بقلم/ أكرم البني*
- مشاعر الشارع السوري
- عوامل وطنية وقومية ودينية
- تفشي خيبة الأمل
- قراءة في موقف المعارضة
- الخلاص الديمقراطي
ليس من قبيل المبالغة القول إن الحرب الأميركية البريطانية على العراق وسقوط نظام صدام حسين وهزم جيشه العرمرم، هي من أهم الأحداث وأخطرها تأثيرا على المجتمع السوري، ولعل ما تركته من علامات سياسية ونفسية في وجدان المواطن السوري وفي وعي وطرائق تفكير النخب السياسية والثقافية لا يمكن أن تمحى أو تزول.
مشاعر الشارع السوري
اللافت منذ اندلاع الحرب هو التعاطف الكبير الذي أبداه الشعب السوري بمختلف قطاعاته مع العراق وطنا وشعباً ونظاما. تعاطف وتضامن كان يتسع طردا مع استمرار مقاومة العراقيين ووضوح صمودهم ومع تواتر الصور المأساوية التي تبثها مختلف الفضائيات عما تخلفه آلة الحرب الأميركية البريطانية من قتل وتدمير.
لكن لا يمكننا قراءة رد فعل الشارع السوري إزاء الحرب على العراق إذا لم نميز ثلاث فترات متباينة حددتها متغيرات نوعية في مسار المعارك الدائرة، الفترة الأولى تمتد من لحظة اندلاع الحرب حتى انهيار النظام العراقي، والثانية هي فترة قصيرة تكثفها لحظة سقوط بغداد وما تلاها من عمليات عسكرية لتنظيف العاصمة من جيوب المقاومة العراقية ومن المتطوعين العرب، أما الفترة الثالثة فهي الزمن الراهن وتستغرقه حملة التهديدات الأميركية ضد سوريا المفتوحة على مختلف الاحتمالات.
يوميات الأسابيع الثلاثة من الحرب طبعت المجتمع السوري بطابعها وخلقت لغة جديدة -إن صح التعبير- بين المواطنين السوريين مفرداتها أخبار الحرب وتطورات المعارك اليومية. فمع تحية الصباح تفصح العيون عن آخر أنباء المقاومة العراقية وعن الجديد الحاصل في المناخ السياسي المخيم على الحرب، ويصبح مشهدا مألوفا رؤية جمهرة من الناس تلتف حول شخص ما ينقل آخر ما سمعه من معلومات أو تتجمع أمام المقاهي وحول المراكز العامة لمتابعة نشرة أخبار أو تفصيل جديد عن مجريات المعركة.
” بدت العاصمة دمشق كما لو أنها في عيد وهي تتابع أخبار المقاومة الباسلة في أم قصر والناصرية والبصرة وما تكبدته القوات الغازية من خسائر ” |
وارتفعت أصوات الابتهالات والأدعية الحارة التي تسمعها في كل مكان ويتناوب الناس على إطلاقها بأن ينصر الله العراق وشعبه وأن ينزل بالأعداء المجرمين العار والخزي وأشد عقاب.
والملاحظ أن النتائج اليومية للمعارك الدائرة فرضت نفسها بقوة على مزاج الشارع السوري فمع أنباء صمود العراقيين ودحر أو عرقلة تقدم الغزاة كانت الفرحة وروح التسامح يسودان كأسلوب في التعامل بين المواطنين، فمثلاً بدت العاصمة دمشق كما لو أنها في عيد وهي تتابع أخبار المقاومة الباسلة في أم قصر والناصرية والبصرة وما تكبدته القوات الغازية من خسائر.
وبالمقابل تلمس حالة من الوجوم والتوتر إذا حملت نشرات الأخبار معلومات عن شدة القتل والدمار الذي يحدثه القصف الأميركي أو عن انتصار جزئي حققته قوى التحالف ونجاح في التقدم على الأرض العراقية.
شعور التعاطف والتضامن مع العراق تجلى بوضوح أيضاً من خلال عدد من الفعاليات الميدانية لم تشهد العاصمة السورية لها مثيلا منذ الحرب الصهيونية على لبنان وحصار بيروت عام 1982 حماسة واندفاع للتطوع ذوداً عن بلاد الرافدين، شباب مقاتلون وأطباء وممرضون ومهندسون رغبوا في تقديم ما يملكونه من كفاءة لدعم صمود الشعب العراقي.
