ابحث عن
 
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة|تواصل معنا
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:33 (مكة المكرمة)، 10:33 (غرينتش)
طباعة الصفحة إرسال المقال
الإسلام والأنسنة.. معارك من أجل الأنسنة في السياق الإسلامي

عرض: إبراهيم غرايبة
نحت محمد أركون مصطلح الأنسنة تعريبا للمصطلح الأوروبي "هيومانيزم"، ويقترح المترجم هاشم صالح مصطلح "النزعة الإنسانية" أو "الفلسفة الإنسانية"، ولكن أركون يصر على مصطلح الأنسنة لأنه يعبر عن تركز النظر في الاجتهادات الفكرية لتعقل الوضع البشري وفتح آفاق جديدة لمعنى المساعي البشرية لإنتاج التاريخ مع الوعي أن التاريخ صراع مستمر بين قوى الشر والعنف وقوى السلم والخير والجمال والمعرفة المنقذة من "الضلال".

يعتقد أركون أن الدين الذي يهمل الاجتهاد الفكري المبدع والمنقاد لجميع ما ينتجه العقل يصبح لا محالة آلة خطرة يستغلها المتلاعبون بالنفوس والقامعون للحريات الأساسية التي يتطلبها كل إنسان لكي يرتقي إلى درجة الأنسنة.

غلاف الكتاب
-اسم الكتاب: الإسلام والأنسنة.. معارك من أجل الأنسنة في السياق الإسلامي
-المؤلف: محمد أركون، ترجمة وتعليق هاشم صالح
-
عدد الصفحات: 318
-الطبعة: الأولى 2001
-الناشر: دار الساقي، بيروت، لندن

ويقول أركون إن الإسلام شهد الأنسنة قبل أن تشهدها أوروبا في القرن السادس عشر إبان عصر النهضة، ولكن هذه الحركة الناتجة عن مزج الفلسفة الإغريقية بالدين الإسلامي أجهضت ولم تدم طويلا، وحل محلها قرون المدرسانية منذ القرن الثالث عشر في حين ظلت الأنسنة أو النهضوية الأوروبية مستمرة وصاعدة منذ القرن السادس عشر وحتى اليوم.

هجوم على الحركات الإسلامية

إنه لا سبيل إلى الاعتناء بمصير الإنسان اعتناء شاملا نقديا منيرا محررا دون التساؤل الفلسفي عن آفاق المعنى التي يقترحها العقل ويدافع عنها
ويهاجم أركون الحركات السياسية الإسلامية والحكومات التي تستخدم الإسلام لأغراض سلطوية وتخلط بين النشاط الحركي الأيدولوجي والإبداع الفكري والفني والأدبي، ويساعدها في ذلك أن التراث الإسلامي لم يتعرض للنقد التاريخي كما حصل للتراث المسيحي. وما يجري -برأيه- في المجتمعات الموصوفة بالإسلامية في الدساتير الرسمية أو في الخطابات اليومية أو في كتب علماء السياسة يدل دلالة واضحة على غياب النزعة الإنسانية سواء في عباراتها ومعاركها القديمة في السياقات العربية والإسلامية أو في معاركها وإبداعاتها المتواصلة في أوروبا منذ أربعة قرون.

ولذلك فإن أركون يحاول أن يلفت الانتباه إلى الأبعاد الغائبة بعد ازدهارها، ويدعو بإلحاح إلى ضرورة إحياء الموقف الفلسفي في الفكر العربي بخاصة والفكر الإسلامي بعامة، فهو يعتقد أنه لا سبيل إلى الاعتناء بمصير الإنسان عناية شاملة نقدية منيرة محررة دون التساؤل الفلسفي عن آفاق المعنى التي يقترحها العقل ويدافع عنها.

