ويعبر الكتاب عن الجدل الدائر في أميركا حول الإستراتيجيات القادمة والتعامل مع المرحلة الجديدة بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي وسيادة تقنية المعلومات والاتصالات.
ينبغي أن تقرأ هذه السياسات والأفكار التي يقترحها كيسنجر مرتين، إحداهما في ضوء افتراض أن أحداث سبتمبر/ أيلول لم تقع.
والثانية مع تداعيات الأحداث وتفاعلاتها، وربما سيجد القارئ وكأن هذه الأفكار هي برنامج اقترحه كيسنجر بعد الأحداث أو أنها مراجعة للسياسات الأميركية والمواقف التي أدت إلى الأحداث.
الإمبراطورية العظمى
تتمتع الولايات المتحدة في فجر الألفية الجديدة بتفوق لم تصل إليه أعظم الإمبراطوريات في فجر التاريخ، فهي تمارس سيطرة لا نظير لها في كل أنحاء العالم، فقد توسطت في النزاعات في بقع الاضطراب الرئيسية إلى الحد الذي جعلها جزءا لا يتجزأ من عملية السلام في الشرق الأوسط. وتنتشر القوات الأميركية حول العالم من سهول أوروبا الشمالية إلى خطوط المواجهة في شرق آسيا، وتكاد تتحول هذه المحطات للتدخل الأميركي باسم حفظ السلام إلى التزامات عسكرية دائمة. وتعتبر الولايات المتحدة نفسها مصدر المؤسسات الديمقراطية في العالم والضامن لها، وتسيطر على النظام المالي العالمي بتوفير أكبر مجمع لرأس المال الاستثماري، والملاذ الأكثر جاذبية للمستثمرين، وأوسع سوق للصادرات الأجنبية. وتحدد الثقافة الشعبية الأميركية معايير للذوق في كل أنحاء العالم.
وفي المقابل فإن اهتمام الأميركيين بالسياسة الخارجية متدن، ومن ثم فإن الحكمة تدفع السياسيين الطامحين إلى تجنب الخوض في نقاشات حول السياسة الخارجية، وبدا الأمر في التسعينيات كما لو أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى سياسة خارجية البتة، وأن بوسعها الاقتصار على الاستجابة للتحديات عندما تنشأ.
لقد ولدت نهاية الحرب الباردة شعورا بالزهو والازدهار وشعورا بالقدر الأميركي يعبر عن نفسه في أسطورة مزدوجة، فعلى اليسار يرى كثيرون أن الولايات المتحدة بمثابة الحكم الأساسي على التطورات المحلية في كل أنحاء العالم، وهم يتصرفون كما لو كانت أميركا لديها الحل الديمقراطي الملائم لكل مجتمع آخر، وعلى اليمين يتوهم البعض أن انهيار الاتحاد السوفياتي تحقق بسبب الحزم الأميركي ويرون الحل لأمراض العالم في الهيمنة الأميركية وفرض الحلول الأميركية على البقع المضطربة في العالم.
” العمل الصائب في النهاية هو الذي يستمد من إستراتيجية المحافظة على البقاء والاستمرار بغض النظر عن ضآلة الإجماع الدولي ” |
ولكن السبب الأعمق للصعوبة التي واجهتها أميركا في تسعينيات القرن العشرين في تطوير إستراتيجية متماسكة للعالم تحظى فيها بدور مركزي جدا هو وجود ثلاثة أجيال مختلفة ذات ثلاث مقاربات مختلفة للسياسة الخارجية تتنازع في ما بينها بشأن الدور الأميركي، وهذه القوى المتنازعة هي المحاربون القدامى في الحرب الباردة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين الذين يسعون لتكييف خبراتهم في ظروف الألفية الجديدة، وأنصار حركة الاحتجاج على فيتنام الذين يسعون لتطبيق دروسها على نظام العالم الجديد الناشئ، وجيل شكلته تجارب (المعلوماتية والعولمة) تجعل من الصعب عليه استيعاب مفاهيم جيل الحرب الباردة أو مفاهيم المحتجين على فيتنام.
