عرض/كامبردج بوك ريفيوز
ربما يشكل هذا الكتاب مفاجأة لكثير من غير المختصين أو المطلعين على التاريخ المعاصر لنشوء وتطور الدولة السعودية. منبع المفاجأة, ربما لكثير من غير السعوديين, هو ما يتضمنه من معالجة حساسة وخلافية لمسألة بدا أنها لم تعد مطروحة ولها علاقة بالتكوين الوحدوي للمملكة السعودية والهوية الوطنية التي تشكلت في الجزيرة العربية على مدار عقود القرن العشرين.
|
|
- اسم الكتاب: مهد الإسلام: الحجاز والسعي نحو هوية عربية - المؤلف: مي يماني - عدد الصفحات: 226 - الطبعة: الأولى 2004 - الناشر: أي بي تاوس-لندن | | |
في الكتاب عود على بدء ومساءلة لتلك الهوية بل ومحاكمة لها, من خلال التعمق في "الخصوصية الحجازية" التي ترى المؤلفة أنها ما زالت تحتفظ بطعمها ومذاقها وعوامل اختلافها, حتى لا نقول افتراقها, عن بقية أجزاء الوطن السعودي (وخاصة نجد حيث السلطة المركزية والحكم).
أطروحة الكتاب تقول إذن أن الحجاز ما زال متميزاً عن بقية مناطق السعودية إن ثقافياً أم اجتماعيا أو دينياً, وذلك رغم مرور ما يزيد عن سبعين عاماً على مشروع الوحدة السعودي الذي لملم أجزاء الجزيرة العربية, نجد وعسير والإحساء إضافة إلى الحجاز بالطبع, في نطاق دولة واحدة.
وللتدليل على "الخصوصية الحجازية" تفرد يماني فصولاً مطولة ومفصلة بشكل مثير حول "مميزات" تلك الخصوصية.
في الإطار العام تتحدث المؤلفة عن حجاز كان, وما زال في كثير من جوانبه, متصفاً بالتنوع والتعددية والانفتاح على العالم بسبب وجود مكة والمدينة في قلبه. إذ أنه بحكم قدسية المكانين استقبل الحجاز وما زال يستقبل ملايين الحجاج من مختلف بقاع الأرض, بجنسياتهم وإثنياتهم وألوانهم وثقافاتهم المختلفة.
وعلى مدار القرون كان لأولئك الحجاج أثر عميق في تشكيل المزاج والهوية الحجازية التي اتسمت بالانفتاح و"التعولم المحلي" المبكر. لم يقتصر ذلك الانفتاح والإطلاع على طوائف المسلمين بتقاليدهم ومذاهبهم المتنوعة, بل امتد أيضا إلى غير المسلمين الذين كان يأتي بهم البحر زواراً أو عابري سبيل أو غزاة.
” المشروع السعودي التوحيدي القادم من نجد لم ينازع الحجاز على الزعامة السياسية فحسب, بل انتزع حصرية التمثيل الديني ” |
انعكس ذلك على هدوء في الطباع, وسعة في المعاملة وتسامح في الاختلاف. على أن هذا السمات, وخاصة التسامح في الاختلاف المذهبي والممارسات الدينية, بما فيها استيعاب التيارات الصوفية والروحانيات المختلفة, اصطدم بالوهابية التي ساندت المشروع السياسي لإبن سعود في توحيد الجزيرة العربية.
فالمشروع السعودي التوحيدي, القادم من نجد, لم ينازع الحجاز على الزعامة السياسية فحسب, بل وأيضاً وأكثر أهمية انتزع منه حصرية التمثيل الديني ونوعية التعامل مع الدين نفسه. تهمش التنوع الحجازي المذهبي المتسامح وبرز عوضاً عنه التطرف الوهابي في الدين والتفسير, كان ذلك يداً بيد اضمحلال سلطة الحجاز وصعود سلطة نجد.
فصم الحجاز عن السعودية؟
ما يقوله الكتاب أنه مع نجاح آل سعود في ضم المناطق الحجازية وعلى رأسها مكة والمدينة وجدة إلى حكمه بدأت شمس الحجاز المتنوعة بالغروب لصالح أحادية التمثيل والسيطرة النجدية المتحالفة مع المذهب الوهابي المتشدد.
على أن ذلك الغروب لم يكن مودياً, كما تشير المؤلفة, إلى اندثار أو موت الهوية الحجازية التي ظلت تشتغل كما كانت وإن يكن بهدوء أو من دون ضجيج (لكن مع مقدار غير قليل من الانكسار يطبع سطور الكتاب ولا يغبي عن التقاطه القارئ).
