عرض/كامبردج بوك ريفيوز
عمل مارتن بيل مؤلف هذا الكتاب كمراسل أجنبي لتغطية العديد من الحروب ونقاط الغليان في العالم. ولا يستهان بأهمية الخبرة التي راكمها بعد معايشة إحدى عشرة حربا على مر ثلاثين عاما من حياته.
ويتأمل الكاتب من خلال صفحات كتابه الجديد "عبر بوابات النار" في مشاهد القتال كما رآها وفي الطريقة التي تغيرت بها, تبعاً لتغير أساليب القتال والتغطية الصحفية للجبهات الحربية. في هذا الكتاب الشامل والمؤثر, يجمع المؤلف بين التجربة الشخصية والمعرفة الواسعة بالتاريخ الماضي للحرب ليصوغ حجته القوية ضد الطرق الحديثة في الحروب الدولية وأساليب تغطيتها الإعلامية.
|
-اسم الكتاب:عبر بوابات النار.. رحلة في اللانظام العالمي -المؤلف: مارتن بيل -الطبعة: الأولى 2003 -عدد الصفحات: 232 -الناشر: ويندنفيلد ونيكولسون, لندن | |
يطلعنا الكاتب أن الجيش البريطاني كان هو الذي ابتدأ النظر بجدية إلى وسائل الإعلام ودورها المؤثر في الأوضاع الحربية في تسعينيات القرن الماضي. ويقول إن أول مراسل حربي هو وليام هوارد رسل الذي عمل لصالح صحيفة تايمز اللندنية وقام بتغطية حرب القرم عام 1954.
إن القاسم المشترك بين المواضيع المختلفة التي يضمها هذا الكتاب هو الصحافة والجندية. وقد كان بيل صحفياً وجندياً معاًً. والطريف في الأمر أنه بدأ حياته جنديا وكان ينظر إلى الصحفيين على أنهم مثل "عصبة متحذلقة". ولكن بعد ثماني سنوات وجد نفسه وقد التحق بركب تلك العصبة وابتدأ برؤية الأمور من الطرف المقابل. صار الصحفي بالنسبة له مسجلاً وناقلاً, وليس لاعباً ومشاركاً.
ويمضي بيل في سرد تجربته الصحفية واصفا طبيعة دوره عندما دعي إلى لعب دور "الصحفي المتطفل" خلال سلسلة من ألعاب الحرب الرامية إلى تدريب الجنود على القيادة. ويشير إلى أن دوره في تلك الألعاب تلخص في إجراء تحقيق مع فريق عسكري قصف عن طريق الخطأ ملجأ للأطفال اليتامى. وقد تم تصوير المشهد كاملاً مع المبنى المدمر للملجأ المفترض والدخان يتصاعد منه لكي يبدو المشهد مقنعاً في نشرات الأخبار.
ثم يقارن بيل بين هذه التجربة ودوره الحقيقي كنائب مستقل في البرلمان البريطاني خلال حملة القصف التي شنتها قوات حلف الأطلسي على كوسوفو وصربيا عام 1999 والتي وقعت خلالها حالات قصف بالخطأ لمواقع غير تلك المستهدفة.
” يتهم المؤلف الكاميرات التلفزيونية بالمساهمة في ترويج أسطورة الحرب الخالية من الضحايا كما حدث في أفغانستان ” |
ويقول إن "الفصيل البرلماني المغرد خارج السرب", والذي يعتبر نفسه أحد أفراده, كان يثير قلقا أقل لمقر رئاسة الوزراء في داوننغ ستريت من القلق الذي سببته الفيالق الصحفية في بلغراد والتي يصفها بأنها كانت تتحرك ضمن "تقاطع النيران ما بين أليستر كامبل وسلوبودان ميلوسوفيتش".
تعرضت مهنة بيل كمراسل حربي إلى انقطاع مفاجئ, أو "توقف" خلال حملة الانتخابات العامة سنة 1997. فقد أصبح مشهوراً نتيجة تغطياته الإعلامية وصار يعرف على مستوى الجماهير باسم "الرجل ذي البذلة البيضاء" إشارة إلى تلك التي كان يرتديها عند تغطيته للأخبار الحربية. رشح بيل نفسه للانتخابات البرلمانية البريطانية مستقلا واختير عضوا بالبرلمان.
