كامبردج بوك ريفيوز
ربما كان مؤلف هذا الكتاب, مايكل غريفين, محظوظاً إذ تصادف نشر كتابه هذا عن طالبان وأفغانستان في هذه الأيام التي تحتل فيه أفغانستان الصفحات الأولى في كل صحف العالم وتتصدر نشرات الأخبار.
وغريفين ليس غريباً عن متابعة الوضع الأفغاني فهو صحفي مخضرم تنقل في أكثر من مكان في العالم وتابع أخبار أفغانستان وغطى أحداثها منذ أيام الغزو السوفياتي لها. وكتابه هذا يقوم على بحث ميداني وزيارات عديدة إلى أفغانستان, ويركز على أفغانستان ما بعد طالبان, أي بعد أن استولت الحركة على الحكم سنة 1994.
|
-اسم الكتاب: حصاد الريح: حركة طالبان في أفغانستان -المؤلف: مايكل غريفين -عدد الصفحات:283 -الطبعة: الأولى 2001 -الناشر: London: Pluto Press | |
صحيح أن كتابه هذا, وكثير من الكتابات الأخرى عن الحرب الأفغانية وعن أفغانستان بشكل عام سوف تفقد كثيراً من أهميتها في ضوء ما سيصدر من كتب ودراسات سوف تملأ أرفف المكتبات عن أفغانستان وطالبان ما بعد أحداث 11 سبتمبر, لكن يبقى أن كتاب غريفين يعتبر في الإصدارات الغربية الأوسع والأعمق لحد الآن فيما يتعلق بدراسة حركة طالبان والعوامل التي أدت إلى بروزها, سواء داخلية أم خارجية, وكذلك دور الأطراف الإقليمية, مثل باكستان, والدولية, مثل الولايات المتحدة, في تسهيل الطريق أمام الحركة للسيطرة على أفغانستان في النصف الأول من عقد التسعينات. ويمكن القول بأن هذا الكتاب يستحق الوصف الذي أطلق عليه من أنه "أول دراسة شاملة عن حركة طالبان في القرن العشرين".
غريفين تمكن من إجراء عشرات المقابلات مع أفراد وقيادات ومقربين من حركة طالبان, وجمع مادة توثيقية غنية على مدار سنوات من البحث الميداني. وغطى الفترة الواقعة بين 1992 وحتى أوائل عام 2000, أي منذ تشكيل أول حكومة لـ "المجاهدين" الأفغان بعد الانسحاب السوفياتي وسقوط نظام نجيب الله. وخلال الرحلة المثيرة التي يقودنا فيها غريفين في مجاهيل وأدغال المستنقع الأفغاني, يحلل الغموض الذي أحاط بالصعود المفاجىء والسريع لحركة طالبان, وكذا معتقداتها الدينية وتوجهاتها السياسية وتحالفاتها الإقليمية. ويركز بشكل خاص على الدور الذي لعبته أطراف خارجية مثل السي آي أي, وتجار المخدرات, وأسامة بن لادن في التحكم بمصير أفغانستان. 
البداية.. مقتل نجيب الله
” مع بدايات الغزو السوفياتي لأفغانستان تشكلت أكثر من خمس عشرة منظمة كل منها ترفع شعار الإسلام, غير أنها كانت جميعاً تعبر عن مختلف الإثنيات والقوميات والمذاهب لقتال السوفيات ” |
يبدأ غريفين كتابه بفصل بعنوان "مقتل نجيب الله" حين قتلت قوات طالبان الرئيس السابق بعدما أخرجته من مكتب الأمم المتحدة، حيث شكل ذلك الحدث نقطة مفصلية في التاريخ الأفغاني الحديث إذ نقل السلطة من الحركات الأفغانية التي قاتلت الوجود السوفياتي وتمتعت بدعم منقطع النظير من قبل الولايات المتحدة وأجهزة الاستخبارات الأميركية إلى حركة طالبان الوليدة.
وكان الوجود السوفياتي قد استمر على أرض أفغانستان لمدة عقد من السنين (1978-1989), خيضت فيه أعنف حرب أهلية في تاريخ القرن العشرين, وسقط من الضحايا ما يبلغ المليون ونصف المليون. وقد تسببت تلك الحرب في تهجير ما يقارب ثلث سكان أفغانستان البالغ عددهم حوالي عشرين مليون. ومع بدايات الغزو السوفياتي تشكلت أكثر من خمس عشرة منظمة كل منها ترفع شعار الإسلام, غير أنها كانت جميعاً تعبر عن مختلف الإثنيات والقوميات والمذاهب لقتال السوفيات.
