دراسات - فعاليات - المليشيا والعنف في العراق
ابحث عن
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة
عن المركز تقدير موقفتقاريرملفاتقضايا للحوارأوراق الجزيرةفعالياتمنتدى المشرقعالم الكتب
الثلاثاء 3/12/1429 هـ - الموافق2/12/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:00 (مكة المكرمة)، 12:00 (غرينتش)
مواضيع متعلقة
طباعة الصفحة إرسال المقال
المليشيا والعنف في العراق

خليل الربيعي

لم تكن هذه المرحلة حالة استثنائية في تاريخ العراق المعاصر من ناحية وجود المليشيات، إذ شهد العراق الجمهوري مليشيا مؤطرة من الناحية القانونية تحت مسميات عدة ولكنها كانت حزبية الطابع، وتتصف بكونها دموية في التعاطي مع المعارضة السياسية، ومما ساعد على ذلك هو الطابع الفردي وهيمنة الحزب الواحد على الدولة.

"
هذه المرحلة في تاريخ العراق المعاصر، شهدت وجود مليشيات متعددة، فهي أكثر من عنوان، وخارجة عن سيطرة الدولة وتعمل على تقويض العملية السياسية
"
فالمقاومة الشعبية والحرس القومي والجيش الشعبي وجيش القدس، كلها عناوين للمليشيا، ولكن هذه المرحلة، شهدت وجود مليشيات متعددة، فهي أكثر من عنوان، وخارجة عن سيطرة الدولة وتعمل على تقويض العملية السياسية، إذ يتجاوز عددها المعلن على العشرين مليشيا، وإن تنوعت قي القدرات والإمكانيات والأهداف والوسائل.

ومن الطبيعي أن يكون لهذه المليشيا آثار سلبية على بناء الدولة العراقية.

وفي هذه الورقة سأحاول الحديث عن تلك الآثار، ولكن لابد من التطرق إلى أسباب ظهورها، وهذا ما نحاول الحديث عنه في المحور الأول من هذه الورقة، أما الثاني سيكون حول انعكاسات ذلك على بناء الدولة.

أسباب بروز المليشيا
يمكن القول إن هناك سببا واحدا مباشرا لظهور هذه المليشيات، وهو الاحتلال الذي أسهم في هذه الحالة من ناحيتين:

الأولى: أنه ولد حالة من الرفض الشعبي له عن طريق مقاومته السلمية وعمل أيضا على بروز مجموعات مسلحة تعمل تحت عنوان المقاومة، وكانت كتائب ثورة العشرين والجيش الإسلامي وغيرهما من العناوين أمثلة لمثل هذا الاستغلال، إذ خلطت بين مقاومة المحتل وبين الانضواء تحت الهوية الطائفية، وأخذت بتأثير من الواقع تهاجم العراقيين بل وتتبجح في أحد بياناتها بأنها قامت بتدمير جسر الخالية(1).

الثانية: أنها وباسم وجوب الجهاد قامت مجوعات مسلحة تتخذ من الدين إطارا شرعيا لممارساتها، ولكن انطلاقا من رؤية تفسيرية خاصة لمفاهيم الجهاد والعناصر المستهدفة، فأخذت بالعنف من أوسع أبوابه، وتداخل المشروع منه مع غير المشروع، واختزل الإسلام بهذه المجموعات وأحيت مفاهيم الطائفة الممتنعة، والكفر والارتداد. وعاد النفس الأحادي والهيمنة التفسيرية للدين تحتل المساحة الأكبر في خطاب هذه المجموعات أمثال تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين وأنصار السنة وفيلق عمر والطائفة المنصورة وعصائب أهل العراق، وغيرها كثير(2).

أما الأسباب غير المباشرة فهي:

الثقافة الإقصائية
سادت العراق في مراحل متقدمة من تاريخه، ثقافة إقصائية سواء أكانت على أساس ديني أم قومي أم مذهبي.

