلير قائد القوات البريطانية في تلك الحرب ومرورا بأسماء معلقين وخبراء مثل فرد هاليدي بيتر مانسفيلد وباتريك سيل احتل المستعربون موقعا مركزيا في تلك الحرب وما يتعلق بها.

يتسم الكتاب بأهمية حقيقية، خاصة وهو يقدم سردا عن شريحة من البريطانيين الذين انخرطوا في المنطقة واهتموا بها، لكن هناك عدد من الملاحظات، أولها أنه أغفل من دون سبب عددا كبيرا منهم ولم يذكرهم، وركز في المقابل على آخرين كانت إسهاماتهم أقل بكثير من الذين تم إغفالهم. ثانيها هي محاولة المؤلف المستميتة الدفاع عنهم إزاء تهمتين عادة ما توجهان لهم، الأولى هي أن معظمهم كرس جهوده لخدمة الإمبراطورية البريطانية ومشروعها الاستعماري، إذ لعبوا دور "جواسيس أنيقين" ليس إلا، والثانية هي دفاعه عنهم لأنهم لم ينحازوا للمواقف العربية خاصة في قضية فلسطين وأن مصالح بريطانيا كانت هي بوصلة عملهم سواء وهم في الخارجية أو أي مكان عمل آخر.

والواقع أن جمود وبرود شريحة واسعة منهم تثير الحيرة، فإن كان هؤلاء الأكثر اطلاعا على المنطقة وعلى عدالة قضاياها والظلم الذي تعرضت له من قبل القوى الاستعمارية لا تحركهم الضمائر ولا عناصر الدفاع عن العدل فكيف الحال إذن بمن هم أقل دراية واطلاعا؟.

المصدر: الجزيرة
احفظ وشارك طباعة الصفحة إرسال المقال
الفكر العربي في القرن العشرين (1950 - 2000)
مواجهات إمبريالية: الدين والحداثة في بريطانيا والهند
تغطية الإسلام: الإسلام والمسلمون في الإعلام البريطاني
اليهودية بين حضانة الشرق الثقافية وحضانة الغرب السياسية
الساعة اللاحميدة: بريطانيا وتدمير البوسنة
وفاة أربعة حجاج بإنفلونزا الخنازير
الكويت وإيران تتعهدان بتعزيز العلاقات
إرجاء التصويت على تعديل الهاشمي
قتلى بقصف ومعارك شمال باكستان

تحليلات|كتب|وجهات نظر|أحداث العام|تغطيات 2009|ملفات خاصة 2009

جميع حقوق النشر محفوظة2000- 2009م(انظر اتفاقية استخدام الموقع)