فوران في نشاطات اللجان الأهلية التي تشكلت قبل اندلاع الحرب مثل لجنة دعم الشعب العراقي ولجنة مقاطعة البضائع الأميركية اللتان سارعتا إلى إصدار بيانات يومية لشحن الروح المعنوية للمواطنين وتعبئتهم ضد أخطار الهجمة الأميركية الشرسة بالتلازم مع نشر وتعميم قوائم مفصلة عن البضائع والشركات الأميركية والبريطانية المفترض مقاطعتها.
عوامل وطنية وقومية ودينية
|
” موقف السلطة السورية الرافض للحرب لعب دوراً هاما في توسيع رقعة التعاطف وتطويره ” |
إن هذا الإجماع الوطني وشعور التعاطف الواسع لمختلف قطاعات الشعب السوري ما كان له أن يظهر بمثل هذه الصورة المتميزة لولا الاعتبارات التالية:
أولاً، خصوصية حضور المسألتين الوطنية والقومية في وجدان الشعب السوري وامتلاكه روح مميزة متحفزة (أضعفتها الهزائم والانكسارات وأساليب القمع والمصادرة لكن لم تستطع إلغاءها) للاستجابة لأي نداء وطني أو استغاثة قومية.
وكلنا يتذكر تعاطف السوريين العارم مع نضال الشعب الفلسطيني وما رافقه من نشاطات وتعبئة وصلت أوجها إبان الحملة الوحشية التي قادها السفاح شارون في رام الله ونابلس وجنين، ونتذكر أيضا الأنشطة والتظاهرات والاعتصامات وحملات التبرع والدعاية لمقاطعة البضائع الأميركية التي شهدتها العاصمة السورية دمشق في تلك الآونة وصل الأمر عند بعضهم إلى اعتبار ما يحصل كأنه "الربيع الفلسطيني" في دمشق بعد أن وئد "ربيع دمشق".
ثانياً، إن التيار الجارف المؤيد للعراق هو تعبير عميق عن رفض السوريين لأي شكل من أشكال التدخل الأجنبي ودليل واضح على شدة معاداتهم للدور الأميركي في المنطقة الذي خبروه جيداً في فلسطين جراء انحيازه ودعمه السافر للآلة العسكرية الصهيونية البربرية. ناهيكم عن غضبهم من العنجهية الأميركية البريطانية التي ضربت عرض الحائط بالأمم المتحدة ومجلس أمنها ومواقف دول كبرى كفرنسا وألمانيا وروسيا وازدرت التظاهرات الشعبية الواسعة التي انطلقت في معظم عواصم العالم رفضاً وإدانة للحرب.
ثالثاً، كان للعامل الديني أثر هام في توسيع ساحة هذا التعاطف ليشمل فئات اجتماعية تعتبر صدام حسين أحد حماة الإسلام والمسلمين وتراهن على دور له في تحرير الأراضي المقدسة من دنس الاحتلال.
رابعاً، إن موقف السلطة السورية الرافض للحرب لعب دوراً هاماً في توسيع رقعة التعاطف وتطويره، إذ جرت العادة في ظل تاريخ طويل من القمع ورفض الرأي الآخر ألا يغامر الشارع السوري في كشف مشاعره وأحاسيسه أو التعبير الصريح عن مواقفه الوطنية أو القومية المستقلة.
لا شك ستبدو صورة المزاج الشعبي إذا كان الموقف السوري بخلاف ذلك أقل وضوحا، وسنراها طافحة بصعوبات وعراقيل تصل في بعض الأحيان إلى حد القمع والاعتقال كما حدث مع بعض النشطاء السياسيين في غير مدينة من شمال وشرق سوريا عندما جاهروا بموقفهم الداعم إلى العراق إبان طرد جيشه من الكويت في حرب الخليج الثانية، وأيضا كما يحصل في بعض الأحيان حين تتجاوز إحدى التظاهرات أو بعض الأنشطة المستقلة الخط المرسوم لها.
