إن الوصول إلى إجابة دقيقة على السؤال الذي يقول إلى أين يسير العراق؟ يحتاج إلى دراسة ثلاثة عوامل, هي:
-
التعرف على حقيقة ما يجري في العراق, وهل هو عملية بناء, أم أن العراق ساحة حرب, ومن هي الأطراف الرئيسية في هذه الحرب؟
-
ما هي الأخطار الحقيقية التي تهدد مستقبل العراق والعراقيين؟
-
ما هي القراءات المستقبلية لعراق ما بعد السنوات الخمس من الاحتلال؟
تمفصلات سنوات الاحتلال
حقيقة ما يجري في العراق
الأخطار التي تهدد العراق
القراءة المستقبلية
تمفصلات سنوات الاحتلال
" إن من يدقق في الاستعجال الأميركي في الفعاليات السياسية المتسارعة والمهرولة, يتأكد من أن ثمة هدفا واضحا وراء ذلك الاستعجال وهو القضاء على المقاومة " |
في البداية لابد من تفكيك سريع للمفاصل الأساسية للسنوات الخمس, التي ابتدأت في ربيع عام 2003, بعد أن تمكنت القوات الأميركية من بسط سيطرتها على العاصمة العراقية في التاسع من أبريل/نيسان من ذلك العام, وحققت أولى إنجازاتها العسكرية والسياسية بإسقاط التمثال الشهير للرئيس الراحل صدام حسين أمام أكبر حشد من وسائل الإعلام العربية والعالمية في ساحة الفردوس (ساحة الجندي المجهول سابقا) بجانب الكرخ من العاصمة بغداد, وصولا إلى ربيع عام 2008, حيث جرت في هذه المناسبة أوسع العمليات العسكرية.
تلك العمليات التي تنفذها الأجهزة الأمنية العراقية ضد محافظات ومدن عراقية مترامية الأطراف, تساندها القوات الأميركية والبريطانية, لتمتد هذه الهجمات من مدينة البصرة إلى محافظة ديالى مرورا بالعمارة والديوانية والسماوة وكربلاء والنجف والكوت وبغداد.
وبين هذين الربيعين شهدت مختلف مناطق العراق أياما ساخنة, تمثلت بآلاف الهجمات التي شنتها قوات الاحتلال الأميركي, وقتلت واعتقلت خلالها عشرات الآلاف من العراقيين الذين تتهمهم بانضمامهم إلى فصائل وجيوش المقاومة في العراق, وامتلأت السجون الأميركية والعراقية بالمعتقلين من النساء والرجال والأطفال, حيث يتعرض المعتقلون إلى أبشع أنواع التعذيب.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد, بل انتشرت ظاهرة الجثث المجهولة الهوية, التي ترمى في مكبات الأنقاض والطرقات أثناء ساعات حظر التجوال, حيث تتواجد الأجهزة الأمنية الحكومية.
أما الخدمات فقد انهارت ووصلت إلى أدنى مستوياتها, بل إن الكثير من الاحتياجات الرئيسية اختفت من حياة العراقيين كالكهرباء والماء الصافي والأدوية والخدمات الصحية.
وفي المفاصل الرئيسية العراقية الأخرى احتل العراق خلال السنوات الخمس المرتبة الأولى في الفساد الإداري والمالي والرشوة, وصنفته منظمة الشفافية الدولية في هذه الدرجة المتقدمة من بين 169 دولة, ويختصر هذا التصنيف صورة الزلزال الذي تشهده وزارات ومؤسسات الدولة العراقية, وما ينجم عن ذلك من تخريب شامل لبنية الدولة ومؤسساتها.
ومن المفاصل الأخرى ما وصلت إليه أعداد المهجرين في الداخل والخارج التي تجاوزت خمسة ملايين عراقي, ويوجد نحو هذا العدد من الأرامل واليتامى بالبلاد, كما وصلت البطالة عن العمل إلى سبعين بالمائة بين العراقيين.
أما كيف وصلت الأوضاع بالعراق إلى هذه الدرجة من السوء والخطورة, وإلى أين يسير هذا البلد, فلابد من دراسة العوامل الثلاثة التي ذكرناها بشيء من التفصيل والموضوعية.
حقيقة ما يجري في العراق
" تكبيد القوات الأميركية خسائر مادية وصلت إلى أكثر من خمسمائة مليار دولار جعل الحديث عن الانسحاب من العراق مادة رئيسية لخطاب المرشحين للرئاسة الأميركية
" |
إن أي تفسير لما يجري في العراق خلال السنوات الخمس الماضية يحتاج توصيفا صحيحا ودقيقا له، وهو أن ما يجري هناك حرب طاحنة طرفاها قوات الاحتلال الأميركي ومن يساندها من دول الاحتلال الأخرى, وفصائل وكتائب وجيوش المقاومة في العراق, وكل ما فعلته الإدارة الأميركية منذ البداية كان يهدف إلى القضاء على المقاومة والتفرد بالسلطة والحكم لمن تأتي بهم إدارة الاحتلال, لتتم صياغة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية وفقا للرؤية والمنهج الذي وضعه مهندسو الاحتلال الأميركي للعراق.
