ابحث عن
 
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة|تواصل معنا
السبت 5/1/1429 هـ - الموافق 12/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 13:38 (مكة المكرمة)، 10:38 (غرينتش)
طباعة الصفحة إرسال المقال
مواجهات إمبريالية: الدين والحداثة في بريطانيا والهند

كامبردج بوك ريفيوز
يقدم هذا الكتاب مطالعة ثرية عن أثر الاستعمار البريطاني للهند في تشكيل بروز عناصر هوية ووعي ديني عند الهندوس والمسلمين في المنطقة إبان عقود الاستعمار الطويل، وكذلك أثر ذلك الاستعمار في تكون وعي "علماني" ديني داخل بريطانيا نفسها إزاء كيفية التعامل مع الأديان الأخرى غير المسيحية، لكن ذلك الوعي ظل منحازاً وتمييزياً حتى على مستوى القوانين والأنظمة.

لهذا فإن المؤلف بيتر فان در فير يقرر مفاجأة القراء عبر استخدام ما تبع رواية سلمان رشدي "آيات شيطانية" من احتجاجات، ويعود ليقرأ التاريخ قراءة استرجاعية في ضوء "الاكتشافات" التي قادت إليها تلك الرواية.

غلاف الكتاب
-اسم الكتاب: مواجهات إمبريالية: الدين والحداثة في بريطانيا والهند
-المؤلف: بيتر فان در فير
-عدد الصفحات: 287
-الطبعة: الأولى 2001

-الناشر: Princeton University Press

تقديس للمسيحية

يقول المؤلف إن مسلمي بريطانيا اكتشفوا في خضم احتجاجاتهم عام 1988 على تلك الرواية أن القوانين القديمة المتعلقة بعدم المساس بالمقدسات والمعمول بها في بريطانيا تقتصر على حماية المسيحية دون سائر الأديان الأخرى في البلاد
، إذ تنص هذه القوانين على أنه في الوقت الذي يعتبر فيه الحط من قدر السيد المسيح أو الإشارة إليه بصورة مسيئة جرما يحاكم صاحبه، فليس ثمة أي قانون يمنع من النيل من النبي محمد أو الانتقاص من قدره. ولما كانت بريطانيا تعتبر بلدا علمانيا فإن من المفروض ألا تفرق قوانينها بين دين وآخر وألا تحيط دينا معينا بحماية ورعاية أكثر من الأديان الأخرى الموجودة داخل حدودها.

مسلمون يطالبون بالعلمانية
ويقول الكتاب إن مسلمي بريطانيا قادوا حملة احتجاجية على التمييز القانوني الذي يتعرض له دينهم، فقد بادرت بعض الشخصيات المسلمة البارزة في المجتمع البريطاني بالكتابة إلى مسؤولي الحكومة مطالبة السلطات الرسمية بتوفير حماية للإسلام بالقدر نفسه الذي تتمتع به المسيحية. فردت الحكومة برفض مطالباتهم تلك وأشار وزير الداخلية في ذلك الوقت جون باتن في رده على تلك المطالبات بأنه يتوجب عليهم القبول بـ"الثقافة الوطنية المشتركة" التي تشمل "ديمقراطيتنا وقوانيننا واللغة الإنجليزية والتاريخ الذي شكل بريطانيا الحديثة". ويشير مؤلف الكتاب إلى أن ما أمسك باتن عن قوله صراحة ولكنه يُقرأ بين سطور رده هو أن على المسلمين البريطانيين القبول بالأخلاق المسيحية التي صبغت التاريخ البريطاني العام وكانت أساس إصدار قوانين المساس بالمقدسات. كما أحجم باتن عن الإقرار بالمفارقة التي برزت آنذاك وتمثلت باعتماد جماعة دينية على العلمانية للمطالبة بفرض قوانين جديدة في الوقت الذي وقفت فيه سلطة علمانية اسميا إلى جانب قانون مستمد من الدين.


تعتبر قضية سلمان رشدي مثالا واضحا يسلط الضوء على نمط التفاعل القائم بين مجتمع غربي مهيمن سياسيا والتقاليد والأديان المختلفة التي يتعامل معها
يعتبر بيتر فان دير فير في كتابه هذا -وهو يحفز قارئه على التأمل والتفكير- قضية سلمان رشدي مثالا واضحا يسلط الضوء على نمط التفاعل القائم بين مجتمع غربي مهيمن سياسيا والتقاليد والأديان المختلفة التي يتعامل معها. وهو يرى أنه خلافا لهذه القضية فإن العديد من تلك التفاعلات المهمة لم تكن صدامية، بل إن المواجهات التي كان لها أثر أطول هي تلك التي تمخضت عن عقد صداقات وتحالفات وقيام التعاون في سياق ما اعتبر في حينه أهدافا منسجمة.