تفشي خيبة الأمل
لكن بين يوم وليلة بدأ المزاج الشعبي السوري يتغير ويتبدل من حالة التعاطف والتضامن والأمل بنصر قريب على أميركا وأعوانها إلى حالة من الذهول والدهشة مع ورود الأخبار عن انهزام سريع للجيش العراقي وسقوط بغداد.
غاب الأمل وعم الوجوم والحزن وبدا الشارع كأنه في مأتم لا يصدق أو لا يريد أن يصدق الهزيمة، وسرت الشائعات كما النار في الهشيم لتزرع أملا واهماً في النفوس أو رغبات حالمة بأن ما حصل ليس النهاية بل مجرد مناورة وخطة ذكية تتبعها القيادة العراقية لجر الأميركان إلى فخ قاتل وتكبيدهم أفدح الخسائر، أو القول إن صدام حسين لم يمت أو يهرب وهو ما زال حيا يختفي في سراديب بغداد ويخفي سلاحه النوعي ليذيق أعداءه المر والعلقم ولو بعد حين.
أفاق الشعب السوري من ذهوله ودهشته، بعد أن لمَس لمْسَ اليد أن سقوط بغداد حقيقة لا تشوبها شائبة. وشيئا فشيئاً صارت مشاعر التعاطف تختلط بشعور عميق بمرارة المهانة والخديعة، ما سبب هذه الكارثة؟! من المسؤول عما حصل؟! ولماذا سقطت العاصمة العراقية وهزم الحرس الجمهوري ذي القدرات الأسطورية في لمح البصر؟.
تجرا البعض لأول على المجاهرة بانتقاداته، وبت تسمع عبارات واضحة تدين الممارسات الوحشية والدموية أو تستهجن مظاهر الفساد وحالة الرفاهية المبتذلة لصدام حسين وحاشيته في حين يعيش الشعب العراقي حالة مزرية معيشيا وصحياً.
” بعض السوريين لا يجدون غضاضة في الانحناء للعاصفة وإزالة الذرائع الأميركية وصياغة علاقات جديدة مع المنظمات الفلسطينية واللبنانية التي تحظى بالدعم السياسي السوري ” |
ويوماً إثر آخر صارت تتطور هذه المشاعر إلى حالة من السخط والغضب الشديد على النظام العراقي وتحمله المسؤولية الأساس عما جرى ربطا مع مظاهر الفرح التي عمت المدن العراقية، ومع عودة من نجا من المتطوعين العرب أو السوريين وما رووه عن لا مبالاة الجيش العراقي وعدم اكتراثه في القتال، وتلك الحكايات التي خونت بعض قادة الحرس الجمهوري على دورهم في قتل المئات من المتطوعين برصاص الغدر.
لم تدم الفترة الثانية إلا زمنا قصيرا إذ أصبحت التهديدات الأميركية لسوريا هي الشغل الشاغل للمواطن السوري، ومعها كثرت التساؤلات عن أساس هذه التهديدات ومدى جديتها، وهل تختار أميركا الحرب على سوريا أم أن الأمر مجرد ضغوط، وفي حال تقدم احتمال الحرب كيف يمكن أن نواجهها وبماذا نتحصن كي لا تتكرر المأساة العراقية؟..الخ.
في مواجهة التهديدات المتنوعة لسوريا يبدي معظم الناس حماسة وعزماً لمقاومة أميركا ومخططاتها ويعبر البعض عن صدق مشاعره الوطنية تلازماً مع الحديث عن إزالة الأسباب التي تضعف الوطن وتحجم من قدراته على المقاومة، مثل محاربة الفساد والمفسدين والعمل على خلق حالة من المصالحة والوحدة الوطنية على أسس الحرية واحترام التنوع الفكري والسياسي لاستنهاض كافة الفئات والقوى.
وبالمقابل لا تخلو الساحة من وجهة نظر تشير إلى عجز المجتمع السوري عن مواجهة الخيار العسكري ربطاً مع ظروف عالمية وإقليمية وعربية غير مواتية ومع وضع داخلي غير مهيأ، ويتحدث أصحاب هذه الرؤية -وإن بصوت خافت- عن ضرورة الانحناء للعاصفة ريثما تتغير الظروف ويتقوى البنيان الداخلي ديمقراطياً، ولا يجدون أي غضاضة من الحديث عن إزالة بعض الذرائع الأميركية وصياغة علاقات جديدة مع المنظمات الفلسطينية واللبنانية التي تحظى بالدعم السياسي السوري.