وقد خلقت هذه الثقافة نمطين متعارضين، الأول يشعر بالإقصاء الذي لا تمكن معالجته عبر الطرق الدستورية لأن أغلب الأنظمة التي حكمت العراق كانت دموية وفردية ودكتاتورية، وكان نظام حكم صدام حسين الوجه الأبرز لها (3) مما دفع بالبعض إلى تشكيل مليشيا لمواجهة هذه الحالة، وكانت البشمركة العنوان الأبرز لها فضلا عن المليشيا المسلحة للقوى الشيعية المعارضة، وامتد هذا النوع من الإدراك حتى بعد التغيير، إذ أدركت هذه الفئات لاسيما الشيعة أنها مستهدفة من التيارات الأخرى التي تحاول إقصاءها، الأمر الذي دفعها ومن أجل حماية نفسها إلى تشكيل المليشيا الخاصة بها، ولعل سبب ممارسة العنف منها هو للجم الأصوات والتيارات التي حاولت عن طريق العنف إبعادها عن مسرح الأحداث.

أما الطرف الآخر المهيمن فقد حاول المحافظة على هيمنته التي تعرضت إثر الاحتلال إلى الاختلال، فلجأ إلى تشكيل المليشيات، والتي اتخذت عنوانا وطنيا ولكنها كانت إقصائية في نظرتها، ولعل كتائب الفاروق وجيش الراشدين وفيلق عمر وغيرها من العناوين التي ظهرت على الساحة والتي تنتهي إلى العبثيين ومن ساندهم في المرحلة السابقة، مستغلة حالة الاحتلال لتضفي على حركتها البعد الوطني، في حين أنها تحالفت في معظم المراحل مع القاعدة وأنصار الإسلام والجيش الإسلامي وجيش محمد وغيرها من المليشيات التي أوغلت في دماء العراقيين بدلا من مواجهة المحتل (4).

عسكرة المجتمع
انطلاقا من الرؤية العبثية التي تقوم على إدخال الشعب في الصراع مع الأعداء (أعداء الحكم) عمل النظام السابق على خلق مليشيا متعددة اتخذت مسميات منها جيش القدس وفدائيو صدام بالإضافة إلى الحروب التي خاضها النظام ضد جيرانه، تحول المجتمع في أغلبه إلى مجتمع عسكري، ولذلك لا توجد صعوبة من ناحية التدريب والاعتدة التي تركها جيش النظام أثناء المواجهة مع الأميركان. هذه سهلت للفئات التي لا تؤمن بالتغيير أو المؤمنة به إلى تشكيل مليشيا تخدم مصالحها (5).

ضعف هيمنة الدولة
"
القانون الحاكم هو أن الوحدة الوطنية تتناسب طرديا مع وجود الدولة والقانون والشعور بالمساواة، وعكسيا مع وجود المليشيات ونفوذها داخل الدولة
"
ومن الواضح أن البناء الوطني يقوم على قاعدة وجود سيطرة للدولة واضمحلال التأثير السلبي للعناصر الخارجة عنها، بحيث أن القانون الحاكم هو أن الوحدة الوطنية تتناسب طرديا مع وجود الدولة والقانون والشعور بالمساواة، وعكسيا مع وجود المليشيات ونفوذها داخل الدولة.

ومن المنطقي في ظل استخدام العنف أن تتمحور الهوية الشخصية حول عناصر القوة التي تشعر بها، ولذا فإن المليشيات تمثل لدى البعض محاولة للمحافظة على الذات، فضلا عن كونها الهوية الاجتماعية والحامية للمكون الذي ينتمي إليه الشخص.