خلال تلك الحرب الضروس اختلطت الأوراق, ودخلت السي آي أي على الخط الأفغاني ووفرت الأسلحة للحركات الأفغانية حتى لا تتحقق للسوفيات السيطرة على الموقع الإستراتيجي الذي تحتله أفغانستان في آسيا, متوسطة بين الجمهوريات الإسلامية التابعة آنذاك للاتحاد السوفياتي, والهند وباكستان والصين. بعد عشر سنوات من الحرب الدامية تحقق هدف طرد الاحتلال السوفياتي, سنة 1989. إلا أن ذلك لم يكن يعني سوى بداية فصل دام جديد من حرب دامية أخرى اندلعت بين فصائل "المجاهدين" واستمرت لما يقارب ثلاث سنوات انتهت بتشكيل حكومة ائتلافية عام 1992 بقيادة برهان الدين رباني. غير أن تلك الحكومة لم تسيطر على الوضع الأفغاني, وظلت مناطق شاسعة من أفغانستان واقعة تحت سيطرة فصائل أخرى.
إضافة إلى ذلك تطورت في مناطق قندهار حركة تململ عنيفة كرد فعل على فشل الحكومة الجديدة في فرض النظام والأمن في القرى والمدن والأرياف الأفغانية. فخلال سنوات الاقتتال الداخلي بين فصائل "المجاهدين" غرق البلد في فوضى عارمة, وانتشر السلاح بين الأهالي, وافتقد الجميع الحد الأدني من الأمن. وصارت السرقة, والسطو والاغتصاب وغير ذلك من الأمور اليومية, ولم تكن حكومة رباني أو معارضوها في موقع يمكنهم من ضبط تلك الفوضى. 
الملا عمر ينتصر لفتاتين مغتصبتين
” بداية طالبان كانت في غارة على موقع نقطة تفتيش لـ "المجاهدين" لتحرير فتاتين مغتصبتين ومحتجزتين هناك.. وقاد العملية الملا عمر وتم تحرير الفتاتين وشنق قائد نقطة التفتيش والذين كانوا معه ” |
ويذكر غريفين أن مجموعات من "طلبة العلم" في قندهار قرروا التجمع فيما بينهم والقيام بحملات ردع خاصة ضد عناصر ومجموعات مسلحة تابعة لهذا الفصيل أو ذاك لكنها تقوم بترويع الأفغانيين والاعتداء عليهم. كان معظم أولئك الطلاب عناصر سابقة في منظمة اسمها "حركة الانقلاب الإسلامي" التي قاتلت السوفيات كما هو سائر بقية الحركات, لكنها ضعفت وتفتتت بعد الانسحاب السوفياتي. ويرصد غريفين أن الحادثة التي فجرت الغضب "الطالبي" وتمثل من ناحية تاريخية نقطة التأسيس لحركة طالبان وقعت في إحدى قرى قندهار نفسها في ربيع 1994, عندما قامت عناصر مسلحة تابعة لـ "المجاهدين" بخطف فتاتين واغتصابهما والاحتفاظ بهما لعدة أيام على علم سكان القرية.
ولما لم يكن سكان القرية على قدر من القوة لتحرير الفتاتين فقد قامت مجموعة من أولئك الطلبة, وعددهم ثلاثون وبقيادة محمد عمر, الذي سيصبح فيما بعد الملا عمر, قائد حركة طالبان, بالإغارة على موقع نقطة التفتيش التي تيسطر عليها عناصر "المجاهدين" الذين خطفوا الفتاتين واحتفظوا بهما هناك, وتم تحرير الفتاتين وشنق قائد نقطة التفتيش والذين كانوا معه. وبتلك الحادثة فقد ولدت طالبان.
غير أن تلك الحركة سرعان ما كبرت وهزمت الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار في قندهار سنة 1994, ثم توسعت في كل الاتجاهات إلى أن استولت على كابل سنة 1996 منهية وجود حكومة برهان الدين رباني في أغلب المناطق الأفغانية. من يومها, والحركة تزداد قوة وتطرفاً, وقدمت صورة سلبية جداً عن الإسلام خاصة عندما حرمت التعليم على المرأة ومنعتها من العمل, وكذلك أيدت أسامة بن لادن وآوته, وقامت بتحطيم التماثيل البوذية بما عاد على الإسلام والمسلمين بدعاية عالمية بالغة السوء.
