ابحث عن في
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|مركز المساعدة|بيانات صحفية|خريطة الموقع
ابحث في المعرفة
الخميس 3/5/1428 هـ - الموافق17/5/2007 م (آخر تحديث) الساعة 14:29 (مكة المكرمة)، 11:29 (غرينتش)
طباعة الصفحة إرسال المقال
حابل المقاومة ونابل العنف الطائفي


صالح السنوسي

كانت لعبة الأوراق الطائفية والعرقية هي حجر الزاوية في المخطط الأميركي لأجل تأمين وجود عسكري وسياسي طويل الأمد في العراق.

والمجموعة التي كانت مكلفة برئاسة الجنرال غارنر بوضع البرنامج والتصورات لفترة ما بعد الحرب لم يكن تحت تصرفها ما يمكن اعتباره إمكانيات مادية توحي بأن هناك نية لدى الإدارة الأميركية بإعادة بناء العراق بعد الخراب الذي أصابه من جراء ما يسمونها سياسات نظام صدام حسين أو ما سيلحق به من دمار مؤكد بسبب حرب الغزو والاحتلال.

"
الهدف من المحاصة هو أن تصبح نظرة كل طرف إلى الوطن شبيهة بنظرة المحتل، فلا يهم أيا منهم سوى حجم الغنيمة التي يمكن أن تحوزها طائفته من أشلاء جسد هذا الوطن المسجى تحت سقف خيمة من تصميم أميركي وأقمشة وحبال عراقية
"
كانت مهمة تدبير وضع ما بعد الحرب تنصرف في معناها إلى الشق السياسي فقط، في حين يرتكز هذا التصور السياسي للوضع في العراق على تهيئة استثمار كل ما هو طائفي وعرقي تحت مظلة تستجيب لكل المواصفات الضرورية التي يتطلبها الحفاظ على استمرار وديمومة المصالح الأميركية في المنطقة وفق مستجدات العولمة وشروط الحرب على الإرهاب.

في الوقت الذي كان فيه الجنرال غارنر يشكو من قلة الحيلة وضيق ذات اليد أمام ما تتطلبه إعادة بناء بعض جوانب البنية التحتية المدمرة، كان الشق الثاني من مهمته المتعلق بالجبهة الطائفية والعرقية يتسم بالديناميكية والفاعلية التي سرعان ما أفضت إلى أول محاولة لشرعنة ورسمنة الطرح الطائفي والعرقي من خلال ما عرف بـ "الخيمة العراقية".

تلك الخيمة تبدو في ظاهرها وكأنها إطار جامع لتمايز الشعب العراقي، بينما هي في واقع الأمر اجتماع لتقاسم أشلاء الوطن عرقيا وطائفيا تحت رقابة وتوجيه الغازي المنتصر.

وذلك الغازي يقوم بتوزيع بعض الأسهم من غنيمته على كل طرف يعترف بشرعية الغزو والاحتلال، شريطة أن يتم ذلك التوزيع على أسس من شأنها ترسيخ المحاصة الطائفية والعرقية.

والهدف من ذلك هو أن تكون نظرة كل طرف من هذه الأطراف إلى الوطن شبيهة بنظرة المحتل، فلا يهم أيا منهم سوى حجم الغنيمة التي يمكن أن تحوزها طائفته من أشلاء جسد هذا الوطن المسجى تحت سقف خيمة من تصميم أميركي وأقمشة وحبال عراقية.

كان تصميم الخيمة الطائفية العرقية الديمقراطية هو التمرين الأول على طريق إنشاء برلمان تجرى تحت قبته الديمقراطية الصراعات الطائفية والعرقية دون أن تصل إلى حد العنف، باعتبار أن الوجود العسكري والسياسي الأميركي المستقر الهادئ يشكل صمام الأمان والقوة المسيطرة على كل شيء.

وتبقى هذه القوة يشكو إليها أي طرف من تغول الطرف الآخر وبالتالي تصبح كل الطلبات والشكاوى التي يتوجه بها هؤلاء إلى الطرف الأميركي ليست متعلقة بوحدة الوطن وسيادته، بل تدعوه إلى عدم تقريب أية طائفة أو عرق على حساب الغرماء الآخرين وألا يحيد في العطايا والمحاصة عن القسطاس المستقيم.