والمليشيات في العراق تشكل التهديد الحقيقي للوحدة الوطنية عبر محاور عدة منها:

  • أولا: من ناحية الولاء
    يمكن أن نقسم المليشيات في العراق من حيث ولاء أتباعها إلى:
    • مليشيات ذات عناصر أجنبية أو تخضع لقيادة أجنبية سواء أكانت عربية أم غير عربية، وهي تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، ومنظمة أنصار الإسلام، وجماعة المهاجرين العرب وكتيبة الرجال وغيرها، فضلا عن وجود عناصر من الأجانب في كتائب ثورة العشرين والتي كانت تمثل الجناح العسكري للمقاومة الوطنية الإسلامية والتي تخلت عن هذا الاسم إثر الانتقاد الحاد للتسمية من قبل القاعدة في العراق وإثر دخولها في تحالف معها عقب التهديدات الأميركية بمهاجمة الفلوجة والتي كانت مركزا لنشاط هذه الفئات.

      وهذه المليشيا أكثر خطورة على الوحدة الوطنية من أي مليشيا أخرى كونها لا تحمل الانتماء إلى العراق وأن الحس الوطني لها معدوم حتى لأولئك الذين يعملون تحت إمرة الأجنبي، بل إن ثقافة هذا التيار من المليشيات يقوم على الانتماء الفرعي أكثر من الوطني، إذ عادة ما يستخدم الدعاية التي تعمل على التفريق بين أبناء البلد الواحد من خلال استحضار مفردات ذات دلالة تفتيتية، والعمل على استقطاب العقول الساذجة بدعوى الحماية (6).

      فالوطنية تتنافى عند هذه الجماعات مع الإسلامية، وإن الوطنية بدعة غربية أريد من خلالها تقسيم المسلمين وعدم تكاتفهم لمواجهة المخططات الغربية الرامية إلى محاربة الإسلام والمسلمين.

      وتزداد خطورة هذه المليشيا عندما تجد لها من يدعمها ماديا وبشريا وإعلاميا من جانب الدول العربية والإسلامية ومن الأقليات المسلمة في الدول الأوروبية، من ناحية، وغض الطرف من جانب دول أخرى من ناحية ثانية، ظنا من هذه الدول أن مسار هذه المليشيات يخدم أهدافها المستقبلية إما بإبعاد شبح التغيير عنها، أو بتأخير ذلك.

      ولم يكن الأمر مجرد تكهن، وإنما اعتدنا يوميا من الإعلام أن نسمع عن شبكات تهريب وتجنيد مقاتلين إلى العراق. والمنظمة الوحيدة التي تعمل على هذا الإطار هي القاعدة التي توظف شبكة من الجماعات لهذا الغرض، وهي مدعومة من رجال دين لاهم لهم إلا تكفير من يخالفهم في الرأي.

      إن البعد الطائفي في خطاب هذه المليشيات لم يعد خافيا على أحد، وإن عملية خلخلة النسيج الاجتماعي العراقي تمت لأول مرة على يد هذه المليشيا، عندما استهدف في خطابه وعملياته وتنظيماته طائفة معينة من الطوائف الدينية، باتخاذ مسميات طائفية بصورة علنية، ولم يواجه هذا الخطاب أو السلوك بفعل عملي من كل مكونات الشعب العراقي في بدايته، بل استفحل حتى أصبحت عملياته تطال كل المكونات التي لا تلتقي مع خطه وفكره.

      ومن جانب آخر في خطورته أنه ولد لدى الطائفة الأخرى رد فعل عنيفا، مما دفع كل طائفة إلى التخندق وراء الهوية الطائفية بعد أن عجزت الدولة عن توفير الحماية.

      كما أن هذه المجموعات أخذت وانطلاقا من رؤيتها الفقهية تصف الآخرين بالارتداد والرفض والنفاق. وشهدت مناطق احتوائها عمليات قتل واغتيال لأبناء المناطق التي يتحركون فيها.

