غني عن القول إنني لست من مؤيدي الإخوان المسلمين, ولكن آن الأوان لأن نبحث حقيقة وضع الإخوان في السياسة العربية الراهنة.
وإذا قيل لنا إن "الراهنة" ليست هي القضية بل ما سيأتي مستقبلاً, فإننا نستبق هذا القول بالرد بأن السياسة بطبيعتها متعلقة بما هو راهن, وتكتيكاتها وحتى إستراتيجياتها تتغير بقدر ما يتغير الوضع الراهن, وإلا لما شهدنا وما زلنا نشهد بين لحظة وأخرى, هذه التغيرات والتقلبات في علاقة أميركا بثنائية العراق وإيران, أو إيران ودول الخليج العربي بعامة, أو موقفها من العرب الأفغان ومن بن لادن نفسه.
" رفض غالبية القوى الشعبية لعنف الإخوان وغيرهم من التنظيمات الأخرى هو الذي أعادهم لمسار الديمقراطية وأنتج "المراجعات" الحقيقية لممارسات العنف أو أنتج "المكون" الحقيقي الصادق في تلك المراجعات " |
ونورد هذين المثالين لأنهما الأقرب لما نتحدث عنه اليوم, وهو ما يسمى "الإرهاب" ومكافحته التي تتذرع بها الأنظمة العربية الحليفة للولايات المتحدة, لا لتعيق مسيرة الإصلاح والدمقرطة, بل لترتد عما أنجز منهما بعد نضال مرير يعود تاريخه لبدايات عصر النهضة العربية, مما قادته قوى التنوير والعصرنة, بمن فيها قيادات فكرية إسلامية مستقلة ولا تحسب على أي تنظيم, وليست القوى المتطرفة.
صحيح أن الإخوان أو تنظيمات أخرى خرجت من بينهم بأسماء أخرى, اعتمدوا العنف والاغتيالات ودعموهما حين قام بهما غيرهم بأكثر من طريقة, ولا نكذب قول القائلين إنهم أرادوا الديمقراطية مطية للوصول للحكم ثم الانقلاب عليها.
ولكن رفض غالبية القوى الشعبية لعنفهم هو الذي أعادهم لمسار الديمقراطية وأنتج "المراجعات" الحقيقة لممارسات العنف تلك, أو أنتج "المكون" الحقيقي الصادق في تلك المراجعات (في قبول منا باختلاف النوايا ووجود تيارات صقور وحمائم وديمقراطيين وسلطويين ضمن تنظيماتهم ذاتها على تفاوت نسبها ) وأهمها تلك التي جرت في الأردن بعد انتخابات 89 و93 تحديدا والتي لم تكن مراجعات معلنة، وهذا مؤشر على ارتفاع منسوب الصدقية فيها.
أما المراجعات التي أنتجها "عنف الدولة" بالمقابل, وهي التي أعلنت في مصر منذ عهد عبد الناصر إلى عهد السادات وعهد مبارك وصولا لآخرها الذي أعلنه عبود وطارق الزمر و "إعلانات" الاعتدال الأخيرة في الأردن منذ انتخابات 97 التي شهدت أول وآخر مقاطعة للإخوان لأية انتخابات عامة والتي تبينوا خطأها من فورهم, فهي إعلانات "تقية" موجهة للسلطات الحاكمة لا أكثر.
هذه الإعلانات يفهمها بل "ويتفهمها" ويتعاطف معها جزء غير قليل من الشارع المسلم العادي مما يزيد من شعبية الإخوان رغم معرفة الناس بغياب الصدقية عن إعلانات "التقية" في حين أن الصدقية في أي شأن آخر تظل أهم مؤشر على الورع الديني.
وفي هذا تكمن خطورة تلك المراجعات التي يستخلصها "عنف الدولة" من الإخوان ومن كافة التيارات الأخرى المعارضة بأكثر مما يعارض الإخوان, في توحيد لهم في مواجهة بطش الدولة ما كان يمكن أن يتحقق لو تركت الأمور لخيارات شعبية "سلمية".
وهو توحيد غني عن القول إن الجماعة الأكثر تنظيماً (الإخوان) هم المستفيد الأكبر منه, وإن طال الأمر فإن الجماعات الأكثر تطرفاً تصبح الأكثر استفادة منه, بمنطق الثورات الذي هو جزء من منطق التاريخ!!