يزعم بيل أن التغطية التلفزيونية للحرب قد خفضت من عدد الضحايا في جميع النزاعات. فهناك مصلحة للطرف الذي يشن الحرب في المحافظة على الخسائر المرئية في حدودها الدنيا، وذلك من أجل المحافظة على هدوء عامة شعبه والحيلولة دون انتفاضتهم احتجاجاً على الحرب. في المقابل فإن مشهد الجثث المتناثرة يعيق عالم المال الأعمال, ولهذا فإن من الضروري حجب تلك الجثث عن عيون التلفزيون التي لا تغفل شيئاً. 
وفي هذا السياق, يتهم بيل الكاميرات التلفزيونية بالمساهمة في ترويج أسطورة الحرب الخالية من الضحايا. فقد قيل ذلك عن الحرب ضد أفغانستان والتي شنتها عن بعد وحدات تبعد عن مسرح الحرب بقدر المسافة التي تبعد بها عن كاميرات المصورين التلفزيونيين.
يغطي كتاب بيل كثيرا من النزاعات والقضايا الأخرى ذات الصلة. وما كان للكتاب الذي صدر في أكتوبر/ تشرين الأول 2003 ويتناول الحروب في العالم الحديث والطريقة التي تخاض بها أن يغفل حرب العراق الثانية.
ورغم تركيزه على التدخل الدولي في العراق أثناء الحربين, فإنه يشير في مكان متقدم من الكتاب إلى الوجه الداخلي للحرب. وبصفته نائباً سابقاً يمتلك بيل رواية خاصة عن الآليات التي استطاع بها النظام السياسي الحزبي في بريطانيا تبني الحرب رغما عن صرخات الاحتجاج العالية التي أطلقها الشعب البريطاني.
تلك الحكاية الداخلية التي تتعلق بأصدقاء للمؤلف وحاجتهم إلى إظهار الولاء لأحزابهم تشكل جزءاً مشوقاً من الكتاب. كما يضم الفصل نفسه حالات منوعة لم تكن المؤسسة البرلمانية البريطانية فيها على مستوى التحدي. لم يكن بيل بصفته نائباً مستقلاً مسؤولاً أمام أحد غير الناخبين الذين جاؤوا به إلى البرلمان, وهؤلاء انتخبوه ليكون أمينا ويقف ضد جميع أشكال الخداع التي رآها تمارس في البرلمان.
يحمل بيل بكلمات قاسية على أولئك الذين يعتبرهم مسؤولين عن تدهور مستوى نشرات الأخبار البريطانية, وبالتالي عن تدهور المعايير السابقة للمراسل الأجنبي، حيث أن إطالة مدة البث على مدى أربع وعشرين ساعة تعني أن المحطة تتوقع من المراسل أن يكون جاهزاً تحت الطلب لتقديم آخر تطورات الموقف الذي يغطيه طيلة تلك المدة.
وهذا بدوره ينعكس سلباً على المراسل الذي لا يجد الوقت اللازم لاستطلاع الموقف أو الإحاطة به. فالمراسل الذي يبث رسائله من فوق سطح أحد الفنادق في مكان ما من العالم يجد نفسه مشدوداً إلى الأطباق الفضائية ولا متسع كافيا لديه للحركة وتقصي الحقائق.
وهو يزدري الأوامر التي أصدرتها إحدى الجهات الإخبارية العالمية إلى مراسليها وتقضي بأنهم ليسوا مطالبين بالكلام أثناء السير وحسب, وهو أمر يعتبره الكاتب أصعب مما يبدو عليه, إنما عليهم أيضا أن يشيروا بأيديهم إلى الموضوع الذي يتناولونه من أجل أن يوضحوا للمشاهد عن أي شيء يتحدثون.