    • "
      الغريب أن بعض المليشيا الطائفية علمانية لا تؤمن بالطائفية كالمليشيا التي تدور في فلك البعثيين، ولا سيما جماعة عزة الدوري، ولكنها تتناغم في خطابها مع الطائفيين ظنا منهم إن هذا الخطاب يحقق لهم النتيجة المرجوة من الانتخابات
      "
      المليشيا الطائفية: وهذه المليشيا تتخذ من مسمياتها البعد الطائفي، وهي تتمترس خلف حجج وذرائع واهية ستؤدي إن لم يكبح جماحها في المستقبل إلى تمزيق النسيج الاجتماعي العراقي، إذ تعلن هذه المليشيا أنها تهدف إلى إخلاء مناطق معينة من الطوائف الأخرى عبر وسائل، بعضها مستورد من تجارب الحركات التكفيرية في العالم وخصوصا من مصر والجزائر، وبعضها الآخر من ابتكاراتها كالعمل على التهجير ألقسري وحرق البيوت والاستيلاء على بيوت المهجرين واستبدالهم بأبناء طائفتهم.

      ومن هذه المليشيا كتائب ثورة العشرين التي تحولت الى مليشيا طائفية، وكذلك مجاهدو الفلوجة بزعامة عبد الله الجنابي والتي قامت مجموعته وبتوجيه منه باستهداف الشيعة بالعراق، ولعل أولى حوادث الانتقام الطائفي بدأت عندما أقدمت جماعته على قتل سواق من الشيعة في الفلوجة والتمثيل بجثثهم.

      والغريب أن بعض هذه المليشيا علمانية لا تؤمن بالطائفية كالمليشيا التي تدور في فلك البعثيين، ولا سيما جماعة عزة الدوري، ولكنها تتناغم في خطابها مع الطائفيين ظنا أن هذا الخطاب يحقق النتيجة المرجوة من الانتخابات.

      وزيادة على هذا فإن بعض السياسيين يعملون على دعم هذه المليشيات أو توفير الحماية لها، من خلال تأجيج مساحة التوتر بين الطوائف (7).

      ويُخطئ من يظن أن التأثير المستقبلي لمثل هذه الممارسات يتلاشى بقوة الدولة المركزية، إذ أن الآثار الثقافية لها تأخذ بعدا أطول في الوجود، سيما إذا ما تزامنت مع ذكريات القتل والاغتيال والخطف والاغتصاب على الهوية، كما أن من عوامل تعزيز الوحدة الوطنية المصاهرة التي أصبحت معدومة، بل وصل الأمر إلى ارتفاع نسبة الطلاق لأسباب طائفية.

      ولم يعد الخطاب الطائفي مقتصرا على أدبيات هذه المليشيا، بل امتد إلى منابر التوحيد (منابر المساجد والجوامع) لتتحول إلى منابر للتفرقة والتمزيق، وتم استحضار إرث الماضي المليء بالمآسي والمشحون بأوصاف التفرقة والشقاق لتسود في توصيف الحالة المناوئة.

  • ثانيا: من ناحية الأهداف    
    يمكن أيضا أن نقسم المليشيات من ناحية الأهداف وتأثيرها على الوحدة الوطنية إلى قسمين هما:
    • مليشيا ذات أهداف سياسية
      تسعى هذه المليشيات إلى إعادة الوضع السياسي إلى ما كان عليه من هيمنة فئة معينة على مقاليد الأمور وإن غلف خطابها بالمفاهيم والدعوات الوطنية من مقاومة المحتل وغيرها، إلا أنها تعمل جاهدة على المحافظة على الامتيازات التي كانت تحظى بها في السابق، وعلى الرغم من أن اغلب عناصرها كانوا من العناصر العسكرية في النظام السابق ويتحملون مسؤولية تسليم مناطق معينة إلى المحتل دون قتال، وتوقيع صكوك التنازل والاستسلام، فإن الصفة الوطنية سرعان ما ظهرت لديهم عندما أدركوا أن المعادلة السياسية الجديدة لا توفر لهم تلك الامتيازات، فرفعوا السلاح بوجه السلطة المنتخبة، وأخذوا يستهدفون رجالات الدولة بدعوى الخيانة والعمالة للأجنبي، وإن كانوا هم ألصق بها من غيرهم.