أميركا مكنت لطالبان وهزمت بن لادن
” انخرطت إدارة بيل كلنتون في تشجيع باكستان على دعم طالبان مادياً وعسكرياً والانتهاء من حكم رباني وبالمقابل فشلت السي آي أي والإف بي آي وسائر أجهزة الأمن الأميركية في مواجهة التهديدات الإرهابية التي وجهها أسامة بن لادن ضد الولايات المتحدة ” |
يركز غريفين على نقطتين مركزيتين في سياق التأريخ لحركة طالبان, الأولى تتعلق بالمدى الذي انخرطت فيه إدارة بيل كلنتون في تشجيع باكستان على دعم طالبان مادياً وعسكرياً والانتهاء من حكم رباني. والثانية هي أسباب فشل السي آي أي والإف بي آي وسائر أجهزة الأمن الأميركية في مواجهة التهديدات الإرهابية التي وجهها أسامة بن لادن ضد الولايات المتحدة.
والواقع أنه بإمكاننا إضافة نقطتين أخريين يقدم الكتاب إضاءات مهمة بشأنهما, وهما الحجم الهائل لتجارة المخدرات التي تمثل أفغانستان الأرض الأهم لزراعتها, وخاصة الأفيون, والثانية هي الأبعاد الإستراتيجية, الإقليمية والدولية للصراع على أفغانستان خاصة فيما يتعلق بغاز ونفط آسيا الوسطى وأنابيب النفط الاقتصادية التي من المفترض أن تمر عبر أفغانستان وتؤمن حمايتها حكومة حليفة للغرب وليست عدوة له.
رؤية طالبان.. أمن واضطهاد وتقتيل
أما داخلياً, أي بشأن إدارة طالبان للمدن والقرى الأفغانية, فإن السجل الطالباني مليء بالمتناقضات. فمن ناحية يشهد غريفين, ومعظم المراقبين المحايدين, بأن طالبان حققت لأفغانستان قدراً من الأمن لم تحلم به خلال أكثر من عقدين من الزمن قبل استيلاء الحركة على الحكم. لكن في المقابل فإن الثمن الذي دفعه الشعب الأفغاني لقاء ذلك الأمن كان غالياً جداً. فاجتماعياً أغلقت طالبان المجتمع وقمعت حركته, وتدخلت في أخص خصوصيات الناس, كالملبس والمظهر والحركة والتنقل. وكان أن دفعت النساء والبنات الثمن الباهظ سواء فيما يتعلق بمنعهن من العمل, أو حتى إغلاق مدارس البنات وحظر التعليم عليهن.
أما من ناحية ممارسات وسياسات حكومة طالبان في السياسة الخارجية ونظرتها وعلاقتها للجيران, وخاصة إيران التي تعتبر عدوة في نظر طالبان فيسرد غريفين بعض الحوادث الموثقة عن بعض المجازر التي نفذتها طالبان بحق قرى وتنظيمات شيعية على الحدود مع إيران, وهي حوادث تقعشر لها الأبدان.
ومن الحوادث البشعة التي ينقلها غريفين بتفصيل مرير حادثة قتل الدبلوماسيين الإيرانيين في البعثة الإيرانية في مزار شريف في شهر أيلول (سبتمبر) 1998 والتي كادت أن تتسبب في حرب بين البلدين. وفي تلك الحادثة اقتحمت مجموعة من طالبان مقر البعثة الإيرانية وقادت الموظفين التسعة إلى طابق التسوية وقامت بتصفيتهم دفعة واحدة بالرصاص, وغادرت بعد أن تأكدت من موتهم. وكان من سوء حظ طالبان أن واحداً منهم نجا ليروي القصة, وهو شاهاسان قرة حسيني, أحد دبلوماسيي البعثة. وقد ظل محاصراً في المقر حتى بعد نجاته وإلى أن هددت إيران بإعلان الحرب على طالبان.
وبكل الأحوال فإن قراءة هذا الكتاب, سواء للقارئ الغربي أم المسلم توضح تعقيد المسألة الأفغانية وتعددية وجوهها وتداخل التحالفات الداخلية بالمصالح الخارجية وعمق الأذى الذى سببته صراعات الدول الكبرى والإقليمية حول ذلك البلد وفيه. 