ويؤسس للموقف الإنساني بالتعددية الفكرية والحوار والقبول بهذا الجو وهو ما كان سائدا في فجر الإسلام وضحاه، ويشير أركون إلى المناظرات الفكرية والفلسفية التي كانت منتشرة وتجري بين مفكرين كبار ينتمون إلى مذاهب مختلفة بل ويعتنقون أديانا متعادية أو متنافسة ويتقنون علوما متعددة، ثم توقفت هذه المناظرات والحوارات منذ القرن الثالث عشر الميلادي ووصول السلاجقة إلى الحكم وضرب الفلسفة والأنسنة والحركة العقلية بمجملها وفرض مذهب واحد على الجميع بصفته حقيقة مطلقة.

الإصلاح يبدأ بعودة المناظرات
ويرى أن الإصلاح يبدأ بإعادة المناظرات والحوارات بمشاركة كل الناس وتوفير وسائل التربية الإنسانية ومناهجها وبرامجها وفرض التثقيف والتفاعل المبدع مع جميع الثقافات الأخرى وفنونها دون تفضيل ثقافة رسمية أو عزل ثقافات شعبية شفاهية.

وعندما يفرض العنف نفسه حلا وحيدا وأخيرا فإن الموقف الإنساني يتبخر ويصبح زهيدا لا أهمية له، لماذا؟ لأنه يتموضع عندئذ غصبا عنه داخل منظور الأمد الطويل مفضلا المراهنة على العمل التربوي والتثقيفي الصبور، وكذلك يراهن على عملية تفسير جميع الأنظمة المعرفية التي أنتجها البشر في المجتمع وعلى إيضاحها وفهمها ونقدها آملا بذلك أن يعود إلى الساحة من جديد يوما ما.

من الدولة القومية إلى العولمة الشاملة
لقد فرضت العولمة أبعادا جديدة يجب الالتفات إليها فذلك يفرض الانتقال من مرحلة الدولة القومية المدافعة عن الأنانيات القومية المقدسة إلى مرحلة العولمة الشاملة بما تعنيه من انفتاح العالم كله على الفضاءات الواسعة والموسعة للمواطنة، ويتطلب ذلك مراجعات صعبة وقاسية للقيم المحلية وللتراثات الدينية العتيقة والتراثات الفئوية والقومية، ويفسر ذلك الانقسامات والمواجهات العنيفة والصاخبة والمغامرات التي تقدم عليها الأمم والمجتمعات.

وفي مقابل هذه التحولات الكبرى تجري الأصولية الإسلامية مواجهة مع الحداثة الغربية بفكر محدود وهش دون ملاحظة لحتمية ما يصفه أركون بالمهمة العسيرة وهي تحليل النصوص التأسيسية على ضوء العلم المعاصر وتفكيكها من الداخل بمنهجية ودقة وأمانة علمية، وهو يعنى بالنصوص التأسيسية أصول الدين وأصول الفقه. ويستند في منهجه الجريء هذا إلى أعمال ومحاولات علمية وفلسفية قامت في القرن الرابع الهجري وما بعده مثل "الهوامل والشوامل" للتوحيدي، و"تجارب الأمم" لابن مسكويه، و"السعادة والإسعاد" لأبي الحسن العامري، وكتب الماوردي، وابن الطفيل..

متى وكيف انبثق الموقف الإنساني في السياق الإسلامي؟ وفي أي الأوساط الاجتماعية انبثق؟ ولماذا وكيف تراجعت هذه النزعة الإنسانية حتى انقرضت أخيرا في المجتمعات الإسلامية المعاصرة؟ يشير أركون إلى أهم المراجع والدراسات التي تناولت هذه القضية وربما يكون مفيدا للقارئ ذكرها هنا وهي "نهضة الإسلام" لآدم ميتز وهو مستشرق ألماني وقد صدر الكتاب عام 1922 وترجم إلى العربية عام 1967 تحت عنوان "الحضارة العربية في القرن الرابع الهجري: عصر النهضة في الإسلام"، وكتاب جورج مقدسي "سيطرة الفلسفة الإنسانية في فترة الإسلام الكلاسيكي والغرب المسيحي، مع ذكر خاص للسكولاستيكية أو المدرسانية التكرارية" وقد صدر عن جامعة أدنبرا عام 1990، وكتاب روا موتاهيدي "الولاء والزعامة في المجتمع الإسلامي الأولي" وقد صدر عام 1980، وكتاب أندريه ميكيل "الجغرافيا البشرية للعالم الإسلامي حتى منتصف القرن الحادي عشر" وصدرت الطبعة الثانية منه في باريس عام 1976، وكتاب جويل كريمر "دور الفلسفة الإنسانية في نهضة الإسلام، والانبعاث الثقافي خلال العصر البويهي" وصدر عام 1986، وكتب محمد أركون منذ بداية الثمانينيات "النزعة الإنسانية العربية في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي" و"التفكير في الإسلام اليوم" و"قراءات في القرآن" و"الإسلام مقاربة نقدية" و"الفكر الأصولي أمام استحالة التأصيل".