ويركز الكاتب بشدة على التفاعل الذي جرى في القرن التاسع عشر بين السلطات الكولونيالية البريطانية والمجتمع الهندي الذي كان واقعا تحت سيطرتها آنذاك. مع ذلك فإن كثيرا من الأفكار التي يطرحها عن تلك العلاقة يمكن تطبيقها على أوضاع كولونيالية أخرى وعلى حقبة ما بعد الكولونيالية كذلك.

تأثير متبادل
ولم تقتصر آثار المواجهات الكولونيالية على المجتمعات المستعمرة، بل كانت أصداؤها تُستشعر في ثقافات وأديان القوى الإمبريالية نفسها، وكانت الأراضي المستعمرة ساحة لحوارات واسعة وتكهنات واهتمام ببريطانيا، كما أن العديد من الأفكار المقبولة المتعلقة بالنظر إلى الاستعمار طبقت آنذاك عند التفكير في المجتمع البريطاني. وبينما يرى البعض أن الثقافة تنتج المركز المهيمن ويحاول بقية المجتمع دائما مواكبة وتقليد كل ما هو صادر هناك، فإن فان دير فير خصص حيزين متكافئين في كتابه لمناقشة أثر الهند في التفكير البريطاني من جهة، والتحولات التي طرأت على نمط الحياة الهندية تحت الحكم البريطاني من جهة أخرى.

يعالج الكتاب موضوعا هاما آخر متأثرا ولو جزئياً بالتجربة الكولونيالية البريطانية في شبه الجزيرة الهندية، وهو الكيفية التي أصبحت بها بريطانيا تنظر إلى نفسها على أنها مجتمع علماني، ودور الجماعات الدينية في تشكيل هذه النظرة الخاصة. ويتبين القارئ أن البريطانيين عندما تمكنوا من حكم أجزاء من الهند بأنفسهم وبشكل مباشر في أواخر القرن الثامن عشر عقدوا تحالفات مع النخب الهندية لأجل القضاء على آخر مظاهر القوة والثروة الإسلامية التي كانت لا تزال قائمة منذ أيام الإمبراطورية المغولية. ولكن ذلك أثار حفيظة الحركة البروتستانتية المتنامية في بريطانيا آنذاك والتي اعتبرت الهنود "عبدة أصنام" في حين أن المسلمين يدينون بديانة توحيدية كانت مفهومة ضمن الإطار المسيحي. وكما أحدثت قضية سلمان رشدي ضجة، فإن هذه الجماعة الدينية بدأت -ولو أنها أصابت نجاحا أكبر- تطالب السلطات الحاكمة بمعاملة الأديان المختلفة بشكل متساو. وبعد أن توطدت فكرة عدم منح أي جماعة دينية امتيازات خاصة مقابل جماعات أخرى تقدمت بريطانيا خطوة إلى الأمام بتبني هذه النظرة التي شكلت أساس التكوين العلماني للمجتمع البريطاني.

والمفارقة اللافتة التي يشير إليها فان دير فير هي أن الدين يحاول استخدام المقولات العلمانية في السجال مع السلطات العلمانية نفسها بهدف الحفاظ على ما يتمتع به من نفوذ ولكن بشكل غير مكشوف. ونجد في الهند مثلا أن الخوف من اندلاع اضطرابات حال دون الترويج والتبشير العلني بالمسيحية عبر النظام التدريسي. وعوضاً عن ذلك بُذلت جهود كبيرة لتدريس الأدب الإنجليزي على اعتبار أنه يشتمل على "الأخلاق المسيحية" التي يمكن للأجيال المتعلمة تشربها. ومثلما اضطر جون باتن إلى صياغة رده المتلون بالدين إلى تلك الشخصيات المسلمة وصبغه بصبغة عالمية وعلمانية، فإن القائمين على المناهج التعليمية في الفترة الكولونيالية في الهند كان عليهم نقل رؤيتهم الدينية للأجيال المتعلمة عن طريق تصاوير أدبية للحياة الأخلاقية.


لولا التوتر الديني والاستفزاز الروحي الذي شكله الاستعمار البريطاني في الهند لبقي المسلمون يعيشون فيها إلى جانب الهندوس من دون تنامي النزعة الانفصالية وتكرس هوية إسلامية سياسية
تحول ديني
أما الجانب الآخر لبروز فكرة العلمانية عبر الجماعات الدينية فكان التحول الذي طرأ على الدين نفسه في الهند وبريطانيا عن طريق المواجهة بين الجانبين، فقد انتعشت الحركات البروتستانتية في بريطانيا عبر التركيز على الرأي الذي يقول إن من واجب المسيحية الانخراط في النشاطات التبشيرية في الخارج لإنقاذ البشر من الضلال. وأدى ذلك إلى بروز شكل من أشكال المسيحية المتطلعة نحو الخارج مما حمل الكنيسة على تكريس قدر مهم من اهتمامها نحو المشاكل الاجتماعية والاقتصادية للعالم.