إن الإجابة الصحيحة على الاحتياجات والتساؤلات القادمة ليست مستمدة من تجربة ورؤية أي من الأجيال الثلاثة وحده دون سواه، فالعمل الصائب في النهاية هو الذي يستمد من إستراتيجية المحافظة على البقاء والاستمرار بغض النظر عن ضآلة الإجماع الدولي، والأخطاء التي يجب تقويمها؟ وما الأهداف التي يجب تحقيقها؟ وما التي تتجاوز قدراتنا؟. 
أميركا وأوروبا.. عالم الديمقراطيات
” يمثل الخليج حالة معقدة لأميركا يصعب حلها من دون تحسين العلاقات مع إيران أو العراق وربما يكون المخرج في زيادة دور تركيا وتقوية العلاقات معها ومنح الهند دورا وأهمية في المنطقة ” |
ظلت الشراكة الأطلسية بالنسبة للولايات المتحدة الدعامة الأساسية للنظام الدولي، وطورت دول شمال الأطلسي شبكة استشارات وعلاقات للتأكيد على مصير سياسي مشترك وتحقيقه، وقد حدثت في السنوات الأخيرة خلافات اقتصادية بين أميركا وحلفائها الأوروبيين حول استيراد اللحم والموز، والضريبة الأميركية على السلع المصدرة إليها، وسياسة الطاقة، ومنظمة التجارة العالمية، وبدأت العلاقات الأطلسية تنحرف عن مسارها الذي التزمته عقودا طويلة، وكان من أسباب ذلك تغيرات أساسية، هي تفكك الاتحاد السوفياتي والوحدة الألمانية والاتجاه المتنامي للتعامل مع السياسة الخارجية كأداة للسياسة المحلية ونشأة الهوية الأوروبية.
ويتوقع تنامي الاتجاه الألماني للتقارب مع روسيا ولعب دور أكثر فاعلية في أوروبا وفي السياسة العالمية، وقد تجذب ألمانيا معها أوروبا نحو التقارب مع روسيا التي تستعيد حضورها. ويعتبر ظهور أوروبا موحدة من أهم الأحداث في عصرنا، وقد سعت أوروبا إلى التكامل لمواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وكانت فرنسا ترى فيها وسيلة لمواجهة ألمانيا، وتراها ألمانيا تعويضا عاطفيا عن الوحدة القومية، وأما بريطانيا فكانت تراها تهديدا لاستقلالها، ثم تطورت أسباب ودوافع التكامل الأوروبي بعد الوحدة الألمانية عام 1990. وتستعد أوروبا لإنشاء قوة عسكرية موحدة يصل عدد أفرادها عام 2003 إلى مائة ألف جندي، وأربعمائة طائرة مقاتلة.
وهناك على الأقل ثلاث قضايا تواجه أوروبا وسوف تحدد نتائجها مستقبل جميع الدول المحيطة بالأطلسي، هي التحدي السكاني حيث تتجه أعداد السكان الأوروبيين إلى التناقص، والتحدي الاقتصادي، ومستقبل روسيا وتطورها الداخلي وعلاقتها بالنظام الدولي، ومستقبل حوض البحر المتوسط.
نصف الكرة الغربي (القارة الأميركية)
” هناك على الأقل ثلاث قضايا تواجه أوروبا وسوف تحدد نتائجها مستقبل جميع الدول المحيطة بالأطلسي، هي التحدي السكاني والتحدي الاقتصادي، ومستقبل روسيا وتطورها الداخلي وعلاقتها بالنظام الدولي، ومستقبل حوض البحر المتوسط ” |
بذل الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون جهودا لدمج القارة الأميركية في منظومة تجارية خاصة (اتفاقية النافتا) وقد تجاوز حجم التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك حجم التجارة مع اليابان وسائر الدول الأوروبية، فيذهب أكثر من 70% من الصادرات المكسيكية إلى أسواق الولايات المتحدة، وكان متوقعا أن تمتد فكرة النافتا لتشمل القارة الأميركية كلها، ولكن إدارة كلينتون نكصت عن نظرتها بعيدة المدى فتجاهلت وعودها لتشيلي والأرجنتين، وتراجعت عن قناعاتها لأنها وجدت الحزبين السياسيين الأميركيين منقسمين إلى مجموعات ترفض ارتباطا مؤسسيا ببقية دول العالم، وأخرى تسعى إلى فرض معايير الولايات المتحدة من جانب واحد.