لقد أخذ المخطط الأميركي لتفعيل الطائفية والعرقية في العراق شكل متوالية لا ينتج عنها سوى المتناقضات المتوالدة عن بعضها البعض والتي تغذي كل منها الأخرى.

في حالة نجاح هذه التوليفة الجهنمية من المتناقضات، فإنه من شبه المستحيل حصول إجماع حول قضايا وطنية أو قومية حتى بين من يعتبرون أنفسهم أبناء طائفة أو عرق واحد، إذ ليس كل سنة العراق عربا وليس كل العرب فيه شيعة فقط.

"
حالة الوطن الغنيمة يصعب فيها تصور أي شيء مشترك يجمع بين طوائف العراق باستثناء وحدانية المرجعية الأميركية التي خلقت واقع ما بعد الغزو والتزمت بضمان استمراريته والمحافظة عليه
"
وفي هذه الحالة التي أصبح فيها الوطن غنيمة، يصعب تصور وجود أي شيء مشترك يجمع بينهم باستثناء وحدانية المرجعية الأميركية التي خلقت واقع ما بعد الغزو والتزمت بضمان استمراريته والمحافظة عليه.

لعل هذا المخطط الطائفي العرقي كان سيسير سلميا على هذا المنوال وحسب هذه الآليات التي صممها الخبراء الأميركيون، لولا دخول عنصر المقاومة الذي قلب قواعد هذه اللعبة التي كانت تقوم حسب التصور الأميركي على فرضية احتلال مستقر هادئ يستند إلى تغذية الفرقة والتناقض العبثي بين مكونات شعب العراق.

غير أن بروز المقاومة جعل هذه اللعبة تتحول إلى جهنم يحترق فيه الوجود العسكري الأميركي ويصطلي بلهيبها كل من حول العراق.

لقد نتج عن هذا الانقلاب الدرامي في مخطط الاحتلال الأميركي جملة من المحصلات لعل أهمها:

1- أن منح أي طائفة أو عرق بعض المزايا والمطالب حسب قواعد اللعبة الأولى كان سيؤدى إلى تسابق الأطراف الأخرى وتقربها من المانح، وذلك بتقديم بعض التنازلات الضرورية له لكي ينالوا الحظوة التي فاز بها غريمهم وذلك بقصد الحفاظ والدفاع عن مصالح الطائفة في مواجهة تغول هذا الطرف الذي يستغل قربه وحظوته لدى المانح والواهب الأوحد.

أما في ظل قواعد اللعبة التي استقرت بعد اندلاع المقاومة وانفجار العنف الطائفي، فإن مثل هذه المنح أو الحظوة أصبحت تبدو في نظر الأطراف الأخرى بمثابة تحالف مع الغازي المحتل بما يثيره ذلك من أوصاف ونعوت وبكل ما يقتضيه من ردود أفعال ضده تساوي بينه وبين قوات الاحتلال.

2- أدى تغير قواعد لعبة التجزئة الطائفية والعرقية السلمي تحت رعاية أميركية إلى بروز مقاومة فعالة وعنف طائفي غير مسيطر عليه، مما حدا بالسياسة الأميركية إلى تغيير الكيفية التي يمكن بها توظيف الأوراق الطائفية والعرقية لخدمة الإستراتيجية الأميركية في المنطقة.

وبما أنه لم يعد بالإمكان هزيمة المقاومة ولا السيطرة على العنف الطائفي، فالأفضل هو عدم التصدي بجدية إلى هذا العنف بل وبناء الجدران لترسيخ سياسة العزل الطائفي في الأنفس وعلى الأرض لأجل تحقيق عدة أغراض منها:

أولا: اختلاط المقاومة بالعنف الطائفي بحيث تسير عمليات المقاومة ضد المحتل جنبا إلى جنب مع عمليات تصفية الغريم الطائفي كي يبدو المشهد في كليته عبارة عن قتل مجان وعنف عبثي يثير الاشمئزاز ويدعو إلى المطالبة بوقفه بأي ثمن بما في ذلك التعاون مع المحتل، مما يسهل على هذا الأخير أن يصبغ صفة الإرهاب على المقاومة.