يدعو الموقف الإنساني إلى التمييز الدقيق بين السمات الخاصة للظاهرة الدينية المحضة وبين الوظائف الأخرى المحددة لها في جميع الأديان، وهذا يؤدي إلى تصور معين للدين، ويبدأ ذلك بإعادة تحديد أو تعريف النصوص التأسيسية، ويوضح المترجم هنا أن أركون يفرق في مفهوم النصوص التأسيسية بين القرآن والحديث وبين الخطابات المتفرعة عنها كالفقه والتشريع والتفسير.. وهذا التمييز -حسبما يقوله أركون- مفيد ومهم من أجل القيام بتأويل إنساني أو فلسفي للنصوص.

الفلسفة الإنسانية الديمقراطية
ويخلص أركون إلى أن الفلسفة الإنسانية الديمقراطية تعوض بقدر الإمكان عن الأضرار وأنواع البتر التي لحقت بالمسارات الأصلية والقوى الخلاقة للإنسان الباحث عن كينونة أكثر وسعادة أكثر، وعن ملاءمات أكثر غنى باستمرار عبر جهوده التي يبذلها للاندماج في التاريخ والعالم. فالإنسان المتصالح مع كل التجليات البشرية والمتحرر مما يخلع المشروعية على العنف المدمر والقادر على التحكم بغرائز الهيمنة والقوة يحتاج بالضرورة إلى مواصلة عنيدة ومحبة وكريمة للمشروع الإنساني. ويتمثل هذا المشروع في الحفاظ على منجزات الإنسان دون جهل أو إهمال أو حذف لأي شيء من أعمال وتصرفات كل الفاعلين الإنسانيين دون إنقاص من قيمتها أو زيادة، فقد تأخر العالم في دمج العبيد في المنظومة البشرية العامة، واحتاجت شعوب إلى حروب مرعبة لتحقيق استقلالها، ولا يكاد يعترف بحق الاندماج لفئات كثيرة منبوذة كالنساء والأطفال والأقليات ولغات وطوائف وثقافات كثيرة ومختلفة..

إن مشروع النزعة الإنسانية ينبغي أن يشق طريقه داخل أجواء الهلع والآلام والأزمة العامة للقيم والظروف الهشة والخطرة للفكر الاستهلاكي، والحقائق العابرة الخادعة، والمجازر المتكررة أمام عقل سياسي دون مرتكزات موثوقة، والفوضى المعنوية التي يزيد من حدتها سيول الأخبار والمعلومات.

ونجد تشابها بين خاتمي وأركون في استدعاء الفكر الفلسفي لدى العرب والمسلمين (انظر عرض كتاب خاتمي "الدين والفكر في شراك الاستبداد: جولة في الفكر السياسي لدى المسلمين") ولكنهما يتوصلان إلى قراءتين مختلفتين، فخاتمي كان مشغولا بتطوير الفقه السياسي والعمل السياسي، وأركون مشغول كما يقول عن نفسه بتحقيق غايتين متكاملتين هما:

  • الاهتمام بالبعد الديني للوجود التاريخي للبشر في كل العصور وعلى مستويات كافة التشكيلات أو الفئات الاجتماعية.
  • إقامة مسافة نقدية بيننا وبين العقائد الأكثر رسوخا وتجذرا وتقديسا، ويقصد العقائد المستنبطة عميقا من قبل الذات الإنسانية في مختلف الثقافات البشرية، أو بتعبير آخر تحقيق علمانية لا ترفض الدين.