وصحيح أن نظرة سريعة على تاريخ حركة الإخوان في الأردن بعد انتخابات عام 89 تظهر لنا بداية تغول صريح على بقية القوى والتيارات, مفتون بحصولهم على نتائج جيدة وبتأكيد النظام على أنهم ما زالوا وحدهم حلفاءه التاريخيين, وهو تأكيد لا نزعمه نحن, فقد ورد وما زال يرد في نصوص عديدة موثقة في كتب وصحف أردنية على صورة أحداث أو مواقف أو تصريحات للإخوان كما لأقطاب الحكم وكتابه.
ولكن ذلك الهامش الضيق من "الديمقراطية المقيدة" -كما أسماها المؤرخ الأردني الدكتور علي محافظة المقبول من الدولة والذي يباع كتابه هذا في السوق الأردنية وإن لم ينشر فيها- وما تبع هذا الهامش من حرية نسبية في الإعلام استمرت, ولو بتراجع ملحوظ ومضطرد, حتى العام 2001 الذي شهد إصدار أكبر وأسوأ حزمة من القوانين المقيدة للحريات العامة.
" رغم أن الحرية مقيدة فإنها مكنت الناس من انتقاد الأداء العام لعدد من الشخصيات السياسية بمن فيهم الإخوان الذين هبطوا لأول مرة من مرتبة "الوعاظ" الذين لا يناقشون إلى مرتبة السياسيين الذين لا يناقشون فحسب, بل يحاسبون ويعصرون عصراً " |
هذه "الحرية المقيدة" مكنت الناس من انتقاد الأداء العام لعدد من الشخصيات السياسية, بمن فيهم الإخوان الذين هبطوا لأول مرة من مرتبة "الوعاظ" الذين لا يناقشون (هو عرف استحدث مع تسييس الدين وتحويله لسلاح بيد الدولة) إلى مرتبة السياسيين الذين لا يناقشون فحسب, بل يحاسبون ويعصرون عصراً من ذلك الجزء من الجمهور الذي يطلبون أصواته من غير أتباعهم المنتظمين (حسب مقتضيات اللعبة الديمقراطية) وهي محاسبة امتدت عدواها إلى الأتباع, إلى حد يمكننا فيه القول إن "الإخوان" كانوا المستفيد الأكبر من تلك "لديمقراطية المقيدة" كونها أنتجت دمقرطتهم هم داخلياً لأول مرة.
فهذه المحاسبية, والتي استبق فيها الشعب ما تزعمه الحكومة الآن (في فتحها لملف المركز الإسلامي) حين كشفت الصحافة ممارسات بعيدة عن التقوى في مؤسسات استثمارية تابعة للإخوان (كالمستشفى الإسلامي وبعض الجمعيات وحتى نظام المرابحة في البنوك الإسلامية الذي بلغ فوائد فاحشة في بعض صفقاته) اضطرت الإخوان لاعتماد ديمقراطية وشفافية أكبر داخل تنظيماتهم من جهة, وللتعامل بقبول وتنسيق تصاعدي وإن كان "مقيداً" هو الآخر مع القوى السياسية الأخرى, خاصة تلك التي تحظى بتأييد شعبي كبير تبين لأول مرة من خلال هامشي الحريتين الانتخابي من جهة والصحفي من جهة أخرى.
ومثل هذا القبول المعلن للآخر, ولو بتحفظ شديد وبخلط لعوامل نفعية بالعوامل المبدئية, أدي لتعاظم الثاني(المبدئية) على حساب الأولى (النفعية) كون القواعد الإخوانية ذاتها ملكت لأول مرة حرية الانحياز إلى أحزاب وتيارات وحتى شخصيات عامة أخرى مسموح الانتقال إليها أو التصويت لها أو إعلان قبول برامجها ومبادئها أو أدائها, بعد أن كان تنظيم الإخوان هو التنظيم الوحيد المسموح به من الدولة منذ بداية تأسيس الإمارة, أي منذ عشرينيات هذا القرن, في حين أن مجرد الشك بالانتماء لتنظيم آخر أو إعلان قناعة بأي من مبادئه كان مبرراً كافياً للاعتقال والتعذيب والمنع من العمل والسفر وغيرها.
ويذكر متابعو انتخابات عام 89 أن الملك حسين أصدر قرارا قبل إجرائها بتجميد العمل بمادة في قانون الانتخاب تمنع ترشح الحزبيين (الإخوان لم يكونوا ممنوعين) وهذا القرار مؤشر بحد ذاته على ما يقال عن سيادة القانون وعلى حقيقة مجريات إفراز المجالس التشريعية السابقة!