ومن هذا المنطلق جاء تأسيس مجلس الحكم في عهد السفير بول بريمر منتصف يوليو/تموز 2003, ثم انتقلوا إلى الحديث عن ما أسموه تسليم السيادة للعراقيين, وجاؤوا بحكومة الدكتور إياد علاوي في 28 يونيو/حزيران 2004, ثم سارعوا إلى إجراء انتخابات شكلية أولى في 31 يناير/كانون الثاني 2005, وبعد ذلك عملوا المستحيل للتصويت على الدستور في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2005، وبعد شهرين أجروا الانتخابات الثانية في 15 ديسمبر/كانون الأول 2005, فجاءت بحكومة المالكي.
ومن يدقق في هذا الاستعجال الأميركي في الفعاليات السياسية المتسارعة والمهرولة, يتأكد من أن ثمة هدفا واضحا يقف وراء ذلك الاستعجال, وهو المحاولات الكثيفة للقضاء على المقاومة أو تقليل نشاطها، والحد من الفعل العسكري المتصاعد الذي يستهدف قوات الاحتلال الأميركي.
إلا أن الذي حصل هو أن الأوضاع الأمنية لقوات الاحتلال ازدادت تدهورا, وخسائرها ارتفعت وانهارت الروح المعنوية لجنودها وضباطها, في حين أثبتت المقاومة في العراق أنها تحقق المزيد من التطور على صعد التدريب وتطوير الأسلحة والجهد الاستخباري والاهتمام بالإنتاج والتسويق الإعلامي لعملياتها العسكرية ضد قوات الاحتلال, إضافة إلى ازدياد أعداد المقاتلين وانتشارهم في الكثير من المدن والقرى.
إن الحصيلة النهائية لحرب السنوات الخمس هي إلحاق المزيد من الخسائر بالقوات الأميركية, وتكبيدها خسائر مادية وصلت إلى أكثر من خمسمائة مليار دولار, مما جعل الحديث عن الانسحاب من العراق المادة الرئيسية لخطاب المرشحين للرئاسة الأميركية, ويمكن القول إن المقاومة في العراق تحقق الكثير من المكاسب في ميدان الحرب, في حين تنهزم قوات الاحتلال أمامها.
الأخطار التي تهدد العراق
إن العراق والعراقيين تهددهم ثلاثة أخطار رئيسية, هي قوات الاحتلال، والعملية السياسية، وثالثها الأجهزة الأمنية.
فإذا عرفنا أن قوات الاحتلال هي الخطر الأكثر وضوحا, وأن فصائل المقاومة تكفلت بقتالها وإفشال مخططاتها, فإن العملية السياسية تحمل الكثير من الأخطار, التي تهدد مستقبل هذا البلد ووحدته الاجتماعية, ومن أهم هذه الأخطار الأسس الطائفية والعرقية المقيتة, التي تشكلت عليها هذه العملية وما تضمنه الدستور من ألغام معدة للانفجار على المجتمع العراقي, بهدف إحداث الفتنة والاقتتال الداخلي.
وأفضل من اختصر العملية السياسية ودستورها هو الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى, عندما قال إن الدستور العراقي "وصفة للفوضى". ويعرف الجميع كيف جرت محاولات إثارة الفتنة, ودفع العراقيين للاحتراب الداخلي, وذلك بالتزامن مع بدء المرحلة الثانية من العملية السياسية, وبالتحديد بعد انتخابات 15 ديسمبر/كانون الأول 2005 حيث اشتعلت الفتنة الطائفية في العراق بعد ذلك بعدة أشهر وتحديدا في ربيع عام 2006 وعام 2007.
أما الأجهزة الأمنية فتأتي خطورتها من الأسس الطائفية والعرقية التي تأسست عليها, ولأنها ترتبط أولا وأخيرا بإدارة الاحتلال وتشرف على تدريبها وتثقيفها هذه القوات, فإن مهمة هذه الأجهزة تنحصر في توفير الحماية لقوات الاحتلال, ومطاردة العراقيين, ولا علاقة لها بتأمين الحماية للمواطنين. وما أحداث البصرة والمدن الأخرى إلا الدليل القاطع على خطورة هذه الأجهزة على العراقيين ومستقبلهم. 