إن ما يميز المزاج الشعبي السوري اليوم هو اختلاط العواطف المعادية لأميركا مع إحساس عميق بالألم على ما حدث في العراق وأيضا مع القلق والخوف مما يحتمل أن يحل بالمجتمع السوري جراء ارتفاع حرارة التهديدات الأميركية، ويظهر للعيان وراء هذا المزيج من المشاعر أمل ورغبة صادقة عند أغلب المواطنين السوريين والنخب المثقفة في الخلاص من هذه الأزمة المركبة بأقل الخسائر والآلام.
قراءة في موقف المعارضة
” على الرغم من احتلال الهم الديمقراطي مرتبة أولوية لدى أحزاب المعارضة والمثقفين في السنوات الأخيرة من نشاطهم السياسي والاجتماعي فإن معظمهم ما زال أسير موروثات الماضي وعاجزا عن التحرر ” |
سياسياً، تجلت مشاعر التعاطف الشعبي مع العراق من خلال مواقف الأحزاب السياسية المستقلة وفي القلب منها أحزاب المعارضة السورية، ونخص بالذكر هنا التجمع الوطني الديمقراطي الذي يضم خمسة أحزاب سياسية ويمثل الجسم الرئيس للمعارضة في الداخل وأيضاً منظمات تشكلت في بحر السنوات الماضية لنصرة النضال الديمقراطي كالجمعية السورية لحقوق الإنسان ولجان إحياء المجتمع المدني ولجنة الدفاع عن حقوق الإنسان، ويمكن أن نضيف إلى هذا الطيف مجموعة مناهضة العولمة وكتل صغيرة من المثقفين الديمقراطيين المستقلين.
لكن مشاعر التعاطف العارمة المؤيدة للعراق التي عمت كافة الشرائح والفئات الاجتماعية السورية والتي لم تفرق بين الشعب العراقي بشرا وأرضاً وحضارة وبين نظام صدام حسين بماضيه الدكتاتوري الأسود، فرضت نفسها بقوة على وعي المعارضة السورية فآثرت في خطابها السياسي الصمت حيال طبيعة النظام العراقي الدكتاتوري الدموي وأغفلت ما يجدر بها أن تذكره عن ملفه المشين عن الحريات وحقوق الإنسان وعن حماقاته السياسية التي قادت شعبه من هزيمة إلى أخرى، والأنكى من ذلك أن يصل الأمر عند بعضهم إلى حد تبرئته من الآثام التي ارتكبها بحق مواطنيه ومن الشروخ العميقة التي أحدثتها ممارساته القمعية وأساليب الفساد والإفساد في البنيتين الإنسانية والوطنية للشعب العراقي.
ظهر موقف هذه القوى والفعاليات من خلال بيانات سياسية تواتر إصدارها لتأكيد دعم المجتمع السوري للشعب العراقي في مواجهة الغزو العدواني الأميركي البريطاني، وظهر أيضاً من خلال الشعارات الوطنية الصرفة المناهضة لأميركا وللأنظمة العربية المتواطئة التي رفعتها التظاهرات والاعتصامات المسائية التي نّظمتها المعارضة بصورة شبه يومية عند مبنى المفوضية الأوربية، إذ غابت عنها المطالب الديمقراطية والموقف الرافض لدكتاتورية النظام العراقي، بخلاف ما كان الوضع في تظاهرات سابقة نظمتها قوى المعارضة ذاتها حين تخللت شعاراتها الداعمة لصمود الشعب الفلسطيني مطالب صريحة عن الحريات السياسية والتعددية وتحرير إرادة الإنسان العربي.
طبعاً لم تقنع أحدا محاولات بعض المثقفين المحرجين تبرير سلوكهم بحجة أن الظرف غير مناسب وأن الأولوية يجب أن تعطى لمواجهة الغزو الأميركي، أو بذريعة أن اللحظة اليوم هي لحظة خيار حاسم مع العراق أو ضده، لا تحتمل أي حيز من الدعاية الديمقراطية كي لا نضع الحب في الطاحونة الأميركية، كذا !!.