لكن كيف "صمدت" الهوية الحجازية إلى هذا الوقت وظلت تحافظ على خصوصياتها رغم ما يقوله الكتاب من محاولات فوقية للدولة لفرض "سعودة" شاملة تطال كل مناطق المملكة؟
تقول المؤلفة أن تلك الهوية لم تختر لا الصدام المباشر مع السلطة المركزية وحكم آل سعود, ولا التعبير عن نفسها بشكل مباشر أو فج إذ لم يكن لها أية أجندة سياسية انفصالية, ولم تدع إلى فصم الحجاز والعودة بالتاريخ إلى الوراء. هنا, وعند نفي مي يماني الواضح والحازم لأي تفسير لكتابها قد يُفهم منه أنها تدعو إلى ذلك, فإن كثيرا من القراء سيتنفس الصعداء.
صحيح أن المؤلفة وهي تعالج مسألة في غاية الحساسية تكاد تحاذي الأفكار الداعية إلى معاودة النظر في جغرافيا المملكة السعودية (وخاصة القادمة من أوساط اليمين الأميركي الصهيوني) والبحث في إمكانية تقسيمها, لكن تأكيد يماني لا يأتي فقط بتكرار الموقف بل من زاوية أخرى مهمة.
هذه الزاوية هي أن دعوتها لإعادة الاعتبار للهوية الحجازية فيها تحقيق القوة الحقيقية لمشروع التوحد الذي تعيشه السعودية. كما تقول, أي أن الاعتراف بالتنوع وتقديره وعدم محاولة لجمه بقوة السياسة أو قوة المذهب يعطي منعه لأي مشروع توحيدي على عكس ما قد يُظن ظاهراً.
فالمجتمعات برمتها, وليس العربية والإسلامية فحسب, ليست مقدودة على مقاس واحد, بل فيها تنويعات واختلافات وطوائف وتجمعات متباينة, وهذا مما لا يضيرها بالتعريف.
بخلاف ذلك فإن محاولة قمع الهويات المحلية ومطاردة تعبيراتها الثقافية والاجتماعية والدينية هو المهدد الأكبر للوحدة الوطنية المأمولة. فالذي يحدث في هذه الحالات هو أن تلك التعبيرات لا تختفي, ولكنها تغيب عن الواجهة المرئية فيما تظل تعمل في الخلفية الاجتماعية لهذه الشريحة أو تلك.
وهكذا فإن الأشكال والتمظهرات المميزة لأية هوية تخلق لنفسها فضاء خاصاً بها وطرائق لتموه على أنماط القسر والرغبة الفوقية الحاكمة بصهر الهويات الفرعية في هوية وطنية أو قومية جامعة.
وهذا في الواقع الممارس تاريخياً لا يقود إلا إلى نتيجة معاكسة لما تريده السلطة الفارضة, أي أنها تعزز خصوصية تلك الهويات بدل أن تخفف من حدتها. وتاريخ القرن العشرين يعج بالأمثلة الساخنة, أبرزها المشروع السوفياتي في تخليق هوية قومية جامعة للمجتمعات المنضوية تحت اتحاده, والمشروع اليوغسلافي الذي قام على فكره مشابهة, وكليهما فشل فشلا ذريعاً, حيث عادت الهويات الوطنية والفرعية إلى الظهور والتعبير عن نفسها بتطرف وحدة جارفة في أكثر الأحيان. 
” الدعوة لإعادة الاعتبار للهوية الحجازية فيها تحقيق القوة الحقيقية لمشروع التوحد الذي تعيشه السعودية ” |
في المقابل كان النجاح حليف الاتحادات الديموقراطية التي لم تكن مهجوسة بجرف الهويات الفرعية والإقليمية بل تركتها على حالها وراهنت على الزمن وتبادل المصالح وحركة المجتمع الذي مع مرور السنين هذب من تلك الهويات وحجمها وبالتالي لم تعد مصدر خطر على الوحدة الوطنية لكن من دون قسر أو قمع, كما في ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا.
وللإنصاف الموضوعي ليست حالة السعودية مشابهة من قريب أو بعيد لحالة الإتحاد السوفياتي أو اليوغسلافي في التوحيد القسري, إذ أن عوامل التوحد السعودي أوسع وأشمل وأعمق بما لا يقارن. لكن ما يُراد الإشارة إليه هنا هو مسألة كيفية التعامل مع الهويات الفرعية وهو تعامل يجب أن لا يحكمه التوتر والقهر ومحاولة التهميش.
ما تشير إليه مي يماني من ظواهر وسياسيات لمحو "الحجازية" من الفضاء السعودي, وبفرض أن ما تشير إليه يحدث فعلاً على أرض الواقع, لا يمكن بحال أن يخدم الهوية الوطنية العامة.
