كامبردج بوك ريفيو
يتصدى هذا الكتاب ذو العنوان الاستفزازي لاستطلاع التأثير الذي تركته على النطاق العالمي السياسة الخارجية للولايات المتحدة والمؤسسات الاقتصادية والثقافية الأميركية التي تمارس هيمنة غير مسبوقة. ويهدف إلى تحديد الأسباب التي تحمل الناس على كراهية أميركا بغية التعرف على السياسات الواجب اتباعها خصوصاً على ضوء أحداث 11 سبتمبر/ أيلول. وهو يحاول الإجابة على السؤال الكبير الذي مافتئ يُطرح بعد تفجيرات سبتمبر/ أيلول والنقاشات الحادة التي أعقبتها.
|
-اسم الكتاب: لماذا يكره الناس أميركا? -المؤلف: ضياء الدين سردار وميريل واين ديفز -عدد الصفحات: 225 -الطبعة: الأولى 2002 -الناشر: آيكون بوكس, كامبردج | |
والكتاب بمجمله نوع من رد الفعل الانعكاسي لذلك الحدث وما نجم عنه من اهتمام بظاهرة معاداة أميركا. وبينما يتعامل المؤلفان مع قضية معاداة أميركا بصفتها نوعاً من الرفض لطبيعة الشر، يحسنان صنعاً بتجنب منطق "محور الشر" الذي جاء به بوش ويقران بأن تصنيف المواقف تبعاً لهذا المفهوم يسجل إخفاقاً في التعامل معها.
يقصر الكتاب عن التمييز بين "كارهي" أميركا تماماً كما يقصر في التمييز بين الأميركيين أنفسهم. لكنه يطرح وجهة نظر مثيرة ترى أن الكراهية ليست سوى ردة فعل على ما يشعر به الآخرون من كراهية من جانب الأميركيين أنفسهم لكل ما هو مسلم.
” يجب أن لا يندهش أحد لمعرفة أن الآخرين يشعرون بأن أميركا قد أعلنت الحرب على العالم غير الأوروبي ” |
ويقول المؤلفان "يجب أن لا يندهش أحد لمعرفة أن الآخرين يشعرون بأن أميركا قد أعلنت الحرب على العالم غير الأوروبي", وهي مقولة يصعب على كثيرين من الأميركيين فهمها وإدراك أن هذا هو رأي العالم بما يقوم به بلدهم في الخارج. ويقلب المؤلفان هذا المنطق المقابل بشيء من التفصيل مجادلين بأن ضيق أفق الكثير من الأميركيين هو المسؤول عن إطلاق هذه الكراهية. لكنهما يتجنبان بهذه الطريقة التصدي لتعريف من هو الذي يكره أميركا, كما لا يعرفان أيضاً ما هو ضيق الأفق ومن هم الأميركيون ضيقو الأفق.
هذا ويرجعان ضيق الأفق ذاك إلى حقيقة كون "أميركا لا تعنى بالكثير من الأخبار الخارجية ولا تنفتح على الثقافات الشعبية الأجنبية, ويحكمها نواب منتخبون لم يسبق لهم أن غادروا أميركا". وبالتأكيد فإنهما بذلك يضعان أصابعهما على أهم معضلة في الإعلام الأميركي وفي صناعة الرأي العام هناك. فأميركا بالنسبة للغالبية القصوى من الأميركيين هي "أم العالم" أو هي "العالم", وكل ما يجري خلف البحار والمحيطات التي تحيط بها لا يعنيهم في شيء.
وهناك أيضاً -كما يشير المؤلفان- تأكيد كبير على جوانب ضعف الثقافة الأميركية وفشل المخيلة الأميركية في إدراك مدى المعارضة التي تثيرها السياسات الأميركية. فالأميركي المعزول طوعاً بسبب انشغاله في تفصيلات حياته اليومية, أو قسراً بسبب إغراق وسائل الإعلام في القضايا المحلية والتافهة وملاحقة أخبار الفنانين, لا يستوعب ولا يعرف أساساً ما الذي تقترفه السياسة الخارجية الأميركية في بقية مناطق العالم, وكيف يُنتج توحش تلك السياسة عداوات متراكمة ضد الولايات المتحدة وسياستها وشعبها أيضاً. وعندما تنفجر تلك العداوات بشكل عنيف يتفاجأ الأميركيون ولا يدركون ما الذي حدث ولماذا.
