خليل الربيعي
لم تكن هذه المرحلة حالة استثنائية في تاريخ العراق المعاصر من ناحية وجود المليشيات، إذ شهد العراق الجمهوري مليشيا مؤطرة من الناحية القانونية تحت مسميات عدة ولكنها كانت حزبية الطابع، وتتصف بكونها دموية في التعاطي مع المعارضة السياسية، ومما ساعد على ذلك هو الطابع الفردي وهيمنة الحزب الواحد على الدولة.
" هذه المرحلة في تاريخ العراق المعاصر، شهدت وجود مليشيات متعددة، فهي أكثر من عنوان، وخارجة عن سيطرة الدولة وتعمل على تقويض العملية السياسية " |
فالمقاومة الشعبية والحرس القومي والجيش الشعبي وجيش القدس، كلها عناوين للمليشيا، ولكن هذه المرحلة، شهدت وجود مليشيات متعددة، فهي أكثر من عنوان، وخارجة عن سيطرة الدولة وتعمل على تقويض العملية السياسية، إذ يتجاوز عددها المعلن على العشرين مليشيا، وإن تنوعت قي القدرات والإمكانيات والأهداف والوسائل.
ومن الطبيعي أن يكون لهذه المليشيا آثار سلبية على بناء الدولة العراقية.
وفي هذه الورقة سأحاول الحديث عن تلك الآثار، ولكن لابد من التطرق إلى أسباب ظهورها، وهذا ما نحاول الحديث عنه في المحور الأول من هذه الورقة، أما الثاني سيكون حول انعكاسات ذلك على بناء الدولة.
أسباب بروز المليشيا
يمكن القول إن هناك سببا واحدا مباشرا لظهور هذه المليشيات، وهو الاحتلال الذي أسهم في هذه الحالة من ناحيتين:
الأولى: أنه ولد حالة من الرفض الشعبي له عن طريق مقاومته السلمية وعمل أيضا على بروز مجموعات مسلحة تعمل تحت عنوان المقاومة، وكانت كتائب ثورة العشرين والجيش الإسلامي وغيرهما من العناوين أمثلة لمثل هذا الاستغلال، إذ خلطت بين مقاومة المحتل وبين الانضواء تحت الهوية الطائفية، وأخذت بتأثير من الواقع تهاجم العراقيين بل وتتبجح في أحد بياناتها بأنها قامت بتدمير جسر الخالية(1).
الثانية: أنها وباسم وجوب الجهاد قامت مجوعات مسلحة تتخذ من الدين إطارا شرعيا لممارساتها، ولكن انطلاقا من رؤية تفسيرية خاصة لمفاهيم الجهاد والعناصر المستهدفة، فأخذت بالعنف من أوسع أبوابه، وتداخل المشروع منه مع غير المشروع، واختزل الإسلام بهذه المجموعات وأحيت مفاهيم الطائفة الممتنعة، والكفر والارتداد. وعاد النفس الأحادي والهيمنة التفسيرية للدين تحتل المساحة الأكبر في خطاب هذه المجموعات أمثال تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين وأنصار السنة وفيلق عمر والطائفة المنصورة وعصائب أهل العراق، وغيرها كثير(2).
أما الأسباب غير المباشرة فهي:
الثقافة الإقصائية
سادت العراق في مراحل متقدمة من تاريخه، ثقافة إقصائية سواء أكانت على أساس ديني أم قومي أم مذهبي.
وقد خلقت هذه الثقافة نمطين متعارضين، الأول يشعر بالإقصاء الذي لا تمكن معالجته عبر الطرق الدستورية لأن أغلب الأنظمة التي حكمت العراق كانت دموية وفردية ودكتاتورية، وكان نظام حكم صدام حسين الوجه الأبرز لها (3) مما دفع بالبعض إلى تشكيل مليشيا لمواجهة هذه الحالة، وكانت البشمركة العنوان الأبرز لها فضلا عن المليشيا المسلحة للقوى الشيعية المعارضة، وامتد هذا النوع من الإدراك حتى بعد التغيير، إذ أدركت هذه الفئات لاسيما الشيعة أنها مستهدفة من التيارات الأخرى التي تحاول إقصاءها، الأمر الذي دفعها ومن أجل حماية نفسها إلى تشكيل المليشيا الخاصة بها، ولعل سبب ممارسة العنف منها هو للجم الأصوات والتيارات التي حاولت عن طريق العنف إبعادها عن مسرح الأحداث.
أما الطرف الآخر المهيمن فقد حاول المحافظة على هيمنته التي تعرضت إثر الاحتلال إلى الاختلال، فلجأ إلى تشكيل المليشيات، والتي اتخذت عنوانا وطنيا ولكنها كانت إقصائية في نظرتها، ولعل كتائب الفاروق وجيش الراشدين وفيلق عمر وغيرها من العناوين التي ظهرت على الساحة والتي تنتهي إلى العبثيين ومن ساندهم في المرحلة السابقة، مستغلة حالة الاحتلال لتضفي على حركتها البعد الوطني، في حين أنها تحالفت في معظم المراحل مع القاعدة وأنصار الإسلام والجيش الإسلامي وجيش محمد وغيرها من المليشيات التي أوغلت في دماء العراقيين بدلا من مواجهة المحتل (4).
