خدمة كمبردج بوك ريفيو
يقدم مؤلف هذا الكتاب على محاولة فيها قدر غير قليل من التحدي وهي تعريف الإسلام بشكل مدرسي ميسر مع إبراز طابعه المركب والمتعدد للقارئ الفرنسي عامة عن طريق شرحه لابنته المتهيئة لدخول عتبة الشباب. وبالتالي فإن السؤال هو كيف يمكن جعل المادة الإسلامية المقدمة قادرة على توسيع معارف ابنته بدين يعد ثاني الديانات الرسمية في فرنسا وأكثرها انتشارا بعيدا عن حالة التسطيح والتشويه الغالبة على التغطيات الإعلامية الفرنسية مع الحفاظ في الوقت نفسه على رصانة الفهم والتحليل.
|
- اسم الكتاب: الإسلام في خدمة ابنتي - المؤلف: رشدي عليلي - عدد الصفحات: 161 - الطبعة: الأولى 2000 - الناشر: سوي (Seuil) | |
نستطيع أن نقول إن هذا هو الاهتمام الرئيسي الذي حكم الكاتب الفرنسي رشدي عليلي في مؤلفه المعنون بـ"الإسلام في خدمة ابنتي" قاصدا بذلك تقديم رؤية مبسطة عن الإسلام ولكنها مركبة وبعيدة عن التشويه تكون في متناول كل راغب في الاطلاع على الإسلام وفهم حركته الداخلية. ويشير الكاتب إلى أن هناك عددا واسعا من المؤلفات التي صدرت في الساحة الفرنسية عن الإسلام في العقود الأخيرة ولكنها مع ذلك بقيت كتابات متخصصة وموجهة لنخبة من المتخصصين لا غير كما صدرت كتابات تعريفية جيدة ومعمقة ولكنها تتجاهل بوعي أو دون وعي الطابع المتعدد والمركب للخارطة الفكرية والجغرافية الإسلامية.
يتنزل الرهان الرئيسي لهذا الكتاب في إدخال الإسلام ضمن ما يمكن تسميته بدائرة التاريخ الحي أي إبراز تنوعه الداخلي ومختلف قواه الفكرية والاجتماعية وأشكال استجاباته التاريخية بدل حشره في صورة نمطية جاهزة وبسيطة على نحو ما هو مترسخ في الوعي والوجدان الغربيين وما هو غالب على دوائر الإعلام وحتى المؤسسات البحثية والأكاديمية الغربية. يمكن القول هنا إن الكاتب قد نجح إلى حد كبير في تقديم الإسلام على شاكلة رحلة تاريخية شيقة تتداخل فيها سلاسة الأسلوب مع كثافة المعطيات التعريفية التي يجد فيها القارئ الأجنبي وغير المتخصص مادة هامة لتوسيع دائرة اطلاعه وفهمه للإسلام. تبدأ هذه الرحلة التاريخية بالتوقف عند السيرة الذاتية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم منذ مرحلة الطفولة مرورا بنزول الوحي وتحمل أعباء القيادة الروحية والسياسية للجماعة الإسلامية الناشئة في المدينة ثم فتح مكة وانتشار الإسلام في الجزيرة العربية وأشكال تعاطي النبي محمد مع الخلفاء ومع الخصوم من مشركي الجزيرة العربية.
