عرض: خالد الحروب
يرفض عزمي بشارة حل أوسلو للقضية الفلسطينية كما هو مطروح في الوقت الراهن لأنه لا يلبي الحقوق الدنيا للشعب الفلسطيني, كما أنه لا يرى واقعية في الحل المبدئي والمثالي المستند على التحرير الكامل وإحقاق الحقوق الفلسطينية وإنجاز مشروعيتها في فلسطين ضد المشروع الصهيوني. لذلك فإنه يطرح حلا ثالثا يعتبره عمليا وواقعيا من جهة, ومن جهة أخرى يحفظ الحقوق الفلسطينية ولا يفرط بها. وهو حل يقوم على الدعوة إلى "دولة المواطنين"، أي تحويل إسرائيل إلى دولة لكل مواطنيها من اليهود وغير اليهود, بحيث يتم نزع الصفة الصهيونية والدينية عنها, وفصل الدين عن الدولة نهائيا, وتمدينها وتقنين العلاقة بين الدولة والأفراد تبعا للحقوق والواجبات المتعارف عليها في الدول الحديثة وليس اعتمادا على يهودية أو عدم يهودية أولئك الأفراد, وإحقاق المساواة التامة بينهم.
|
اسم الكتاب: العرب في إسرائيل. المؤلف: الدكتور عزمي بشارة. عدد الصفحات: 215صفحة. الطبعة: الأولى - 2000م الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت. | |
تفكيك الأسرلة
وفي خضم هذه الأطروحة، التي قد لا تبدو عملية وواقعية كما يأمل بشارة, يقوم بتشريح أطروحة أوسلو ويكشف كيف أضاعت برأيه حقوق فلسطينيي الخط الأخضر وتركتهم بلا بوصلة وطنية, ثم يقدم صورة مكثفة وعميقة عن الواقع الاجتماعي والثقافي لهم, ويغوص في إشكالات الهوية التي واجهتهم ولا زالت.
يفكك بشارة في البداية مشروع "الأسرلة", أي جعل فلسطينيي الخط الأخضر إسرائيليين, وهو المشروع الرسمي الذي تبنته الدولة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين الذين لم يهاجروا وبقوا في مدنهم وقراهم منذ تأسست.
وتقوم فكرة "الأسرلة" على العمل في اتجاه تذويب الهوية الوطنية والثقافية للفلسطينيين وإدماجهم في الكيان الإسرائيلي. ولا يرى بشارة في هذا المشروع أي خيار عملي أو فعلي أمام العرب في إسرائيل, وهو يعزو ذلك إلى سببين رئيسيين، الأول أن هذا الخيار لا يتضمن حلا للقضية الفلسطينية ابتداء, والثاني أن إسرائيل ليست دولة للإسرائيليين بل دولة لليهود الإسرائيليين فقط.
” إسرائيل لا تستطيع بسبب بنيتها الدينية المغلقة إدماج غير اليهود باعتبارهم مواطنين على قدم المساواة مع مواطنيها غير اليهود بشكل عام, فضلا عن أن يكون هؤلاء عربا وذوي هوية مغايرة بل معادية ” |
ومعنى هذا أن إسرائيل وبسبب بنيتها الدينية المغلقة لا تستطيع إدماج غير اليهود باعتبارهم مواطنين على قدم المساواة مع مواطنيها غير اليهود بشكل عام, فضلا عن أن يكون هؤلاء عربا وذوي هوية مغايرة بل معادية. ولذلك فإن بشارة يرى في مشروع الأسرلة نبذا للعرب وتهميشا لهم على حواف الدولة اليهودية, الأمر الذي يعني "تشويههم حضاريا وقوميا وبالتالي خلقيا". فالفلسطينيون الذين يعيشون في إسرائيل, مواطنين نظريا, هم في نهاية المطاف مواطنون لم يختاروا دولتهم, بل وجدوا أنفسهم محكومين بنظام قضى على نظامهم الاجتماعي والسياسي السابق بالقوة العسكرية وفرض نفسه عليهم وأراد منهم أن يصبحوا من رعاياه ويدينون له بالولاء. والأخطر برأي بشارة أن "الأسرلة" قد تتحول مع الوقت إلى نموذج لحل قضية "الأقليات الفلسطينية" في الدول الأخرى.