"
الوضع الأميركي في العراق غاية في السوء وسط معمعة العنف مما يبرر منطقيا ألا يغض بصره عن ارتفاع وتيرة العنف الطائفي ولكنه قد يكون أقل سوءا إذا ما قورن بفرضية عراق خال من العنف الطائفي فيه مقاومة ليس لها من أعداء سوى قوات الاحتلال
"
ثانيا: انتقال فيروس العنف الطائفي إلى فصائل المقاومة وكل القوى المعادية للاحتلال، إذ ليست هناك وسيلة لأضعاف المقاومة والقضاء عليها أفضل من دفعها إلى أتون الاحتراب الطائفي، لأن ذلك قد يدفع بعضها إلى قبول فكرة التفاوض مع المحتل مقابل تسوية مبهمة الشروط من أجل التفرغ لمحاربة هذا الفصيل المتطرف طائفيا أو ذاك الدخيل على الساحة العراقية حسب المنطق القـُطري.

وهذا يعنى القبول بالاحتلال المؤقت على أمل الجلاء التدريجي الذي لن يكون نهاية المطاف تاما، بل سيبقي في شكل قواعد عسكرية ونفوذ سياسي واقتصادي يدير الأمور من وراء ستار السيادة المزيفة التي سبق وأن منحها بريمر للعراق في احتفال أممي مهيب.

ثالثا: ارتفاع وتيرة العنف الطائفي ووصوله إلى حافة الحرب الأهلية يجعل وجود الاحتلال هو الحل العقلاني الممكن لتجنب تفتيت الوطن وانتشار الفوضى إلى البلدان المجاورة, مما يدفع معظم الجيران إلى التعاون بجدية مع المحتل لتأمين وضع يسمح بالاستمرار فيما يسميه مساعدة العراقيين على بناء مؤسساتهم الأمنية والسياسية للخروج من حالة خطر الحرب الأهلية التي لا تبقي ولا تذر.

ربعا: ستجد الأنظمة السياسية العربية –بعد أن انطفأت شعلة التبشير الديمقراطي الأميركي- من الأفضل لها التعاون مع المحتل الأميركي الذي سبق لها أن تحالفت معه عندما كان غازيا، من أجل تنفيذ المخطط المتعلق بتهدئة الأوضاع بعد أن وصل التناحر الطائفي إلى حد لم يعد يتحمله أي أحد من أطراف الصراع بما في ذلك المقاومة.

ولعل أولى الخطوات التي قامت بها هذه الأنظمة هي دعم التناحر الذي بدأ بين فصائل المقاومة انطلاقا من اعتبارات طائفية وقـُطرية.

ولا شك أن أول من يتم أستهدفه هو تنظيم القاعدة الذي تعاديه كل الأنظمة العربية ولاسيما القريبة منها والمؤثرة في الوضع العراقي.

قد يبدو الوضع الأميركي في العراق غاية في السوء وسط معمعة العنف مما يبرر منطقيا ألا يغض بصره عن ارتفاع وتيرة العنف الطائفي، ولكن هذا الوضع قد يكون أقل سوءا بكثير إذا ما قورن بفرضية عراق خال من العنف الطائفي فيه مقاومة ليس لها من أعداء سوى قوات الاحتلال.
__________________
كاتب ليبي