” الأدبيات الاستشراقية تهدف إلى تذويب الإسلام في شخص النبي صلى الله عليه وسلم ثم تجريد هذا الأخير من أبعاده العلوية الروحية وتحويله إلى مجرد زعيم عربي ذي سمات قيادية ملهمة لا غير. ولعل هذا البعد هو الذي تستبطنه تسمية الإسلام بالمحمدية في الأدبيات الاستشراقية التقليدية ” |
ورغم أن الاهتمام بشخص النبي يبدو ظاهرة بارزة في الفصول الأولى من الكتاب فإن ذلك بقي مندرجا ضمن الاهتمام بظاهرة الإسلام كدين وحدث حضاري, ومن ثم لم يتم تناول شخصية النبي من زاوية خصاله القيادية السياسية على نحو ما تفعل الكثير من الأدبيات الاستشراقية الهادفة إلى تذويب الإسلام في شخص النبي صلى الله عليه وسلم ثم تجريد هذا الأخير من أبعاده العلوية الروحية وتحويله إلى مجرد زعيم عربي ذي سمات قيادية ملهمة لا غير. ولعل هذا البعد هو الذي تستبطنه تسمية الإسلام بالمحمدية في الأدبيات الاستشراقية التقليدية وهي تسمية ما زالت تلقي بظلالها إلى اليوم على الفضاء البحثي والأكاديمي الغربي وما زالت جارية على ألسنة قطاع واسع من الغربيين. بعكس ذلك فإن هذا الكتاب حافظ على نوع من التوازن في النظر إلى شخصية النبي محمد من خلال أبعادها السياسية الدنيوية والروحية الملهمة.
ثم ينعطف المؤلف نحو تفصيل المتغيرات الفكرية والسياسية الطارئة في حياة الاجتماع الإسلامي بعد وفاة الرسول العربي من ذلك الانقسام السياسي حول مسألة الخلافة وما نتج عنها من انقسام مذهبي في المرحلة اللاحقة. ثم تناول الفتوحات الإسلامية الواسعة في أفريقيا وآسيا والتي طالت لاحقا الحدود الأوروبية وخاصة الجنوبية منها. وعلى عكس النظرة المهيمنة التي ترى في الإسلام مجرد دين مقاتل انتشر بحد السيف فقد أبرز الكاتب الروح الانفتاحية والمتسامحة التي ميزت الإسلام في التعاطي مع الديانات المخالفة التي احتضنها الفضاء السياسي الإسلامي الواسع خلافا للروح الاستئصالية والتطهيرية التي ميزت الكنيسة المسيحية في القرون الوسطى كما يذكر الكاتب. وعلى المنوال المدرسي نفسه ينحو المؤلف نحو بسط النظرة الوجودية الإسلامية لمسألة الألوهية وحرية الإرادة والاختيار الإنساني ثم تفصيل القواعد الخمس المؤسسة للإسلام وهو مدخل يمثل على بساطته مادة تعريفية جيدة لفهم المسلكية الدينية الإسلامية.
مع كل ذلك يبقى الفصلان الأخيران من أكثر فصول الكتاب إثارة ومتعة بالنسبة للقارئ سواء المتخصص أو غير المتخصص. ففي الفصل قبل الأخير تم تقديم مسحة عامة وشاملة لما يمكن تسميته بالحركة الفكرية للإسلام الكلاسيكي المتوزعة بين مختلف المدارس الكلاميه والأصولية الفقهية والصوفية وصولا إلى حركات الإحياء الإسلامي الكلاسيكية منذ الغزالي وابن تيمية انتهاء بإصلاحية الشيخ أحمد السرهندي في شبه القارة الهندية والشيخ محمد عبد الوهاب في الجزيرة العربية. ولعل أهم الصور التي يمكن أن تنطبع في ذهن القارئ الأجنبي لهذا الفصل هو الوعي بالطابع الديناميكي والمتحرك للإسلام من جهة وتعدد مدارسه الفكرية والكلامية من جهة أخرى وذلك خلافا للرؤية الشائعة في الأوساط الفكرية والسياسية الغربية التي تصور الإسلام على شاكلة دين نمطي وبسيط يعكس بساطة الفضاء الجغرافي المتصحر وفقر البيئة الفكرية العربية التي نشأ فيها، فضلا عن جموده الداخلي وافتقاده لروح التجديد والمبادرة التاريخية.