وننتقل للوضع الراهن وموقع الإخوان فيه, لنجد بالمقابل أن قانون الصوت الواحد الذي جرى زعم (الإخوان والدولة زعموا ذلك) أنه للحد من نفوذ الإخوان لم يكن العامل الوحيد المؤثر على عدد الإخوان المسلمين في كافة المجالس التي تلت (هبط من اثنان وعشرين إلى سبعة عشر) بل كان لعوامل عدة أهمها -اعتراف الدولة ذاتها- السبق الذي أعطاه لهم التنظيم العلني الحصري لعقود دون بقية الأحزاب والتيارات التي مثلتها طروحات المستقلين, ووجود تلك "الهالة" من القدسية لكل ما يحمل اسم إسلامي قبل أن يهبط ممثلوه للأرض في منافسة انتخابية ومماحكة صحفية.
وكانت الظاهرة الأردنية "بامتياز" التي رافقت فتح باب التنافس ولو موارباً, والتي لم تنتقل لمصر إلا فيما بعد في حالة أيمن نور المستقل الحائز على المنصب الثاني في انتخابات الرئاسة المصرية, وانتقلت "لليبرالي" وليس لإسلامي أو يساري.
وهي ظاهرة "المستقلين" من المرشحين الذين ثبت أنهم يعكسون تيارات سياسية تفوق الأحزاب المسجلة، ويتحاشى الإخوان أنفسهم طرح مرشحين ولو من أكبر قياداتهم لمنافستها, واحد فقط من هؤلاء المستقلين (ليث شبيلات) إسلامي من غير الإخوان والبقية ليبراليون في كافة توجهاتهم الاقتصادية والاجتماعية, ولا يقاربون اليسار بأكثر من اجتراح حل حكومي لمعضلة معيشية أو خدمية أوجدتها الحكومة نتيجة ما اعتراها من ترهل أو فساد.
" إذا كان الإسلام المعتدل هو المطلوب, فإن الإخوان على الأقل لم يكونوا منفذي العمليات التي أدرجت مؤخراً تحت مسمى العنف في العقد أو العقدين الأخيرين باستثناء بعض ما جرى في مصر من تفاقم لصراع مع السلطة " |
وهؤلاء المستقلون هم المرشحون لقيادة أكثر من قائمة ناجحة (فبينهم فروقات وحسابات سياسية تبرر توزعهم على أكثر من قائمة) لو قبل الاقتراح المجمع عليه من القوى السياسية الأردنية باعتماد نصف مقاعد المجلس حصة لقوائم نسبية تخوض الانتخابات على مساحة محافظات، وليس حتى على مساحة الوطن (كون الحكومات تذعر من الأخيرة) وترك النصف الآخر للدوائر التي فتتها ثم أمعنت في تفتيتها قوانين الانتخاب المؤقتة (منها قانون الصوت الواحد) مقابل قائمة واحدة سيقودها الإخوان المسلمون.
وهذه القوائم هي وحدها القادرة على التأسيس لتعددية حزبية حقيقية (محتماً ليس قوانين الأحزاب القمعية) تعدل الميزان الحزبي المنحاز تاريخياً للإخوان!
وإذا كان الإسلام المعتدل هو المطلوب, فإن الإخوان على الأقل لم يكونوا منفذي العمليات التي أدرجت مؤخراً تحت هذا المسمى في العقد أو العقدين الأخيرين باستثناء بعض ما جرى في مصر من تفاقم لصراع بيني مع السلطة.
والقول إن الإخوان يدعمون هؤلاء المتطرفين, يقابله تكشف دعم من يسمون دول الاعتدال لجماعات سنية متطرفة, فأي المتنافسين على هذه الجماعات أقوى!
لا الاعتدال ولا الإرهاب ولا الديمقراطية ولا المجتمع المدني, يمكن أن تخلق بفعل أية قوى مهما كانت دولية ومتنفذة ومستفردة, وحتماً ليس بالعنف الذي لا يولد سوى مثيله.
فهذه نتاجات بشرية يلزم لتصبح تراكمية أن تكون ابتداء حقيقية, وهي حتماً ليست شخصيات ثلاثية الأبعاد تصمم وتكسى شكل وصورة اللحم الحي وتحرك بالكمبيوتر, كما تعتقد أميركا في عصر الإغراق في "الحقيقة المنظورة " أو بترجمة أدق "الحقيقة المختلقة" التي هي نتاج خيال فنانين غريبي الأطوار معزولين مع شاشات حواسيبهم عن العالم الحي من حولهم!