” الأميركي المعزول طوعاً بسبب انشغاله في تفصيلات حياته اليومية, أو قسراً بسبب إغراق وسائل الإعلام في القضايا المحلية والتافهة وملاحقة أخبار الفنانين, لا يستوعب ولا يعرف أساساً ما الذي تقترفه السياسة الخارجية الأميركية في بقية مناطق العالم, وكيف يُنتج توحش تلك السياسة عداوات متراكمة ضد الولايات المتحدة وسياستها وشعبها أيضا ” |
ثقافة الإرهاب البيولوجي
يشبّه الكتاب الثقافة الأميركية بالإرهاب البيولوجي, ويرى أن تلك الثقافة تفتقر إلى الهدف الواضح وأن كل ما يعنيها هو بث جراثيمها لتدمير المجتمع. ومما يزيد خطر هذه الثقافة أنها مغرية للآخرين ومرغوبة من قبلهم. وبينما يقوم الأميركيون بزرع هذا الجرثوم السام, فإن "ضحاياه" هم الذين يخوضون به "الحرب الجرثومية".
ويرى معلقون أن المؤلفين يتطرفان في هذا الوصف, إذ رغم الجوانب الهشة والضعيفة العديدة في الثقافة الأميركية فإن ذلك لا يبرر التطرف في وصفها بأنها جرثوم سام ينتشر في العالم. ومن هنا فإن الكتاب لا ينجح تماماً في التمييز بين الأرضيات المتعددة التي تقوم عليها كراهية أميركا, مفسحاً المجال للكثير من الكلام حول الهامبرغر و"استعمار الكولا" ناهيك عن أثر عروض التلفزيون الأميركية وسياسة واشنطن الخارجية. وكان بالإمكان الانخراط في نقاش أكثر عمقاً, والتفريق بين المكونات المتعددة للثقافة الأميركية والإشادة ببعض جوانب الفكر الانفتاحي والليبرالي, مع إدانة تيارات الانعزال والتقوقع بالطبع.
وتبعاً لما يراه المؤلفان فإن "الهامبرغر يجسد الطريقة التي تستحوذ بها الولايات المتحدة على حياة الأشخاص العاديين في بقية أنحاء العالم وتضيّق المساحة المتاحة لثقافاتهم الخاصة". فالهامبرغر خطير ليس لأنه يمثل الإمبريالية الثقافية فحسب، وإنما لأنه منتوج يرغب فيه الآخرون ويعتبرونه شيئاً متفوقاً وحديثاً. وهنا يمكن للمرء أن يجادل بأن هذه النظرة اختزالية إلى حد كبير, فرغم أن ثقافة الهامبرغر وما يرتبط بها من حياة سريعة وسطحية هي نتاج أميركي وتؤثر في أنماط معيشة غير الأميركيين وينجذبون إليها, فإنهم ينجذبون أيضاً إلى جوانب أكثر أهمية لها علاقة بالتقدم التكنولوجي وبتوفر الفرص الاقتصادية وبالتعليم والحرية السياسية والفردية.
كذلك تحظى العروض التلفزيونية الأميركية بالكثير من اهتمام المؤلفين اللذين يعتقدان بأن مسلسلا أميركياً يدعى "اليأس" يحمل قدرة كبيرة على توضيح مرامي الثقافة الأميركية "لأن اليأس هو الأيدولوجية الأميركية بأجلى معانيها", على حد قولهما. لكن مرة أخرى كان من المفروض التوسع في شرح هذا "اليأس", ومقارنته "باليأس" المنتشر في سائر أرجاء الأرض بنوعيه الوجودي العدمي أو الحياتي الاقتصادي. فقد تصح المجادلة هنا بأن "اليأس" الأميركي أو الغربي بعامة هو يأس "ما بعد حداثي" أو يأس مترفه, ولا علاقة له بأنواع "اليأس" التي يعاني منها كثير من الناس في بلدان ما قبل الحداثة. 
” الهامبرغر يجسد الطريقة التي تستحوذ بها الولايات المتحدة على حياة الأشخاص العاديين في بقية أنحاء العالم وتضيّق المساحة المتاحة لثقافاتهم الخاصة". فالهامبرغر خطير ليس لأنه يمثل الإمبريالية الثقافية فحسب وإنما لأنه منتوج يرغب فيه الآخرون ويعتبرونه شيئاً متفوقاً وحديثا ” |
الكيان السياسي العنيف
يحاول المؤلفان أيضاً تقديم بعض التحليل للأسباب السياسية التي تجعل أميركا مكروهة فيقولان إن "ما يكرهه الناس هو أميركا ذلك الكيان السياسي المستند إلى العنف وازدواجية المواقف, والخيلاء, والأنانية, والسذاجة التاريخية التي لا تفرق بين الذات وبقية العالم". وهنا ينتقد المؤلفان السياسة الخارجية الأميركية, مؤكدين أن "الولايات المتحدة في تعاملها مع بقية العالم تتصرف مثل مراهق نزق هائل الحجم, فإن لم تعجبها السياسة الاقتصادية لبلد ما فإنها تسحقه بواسطة منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي. فإذا لم يأت لها ذلك بالنتيجة المطلوبة فإنها تفرض عليه العقوبات أو تسعى إلى الإطاحة بزعمائه في انقلاب مدبر كما حدث في إيران وتشيلي وغواتيمالا". وربما جاز القول بأن مناقشة المؤلفين للسياسة الخارجية الأميركية بكونها الجذر الأساسي لنشوء الكراهية العالمية للولايات المتحدة هو أفضل قسم في الكتاب. فهنا يربط المؤلفان أسباباً واضحة بمسببات واضحة، ويمكن للمرء أن يتابع خط النقاش ويصل إلى خلاصات قوية.