الخطر قائم
على أن خطر تحول حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية -حق تقرير المصير حق العودة حق إقامة دولة مستقلة- إلى مجرد قضية حقوق أقليات ما زال قائما ورسخه أوسلو الذي أدار ظهره لفلسطينيي الخط الأخضر أولا ولفلسطينيي لبنان ثانيا بحكم كونهم لاجئين من المناطق التي استولت عليها إسرائيل في حرب 1948. كما أن الخطر ذاته محيق ببقية اللاجئين الفلسطينيين في شتى أرجاء العالم.
وعلى رغم الحس الوطني العالي والرهافة القومية التي لا يشك فيها في قراءة عزمي بشارة لهذا الخطر فإن الحل الذي يطرحه "دولة لكل مواطنيها" لا يدحر ذلك الخطر بعيدا, خاصة لناحية مثالية الحل الذي يدعو له والذي سيظل مربوطا بجذره الأساسي وهو نشوؤه من داخل معاناة "الأقلية الفلسطينية" داخل دولة إسرائيل وانطباعه بهذا الطابع مهما حاول بشارة فكه عن جذره وتوسيع طموحاته.
” اتفاق أوسلو أدار ظهره لفلسطينيي الخط الأخضر أولا ولفلسطينيي لبنان ثانيا بحكم كونهم لاجئين من المناطق التي استولت عليها إسرائيل في حرب 1948 ” |
فمن ناحية عملية نحن أمام تفسيرين لأطروحة بشارة، الأول هو التفسير الأقصى والذي يعبر عنه بوضوح وصراحة والمتمثل في تحويل إسرائيل إلى دولة لكل مواطنيها والقضاء على صفتها اليهودية, وهذا يتضمن بالطبع منح اللاجئين الفلسطينيين حق العودة باعتبار أن مثل هذه الدولة التي تقوم على مبدأ المواطنة الصرفة لن تقلقها "أصول وقومية" اللاجئين طالما أنها دولة لا تعير القومية والدين أي اعتبار غير موضوعي في التمييز بين مواطنيها. هذه الصورة تعني ببساطة القضاء على إسرائيل كما نعرفها الآن وإيجاد دولة شبه مثالية سلامية قامت عبر تخل طوعي من قبل الغالبية اليهودية (الآن) عن السلطة وقدمتها لغالبية أخرى تجمعت من اللاجئين الفلسطينيين القادمين من الخارج بالإضافة إلى أقرانهم الموجودين في أرض فلسطين الانتدابية (كل فلسطين, باعتبار أن طرح بشارة يشمل كل فلسطين). والواقع أن تصور مثل هذا الحل في الوقت الراهن ينافس في مثاليته حل التحرير الكامل في ضوء المعطيات والظروف العربية والدولية الحالية.
وليس أقل من التذكير بتوتر العقل الإسرائيلي تجاه قضية الديموغرافيا والجهد الذي يبذل لإبقاء الميزان الديموغرافي راجحا لصالح اليهود في أرض فلسطين كلها مثلا الرفض الشديد لحق عودة اللاجئين وفي المقابل الاستماتة في جلب مهاجرين يهود جدد.
نضال أقلية
أما التفسير الثاني لفكرة "دولة لكل مواطنيها" فهو الدعوة إلى وقف التمييز العنصري والثقافي والديني ضد الفلسطينيين داخل إسرائيل و"النضال" من أجل انتزاع الحقوق التي تكفلها لهم الشرائع الدولية والقوانين الأممية, بل وحتى المزاعم الإسرائيلية نفسها حول الديمقراطية والمساواة داخل الدولة. وإذا اعتبرنا تحقق هذا التفسير عمليا والنجاح في الوصول إليه هو صورة الحد الأدنى من حل "دولة لكل مواطنيها" فإن ما ننتهي إليه فعليا هو "نضال أقلية" ضد أغلبية مستبدة من أجل نيل مزيد من الحقوق المدنية.