      والغريب أيضا أن أهدافهم انحصرت في محاربة النفوذ الشيعي في العراق، دون أن يصرحوا بذلك علنا، وإن استخدموا عبارات المجوس والصفويين وتباكوا على عروبة العراق، وهم لم يفعلوا شيئا واحدا ضد التهديد الحقيقي لعروبة العراق من الوجود القاعدي الذي أخذ يسير في اتجاه التفتيت الجغرافي له.

      "
      وظفت الطائفية توظيفا سيئا في إستراتيجتها المستقبلية عندما ادعت تهميش فئة معينة من العراقيين، وأنها تعمل على إعادة التوازن السياسي إلى ما كان عليه في السابق، واستطاعت بالمال والسلاح والخطاب أن تستقطب أعدادا من تلك الفئة
      "
      كما أن خطورة هذه المليشيات في أهدافها أنها تحالفت مع القوى التي كانت إلى وقت قريب خائنة وعميلة بنظرهم كالسوريين والسعوديين والأردنيين وغيرهم (8).

      ورغم التعارض في الأهداف بين هذه الدول، إلا أنها استطاعت أن تعمل على الاستفادة منها لخدمة أهدافها مستخدمة الورقة القومية تارة والورقة الطائفية تارة أخرى.

      ووظفت الطائفية توظيفا سيئا في إستراتيجتها المستقبلية عندما ادعت تهميش فئة معينة من العراقيين، وأنها تعمل على إعادة التوازن السياسي إلى ما كان عليه في السابق، واستطاعت بالمال والسلاح والخطاب أن تستقطب أعدادا من تلك الفئة.

      إن مثل هذه المليشيا تمتاز بكونها خطرة من الناحية الوطنية لكونها تستغل الطائفية لتحقيق مكاسب سياسية، في حين أنها تعمق من الاستقطاب الطائفي بصورة يصعب عندها عودة اللحمة الوطنية. كما أنها أيضا تعيش حالة من النبذ الجماهيري من فئة الأكثرية، لأنها تدرك أنها تعمل على إعادة الظلم والإقصاء الذي وقع عليها.

      كما أنها وعلى فرض نجاحها في تحقيق أهدافها السياسية فأإها عندئذ ستغرق البلد في حروب داخلية كثيرة لاسيما وأن الشعب أصبح أكثر تحررا من الناحية السياسية، ولم يعد يقبل بأي وضع لا يحقق للتوازن السياسي.

    • مليشيا ذات أهداف دينية
      وهي تسعى إلى تحقيق وإقامة دولة الخلافة المتصورة في العراق، وهذه الدولة ستكون وفق رؤية خاصة للإسلام تستبعد الأكثرية أولا بدعوى الانحراف والكفر والارتداد، وتستبعد الأقلية بدعوى الارتداد والنفاق بالإضافة إلى استبعاد الأقليات غير الإسلامية من المشاركة في الحكم.

      ومن الواضح إن مثل هذه الرؤية تؤدي في المستقبل إلى مواجهات وصراعات تعمل على زيادة التفكك الاجتماعي، وقد تعمل على تعزيز الولاء والانتماء الطائفي، والتمحور حول الذات طالما أنها تعتقد أن الإسلام قد اختزل في أفكارها وتصوراتها، وأن من يخالفها الاعتقاد فهو كافر يستحق القتل والإبعاد من الوجود.

      وزيادة على هذا فإن إستراتيجتها تقوم على السعي لإقامة الدولة في أية بقعة آمنة حتى وإن كانت إقليما، وتعمل على التمدد إلى باقي الأراضي العراقية والعمل بعد ذلك على التوسع باتجاه الدول العربية والإسلامية، وفي هذه الخطة ستعمل على تكريس الانقسام ليس على أساس جغرافي فحسب، وإنما أيضا على أساس طائفي، وستعمل على دفع الآخرين إلى إعلان إقليمهم إن لم تكن دولتهم، مما تسهل عملية ذوبان العراق وتحوله إلى دويلات متعددة، ومثل هذا التخطيط يخدم المحتل أكثر من أية جهة حتى وإن ادعت الإخلاص للقضية العراقية.