الفصل الأخير يتناول ما يمكن تسميته براهنية الإسلام في العصر الحديث الذي يؤشر الكاتب على بداياته بحروب التوسع الإمبريالي الغربي وإخضاع الجغرافيا الواسعة للإسلام لسيطرة الجيوش الأوروبية وما لحق ذلك من ضروب التحكم الاقتصادي والسياسي المباشر وغير المباشر فقد مثلت حملة نابليون بونابرت سنه 1798 لمصر والشرق الإسلامي عامة بداية التصدع لعالم الإسلام وفرض نمط التحديث المشوه. واجه الوعي الإسلامي منذ بدايات القرن الثامن عشر حالة من الحيرة التاريخي على قاعدة السؤالين التاليين: ما الذي جعل من السيطرة الأوروبية على عالم الإسلام الواسع والممتد أمرا ممكنا؟ وكيف يمكن العيش في عالم الإسلام الجديد والمتصدع بالسيطرة الغربية؟
” الغرب الحديث بالنسبة للغالبية الواسعة من المسلمين لا يزيد عن كونه خبرة تقنية وعلمية تتوزع بين الأدوات العسكرية الناجعة وأدوات الاتصال الشرعية وصولا اليوم إلى الحاسوب الآلي ووسائط الاعلام الحديثة، وهو بالنسبة لدائرة أضيق من المسلمين نموذج النجاعة الإدارية والسياسية المعبر عنها اليوم بالنموذج الديمقراطي ” |
تباينت أشكال التعاطي مع العصر الحديث وأنماط تمثل الغرب الحديث قي دوائر الوعي الإسلامي تناسبا مع نوعية الإجابة المقدمة للسؤالين السابقين. فالغرب الحديث بالنسبة للغالبية الواسعة من المسلمين لا يزيد عن كونه خبرة تقنية وعلمية تتوزع بين الأدوات العسكرية الناجعة وأدوات الاتصال الشريعة وصولا اليوم إلى الحاسوب الآلي ووسائط الإعلام الحديثة، وهو بالنسبة لدائرة أضيق من المسلمين نموذج النجاعة الإدارية والسياسية المعبر عنها اليوم بالنموذج الديمقراطي. وهو في منظور النخب الإسلامية مثال مغر في مستوى حيويته الثقافية ومنجزاته الفكرية والأدبية إلى جانب ديناميكيته الدينية. ولعل أحد الأبعاد المفقودة في تحليل الكاتب لنظرة المسلمين للغرب الحديث هو كون هذا الأخير ظل في مستوى الوعي والوجدان الإسلامي ورغم كل المغريات التي يقدمها في هذا الجانب أو ذاك قوة عدوان وتوسع بدرجة أولى ولعل هذا يعود إلى سببين رئيسيين الأول هو كون المسلمين لم يكتشفوا الغرب الحديث في إطار حركة مساجلة فكرية وثقافية هادئة بقدر ما اكتشفوه في أجواء التوسع الاستعماري وتحت فوهات المدافع. ثانيا أن هذه الصورة العدوانية ما زالت منطبعة إلى اليوم في المخيلة الإسلامية بسبب رسوخ نزعات الهيمنة الغربية ورغم تلبسها بشعارات وعناوين مختلفة ولعل التعبير الأكثر كثافة وإيلاما للضمير الإسلامي اليوم هو الدعم الغربي غير المشروط للمشروع الصهيوني في فلسطين وأخيرا (وليس آخرا) محاصرة الشعب العراقي وإبادة أطفاله ونسائه إلى جانب غياب قيمة العدل والإنصاف في التعاطي مع قضايا العالم الإسلامي ومشاكله. ويمكن أن نضيف هنا أن الغرب الحديث ورغم تمدد أذرع سيطرته الدولية واتساع نفوذه في العالم ورغم مظاهر الرفاه الاقتصادي النسبي الذي ينعم بها قياسا ببقية شعوب الكوكب لم يعد بالنسبة للنخبة