وهذه الصورة بالطبع لا تعمل على تجميع شتات القضية الوطنية الفلسطينية ولا توحد الأجندة العامة للشعب الفلسطيني. إذ أن مطالب وقضايا وهموم فلسطينيي إسرائيل, المهمة والمحقة والعادلة على الصعد الحقوقية والمدنية, لا تعكس الأجندة الفلسطينية الوطنية لكل الفلسطينيين في كل مكان. ومهما علت تطلعات المطالب التي من الممكن أن يناضل فلسطينيو أراضي عام 1948 من أجلها تحت شعار "دولة لكل مواطنيها" فإن سقفها سيظل محكوما بذلك بمعادلة "أقلية -داخل- دولة".
” مهما علت تطلعات المطالب التي من الممكن أن يناضل فلسطينيو أراضي عام 1948 من أجلها تحت شعار "دولة لكل مواطنيها" فإن سقفها سيظل محكوما بذلك بمعادلة "أقلية -داخل- دولة" ” |
ورغم أن بشارة محق في انتقاد ورفض حل أوسلو بسبب أنه شتت الحقوق الفلسطينية وجعل كل "قسم" من الشعب الفلسطيني وكأنه مطالب بإحقاق حقوقه بعيدا عن "الأقسام" الأخرى فإن حل "دولة لكل مواطنيها" يخفض من سقف النضال الفلسطيني ويغير من مسار ذلك النضال من حركة تحرر تهدف إلى تحقيق أهداف وطنية عامة إلى مجرد حركة حقوق مدنية تطالب بتحسين الأوضاع والمساواة وليس سوى ذلك. وبالتأكيد فإن بشارة لا يرمي إلى هذا الهدف, وهذا النقد ليس غائبا عنه, لكنه في محاولته صوغ معادله نضالية تكون مقبولة من كل الأطراف وتجمع ما لا يمكن جمعه (مثلا قبول إسرائيلي بهذه المعادلة وقبول فلسطيني ونضال مشترك من أجلها), بات كمن يمشي بين الألغام, وربما انتهى إلى أنه لم يرض أيا من تلك الأطراف أيضا.
فضلا عن ذلك فإن المرء لا يستطيع دفع الفكرة التي تلح هنا وترسم توازيا لافتا للنظر بين طرح "دولة لكل مواطنيها" وطرح "الدولة الديمقراطية العلمانية" الذي طرحه الفلسطينيون أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات حلا للصراع في فلسطين يستوعب الوجود اليهودي ويوفر عودة للاجئين الفلسطنيين. وكان أن رفضت إسرائيل ذلك الحل قولا واحدا بل واستهزأت به باعتباره طرحا يهدف إلى القضاء على الدولة ومحو يهوديتها. بمعنى آخر فإن أطروحة بشارة ليست برنامجا سريا وخطة ستمر بهدوء تحت سمع وبصر إسرائيل وتمضي في طريق التنفيذ من دون معوقات, إذا فرضنا أن القناعة بها اتسعت وتعمقت.
تبقى في الختام ملاحظة مهمة بشأن تبويب وتحرير الكتاب. فمن الواضح أن الفصول كانت قد نشرت على شكل مقالات أو ألقيت محاضرات في أوقات متفاوتة, مما جعلها تزدحم بالتكرار والإعادة وسوق الأمثلة والأفكار نفسها وأحيانا العبارات, مما يرهق القارئ ويحمله مسؤولية عدم قيام الناشر بمهمة التحرير والتبيويب على أكمل وجه. هذا فضلا عن عدم وجود مقدمة موسعة، وجودها ضروري في الكتب المكونة من مقالات مجمعة, تلم الصورة للقارئ وتسهل عليه. ولولا التقديم الرائع لأنيس الصايغ في أول الكتاب لأصبحت الفصول المتضمنة, على أهمية كل منها على حدة, كالدائرة المغلقة لا بداية لها ولا نهاية.