فالخطاب واضح وحاسم ويحمل قدرا لا يستهان به من الإهانة لكل من يعنيه الأمر، ولا تفسير غير هذا التفسير لمن يقرؤه قراءة موضوعية بعيدا عن الابتزاز الصهيوني والعجز المذل حياله.
يجب أن يلاحظ بداية أن هذا الانقلاب في الموقف الإسرائيلي الذي أعقب خطوة شارون -التي تحمل رائحة الهزيمة- ما كان ليصل إلى ما وصل إليه شارون وموفاز قولا وعملا لولا بيان اللجنة الرباعية الذي تهافت في مديح خطوة شارون وقال إنها تستحق المقابل.
ومثل هذا الموقف سبقت إليه إدارة بوش، وبوش شخصيا، وكذلك الأمين العام كوفي أنان (وهو تحت ابتزاز فضيحة ابنه كوجي في قضية النفط مقابل الغذاء)، فقد غمر شارون بالمديح على نطاق لم يسبق له مثيل ولا تسل عن الذين كافؤوه بخطوات تطبيعية. ومن هنا يمكن تفسير كل ذلك الصمت المريب من جهة وهذا الانقلاب في الموقف الإسرائيلي من جهة أخرى.
وبكلمة فإن التصعيد الذي يشهده قطاع غزة والضفة الغربية في هذه الأيام يتحمل مسؤولية ما فيه كل من قرأ عن قصد أو بلا قصد، عن وعي أو بلا وعي، خطة شارون وخطوته العملية قراءة خاطئة لم تحمل غير المديح والإطراء ومن ثم تغطية سياساته الراهنة بالضرورة.
" إذا أرادت السلطة الفلسطينية المستجيرة بمصر أن تواجه الحقيقة فعليها أن تترك الآمال الخلب بتدخل أميركي أو أوروبي أو روسي بما يتعدى خطوط قواعد اللعبة وطبيعة الواقع الجديد كما حددهما شارون على لسان موفاز " |
إن اللجنة الرباعية، على التحديد، يجب أن تتحمل مسؤوليتها في تشجيع القيادة الإسرائيلية وهي تصعد اغتيالا واعتقالا وقصفا بالمدافع والطيران، لأن هذه هي النتيجة المنطقية لمديح خطوة شارون وجيشه وأجهزة أمنه، ولتأييد سياسته في تفكيك الفصائل الفلسطينية تحت تهمة وصمها بالإرهاب.
وقد اعتبرت تهمة الإرهاب مسوغا للاغتيالات بلا محاكمة وللاعتقالات بلا بينة مثلما كانت تشترط الدساتير والقوانين والمحاكم الغربية.
لكن أين مسؤولية السلطة الفلسطينية وأين مسؤولية مصر وأين المسؤولية العربية والإسلامية في مواجهة هذه الإستراتيجية التي عبر عنها موفاز أي فرض "قواعد اللعبة وطبيعة الواقع الجديد" من جانب إسرائيل وحدها؟
وقد جاء ذلك رداً على إعلان لجنة المتابعة التي تمثل كل الفصائل الفلسطينية، وباتفاق مع السلطة، الالتزام بالتهدئة وعدم إطلاق الصواريخ من قطاع غزة .
أما قواعد اللعبة فواضحة المعنى في الاغتيالات والاعتقالات والقصف وهدم ما سيختار من منازل وأحياء وليس على الآخرين غير الرضوخ لهذا الأمر.
أما "طبيعة الواقع الجديد" فضلا عن تلك القواعد، فهي الرضوخ لحكم الجدار وضم القدس وحل القضية على أساس الواقع القائم حاليا.
هذا يعني باختصار إسقاط كل شيء حتى "خريطة الطريق" وإنهاء الإستراتيجية التي تتبناها السلطة الفلسطينية ومن ورائها مصر في اتخاذ المفاوضات سبيلا وحيدا لتحقيق الأهداف المعلنة في حدودها الدنيا.
فشارون قرر قواعد اللعبة إزاء الشعب الفلسطيني: إخماد أنفاسه. وحدد الواقع الذي يجب التسليم به من الجميع. فما العمل؟
" الشعب الفلسطيني وقواه الحية من فصائل ونخب ومجتمع أهلي مازال يمتلك القدرة والاستعداد لقلب الطاولة بالتضحيات والصمود غير المحدودين مهما كان اختلال ميزان القوى العسكرية في الميدان " |
من ارتبطوا بخريطة الطريق التي أصبحت "خريطة شارون"، ولا يملكون من جواب غير مناشدة أميركا أن تفعل شيئا، ومن بعدها الرباعية والأمانة العامة لهيئة الأمم المتحدة، سيجربون المجرب، ويذهبون إلى تلك المناشدة لكنهم سيسمعون جوابا يدور في فلك ما طرحه موفاز ومن ورائه شارون أي أن يقوموا بعملية تفكيك الفصائل أي تحقيق ما تستهدفه الاغتيالات والاعتقالات والقصف.