الإسلامية على تلك الدرجة من الإغراء والجاذبية التي كان يتمتع بها مطلع القرن الثامن عشر أو القرن التاسع عشر مثلا كما كان الأمر بالنسبة للشيخ الطهطاوي وبقية تلاميذه في الشرق الإسلامي أو بالنسبة لرجال التنظيمات الذين بهرتهم عواصم الأنوار الأوروبية. وهو إلى جانب ذلك لم يعد سرا ملغزا تتناقل أخباره بعض النخب من الإرساليات العلمية أو السياحية بقدر ما أصبح كتابا مفتوحا أمام أبصار ومسامع قطاع واسع من المسلمين، كما أن مرور الغرب الحديث بمنعطفات وأزمات كبرى وضعت مجمل طوباوياته محل اختبار تاريخي من ذلك حربان مدمرتان تم نعتهما بالعالمية بين القوميات الأوروبية المتنازعة على السيطرة والنفوذ الدوليين إلى جانب ظهور الأنظمة الشمولية في قلب "الغرب الليبرالي الحديث" ثم ظهور تيارات نقدية واحتجاجية على تجربة الحداثة الغربية منذ مطلع القرن العشرين كل ذلك أسهم بأشكال مختلفة في تفكيك اليقين الذاتي للحداثة الغربية التي كانت مدفوعة بأيدلوجيا التقدم وتصدير النموذج للخارج ومن ثم دفع نخب العالم الثالث إلى إدانة النموذج الحداثي الغربي والبحث عن بدائل أخرى.
وفي الأخير يخلص المؤلف إلى متابعة خيط الإصلاحية الإسلامية في العصر الحديث متوقفا عند أهم تعبيراتها منذ بدايات الاحتكاك بالغرب الأوروبي الصاعد سواء تلك التي أخذت صورة إحيائية صوفية مثل حركة الأمير عبد القادر في الجزائر والحركة المهدية في السودان والسنوسية في ليبيا أو تلك التي أخذت صورة إصلاحية هادئة ذات منحى وفاقي كما هو الأمر بالنسبة للسيد أحمد خان في الهند الذي لم يتردد في التعاون مع سلطة الحماية الإنجليزي لترسيخ عرى مشروعه "الإصلاحي" أو تلك التي انطبعت بروح إحيائية مناضلة كما هو الأمر عند الشيخ جمال الدين الأفغاني الذي مزج بين خيار العودة إلى منابع الإسلام وتجديد الوضع التاريخي للمسلمين مع نزعة مقاومة للاحتلال الإنجليزي والفرنسي والذي ترك بصماته الواضحة على المرحلة الأولى من حياة تلميذه الشيخ محمد عبده قبل أن يختار هذا الأخير منحى إصلاحيا تربويا هادئا في المرحلة اللاحقة من حياته وبعد ارتطامه بالصخرة الصلبة للاحتلال الإنجليزي في مصر. ولعل ما يلفت الانتباه هو أن نظرة الكاتب لظاهرة الإسلام السياسي منذ بواكير نشأته في مصر مع حسن البنا سنة 1928 مؤسس حركة الإخوان المسلمين مرورا بالثورة الإيرانية وبقية تيارات الحركة الإسلامية لما تتجاوز حدود القراءات السائدة في الوسط الفكري والإعلامي الغربي وتحديدا الفرنسي منه الذي تغلب عليه ملامح الاختزال والتوتر في قراءة هذه الظاهرة الواسعة والمتنوعة. ومع كل ذلك فإن هذا الكتاب على صغر حجمه وطابعه المدرسي التعليمي يعد إسهاما متميزة في تقديم الإسلام بشكل مبسط للقارئ الفرنسي ودون الوقوع في مطب التسطيح والتعميمات المشطة على نحو ما هو شائع في الوسط الفكري السياسي والإعلامي الفرنسي الذي يغلب عليه ملمح الإثارة والتشويه لكل ما له علاقة بالإسلام والمسلمين.