إن انجراف قوى المعارضة السورية وبعض منظمات حقوق الإنسان والعديد من المثقفين الديمقراطيين مع التيار الشعبي واستسلامهم للمشاعر الوطنية الرائجة لا يمكن تفسيره بصورة علمية وموضوعية إذا لم نأخذ في الاعتبار الحقائق التالية:
الحقيقة الأولى تتعلق بالبنية التكوينية لغالبية مثقفي المعارضة السورية التي جاءت إلى العمل الديمقراطي من منابت وطنية وقومية عريقة (أحزاب الناصرية أو الاشتراكيين العرب أو البعث) أو من مشارب أيديولوجية شمولية (الشيوعية أو التيارات الدينية) بما في ذلك خصوصية تطور عقلها وفكرها السياسي الذي نما وترعرع في سياق تاريخ طويل من مناهضة الاستعمار ومقارعة قوى التدخل الخارجي وفي القلب منها المقاومة التاريخية المستمرة للمشروع الصهيوني.
وبالتالي على الرغم من احتلال الهم الديمقراطي مرتبة الأولوية لدى هؤلاء المثقفين في السنوات الأخيرة من نشاطهم السياسي والاجتماعي فإن معظمهم ما زال أسير موروثات الماضي وعاجزا عن التحرر، إن لم نقل متردداً في نفض يده من ثوابت فكرية وإيديولوجية عفا عنها الزمن وغدت تتناقض مع جوهر وروح الفكر الديمقراطي، الأمر الذي انعكس اضطرابا في نضالهم الديمقراطي وخاصة عند المحن والأزمات الوطنية أو القومية كاشفا حالة من عدم وضوح الرؤية عن ضرورة التلازم الحيوي بين المسألتين الوطنية والقومية ومسألة الحريات والديمقراطية.
يبدو أن الطبع يغلب التطبع، وهو أمر يدعو للأسف والقلق في آن معا أن تنسى بعض قوى المعارضة السورية ما استخلصته من دروس انكساراتها وهزائمها وتندفع تحت وطأة السخط على أميركا للتحصن وراء نظرة قومية متطرفة اعتادت عليها أو خلف رؤية دينية تتناقض تماما مع ادعاءاتها الديمقراطية تصور الحرب الدائرة كما لو أنها بين المسلمين وأعداء الإسلام متأثرة بمحاولات طرفي الصراع، أميركا والنظام العراقي، توظيف العديد من الرموز الدينية في آليات الحشد والتعبئة، ليغدو صدام حسين بين يوم وليلة بطلا قومياً لا يشق له غبار وخط الدفاع الأخير عن العروبة والإسلام!!..
الحقيقة الثانية تعود إلى شيوع مشاعر التعاطف الجماهيري مع العراق، و"نظامه" ساهم بدور كبير في خلق حالة حصار على المثقفين السوريين المتحمسين لقيم الديمقراطية والذين جاهروا في إدانة أنشطة وممارسات النظام العراقي السلطوية الاستبدادية، ما ساهم للأسف في تعديل أو تغيير مواقف بعضهم إلى درجة أصبحت متناقضة تماما أو بعيدة كل البعد عما كانت سابقا.
وللإنصاف يصعب تفسير تحول مواقف هؤلاء إذا لم نتفهم ما يشكله الحصار والضغط الاجتماعي من دور حساس وحاسم في أجواء الحرب وويلاتها خاصة ونحن نعيش في مجتمع يعاني من ضعف شديد في ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان وتاليا من غياب روح التفهم والتسامح مع حالات الاختلاف في الرأي وفي سلوكيات الأفراد والجماعات، فما ساد تاريخيا وأصبح بضاعة رائجة هو أسلوب قمعي الغائي في التعامل مع الرأي الأخر بوصفه رأيا مرفوضا ومنبوذا بل موضع إدانة واتهام على طول الخط وتحديداً عندما يتجرأ الفكر النقدي ويتناول ما يجده البعض مقدسات وطنية أو قومية.