وهو ما ستنجم عنه نتائج على الشعب الفلسطيني أسوأ بكثير من نتائج الاغتيالات والاعتقالات والقصف التي فشلت في تحقيق أهدافها من قبل ولا سبب لأن تنجح الآن.
وسيسمعون أن عليهم الدخول في مفاوضات، بعد إنجاز التفكيك المطلوب أي التمزيق الداخلي الفلسطيني، من أجل التوصل لتسوية مرهونة بموافقة شارون، وبلا ضغوط خارجية. أي التسوية التي تعكس "طبيعة الواقع الجديد" الذي يشير إليه شارون-موفاز.
وعندئذ تقوم"دولة" فلسطينية فوق سجون منفصلة: قطاع غزة ونابلس ورام الله وجزء من الخليل وجنين وقرى بلا أراض زراعية والأهم بلا قدس وبلا مسجد أقصى كذلك. ثم لا حديث عن "عودة اللاجئين" إلا في حدود التعويض والتوطين (وأغلبه سيكون على الحساب العربي ومنه).
وباختصار إذا أرادت السلطة الفلسطينيةالمستجيرة بمصر أن تواجه الحقيقة فعليها أن تترك الآمال الخلب بتدخل أميركي أو أوروبي أو روسي بما يتعدى خطوط "قواعد اللعبة" و"طبيعة الواقع الجديد" كما حددهما شارون على لسان موفاز، ومن ثم إعلان أن إستراتيجية المفاوضات والاعتماد على الرباعية دخلا في طريق مسدود بل أكثر انسدادا منه في أي يوم مضى.
هذه النتيجة يجب أن تؤدي إلى تشكيل إجماع فلسطيني جديد يضم كل الفصائل بما في ذلك السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس للدخول في إستراتيجية ممانعة متعددة الوسائل وفي مقدمتها انتفاضة سلمية لإسقاط ما يراد فرضه من "قواعد اللعبة" ومن طبيعة للواقع الجديد.
فالشعب وقواه الحية من فصائل ونخب ومجتمع أهلي مازال يمتلك القدرة والاستعداد لقلب الطاولة بالتضحيات والصمود غير المحدودين مهما كان اختلال ميزان القوى العسكرية في الميدان.
" الموقف الإسرائيلي ومن يدعمه في منتهى الظلم والإهانة فلسطينيا وعربيا وإسلاميا ورأيا عاما عالميا، ومن ثم فهو قابل لأن يزعزع ويهزم أمام عدالة الموقف " |
فالجميع الآن أمام أحد خيارين إما الاستسلام لشارون بلا قيد أو شرط أو العودة إلى الانتفاضة والممانعة والمقاومة والصمود.
أما الإستراتيجية والأساليب فيقررهما الإجماع الوطني بعد أن يصل الجميع وفي المقدمة محمود عباس إلى قناعة مفادها ضرورة "خيار الممانعة الجماعي"، وهو ما سيجر معه أغلب المواقف العربية الرسمية وكل الرأي العام العربي والإسلامي وحتى أغلبية من الرأي العام الغربي.
الموقف الإسرائيلي ومن يدعمه في منتهى الظلم والإهانة فلسطينيا وعربيا واسلاميا ورأيا عاما عالميا، ومن ثم فهو قابل لأن يزعزع ويهزم أمام عدالة الموقف في مواجهته، فضلا عن مواءمة الوضع الدولي من بعض أوجهه الممانعة.
فالرأي العام الدولي يلحظ أن الأزمة مازالت ممسكة بخناق الدولة العبرية نتيجة خمس سنوات من الانتفاضة والمقاومة والصمود الشعبي، مما اضطره إلى طرح خطة فك الارتباط من جانب واحد وعمق الأزمة الليكودية.
ثم إن هنالك أزمات تعصف بإدارة بوش داخليا وعالميا وعراقيا وأفغانيا، كالخسائر السياسية والمعنوية اللاحقة بأوروبا وهي تحاول تغطية السياسات الأميركية إلى جانب التناقضات في ما بين الدول الكبرى.
وكل ذلك يتيح للفلسطينيين أن يقاوموا إستراتيجية شارون-موفاز وبدرجة مقدرة من النجاح، وفي المقابل فإن النتائج الكارثية المدمرة غير خافية في حالة الاستسلام لتلك الإستراتيجية.
____________________