المصدر: الجزيرة
طباعة الصفحة إرسال المقال
 
تعليقات القراء
احمد
تحليل جيد
المرحلة الجديدة من تكتيكات المحتل هي ضرب المقاومة ببعضها البعض مع مفاوضات تدور في الغرف المظلمة تحقق بعض المكاسب كمراجعة الدستور واجتثاث البعث الخ وتتجاهل الاحتلال. وتبدو هنا مظاهر نجاح للمحتل حيث ان الانقسام يؤسس لنجاح التكتيك بعد ان ادرك السياسيون والعسكريون الغزاة استحالة كسب المعركة مالم يتم شق صف الاجماع السني الذي اثبت بفضل احتضانه للمقاومة انه رقم مهم في المعادلة ولكن اهميته ستزول بزوال فاعليته. والدليل ان الحلفاء الشيعة والكرد على اكثريتهم اضحوا غير مهمين بسبب المقاومة فما بالك بالسنة.
انس
المغرب الدمقراطي و الحر
الاولايات المتحدة يكرهها اي عربي و اي مسلم يجوب هذا العالم واذا لم يكرهه علننا فهو يكرهها سرا
faouzi
moslim
ان المحتل عندما يدخل الى بلد يفكر اولا بتقسيم الدولة الى دويلات .و الغاية هي الهدف...
العواضي
اليمن
كل هذا الذي يجري في العراق انما هو من صنيعة الاحتلال وبسبب فشل الاحتلال بصيطرة على الوضع والاعتراف بهزيمة استخدم لعبة الطائفية ودست لها نفوذ
علاء
iraq
ان كل مايجري الان هوصنيعه الاحتلال الصليبي الفارسي في وقت واحد ونتيجه تعاون الحكومات العربيه العميله للاحتلال لقد اخزتنا هذه الحكومات الفاسده بمواقفها المخجله والمخزيه الى حدا سواء ولا استثني اي من هذه الحكومات المرتزقه واني لأرى من قناه الجزيره المنبر الوحيد للأنسان العربي المتحرر من براثم الاحتلال وجزاكم الله عنا خير جزاء
ابراهيم فاضل
المعادلة الصعبة
مهما اصبح المد الطائفي كبيرا ودعمه غير محدود ومعلن فان للمقاومة قانونها الذي يفرض شروطه على القاصي والداني ومن يراهن من الامريكان والصهاينة والخونه على الطائفية المقيته فانه لايعلم ان المعادلة الوطنية الشريفه بكل اجزائها وخلايطها تفرض صناعة القرار على ارض الواقع وستنهك هذه المقاومه اشلاء ما تبقى من يراهن على الطائفية المقبوره بعد ان وعى الشعب العراقي الى حجم الموءامرة التي تحاك ضده .
حيدر
مقاومة؟؟؟؟
قتل ابرياء, تهجير, تفجير اسواق, تفجير موظفين في الحافلات,استهداف مصلين, استهداف زوار العتبات المقدسة, تفجير العتبات المقدسة, قتل طلاب المدارس والجامعات وقتل الدرسين واصحاب الشهادات, قتل من لايحمل نفس الفكر ومن لايبايع المقاومة... هذه مقاومة؟؟؟. اقول للسذج الفرحين بمقتل 3300 جندي محتل, القتلة لايحرجون المحتل بقتل جنوده (قتل 52000 في فيتنام) ولكن يحاولون تشويه صورته بقتل الناس البسطاء وكل من يخالفهم الرأي بتخوينه وتكفيره واباحة دمه ويبرزون المحتل بأنه لايسيطر على الوضع والدليل قتل 600000 عراقي.
القوة العظمى ونحن
أربع سنوات على حرب غيرت العالم
مؤتمر دولي حول مشكلة النموذج العراقي.. وماذا بعد؟
معركة بغداد بدأت من شارع حيفا
في المسألة الطائفية.. عود على بدء
وفد حماس يتوجه للقاهرة والزهار يتعهد باتفاق دون تنازلات
مقتل جندي أميركي بالموصل وإصابة خمسة عراقيين في بغداد
الأزمة المالية تهيمن على مناظرة أوباما وماكين الثانية
أزمة المال تقضم ترليوني دولار من مدخرات التقاعد الأميركية
الاتحاد الأوروبي يدعم البنوك الكبيرة ويرفع ضمانات الودائع

تحليلات|التقرير العربي السنوي|كتب|أحداث و مناسبات|وجهات نظر|أزمات وحروب|أحداث العام|تغطيات 2008|ملفات خاصة 2008

جميع حقوق النشر محفوظة2000-2008م(انظر اتفاقية استخدام الموقع)