تنافس أوروبي أميركي
وفي الوقت نفسه تسعى أوروبا إلى إقامة علاقات واسعة مع دول القارة الأميركية لتخفيف أثر الولايات المتحدة في أوروبا، أو كما قال رئيس المجلس الأوروبي في ديسمبر/ كانون الأول 2000 وكان حينها وزير الخارجية البرتغالي أنتونيو غاتيريس، "إن تقوية الروابط مع المرسكور ذات أهمية إستراتيجية يجب أن تقدم على سائر الاعتبارات الأخرى من أجل بناء نظام جديد متعدد الأقطاب يمكنه الحد من النزعة الأميركية الفطرية للسيطرة.
إن القارة الأميركية تمثل صورة مصغرة للتحديات التي تواجه الولايات المتحدة، فهي توضح فرص اقتصاد عالمي مرتكز على قوى السوق ويبرر الحاجة إلى ردم الهوة بين الهياكل الاقتصادية والسياسية للعولمة.
وقد برزت تهديدات جديدة لأمن واستقرار المجتمعات سببها صناعة المخدرات والإرهاب والحركات التي تنتج حرب العصابات، ولكن توجد أيضا آمال لتحقيق هيكلة إقليمية تضم نصف الكرة الغربي بأكمله، والأمر يعتمد على ما إذا كان في مقدور الولايات المتحدة توفير متطلبات تلك الفرصة لقادة الدول. 
آسيا: عالم التوازن
” ظلت كوريا نقطة بؤرية للأزمات الآسيوية لمدة مائة سنة على الأقل، وترى الولايات المتحدة أن التحالف مع كوريا الجنوبية هو مفتاح الاستقرار لشبه الجزيرة وتحتاج إلى البقاء على اتصال بجميع الفرقاء المعنيين وقد تنهار كوريا الشمالية كما حدث لألمانيا الشرقية وتقوم وحدة كورية ” |
لم تعترف دول آسيا بخطر مشترك يهددها جميعا كما شعرت أوروبا، فدول آسيا لها وجهات نظر مختلفة حول ما يهدد أمنها، بعضها يمتلكه خوف تاريخي من روسيا، وبعضها قلق من الصين، وبعضها ما يزال يخشى انبعاث اليابان من جديد، كما أن كلا من الهند وباكستان يتملكه الخوف من الطرف الآخر (الشرق الأوسط وإن كان معظمه في آسيا فالحديث عنه يقع في فصل مستقل ويشمل بالطبع تركيا وإيران) وتزيد نفقات دول آسيا العسكرية على أوروبا وتصل إلى ثلثي نفقات الولايات المتحدة.
وظلت كوريا نقطة بؤرية للأزمات الآسيوية لمدة مائة سنة على الأقل، وترى الولايات المتحدة أن التحالف مع كوريا الجنوبية هو مفتاح الاستقرار لشبه الجزيرة الكورية، وتحتاج إلى البقاء على اتصال بجميع الفرقاء المعنيين بالمسألة الكورية كاليابان والصين وروسيا، وقد تنهار كوريا الشمالية كما حدث لألمانيا الشرقية وتقوم وحدة كورية، لكنها ستواجه مصاعب جمة أكبر بكثير من تلك التي واجهتها ألمانيا قرابة عقد من الزمان.
الصين عدو لا مفر منه
وتبدو الصين في بعض وجهات النظر الأميركية عدوا لا مفر منه، وهي تخالف وجهة نظر أخرى تدعو إلى شراكة إستراتيجية مع الصين، ويدعو الموقف العدائي إلى احتواء الصين ودعم تايوان كدولة مستقلة ومركز عسكري متقدم في مواجهتها، ولكن إدارة كلينتون تجنبت المواجهة مع الصين ومشاركتها أيضا. 
