كامبردج بوك ريفيوز
ليست الرقابة التي تخضع لها المجتمعات المسلمة في الوقت الراهن محصورة بالرقابة الحكومية الفوقية التي تتحكم في وسائل الإعلام والمعلومات وترسم الخطوط الحمراء كيفما اتفق وبما يتناسب مع مصالحها, ومع هدف الدفاع عن بقاء النخب الحاكمة في الحكم.
|
-اسم الكتاب: الرقابة في المجتمعات الإسلامية -المؤلف: تريفر موستين -عدد الصفحات: 216 -الطبعة: الأولى 2002 -الناشر: دار الساقي، لندن | |
بل إننا نقرأ في هذا الكتاب أنواعا أخرى من الرقابات "غير الحكومية" كالرقابة الاجتماعية والثقافية والدينية, وكلها تتحالف معا لتخفض من سقف التعبير في هذه المجتمعات ولتدفعها إلى الوراء لتتذيل قائمة مجتمعات العالم المعاصر في المجال الخاص بحرية التعبير, وهو موقع على كل الأحوال غير جديد عليها، إذ تحتل نظيره في المجالات الأخرى بكل "جدارة".
لكن المرارة التي قد ينتهي إليها كثيرون بعد قراءة هذا الكتاب, ليست موجودة بتلك الحدة في فصوله التي تحاول تفهم الظاهرة مع نقدها أكثر من تسجيل إدانة عابرة مكايدة. فهنا يحاول تريفر موستين -الكاتب والصحفي المختص في الشرق الأوسط والقريب من القضايا العربية- القيام بمغامرة واسعة النطاق في طرق موضوع حساس ومتشعب وهو أوجه الرقابة في المجتمعات الإسلامية.
وعلى عكس كثير من الباحثين الغربيين الذين يتناولون هذه الموضوعات منطلقين إما من مواقف مسبقة تجاه الثقافة والمجتمعات الإسلامية, أو يتناولون القضايا والمسائل الاجتماعية المعقدة لهذه المجتمعات بنوع من الخفة والسطحية أو أحيانا الكاريكاتورية, فإن موستين ينطلق من رؤية قريبة ومتعاطفة مع هذه المجتمعات, ومدركة لأثر التحولات السياسية الهائلة الخارجية قبل الداخلية التي أثرت فيها وأنتجت ظواهر بعيدة عن الجوهر الحقيقي لهذه المجتمعات. لكن هذه الرؤية المتعاطفة لا تمنع موستين من توجيه النقد الحاد وعرض الصورة كما هي دون رتوش, وهي صورة قاتمة بكل المعايير لحال حرية التعبير في المجتمعات الإسلامية.
وحتى يقطع الطريق على أي من منتقديه الذين قد يقولون إنه يطرح رؤية نقدية من منطلقات مقارنة مع المجتمعات الغربية, فإن موستين يركز في معالجته على زاوية مقارنة مختلفة تماما بين الماضي الغني والعظيم لهذه المجتمعات ودرجة انفتاحها الكبرى خلال العصور الذهبية لرقيها, وحاضرها الفقير الذي يتسم بالتوتر والانغلاق والخشية من الآخر ومن الرأي الآخر إلى درجة فاضحة.
” جوهر الثقافة الإسلامية تسامحي ومنفتح على الآخرين, بخلاف الثقافات الأخرى التي أسست للثقافة الغربية المعاصرة, والتي كانت ترفض الآخر ولا تتسامح معه. لكن القرون الأخيرة التي مر بها العالم الإسلامي, والتي تميزت بالاستعمار الخارجي, أورثت تخلفا داخليا رهيبا, دفع المجتمعات الإسلامية بعيدا عن جوهر ثقافتها الأصلي, وغرس فيها التوتر الذي يكاد يقترب من الانهيار العصبي الذي يحدث على المستوى الفردي ” |
تخلف القرون الأخيرة
ويؤكد موستين أن جوهر الثقافة الإسلامية تسامحي ومنفتح على الآخرين, بخلاف الثقافات الأخرى التي أسست للثقافة الغربية المعاصرة, والتي كانت ترفض الآخر ولا تتسامح معه. لكن القرون الأخيرة التي مر بها العالم الإسلامي, والتي تميزت بالاستعمار الخارجي, أورثت تخلفا داخليا رهيبا, دفع المجتمعات الإسلامية بعيدا عن جوهر ثقافتها الأصلي, وغرس فيها التوتر الذي يكاد يقترب من الانهيار العصبي الذي يحدث على المستوى الفردي.
يصدر موستين كتابه باقتباس مقولة عن الكاردينال وولسي, أطلقها في الربع الأول من القرن السادس عشرة, يقول فيها "علينا أن ندمر الإعلام, فإن لم ندمره فسوف يدمرنا", ويفند موستين هذه المقولة ويربطها بالعالم الإسلامي في الوقت الراهن حين يدلل على أن الإعلام الحر لا يدمر المجتمعات بل يزيدها منعة وقوة, ويسهم في إنجاز أهدافها واستقرارها.