ويرفض أركون هنا المنهج العلماني الغربي الذي عزل الدين وأبعده عن الواقع الفكري والثقافي، فما يريده ربما يكون وسطا بين علمانية أوروبا وهيمنة الدين في العالم الإسلامي على الحياة والفكر والتطبيق (برأي أركون) ورفض عام لفرض الإلحاد الذي جرى في الدول الشيوعية أو فرض الدين وشعائره على الناشئة والمجتمعات. إنه يريد باختصار علمانية مهذبة أقل وحشية وعدوانية وأكثر احتراما للدين والإنسان.

مشكلة الثقافة الإسلامية

الفلسفة الإنسانية الديمقراطية تعوض بقدر الإمكان عن الأضرار وأنواع البتر التي لحقت بالمسارات الأصلية والقوى الخلاقة للإنسان الباحث عن كينونة أكثر وسعادة أكثر، وعن ملاءمات أكثر غنى باستمرار عبر جهوده التي يبذلها للاندماج في التاريخ والعالم
ويرى أركون مشكلة الثقافة الإسلامية أنها لم تشهد إلا القليل فقط من الحيوية والإبداع منذ القرن الثالث عشر الميلادي، لكنها -كما يرى- شهدت تراجعا على أصعدة عديدة وضمورا أو إفقارا مؤكدا بالقياس إلى الفترة الكلاسيكية من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية. أما اللغات والثقافات الأوروبية فقد شهدت ظاهرة معاكسة تماما، وهذا يفرض على العمل الإسلامي النهضوي مهمة ملحة تتمثل في إجراء مراجعة نقدية مكثفة للذات لاستيعاب التحولات والعولمة والحداثة التي تفرض نفسها علينا دون أن نكون مؤهلين للمشاركة فيها بفاعلية واقتدار، ولكي نعرف كيف نموضع فعالية الخلق والإبداع في السياقات الإسلامية ووضع حد للخطابات الامتثالية السائدة في الناحية الإسلامية، ويقصد بها خطابات اتهام الآخر على طول الخط واعتبار الذات بمثابة الضحية لهذا الآخر باستمرار والخطابات الأصولية الأيدولوجية التي ترفض المكتسبات الأكثر إيجابية وعظمة للحداثة وكل ذلك باسم خصوصية أو اختلاف جوهري لم يحدد حتى الآن ولم تخلع عليه أية مشروعية.

ويختم أركون كتابه بالقول "إن الفكر الإسلامي يمتلك في مساره التاريخي الطويل مرجعيات فكرية رائعة وعظيمة، كما يمتلك الثروات أو الإمكانات البشرية الضرورية التي تمكنه من الإسهام منذ الآن فصاعدا في البحث الكوني عن فلسفة إنسانية جديدة، وهي فلسفة مشكلة ومشاطرة ومغتنية باستمرار عن طريق الممارسة المتضافرة للتداخلية الثقافية والتداخلية الإبداعية".

المصدر: الجزيرة
طباعة الصفحة إرسال المقال
شارك
شارك
العقل الأخلاقي العربي
الدعاية السياسية والعقل العام
مأزق الفرد في الشرق الأوسط
الإسلام-الغرب، الإسلام-أوروبا: صدام الحضارات أم تعايش الثقافات؟
الحركات الإسلامية والديمقراطية: المواقف والمخاوف المتبادلة
اتهام أممي لدمشق بجرائم ضد الإنسانية
مواقف متباينة من القرار العربي تجاه سوريا
43 قتيلا بقمع الاحتجاجات في سوريا
إيران تنفي استهداف سفارات إسرائيل

تحليلات|كتب|وجهات نظر|تغطيات 2009|ملفات خاصة 2010

جميع حقوق النشر محفوظة2000- 2012م(انظر اتفاقية استخدام الموقع)