أما في الهند فإن المسلمين رأوا في المسيحية والاستعمار البريطاني تحدياً لا يقتصر على السيادة السياسية لبلدهم (الهند قبل انفصال باكستان) بل تحدياً للولاء الديني والروحي الذي كان يحمله المسلمون تجاه الدولة العثمانية والخليفة في إسطنبول. وقد كان "الصدام الثقافي" المزدوج للمسلمين مع البريطانيين المسيحيين من جهة ومع تنامي التطرف الهندوسي في النصف الأول من القرن العشرين وإبان انتهاء الاستعمار البريطاني، الإطار التاريخي الذي تولدت فيه هوية إسلامية منفصلة وذات أهداف سياسية تمثلت في المطالبة بالانفصال في ما بعد.

ويمكن القول وبكثير من الثقة إنه لولا التوتر الديني والاستفزاز الروحي الذي شكله الاستعمار البريطاني في الهند لبقي المسلمون يعيشون فيها إلى جانب الهندوس من دون تنامي النزعة الانفصالية وتكرس هوية إسلامية سياسية، فقد عاش المسلمون في الهند لقرون طويلة من دون أن يشعروا بأنهم أقلية رغم أنهم كانوا كذلك على الدوام من ناحية عددية. لكن النفوذ السياسي والنجاح الاقتصادي الذي كانوا يتمتعون به على الدوام وعلاقاتهم مع الخلافة المغولية أولاً ثم العثمانية لاحقاً، عمل على معادلة رجحان الكفة الديمغرافية لصالح الهندوس بما كفل توازناً شهدته الهند لقرون طويلة. وعلينا أن نذكر هنا أن مؤسس باكستان محمد علي جناح كان في مطلع حياته السياسية من أشد أعداء فكرة الانفصال عن الهند، بل كان قد انخرط في أحزاب وحركات سياسية علمانية هدفها تكريس الوحدة الهندوسية المسلمة. ولم تنم لديه فكرة الانفصال إلا بسبب تفاقم نزعة التطرف الهندوسي داخل حزب المؤتمر الذي كان علي جناح من أبرز قياداته المسلمة، رغم أن غاندي نفسه كان يحاول لجم تلك النزعة المتطرفة لكنها تجاوزته واغتالته هو نفسه في وقت لاحق.


تكوين الهندوسية الحديثة في الهند يعود بصورة كبيرة إلى التفاعل الذي جرى في عقود الكولونيالية البريطانية
وفي سياق أثر الحقبة الكولونيالية في تشكل الهندوسية نفسها فإن من الأمور المهمة التي يشير إليها المؤلف هو أن تكوين الهندوسية الحديثة في الهند يعود بصورة كبيرة إلى التفاعل الذي جرى في عقود الكولونيالية البريطانية. فبسبب جهود بعض الباحثين الذين قدموا إلى الهند في ظل الكولونيالية أمكن ترسيم الهندوسية كدين مكتوب وله مراجع.

وهنا فإن الباحث الألماني ماكس مولر الذي كان يقيم في بريطانيا كان هو من قام بجمع وترجمة الكتابات السنسكريتية القديمة التي أصبحت تؤلف بمجموعها النسخة الحديثة لما يعتبره الهندوس اليوم جوهر نصوصهم الدينية. وكانت الفكرة التي ألحت على مولر تنطلق من تصوره بأن أي دين ينبغي أن يكون له كتاب مقدس، وأن الهندوسية ليست حالة شاذة.

ختاماً يبقى القول إن هذا الكتاب يوفر قراءة هامة جداً لفهم أثر الاستعمار ليس فقط في تشكيل الكيانات السياسية التي نراها على خارطة العالم اليوم والتقسيمات العشوائية للشعوب والإثنيات والدول، بل وفي تشكيل الوعي الديني والإثني والصراعي بين مجموعات كل شعب وكل مجتمع على حدة.

المصدر: الجزيرة
طباعة الصفحة إرسال المقال
شارك
شارك
التاريخ الاستعماري والهجرة: اختراع الأجنبي
العلمانية تحت المجهر
الثقافة والعولمة
المستقبل المتقن: تحدي العولمة ووعدها الخفي
اتهام أممي لدمشق بجرائم ضد الإنسانية
مواقف متباينة من القرار العربي تجاه سوريا
43 قتيلا بقمع الاحتجاجات في سوريا
إيران تنفي استهداف سفارات إسرائيل

تحليلات|كتب|وجهات نظر|تغطيات 2009|ملفات خاصة 2010

جميع حقوق النشر محفوظة2000- 2012م(انظر اتفاقية استخدام الموقع)