الهند اتفاق واختلاف
” تتفق السياستان الأميركية والهندية على مكافحة الأصولية الإسلامية في القوس الممتد من سنغافورة إلى عدن وهذه الأصولية تقلق الهند أكثر من العراق وإيران ” |
وأما العلاقات الأميركية الهندية فقد واجهت فجوة ثقافية برغم أن الهند دولة ديمقراطية، وتعمل وفق نظام حر أكثر من أي بلد آخر استقل بعد الحرب العالمية الثانية، والطبقة الحاكمة تتحدث الإنجليزية بطلاقة، والخدمة المدنية فيها متأثرة بمدرسة لندن الاقتصادية، ومعظم قادتها درسوا في الجامعات الغربية، ولكن الأميركيين لم يفهموا طريقة الهند في ممارسة السياسة الخارجية. تتفق السياستان الأميركية والهندية على مكافحة الأصولية الإسلامية في القوس الممتد من سنغافورة إلى عدن، وهذه الأصولية تقلق الهند أكثر من العراق وإيران.
ينبغي أن تتركز اهتمامات الولايات المتحدة على الاحتفاظ بعلاقات تعاونية مع جميع بلدان آسيا وتجنب افتراض عدائية متأصلة تاريخيا ما لم يظهر دليل واضح عليها.
إن المصلحة القومية الأميركية تكمن في مقاومة جهود أي قوة تريد الهيمنة على آسيا، وينبغي أن تكون مستعدة للقيام بذلك من دون حلفاء إن لزم الأمر، ولكن السياسة الحكيمة تقتضي السعي الدؤوب لتعزيز العلاقات التعاونية مع جميع الدول المهمة في آسيا للإبقاء على الاحتمالات مفتوحة نحو عمل مشترك إذا ما دعت الظروف بما في ذلك تسهيل مشاركة الصين في بناء نظام دولي مستقر.
” يتجاهل كيسنجر باكستان وبنغلاديش وإندونيسيا وماليزيا وكأنها ليست موجودة في آسيا أو يريد أن يقول إنها من ضمن قوس الأصولية الذي يقترح أن توكل مواجهته إلى الهند
” |
وينبغي على الولايات المتحدة تجنب إبداء معارضتها للبرنامج النووي الهندي وأن تحرر نفسها من الشعارات السطحية وتلتفت إلى مصالحها الحقيقية في منع هيمنة أي قوة على آسيا، وترسخ وجود عسكري متفوق، وممارسة سياسة خارجية تتوافق مع الأهداف القومية للدول الآسيوية الرئيسية، والتحالف مع اليابان، وإجراء حوار مع الهند، والاعتراف بأن الصين جزء من سياسة آسيوية بناءة وأن الموجهة معها هي الملاذ الأخير (يتجاهل كيسنجر باكستان وبنغلاديش وإندونيسيا وماليزيا وكأنها ليست موجودة في آسيا أو يريد أن يقول إنها من ضمن قوس الأصولية الذي يقترح أن توكل مواجهته إلى الهند) والتنسيق في المسألة الكورية مع روسيا والصين واليابان، والحد من التكنولوجيا والأسلحة النووية، وتكوين نظرة متماسكة إلى مستقبل المنطقة لا ترى في إستراتيجية التوازن وحدها مصدرا لنظام دولي.
الشرق الأوسط وأفريقيا: عوالم تتحول
” بقاء إسرائيل قوية متفوقة هو إستراتيجية أميركية وضمانة لإسرائيل كما أنه يعفي الولايات المتحدة من حرب عصابات مباشرة لأن عجز إسرائيل عن الدفاع عن نفسها سوف يغمرها بالمد العدائي لجيرانها ” |
تقع أزمة الشرق الأوسط في الصراع العربي الإسرائيلي، والتحولات التي جرت في إيران والعراق وجعلتهما دولتين عدوتين للولايات المتحدة وتداعيات ذلك على الخليج العربي.