” يشكك المؤلف في تجربة "زرع" المراسلين في حرب الخليج الثانية ويقول إن الصحفيين لم "يسمح لهم بالوجود مع القوات الغازية" فقط وإنما "جندوا" أيضا في تلك الحرب ” |
كما يتهكم أيضا على مقياس جديد من المقاييس الإخبارية التي باتت شائعة في أخبار القرن الواحد والعشرين وهو ما يسميه بـمقياس "المبيعات". ويرجع بيل انحدار مستوى الأخبار إلى اعتمادها على هذا المقياس, إذ بات الخبر يقاس بحجم الراغبين في شرائه, وهو ما ساهم بدوره في رفع أهمية الأخبار المعنية بالشؤون الداخلية.
وهو يضرب مثلا على ذلك, بالشكوى الشائعة في بريطانيا حول قلة اهتمام نشرات الأخبار الأميركية بالأحداث الخارجية باستثناء تلك التي تتعلق مباشرة بالمواطنين الأميركيين, وهو يقول إنه أمر ساهم في قلة معرفة الأميركيين بما يدور خارج حدود بلادهم. ويسخر بيل من تغطية الأخبار البريطانية ويقول إنها سائرة على ركب التغطيات الأميركية, فالتوصية بالكلام والمشي والإشارة معاً قد جاءت من "معلم" أميركي. 
وكما هي الحال دائماً مع بيل, فإنه لا يتورع عن إطلاق لسانه الحاد على الآخرين الذين يسميهم بأسمائهم ويضع نصب أعينهم الاتهامات التي يجدهم مسؤولين عنها. إن الفصل الذي استعرض فيه هذه القضايا لن يترك له سوى قليل من الأصدقاء في عالم الأخبار والمشتغلين بها. وعلى أية حال, فإنه ما دام غير قادر على المشي والكلام في آن واحد ناهيك عن التلويح بيده, فلا عليه لأنه لن يتوقع مكالمة هاتفية تدعوه إلى استئناف عمله كمراسل صحفي.
ويطعن بيل فيما يعتبره بأسطورة التغطية "الحية" من "الجبهة." فحتى الحرب العراقية الثانية حيث تم "زرع" الصحفيين مع القوات العسكرية وإدخال الصحافة في معادلة الحرب على نحو لم يتحقق له مثيل من قبل, كان من الصعب أو من المحظور اقتراب الكاميرا أو الميكروفون من العمليات الحربية الفعلية. وكان يحدث أن تلتقط بعض الأفلام "الحية" من وراء الأفق ثم تطعم بأخبار تنقلها إلى الصحفي عبر الفاكس برقيات وكالات الأنباء المرسلة من لندن أو نيويورك.
ويختتم بيل القسم الرئيسي من كتابه بنظرة يلقيها على حربي الخليج, حرب مطلع التسعينيات والحرب الثانية التي وقعت منذ شهور فقط. ويقرر أن الاختلاف الرئيسي بينهما, من وجهة التغطية الإعلامية, هو "زرع" المراسلين في صفوف الوحدات العسكرية أي أن الصحفيين قد عايشوا الجنود أثناء فترة النزاع وخبروا طبيعة الآلة الحربية عن كثب.
وهو يقلل من أهمية هذا الإجراء ويصفه بأنه كان "مقايضة لحرية الصحفيين مقابل حصولهم على تسهيلات الوصول إلى موقع الحدث." ولا بد أنه خير من يعلم بالأمر بصفته حاملاً لبطاقة الترخيص رقم 001 وهي تذكار من حرب الخليج الأولى عندما كان أول مراسل "يزرع" مع القوات البريطانية.
ولكنه يشكك في تجربة "زرع" المراسلين في حرب الخليج الثانية ويعيد في الكتاب قولاً سبق له أن أطلقه في "استعراض جوني ووكر" في هيئة الإذاعة البريطانية, حين قال إن الصحفيين لم "يسمح لهم بالوجود مع القوات الغازية" فقط في حرب الخليج الثانية إنما "جندوا" أيضا في تلك الحرب.
ويبدو أن محرر البرنامج هو من طلب من بيل الكف عن قول المزيد قائلا "لا نريد أسئلة أخرى عن الحرب" وذلك بعد أن قال بيل عبارته تلك. ويقارن بيل بين تلك الحادثة وبين مشهد في المسرحية التلفزيونية "الأبراج الزائفة"، لكنه يبدي أسفه لأن الحادثة التي تخصه لم تقع في عالم من الخيال أبدعته يد كاتب لأجل إضحاك المشاهدين, إنما كانت رفضاً من جانب واحد من الإذاعيين البارزين للاستمرار في تناول القضية الأهم في حينه. والسؤال الذي ينبغي طرحه على الصحفيين "المزروعين" هو عن حجم التسهيلات التي حصلوا عليها في الوصول إلى مواقع الحدث.