لقد تجنب العديد من المثقفين السوريين الخوض في مسائل الحريات والتعددية عندما ناقشوا الحرب على العراق وقد شعروا أن آراءهم عن الدور والمسؤولية اللذين يقعا على عاتق النظام العراقي بأساليبه الدموية والتصفوية صارت موضع استهجان ورفض، فلجاْ بعضهم إلى المخادعة في تفاعله الحواري مع الأغلبية المؤيدة للعراق تحاشيا لإثارة الغضب والسخط وربما المقاطعة والاتهام!!. وآثر بعضهم الصمت معتبراً أن السكوت وعدم إبداء الرأي في الموقف من تعسف ودكتاتورية النظام العراقي هو بديل مغرٍ لكسب ود الشارع السياسي والشعبي أو في أحسن الأحوال اعتبار الأمر مجرد هدنة مع المزاج السائد، ريثما تمر العاصفة!!..
الحقيقة الثالثة ترتبط بالشعارات الديمقراطية التي رفعتها أميركا وادعاءاتها بأنها تخوض الحرب على العراق كمحررة من أجل وضع حد لدكتاتورية طويلة فرضها صدام حسين على شعبه، خلقت التباساً كبيراً وأربكت أنصار الحريات والتعددية من مثقفي المعارضة السورية بل أضعفت موضوعيا من فرصتهم على طرح المفاهيم والقيم الديمقراطية والتعبئة حولها تحت طائلة الاتهام بالعمالة أو التجريم بتأييد الغزو الأميركي للعراق حتى لو قالوا في مناهضة أميركا وإدانة عدوانها أكثر مما قال مالك في الخمر!!..
إن حالة الاضطراب التي عانت منها قوى المعارضة السورية ازدادت وضوحاً وعمقاً بعد سقوط بغداد وتبدل المزاج الجماهيري، لتكتشف متأخرة أنها ارتكبت مغالطة كبيرة حين انساقت وراء الانفعالات الشعبية العفوية وانشغلت عن مهامها الحقيقية في تعميم الوعي الصحيح لجدل العلاقة بين الوطني والديمقراطي وفي تثبيت تمييز صريح بين شعب العراق ونظام صدام حسين. وبدا معظم المثقفين في حالة ارتباك وهم يحاولون إيضاح أسباب الانهيار المروع للنظام العراقي ليستنجدوا بمواقفهم القديمة التي تدين دكتاتورية صدام حسين وأساليبه الدموية وتحمله مسؤولية الوضع المزري الذي وصل إليه العراق. لكن التهديدات الأميركية ضد سوريا أعادت الخطاب السياسي لبعض قوى المعارضة إلى جادة الصواب لنلمس الجمع بين الموقف الرافض لهذه التهديدات مع المطالبة بالحريات العامة وبالمسارعة إلى تطهير البيت من ظواهر الفساد كإجراءات لا غنى عنها لتحصين المجتمع واستنهاض وتعبئة كافة القوى والفعاليات على اختلاف منابعها الفكرية ومشاربها السياسية في مواجهة ما يحتمل أن يعترض الوطن من تحديات ومخاطر.
الخلاص الديمقراطي
” إن ما حرك ويحرك سياسات الإدارة الأميركية ويصنع مواقفها هي المصالح وليس المبادئ والقيم الديمقراطية ” |
بداية لا يخفى على أحد ماهية المخطط الأميركي وهدفه من الحرب على العراق ويعرف الجميع أن ما تحمله واشنطن من وعد للتنمية وللتغيير الديمقراطي ليس سوى وسيلة تمكنها من تعزيز هيمنتها على المنطقة والاستئثار بثرواتها، بما يعني خلق مجتمعات عربية ضعيفة مفككة تدار وفق أشكال هزلية من "حرية" التلاعب والتأثير، ويوفر أنسب الشروط لضمان استمرار سيطرة العدو الصهيوني وتفوقه.
مثل هذا الهدف هو على مسافة واضحة وبّينه مما تطمح إليه الشعوب العربية وقواها الحية في معركتها ضد قوى الاستبداد بغية بناء مجتمع ديمقراطي يحقق لها حريتها وكرامتها وسيادتها الوطنية ويكسبها فرصتها الحقيقية لدفع عملية التنمية والتحرر الاجتماعي والاقتصادي قدماً إلى الأمام.