فما الفائدة من محاولة تغيير اسم الحجاز إلى "المنطقة الغربية" سوى إثارة "النعرة الحجازية"؟ وماذا يخدم تفادي استخدام اللفظ بحد ذاته في وصف بعض العادات أو أنواع الأكل أو اللباس, فلا يُقال مثلاً هذا الطعام حجازي أو هذه العادة حجازية؟ لكن, لم يؤد ذلك, كما تشير يماني, إلا إلى عودة الهوية الحجازية بشكل أكثر ترسخاً.
وتحاول الكاتبه إثبات ذلك في الفصول التي خصصتها لتقاليد الزواج, وتقاليد الموت والدفن, وتقاليد اللباس, وتقاليد الطعام, وسائر تفاصيل الحياة الاجتماعية.
إضافة لذلك فهي تنظر باهتمام وانتباه إلى دور العوائل الحجازية في الحفاظ على الهوية الحجازية وتعبيراتها المختلفة, بدءا بالأسماء التي تطلق على المواليد الجدد وحتى أساليب دفن الموتي. والعوائل تلك تتوزع على أكثر من فئة, فمنهم فئة الأشراف أي السادة الهاشميين, وفئة المطوفين, وفئة العلماء, وفئة التجار.
هل ظلم الحجازيون سياسياً وإقتصادياً؟
تقول مي يماني أن الحكم السعودي تعامل معهم بإنصاف بادئ الأمر, ذاك أن الحجاز في منشأ الدولة السعودية الحديثة كان مستودع الخبرات الإدارية والاقتصادية مقابل خلو نجد والصحراء من أية معرفة حقيقية بالعصر الحديث.
لكن مع مرور الزمن واتساع التعليم وبروز أجيال "نجدية" مدربة في العقود الأخيرة تمت عملية إزاحة تدريجية للحجازيين بما كرس من شعورهم بالخصوصية والتميز (والتمييز ضدهم أيضاً).
مع ذلك لا تنكر المؤلفة أن كثيراً من الحجازيين قد أثروا بشكل كبير واستفادوا, كما غيرهم, من عوائد النفط, وأن ما لحق ببعضهم من ترد في الأحوال الاقتصادية منذ النصف الثاني من عقد الثمانينات من القرن الماضي يعود في غالبه إلى تراجع مداخيل النفط التي أثرت على البلد بشكل عام, ولم يكونوا وحدهم ممن تأثر سلباً بذلك. لكن شبه المساواة الاقتصادية تغيب في ميدان النفوذ السياسي.
هنا ترى يماني أن الحجازيين كما غيرهم من غير النجديين, أو حتى من غير الدائرة الضيقة من آل سعود, يعانون من حرمان من المناصب السياسية وتمييز مجحف بحقهم حتى وإن إمتازوا بقدرات عالية وكان من بينهم كفاءات رفيعة المستوى.
ماذا عن بقية مناطق السعودية؟
” يبدو مشروع ابن سعود في توحيد الجزيرة العربية, أو الجزء الأكبر منها, مشروعاً متميزاً قطع الطريق على نشوء دويلات إضافية ” |
لكن ثمة سؤال يظل يحلق في أفق الكتاب من دون إجابة له علاقة ببقية مناطق السعودية, مثل عسير والإحساء والمنطقة الشرقية. هل تعاني هذه المناطق أيضاً من أزمة هوية محلية وتشعر بالغبن الذي يشعر به الحجاز كما هو موصوف في فصول الكتاب؟ ليس ثمة تعريج ولو خفيف على تلك المناطق وهذا السؤال بما يترك القارئ من دون إطار عام للمسألة التي يطرحها الكتاب وتقييم إلى أي مدى منطبقة على البلد بشكل عام بما يقرر مستوى أهميتها أو خطرها – أو حتى المبالغة في وصفها.
إضافة إلى هذا السؤال المركزي ثمة سؤال آخر ومعالجة تحليلية على مستوى مختلف متعلقة بتقدير المشروع التوحيدي السعودي نفسه وأهميته, بعيداً عن الرأي في نظام حكم آل سعود.
فهنا, وفي إطار عربي وإقليمي موسع, يبدو مشروع ابن سعود في توحيد الجزيرة العربية, أو الجزء الأكبر منها, مشروعاً متميزاً قطع الطريق على نشوء دويلات إضافية إلى جانب الدويلات التي نشأت على هوامش الجزيرة العربية في وقت لاحق.
صحيح أن كتاب يماني يقع في ضمن الأدبيات الأنثروبولوجية والهوياتية أكثر وليس كتاباً في التاريخ السياسي, لكن ذلك لا يعذره لتغييبه الإطار الأوسع والذي يقابل عمليه التوحيد بالثمن الذي من الممكن أن تدفعه المناطق المتوحدة, ولو قسراً, خاصة وإن كان ذلك الثمن لا يصل لما دفعته جمهوريات آسيا الوسطى زمن الاتحاد السوفياتي ولا دول ومجتمعات البلقان زمن الاتحاد اليوغسلافي. 