وفي بريطانيا، وفرت السلطات أيضا ضمانا كاملا للودائع كي تساعد على استرداد ثقة المودعين بعد انهيار واحدة من كبرى المؤسسات العاملة في تقديم القروض العقارية ولا تزال علاوات الأجل أعلى بكثير من المعتاد رغم مضي سبعة أشهر على اندلاع حالة الاضطراب.
" يرجع استمرار مشكلات السيولة بالبنوك في جانب كبير منه إلى المخاوف المتزايدة من مخاطر الائتمان " |
ويرجع استمرار مشكلات السيولة في جانب كبير منه إلى المخاوف المتزايدة من مخاطر الائتمان. فقد استمر اتساع فروق العائد على الائتمان في الأشهر الأخيرة وذلك وسط تزايد الوجوم المحيط بالآفاق المستقبلية، وكذلك تصاعد المخاوف بشأن مدى سلامة المنتجات المالية ومدى سلامة أوضاع أدوات الاستثمار بوجه عام.
ومع استمرار التدهور في أوضاع سوق المساكن في الولايات المتحدة وخصوصا في شريحة سوق الرهون العقارية العالية المخاطر، استمر الهبوط في أسعار الأوراق المالية المرتبطة بالرهون العقارية، وفضلا عن ذلك، ارتفعت فروق العائد في شرائح السوق الأخرى ذات الصلة ارتفاعا حادا، بما في ذلك الأوراق المالية المضمونة ببطاقات الائتمان وقروض السيارات وقروض الطلبة والرهون العقارية التجارية المضمونة، وذلك نتيجة المخاوف من التزايد المستمر في معدلات عدم السداد والرفع المالي المفرط وأساليب التوريق المشكوك فيها.
في هذا السياق تضاعفت المخاوف حيث لم تحقق البنوك سوى نجاح جزئي في الحفاظ على رأس المال في مواجهة الخسائر المتصاعدة، إذ تم بيع أحد بنوك الاستثمار الرئيسية في الولايات المتحدة على أساس طارئ بدعم من مجلس الاحتياطي الفدرالي.
وفضلا على ذلك واجه عدد من صناديق التحوط وغيرها من المؤسسات المرفوعة ماليا بدرجة كبيرة صعوبات خطيرة عندما قامت البنوك بزيادة طلبات إيداع هامش الوقاية على ما توفره من خطوط الائتمان مما آثار خطر عمليات البيع الاضطراري للأصول.
وفي الوقت ذاته يبرز التساؤل الآن وهو مدى سلامة أوضاع سوق مبادلات مخاطر الائتمان وخاصة إزاء الضعف المستمر في المراكز المالية لشركات التأمين التي توفر غطاء لمخاطر الائتمان.
وقد تراجعت أسعار الأسهم أيضا، خصوصا في أوائل عام 2008، عندما ازدادت دلائل الضعف الاقتصادي وتعرضت أرصدة القطاع المالي لأشد الأضرار وظلت مقاييس التقلب في أوراق الأسهم والعملة على مستوياتها المرتفعة. وعلى العكس من ذلك هبطت أسعار الفائدة على السندات الحكومية بدرجة كبيرة، بينما زاد الاستثمار في أسواق السلع الأساسية بدرجة غير مسبوقة، حيث يسعى المستثمرون إلى حيازة أصول بديلة أقل خطرا.
انعاكسات الأزمة على الدول العربية
انعكست الأزمة المالية الأميركية على معظم اقتصادات دول العالم حتى إنها أصبحت تلقب بالأزمة المالية العالمية. وبما أن الدول العربية جزء من منظومة الاقتصاد العالمي فإنها سوف تتأثر سلبا بهذه الأزمة، بل في واقع الأمر قد تأثرت بالفعل. ومدى تأثر الدول العربية يعتمد على حجم العلاقات الاقتصادية المالية بين الدول العربية والعالم الخارجي.