ويقترح كيسنجر هنا أن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي ليسا مستعدين لتسوية نهائية ويفضل الاكتفاء باتفاقات مؤقتة تهدف لتحقيق التعايش وليس السلام النهائي، وأن توافق إسرائيل على إقامة دولة فلسطينية ضمن الحل النهائي، وتأجيل الحلول النهائية لمسائل الأماكن المقدسة، وعودة اللاجئين، والتخلي عن فكرة حدود ما قبل عام 1967 لأنها تعني تهديدا خطيرا لأمن إسرائيل، ومساعدة الفلسطينيين على العيش بكرامة ضمن كيان اقتصادي قابل للحياة، ومشاركة الأوروبببن في الترتيبات والاتفاقات، وزيادة دور الدول العربية المعتدلة دون تعرضها لتوترات داخلية.
وفي النهاية فإن بقاء إسرائيل قوية متفوقة هو إستراتيجية أميركية وضمانة لإسرائيل كما أنه يعفي الولايات المتحدة من حرب عصابات مباشرة لأن عجز إسرائيل عن الدفاع عن نفسها سوف يغمرها بالمد العدائي لجيرانها.
ويمثل الخليج حالة معقدة لأميركا يصعب حلها من دون تحسين العلاقات مع إيران او العراق، وربما يكون المخرج في زيادة دور تركيا وتقوية العلاقات معها، ومنح الهند دورا وأهمية في المنطقة.
أفريقيا وأزمة الضمير الأميركي
وأما أفريقيا فإنها تثقل الضمير الأميركي، فجزء من الأميركيين تعود جذورهم إليها، وقد جلب أجدادهم إلى أميركا في ظروف تبقى وصمة عار في تاريخها، والبؤس منتشر في هذه القارة، وتمزقها الحروب والأوبئة والإبادة الجماعية والفاقة والفوضى والفساد، وفي الوقت نفسه فإن المصالح الأميركية في أفريقيا قليلة ومحدودة.
ويقترح كيسنجر هنا أن تسعى أميركا في بناء الاقتصاد الأفريقي، وتقديم مساعدات طبية، وتجنب الصراعات العسكرية فيها، وترك ذلك لدول أفريقيا مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا، وهنا -يقول كيسنجر- يجري اختبار مثالية الشعب الأميركي، فمن دون التزام اخلاقي من الشعب الأميركي والمجتمع الدولي سوف تتحول أفريقيا إلى كارثة مفجعة.
المعرفة والمعلومات
” لقد أدت المعلوماتية إلى نشوء عصر جديد ما زالت تحولاته الثقافية والسياسية في بدايتها، ولكن هذا التدفق الهائل في المعلومات أدى إلى خلل وارتباك وأبعد القادة عن رؤية المستقبل وأغرقهم في الإعلام ” |
يختم كيسنجر رؤيته للسياسات الأميركية بالدعوة إلى صياغة إستراتيجية عالمية تجنب أميركا استنزاف الموارد والجهود وضياعها في أزمات ومشكلات لا تعرف في التعامل معها كيف تميز بين ما يجب أن تقوم به، وما ترغب به، وما يخرج عن قدرتها.
لقد أدت المعلوماتية إلى نشوء عصر جديد ما زالت تحولاته الثقافية والسياسية في بدايتها، ولكن هذا التدفق الهائل في المعلومات أدى إلى خلل وارتباك وأبعد القادة عن رؤية المستقبل وأغرقهم في الإعلام.
وقد تغري الإمكانات الهائلة والتفوق التقني والمعلوماتي والإعلامي الأميركيين بالتحول إلى إمبراطورية، ولكن ذلك سيؤدي مع الوقت إلى تفسخ محلي وتآكل الضوابط الداخلية، وقد وصف العالم الأسترالي كورال بيل التحدي الأميركي ببراعة "أن تعترف أميركا بتفوقها بشرط أن تدير سياساتها كما لو كانت لا تزال تعيش في عالم مليء بمراكز القوى"، ففي مثل هذا العالم ستجد الولايات المتحدة شركاء ليس في تقاسم الأعباء النفسية للقيادة فحسب، بل في صياغة نظام دولي يتماشى مع الحرية والديمقراطية.