يضاف إلى ذلك أن مشهد الحرب كما يقدمه رجل لا يتحرك إلا تبعاً للأوامر وبصحبة مجموعة صغيرة من الجنود لا يمكن أن يكون مشهداً معبراً عن حقيقة الحرب، أو أن يعتبر مؤشراً على الوجهة التي يتخذها النزاع. ربما أنك لو جمعت كل التقارير القادمة من كل المناطق لأمكنك أن تقرب المشاهد من الصورة الشاملة للحرب, لكن المحصلة الكلية للأخبار المتتالية التي بعث بها المراسلون "المزروعون" كانت فقدان المعرفة والكثير من الارتباك.
يتناول بيل الدبلوماسية الدولية أو بالأحرى غيابها, قبل حرب العراق عام 2003 وبعد وقوع الحرب نفسها بتعاطف وصراحة. يتبع ذلك فصل بعنوان "أفكار لاحقة" يودعه المؤلف محاجبته الرئيسية, وهي أننا نسقط في فوضى نستطيع أن نتجاهلها ونحن مرتاحون لأنها لم تعد تقدم لنا في نشرات الأخبار. يطور المؤلف هذه الفكرة ويتناولها من جميع جوانبها لكي ينتهي إلى نداء أخير بالعودة إلى العقل. ويرى بيل أن الأمور مترابطة فيما بينها.
فالأفعال تفضي إلى نتائج, وليس هناك نتيجة مجردة لا علاقة لها بفعل سياسي. يميل الكتاب الذين تناولوا حرب العراق الثانية إلى الاتفاق مع بعضهم البعض بشأن عدد من المواضيع الرئيسية, ويرى بيل أن أحد تلك المواضيع هو "الأصداء الإمبراطورية" كما يصفها.
” يرى المؤلف أن اسم الأسلحة الذكية يكاد يقول إن هذا سلاح لا يستهدف إلا الأشرار والفاسدين والهدف العسكري المحدد لكن الحقيقة أن تلك الأسلحة تقتل المدنيين والأبرياء تماماً كما كانت تفعل الأسلحة القديمة "الغبية" ” |
أما الموضوع الثاني فيتعلق بالأسلحة الذكية التي لا تبدو ذكية إلى الحد الذي نتوقعه منها. ويرى بيل أن مضمون الاسم يكاد يقول إن هذا سلاح لا يستهدف إلا الأشرار والفاسدين والهدف العسكري المحدد والضحية المشروعة, لكن الحقيقة أن تلك الأسلحة تقتل المدنيين والأبرياء تماماً كما كانت تفعل الأسلحة القديمة "الغبية" التي لم نكن على الأقل قادرين على توجيهها من على بعد مئات الكيلومترات، الأمر الذي يعزز الاعتقاد بأن الحرب لا تعني موت جنودنا.
إن هذا الكتاب مكتوب بكفاءة عالية, لكنه لا يقدم أجوبة سهلة. وتطل شخصية بيل من خلال صفحات "عبر بوابات النار" بتعاطفه وعقلانيته المنطقية, وهو علاوة على أنه مراسل للشؤون العسكرية ونائب في البرلمان البريطاني وسفير لليونسيف, فإنه أيضا كاتب آسر.
وسيكون من المحزن أن يتجاهل العالم الدعوة التي يطلقها في مؤلفه, فهو ينهي الكتاب بنبرة أمل وبالتنبؤ بأن حرب العراق الثانية ستؤدي إلى عودة الناس للانشغال بالعملية السياسية. وفي وقت يعرب فيه عن شكه في كوننا نعيش عصراً ذهبياً, وخوفه من أن نكون في جنة الحمقى الوهمية, فإنه يفتح أمامنا إمكانية تحسين الأحوال. وعسى أن يستجيب العالم لهذه الدعوة.