في هذا الإطار يمكننا تقسيم الدول العربية إلى ثلاث مجموعات من حيث مدى تأثرها بالأزمة، وهي:
• المجموعة الأولى: هي الدول العربية ذات درجة الانفتاح الاقتصادي والمالي المرتفعة وتشمل دول مجلس التعاون الخليجي العربية.
• المجموعة الثانية: وهي الدول العربية ذات درجة الانفتاح المتوسطة أو وفق المتوسطة ومنها مصر والأردن وتونس.
• المجموعة الثالثة: وهي الدول العربية ذات درجة الانفتاح المنخفضة ومنها السودان وليبيا.
بالنسبة للمجموعة الأولى فإن صادراتها تمثل نسبة كبيرة من الناتج المحلي، ويعتبر النفط هو المصدر الرئيسي للدخل الوطني. وقد لوحظ جراء تداعيات الأزمة انخفاض أسعار النفط من حوالي 150 دولارا للبرميل في شهر يوليو/تموز الماضي إلى حوالي 77 دولارا للبرميل حاليا، أي بانخفاض بنسبة 50%. ومما لا شك فيه أن هذا الانخفاض الحاد سيؤثر على وضع الموازنات العامة القادمة وعلى معدلات النمو الاقتصادي، إذ إن معدلات النمو في النصف الثاني من العام 2008 والعام 2009 ستنخفض مقارنة بمعدلات عام 2007 والنصف الأول من العام 2008.
من ناحية أخرى، يلاحظ أن النشاط المالي لدول الخليج في العالم الخارجي كبير، حيث تم استثمار جزء لا يستهان به من عوائد النفط، وحيث يلاحظ أن دول الخليج أصبحت تمتلك صناديق ثروات سيادية تستثمر في الخارج خصوصا في الولايات المتحدة وأوروبا.
" تشير بعض التقديرات إلى أن خسائر صناديق الثروات السيادية في الدول الناشئة بما فيها دول الخليج تقدر بحوالي 4 مليارات دولار وتقدر الاستثمارات العربية بالخارج بحوالي 2.4 تريليون دولار " |
ومما لا شك فيه أن هناك بعض الصناديق التي يمكن أن تكون لها استثمارات في بعض المؤسسات المالية المتعثرة.
وتشير بعض التقديرات إلى أن خسائر صناديق الثروات السيادية في الدول الناشئة بما فيها دول الخليج تقدر بحوالي 4 مليارات دولار.
وتقدر الاستثمارات العربية بالخارج بحوالي 2.4 تريليون دولار، وكما هو معلوم فإن هذه الاستثمارات مملوكة للحكومات والأفراد ولكن معظمها يعود لدول الخليج وسوف تتأثر تلك الاستثمارات بحسب الجهة التي يتم الاستثمار فيها.
وكلما كانت تلك الجهة تتميز بدرجة عالية من المخاطر، فإن درجة التعرض إلى خسائر تكون أكبر، ومما لا شك فإن هناك بعض الخسائر ولكن غير معلن عنها.
أما بالنسبة للبورصات فإن حالة الخوف والفزع هي التي أصابت المستثمرين في العالم كله ابتداء من أميركا، حيث انهارت بورصة وول ستريت إلى بورصة إندونيسيا التي أغلقت أبوابها مرورا بالبورصات في معظم دول العالم ومنها إلى البورصات العربية وخصوصا الخليجية والمصرية.
أما بالنسبة لدول المجموعة الثانية فإن تأثرها بالأزمة سيكون أقل من دول المجموعة الأولى باستثناء تأثر البورصات فسيكون في مستوى تأثر بورصات المجموعة الأولى.
أما بالنسبة لدول المجموعة الثالثة، وهي ذات درجة الانفتاح الاقتصادي والمالي المحدودة، فسيكون التأثير عليها محدودا أيضا.
للعودة إلى الجزء الأول:
جذور الأزمة
- أنواع الأزمات
- تطورات التمويل العقاري
- الخصائص الرئيسية بأسواق الرهن العقاري
ـــــــــــــــــــــ
رئيس المركز العربي للدراسات والاستشارات المالية والمصرفية بالقاهرة