واستنادا إلى المثال الأوروبي القروسطي فإن تدمير الإعلام آنذاك لم يقد إلى حماية الكنيسة, بل إلى دمارها, في حين مثل إطلاق حرية الإعلام أحد أعمدة الحداثة السياسية التي قامت عليها حضارة الغرب كما نراها الآن. وعلى عكس ما تظنه الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي فإن ما يقوض أساساتها هو قمع الأصوات المعارضة والمخالفة, وليس إتاحة المجال لها.
في الفصل الافتتاحي, والفصول الثلاثة الأولى, يرسم موستين بانوراما لأوضاع المجتمعات الإسلامية من ناحية علاقتها بالرقابة. وهو يرى أن هناك عدة أنواع من الرقابة في هذه المجتمعات, كما في بقية مجتمعات العالم التي لا تتمتع بأنظمة حكم ديمقراطية منفتحة, لكنه يرى أن أشرس أنواع هذه الرقابات هو الرقابة السلطوية التي تحجر حرية التعبير والفكر. 
مقارنة بين عصرين
وعندما يقارن وضع هذه الرقابات بالوضع الذي كانت عليه تسير وفقه شؤون مجتمعات المسلمين في عصور الازدهار يلاحظ أن هذه الرقابات كانت في حدها الأدنى في تلك العصور, حيث كان الجميع يناقشون كل الموضوعات بمختلف مضامينها, وأيا ما كانت حساسيتها الاجتماعية والدينية.. ويشير إلى جلسات الفكر والمناظرات التي كانت تقام في مجالس الخلفاء حول قضايا وشؤون في غاية الخطورة, مثل مسألة خلق القرآن, والوجود, وغيرها, ولكن تتم بمنتهى الثقة والانتفاح.
” ثمة ملاحظة ربما تريح أعصاب كثيرين في المؤسسات الرسمية الحاكمة في العالم الإسلامي تكمن في أن أوضاع مجتمعات المسلمين المغرقة في الرقابة ليست وحيدة في هذا الحال المأساوي, بل إن معظم دول العالم مع الأسف تأتي في نفس التصنيف ” |
لكن ثمة ملاحظة ربما تريح أعصاب كثيرين في المؤسسات الرسمية الحاكمة في العالم الإسلامي تكمن في أن أوضاع مجتمعات المسلمين المغرقة في الرقابة ليست وحيدة في هذا الحال المأساوي, بل إن معظم دول العالم مع الأسف تأتي في نفس التصنيف.
فالأرقام تشير, بحسب إحصاءات دار الحرية لأبريل/ نيسان 2000, أن 63% من دول العالم تعاني من رقابة مشددة على الإعلام, وأن 80% من سكان المعمورة يعيشون في مجتمعات لا يمكن وصفها بأنها مجتمعات تتمتع بإعلام حر.
في الفصول الأولى, يسرد موستين جوانب تفصيلية عن الرقابة في مصر, والسعودية, والجزائر, وفلسطين, وإيران لنكتشف أن الأمور في هذه البلدان تسير نحو الأسوأ, وأن مصر الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي كانت تتمتع بحرية سياسية وثقافية وتعبيرية أكثر بكثير مما هي عليه الآن.
وفي إيران ما بعد الثورة الإسلامية عام 1979 فإن حرية التعبير تقهقرت عقودا طويلة إلى الوراء, وتم القضاء على التنوع الإيراني الفكري والمشهدي لصالح مشروع الثورة السياسي والثقافي. في السعودية الأمور متجمدة إلى حد التكلس وليس هناك مقارنة بين وضع سيئ وأسوأ، إذ إن الحكومة هناك تسيطر على كل منافذ الإعلام والتعبير إلى درجة خانقة.
حتى في فلسطين, كما يذكر موستين, فإن مشروع الدولة الهش الذي جاء به أوسلو تميز بسيطرة رسمية مطبقة على الإعلام بخلاف الأمل والهدف الذي رافق نشوء السلطة الفلسطينية بتقديم نموذج بديل في المنطقة العربية. في لبنان اختفت الصورة الزاهية للبنان ما قبل الحرب الأهلية (1976-1991) عندما كانت بيروت تمثل "هايد بارك" العرب, حيث صدرت فيها أكثر من 70 صحيفة ومجلة, وتأسس فيها أكثر من 40 دار نشر للكتب.
في الجزائر, البلد المغاربي الوحيد الذي يتعرض له الكتاب بشكل أو بآخر, وهي نقطة من نقاط ضعف الكتاب, تبدو الصورة مظلمة وكابية أيضا، إذ يسيطر نظام الحكم العسكري على كل التعبيرات الإعلامية بشكل أو بآخر بعد الانقلاب على الديمقرطية سنة 1992.