فمثلا يخصص الكتاب عشر صفحات لقائمة بحالات التدخل الخارجي الأميركي التي وقعت في القرن العشرين. كما يقدم أسباباً اقتصادية لتبرير هذه "الكراهية" حيث إن أميركا "قد جعلت العيش أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة للشعوب الأخرى", إضافة إلى ما تعمد إليه من تلبيس اهتمامها الوحيد بالتجارة الحرة بلبوس المظهر الإنساني الذي تتخذ منه ذريعة للمزيد من التدخلات الخارجية حول العالم. لكن كان بإمكان المؤلفين أن يدعما كثيراً من المقولات العامة التي أورداها بحالات وأمثلة واقعية تعكس الوحشية الأميركية السياسية والاقتصادية في التعامل مع بقية دول العالم.
لكن تبقى مشكلة هذا الكتاب أن السؤال الذي يتصدى للإجابة عليه كبير ومتشعب تصعب معالجته في كتاب صغير أو من خلال صيغة الاختصار. ولعل أفضل طريقة لمعالجة ذلك السؤال هي تجزئته ومن ثم التصدي لمعالجة "بعض" قطاعات الناس الذين يكرهون أميركا و"بعض" الأمور التي تدفعهم إلى تلك الكراهية. غير أن الكتاب لا يختار هذا الأسلوب، فتراه ينجرف إلى الخلط بين قضايا مختلفة عندما يدعي -وعلى نحو اعتباطي- أنها جميعاً أرضية لتلك الكراهية. وهو يخفق في الإجابة على السؤال الذي طرحه بنفسه لأنه بدلاً من تقديم الأسباب المهمة التي تجعل الناس يكرهون أميركا قدم قوائم مختلطة ومربكة لأعداد كبيرة من الأشخاص الذين يكرهون أميركا.
صحيح أن الكتاب لا يعجز عن الإجابة على الـ"لماذا" التي طرحها، لكن كثرة عدد الأجوبة المحتملة التي يوردها تربك القارئ ولا تساعده بحيث لا يستطيع بعد الانتهاء من الكتاب أن يحدد بالضبط الأمر الذي أثار المزيد من الكراهية على الصعيد العالمي: هل هو التدخل الأميركي في أميركا اللاتينية أم هو كون هامبرغر "ماكدونالد" أميركياً?
” ما يكرهه الناس هو أميركا ذلك الكيان السياسي المستند إلى العنف وازدواجية المواقف, والخيلاء والأنانية والسذاجة التاريخية التي لا تفرق بين الذات وبقية العالم ” |
وباختصار يمكن القول إن كتاب "لماذا يكره الناس أميركا؟" مكتوب بلغة هستيرية توجه الانتقاد إلى جميع الأميركيين في كل مكان ويشوه سمعة معارضيهم. وبالإمكان القول أيضاً إن المؤلفين لم ينجحا تماماً في معالجة قضية كراهية أميركا بشكل موضوعي ومتماسك, بدليل الخاتمة الوعظية التي تحث الأميركيين على العمل على شفاء العالم من داء الكراهية وترى أن "السبيل إلى مستقبل متعقل وقادر على الحياة بالنسبة لنا جميعاً يكمن في تجاوز الكراهية. ولما كانت أميركا هي موضوع الكراهية العالمية ومصدرها فإن عليها أن تتحمل مسؤولية الانتقال بنا جميعاً إلى خارج حدود تلك الكراهية". ولا داعي للقول إن المؤلفين لم يقدما أي اقتراح بشأن الكيفية التي تستطيع بها أميركا تحقيق ذلك.
قد تبدو هذه المراجعة مفرطة في انتقادها للكتاب بسبب أسلوبه المفكك وعجزه عن معالجة موضوعه بطريقة تحليلية، ولكن لابد من إيفاء المؤلفين حقهما في السبق إلى تشخيص الطبيعة الكاسحة لكراهية أميركا. فهما يعتقدان أنه "في دنيا الحاضر المتعولم ينظر الجميع إلى أميركا بصفتها المسبب الأول لكل شيء"، فإذا كان الناس يكرهون أميركا لأنها تتحمل اللوم عن كل ما في العالم من مظالم, فلا عجب إذن أن تكون مهمة تقييم تلك المظالم عسيرة التحقيق إلى الحد الذي يكشف عنه الكتاب.