إن ما حرك ويحرك سياسات الإدارة الأميركية ويصنع مواقفها هي المصالح وليس المبادئ والقيم الديمقراطية، فهذه الأخيرة قابلة للتعديل والتحوير بسهولة ويسر إذا ما تعارضت مع تلك المصالح. وتاريخ الولايات المتحدة الأميركية غني وحافل بما يؤكد هذه الحقيقة وأنه لم يردعها رادع في مواجهة ما يهدد مصالحها عن استخدام أعتى ما أتقنت صنعه من أسلحة.
لكن لا يعيب الديمقراطية أو يقلل من شأنها حين ترفع أميركا لواء الدفاع عنها كما لا يضعف ذلك من حق دعاتها والمناضلين من أجلها أو يطعن ويشكك في صدق انتمائهم والتزامهم بوطنهم. ومن المؤسف أن يركب البعض هذه الموجة ويوجه الانتقادات لأي مطالب تتعلق بالحرية والإصلاح الديمقراطي ويعتبرها اشتراطات "أميركية" ترتبط بمخططها أو يستسهل بعض الجهلة وضيقي الأفق توجيه تهم العمالة والخيانة بحق كل من يرنو إلى تطلعات شعبه نحو الحرية.
علينا أن لا نشكك بأهمية الديمقراطية وضرورتها الحيوية لمجتمعاتنا أو نقلل من دورها في تنمية المجتمع وتحرير إرادة الإنسان. ولعل أميركا ستضحك في سرها إذا نجحت في صرف جهودنا عن إنجاز المهام الديمقراطية المستحقة التي لن نتمكن بدونها من تحصين البيت الداخلي وحفز قوى المجتمع وتعبئتها ضد مختلف الأخطار.
فالديمقراطية مطلب حق وأمل الشعوب، ولا تشوب هذه الحقيقة أي شائبة حين تتربص خلف هذا الهدف النبيل غايات خاصة أو يستخدم ستارا لتحقيق أهداف ومصالح أنانية ضيقة.
إن أهم درس من دروس الكارثة العراقية هو أن نبقى يقظين من الخطر الكبير الذي يمثله العدو الخارجي وأن نشحذ الهمم لمقاومته لكن دون أن يقودنا ذلك إلى إهمال واجباتنا تجاه الأخطار الناجمة عن الأساليب الدكتاتورية وممارسات القمع والاضطهاد، فالظروف الحرجة بل الخطيرة التي نمر بها تستدعي أكثر من أي وقت مضى ألا يتخلى المثقفون الديمقراطيون عن دورهم الطليعي في الارتقاء بالانفعالات الشعبية العفوية وتوجيه حماستها الوطنية الصحية والمشروعة لتتكامل مع النضال الديمقراطي.
وعليهم أن يتحلون بالصبر ويجاهدون بكل قواهم كي يشقون طريقهم الصعب والوعر لنشر فكرة الترابط العضوي بين المسألتين الوطنية والديمقراطية، وتالياً الجمع بين مناهضة نتائج الحرب العدوانية على العراق ومقاومة الضغوط والتهديدات الأميركية لسوريا مع الدعوة الصريحة لنصرة الحرية والديمقراطية.
تغدو نصرة الديمقراطية ملحة اليوم مع ارتفاع حرارة الضغوط والتهديدات الأميركية لبلادنا، فالنفع كل النفع يأتي من إطلاق عملية الإصلاح والتغيير الديمقراطي ليس بوصفها مطلباً طبيعياً ومشروعا لكل مواطن كي يمارس حريته ويشارك في تقرير مصيره فحسب، وإنما أيضاً كونها ضرورة حيوية للوطن ككل، وعامل قوة للمجتمع والسلطة في آن معا، تهيئ الشروط المناسبة لمساهمة الجميع في تقوية البنيان الوطني وتمكينه من مواجهة ومقاومة مختلف الضغوط السياسية والاقتصادية، وحتى العسكرية.