وفي هذه الأجواء السوداوية يسقط الكتاب والمبدعون في مقدمة الضحايا, وليس فقط المعارضون السياسيون. فموستين يتابع قصص المطاردات "للخارجين عن فكر المجموع العام", من أمثال نصر حامد أبو زيد من مصر, إلى مارسيل خليفة من لبنان, إلى أكبر جانجي من إيران، إلى تسليمة نسرين من بنغلاديش, وغيرهم عشرات من الذين طاردتهم الأنظمة الرقابية سواء المؤسساتية أم الاجتماعية أم الدينية.
وفي ما خص حالات هؤلاء وغيرهم، يفرد موستين فصلا خاصا بـ"الفتوى" والاستغلال السياسي السيئ لها من قبل بعض العلماء والسياسيين بشكل تم إخراجها بسببه عن المسار الفقهي والديني الذي تنتمي إليه. ويرى أن هذا الاستغلال, وكما حدث خلال الفصول المريرة من معركة المسلمين مع كتاب سلمان رشدي, "آيات شيطانية", أدى إلى خلق انطباع مشوه حول فكرة ولفظة "الفتوى" عند الرأي العام الغربي, بحيث صارت تدل على "الحكم بالموت", وهو الحكم الذي تضمنته فتوى تكفير سلمان رشدي والحكم بقتله.
وإذا جمعت إلى تلك الفتوى فتاوى أخرى أصدرها أصوليون متعصبون ومتطرفون, سواء بتكفير هذا الأديب أو ذاك, فإن فكرة الفتوى, التي هي أصلا فكرة تنويرية لعموم المسلمين -كما يقول موستين- قد تم تشويهها بطريقة فظة, وأصبحت سيفا رقابيا مسلطا على الإبداع المسلم.
لكن الغريب هو أنه رغم تلك الصورة السوداوية المنتشرة في كل بقاع المسلمين فإن موستين يتفاءل بأن الأمور في المجتمعات الإسلامية تسير نحو الأفضل, ويعاند كل الانطباعات التشاؤمية, والتقارير التي تفيد بعكس ذلك. وهو يقتبس عن وزير الإعلام الإماراتي, الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان, في حديث له في أبريل/ نيسان 2000, قوله إن الرقابة سوف تنتهي في دول الخليج خلال خمس سنوات بسبب ثورة الإنترنت والاتصالات. ولكن تلك السنوات الخمس قد انقضى نصفها الآن, وليس في الأفق ما يشير إلى تحقق ذلك التوقع التفاؤلي.
” المستقبل القريب ينطوي على تغيرات كبيرة سوف ترفع من سقف حرية التعبير بطريقة تدريجية وهادئة وتخدم هذه المجتمعات ” |
ويرى موستين أن الأوضاع الرقابية في البلدان الإسلامية تتصف بالمد والجزر ولا تأخذ بعدا أحاديا. لكن في كل هذه الحالات يرى موستين أن المستقبل القريب ينطوي على تغيرات كبيرة سوف ترفع من سقف حرية التعبير بطريقة تدريجية وهادئة وتخدم هذه المجتمعات.
ويرى موستين أيضا أن هناك سلطة مميزة يتمتع بها الأدباء والشعراء في العالم العربي تجعلهم يرفعون سقف التعبير والحرية الخاص بهم. وهو يفرد فصلا خاصا عن نزار قباني, مترجما قصيدته الشهيرة "هوامش على دفتر النكبة". كما يتحدث عن سعد الله ونوس الناقد السوري الراحل ورواياته الجريئة والاحتفاء الرسمي به رغم ذلك. وهنا يتوقف موستين عند "ذكاء" الأنظمة العربية والإسلامية في احتواء النقد الموجه لها من الأدباء والشعراء وغيرهم, عن طريق التظاهر بأن هذا النقد أو ذاك موجه لأنظمة سياسية أخرى غير النظام المعني. ففي الحالة السورية يذكر مثلا أن الأجهزة الأمنية في سوريا, رأت, أو أرادت أن ترى, أن كل ما تنطوي عليه نصوص نزار قباني وسعد الله ونوس كانت موجهة إلى الأنظمة العربية الأخرى, وليس إلى النظام في سوريا, ولهذا فقد احتفلت بهذين الأديبين وكرمتهما رغم أن نصوصهما شبه صريحة في توجهها بالنقد للأوضاع في سوريا.
لكن الاحتفاء الرسمي كان يجهض ولو جزئيا فاعلية النقد الموجود في تلك النصوص, وينقل موستين عن ونوس قوله "إن مجرد وجودي على قيد الحياة وخارج السجن إنما هو عملية بروباغاندا (لتثبت انفتاح النظام وتسامحه!)".
كتاب موستين, باختصار, يقدم رؤية واقعية, سوداوية من جهة, لكن متفائلة من جهة أخرى. والأهم هو أنها لا تنطلق من موقع عدائي للعرب والمسلمين, بل من تفهم وحرص وأمل بأن يكون النهوض العربي والإسلامي قريبا وسريعا. 