عسكرة المجتمع
انطلاقا من الرؤية العبثية التي تقوم على إدخال الشعب في الصراع مع الأعداء (أعداء الحكم) عمل النظام السابق على خلق مليشيا متعددة اتخذت مسميات منها جيش القدس وفدائيو صدام بالإضافة إلى الحروب التي خاضها النظام ضد جيرانه، تحول المجتمع في أغلبه إلى مجتمع عسكري، ولذلك لا توجد صعوبة من ناحية التدريب والاعتدة التي تركها جيش النظام أثناء المواجهة مع الأميركان. هذه سهلت للفئات التي لا تؤمن بالتغيير أو المؤمنة به إلى تشكيل مليشيا تخدم مصالحها (5).
ضعف هيمنة الدولة
" القانون الحاكم هو أن الوحدة الوطنية تتناسب طرديا مع وجود الدولة والقانون والشعور بالمساواة، وعكسيا مع وجود المليشيات ونفوذها داخل الدولة " |
ومن الواضح أن البناء الوطني يقوم على قاعدة وجود سيطرة للدولة واضمحلال التأثير السلبي للعناصر الخارجة عنها، بحيث أن القانون الحاكم هو أن الوحدة الوطنية تتناسب طرديا مع وجود الدولة والقانون والشعور بالمساواة، وعكسيا مع وجود المليشيات ونفوذها داخل الدولة.
ومن المنطقي في ظل استخدام العنف أن تتمحور الهوية الشخصية حول عناصر القوة التي تشعر بها، ولذا فإن المليشيات تمثل لدى البعض محاولة للمحافظة على الذات، فضلا عن كونها الهوية الاجتماعية والحامية للمكون الذي ينتمي إليه الشخص.
والمليشيات في العراق تشكل التهديد الحقيقي للوحدة الوطنية عبر محاور عدة منها:
" المليشيات قد تخدم أهداف جماعات سياسية أو طائفية وربما دول أخرى في المرحلة الراهنة، إلا أنها قطعا لن تخدم العراق ولا تعمل على زيادة التلاحم الوطني " |
وفي الختام فإن المليشيات قد تخدم أهداف جماعات سياسية أو طائفية، وربما دول أخرى في المرحلة الراهنة، إلا أنها قطعا لن تخدم العراق ولا تعمل على زيادة التلاحم الوطني، بل إنها سوف تعمل على القضاء على أدوات الضبط الوطنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وربما تعود بالعراق إلى مرحلة ما قبل الدولة الوطنية الحديثة التي عملت على تعزيز المواطنة، وإن كانت السياسات الحكومية أثرت على هذه الثقافة الوطنية، ولذا لابد من وقفة جادة وجرئية لمواجهة المليشيات بغض النظر عن انتماءاتها وأهدافها، والعمل على تعزيز الولاء الوطني وتفعيل دور الدولة في عملية البناء.
ومن أجل التقليل من تأثير هذه المليشيا وإيقاف بروز غيرها، لابد من اعتماد الوسائل الآتية:
-
اعتماد خطاب وطني يعتمد الانتماء إلى الوطن أساسا في القبول والرفض، والانطلاق من نظرة أن المستقبل يجب أن يكون للبناء لا للتصارع والتناحر، مع التخلي عن الماضي سلبا أو إيجابا في التحليل والتوجيه.
-
الإيمان بمبدأ الشراكة المتساوية في الإدارة والبناء، والتخلي عن منطق الهيمنة والتسلط، وتعزيز البناء الديمقراطي السليم، وليس القائم على أساس الرضا عند تحقيق المصالح والرفض عند التعارض مع المصالح.
-
اعتماد الأمة معيارا في رسم آفاق المستقبل، والتخلي عن مبدأ الوصاية عليها والتحدث نيابة عنها، كما هو ملاحظ في البيانات التي تصدر من هذه المليشيا أو تلك.
-
العمل على إعادة تأهيل أفراد هذه المليشيات بما يمكن أن يكونوا عناصر إيجابية في المستقبل.
_______________
كاتب وباحث عراقي
(1) بيان هذه الفصائل حول هذه العملية.
(2) حول هذا الموضوع، انظر: أبو أنس الشامي، شبهات حول الجهاد في بلاد الرافدين، على موقع التوحيد والجهاد. كذلك رسالة أبو مصعب الزرقاوي إلى بن لادن والظواهري عام 2004.
(3) انظر: كنعان مكية، جمهورية الخوف.
(4) لقد نجم عن هذا التحالف مجلس شورى المجاهدين، وحول المجلس وبياناته، انظر: منتدى الفردوس وشبكة سحاب السلفية الإلكترونية.
(5) لقد اعترفت بعض أدبيات ما يسمى المقاومة في ذلك، انظر: كتاب العراق من الاحتلال إلى المقاومة.
(6) انظر: أبو أنس الشامي، شبهات حول الجهاد، مصدر سابق.
(7) حول هذا الموضوع، تابع: تصريحات عدنان الدليمي وطارق الهاشمي وآخرين.
(8) تحالف مليشيا البعثيين مع سوريا والأردن وغيرهما من الدول. 
عودة لملتقى العراق