"
المليشيات قد تخدم أهداف جماعات سياسية أو طائفية وربما دول أخرى في المرحلة الراهنة، إلا أنها قطعا لن تخدم العراق ولا تعمل على زيادة التلاحم الوطني
"
وفي الختام فإن المليشيات قد تخدم أهداف جماعات سياسية أو طائفية، وربما دول أخرى في المرحلة الراهنة، إلا أنها قطعا لن تخدم العراق ولا تعمل على زيادة التلاحم الوطني، بل إنها سوف تعمل على القضاء على أدوات الضبط الوطنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وربما تعود بالعراق إلى مرحلة ما قبل الدولة الوطنية الحديثة التي عملت على تعزيز المواطنة، وإن كانت السياسات الحكومية أثرت على هذه الثقافة الوطنية، ولذا لابد من وقفة جادة وجرئية لمواجهة المليشيات بغض النظر عن انتماءاتها وأهدافها، والعمل على تعزيز الولاء الوطني وتفعيل دور الدولة في عملية البناء.

ومن أجل التقليل من تأثير هذه المليشيا وإيقاف بروز غيرها، لابد من اعتماد الوسائل الآتية:

  1. اعتماد خطاب وطني يعتمد الانتماء إلى الوطن أساسا في القبول والرفض، والانطلاق من نظرة أن المستقبل يجب أن يكون للبناء لا للتصارع والتناحر، مع التخلي عن الماضي سلبا أو إيجابا في التحليل والتوجيه.
  2. الإيمان بمبدأ الشراكة المتساوية في الإدارة والبناء، والتخلي عن منطق الهيمنة والتسلط، وتعزيز البناء الديمقراطي السليم، وليس القائم على أساس الرضا عند تحقيق المصالح والرفض عند التعارض مع المصالح.
  3. اعتماد الأمة معيارا في رسم آفاق المستقبل، والتخلي عن مبدأ الوصاية عليها والتحدث نيابة عنها، كما هو ملاحظ في البيانات التي تصدر من هذه المليشيا أو تلك.
  4. العمل على إعادة تأهيل أفراد هذه المليشيات بما يمكن أن يكونوا عناصر إيجابية في المستقبل.



_______________
كاتب وباحث عراقي

(1) بيان هذه الفصائل حول هذه العملية.

(2) حول هذا الموضوع، انظر: أبو أنس الشامي، شبهات حول الجهاد في بلاد الرافدين، على موقع التوحيد والجهاد. كذلك رسالة أبو مصعب الزرقاوي إلى بن لادن والظواهري عام 2004.

(3) انظر: كنعان مكية، جمهورية الخوف.

(4) لقد نجم عن هذا التحالف مجلس شورى المجاهدين، وحول المجلس وبياناته، انظر: منتدى الفردوس وشبكة سحاب السلفية الإلكترونية.

(5) لقد اعترفت بعض أدبيات ما يسمى المقاومة في ذلك، انظر: كتاب العراق من الاحتلال إلى المقاومة.

(6) انظر: أبو أنس الشامي، شبهات حول الجهاد، مصدر سابق.

(7) حول هذا الموضوع، تابع: تصريحات عدنان الدليمي وطارق الهاشمي وآخرين.

(8) تحالف مليشيا البعثيين مع سوريا والأردن وغيرهما من الدول.

عودة لملتقى العراق

المصدر: الجزيرة
احفظ وشارك طباعة الصفحة إرسال المقال
من موقع الأخبار
الرؤية والأهداف|اتصل بنا|تقدير موقف|تقارير|ملفات|قضايا للحوار|أوراق الجزيرة|فعاليات|منتدى المشرق|عالم الكتب