” الظرف الراهن الذي تميزه حالة جلية من الإجماع الوطني السوري ويظهر استعدادا ً لتقديم ما يلزم من تضحيات لمقاومة التهديدات الأميركية يضع أمام السلطة فرصة ثمينة لبعث الروح في مسار الإصلاح الديمقراطي والانفتاح السياسي ” |
فشعور الإنسان بالحرية والثقة بجدوى انتمائه لوطنه هو صمام أمان التماسك الداخلي وهو القاعدة السليمة لتفاعل كل القوى الاجتماعية والسياسية وتالياً لاستنهاضها واستقطابها في خدمة الأهداف الوطنية العليا، وطبيعي أن إغلاق ساحة العمل السياسي هو التربة الخصبة لنمو ظواهر العنف والتطرف وأن معاندة استحقاق التغيير الديمقراطي ورفض حق وجود الرأي الآخر هي من أهم العوامل المشجعة على حدوث الاندفاعات المرضية نحو اللامبالاة الوطنية أو نحو الاستقواء بالأجنبي، كما كان حال فئات من الشعب العراقي وبعض قواه المعارضة.
آن الأوان أن تتقن قوى المعارضة السورية والنخب المثقفة آلية الجمع بين المسألتين الوطنية والديمقراطية، خاصة وأن هذه الآلية أصبحت ناظماً لتيار سياسي عام ينتشر في معظم البلدان المتخلفة وينعكس نضالاً مركباً في مواجهة ازدواجية هيمنة تتعرض لها، ركيزة داخلية تتكون من شرائح البرجوازية الطفيلية والبيروقراطية تسود وتحكم عبر النظام الأحادي الشمولي، وركيزة خارجية تتشكل أطرافها من البلدان الغربية والاحتكارات الرأسمالية العالمية.
عزز هذا التوجه في سوريا التطور التاريخي الخاص للمجتمع وتميزه بحالة شبه دائمة من الاستنفار الوطني مع تنامي قوة الدولة الصهيونية ووضوح عدوانيتها.
وما يؤكد هذه الحقيقة أن الزلزال الفكري والسياسي الذي أحدثه انهيار المنظومة الاشتراكية لم يمنح الاتجاه التدويلي للنضال الديمقراطي أي حظ من النجاح أمام زخم حضور الاتجاه الوطني، في حين كشفت الكارثة العراقية هشاشة البناء الداخلي الذي لا يستند إلى صخرة الحريات والديمقراطية.
والنتيجة أن قدر الشعوب العربية أن يحكمها هذا النضال المركب ضد الاستبداد والقهر ولنصرة مجتمع الحرية والتعددية من جهة ولمواجهة الأخطار المحدقة بالوطن صهيونية كانت أم إمبريالية من جهة ثانية.
دون أن نغفل أن مثل هذه المعادلة هي بمنتهى الدقة والحساسية ولابد أن تشوبها بعض الالتباسات في مساراتها العملية حين يتقاطع موضوعيا طرفها الأول مع سياسة الغرب وأميركا الداعية للحرية وحقوق الإنسان، ويلتقي موضوعياً طرفها الآخر مع الأنظمة التي مازالت في صراع مع الصهيونية والإمبريالية. هذه الالتباسات تصبح اليوم مأزقا جديا مع تبني أميركا جزءا من مطالب قوى التغيير الديمقراطي العربي وفي ظل استقواء الموقف الرسمي العربي بعلاقة مشوهة تاريخياً بين "وطن مقدس" و "ديمقراطية مستوردة " واستسهال إلصاق تهم الخيانة والعمالة بحق كل من يرنو نحو تطلعات شعبه إلى الحرية.
إن الظرف الراهن الذي تميزه حالة جلية من الإجماع الوطني ويظهر استعداداً استثنائيا سياسياً وشعبياً لتقديم ما يلزم من تضحيات لمقاومة التهديدات الأميركية المغرضة، يضع من جديد أمام السلطة السورية فرصة ثمينة يفترض استثمارها على أفضل وجه لبعث الروح في مسار الإصلاح الديمقراطي والانفتاح السياسي.
وبخلاف العقلية القديمة عن ضرورة إحكام السيطرة والضبط الأمني مع تقدم أي خطر يمس الوطن، فإن الدرس العراقي يؤكد أن مناخ الحرية والديمقراطية هو المناخ الصحي الذي يبعث في النفوس الحب العميق للوطن ويشحذ روح التضحية في سبيله.
ـــــــــــــــ
*كاتب وباحث سوري