|
-اسم الكتاب: التجزئة والدولة القطرية -المؤلف: منير شفيق -عدد الصفحات:105 -الطبعة: الأولى 2001 -الناشر: دار الشروق/ القاهرة
| |
منير شفيق في هذا الكتاب يرفض إحالة السبب إلى قضايا ذهنية أو مسلكية، كما دأب على ذلك أغلب المفكرين وعلى اختلاف مشاربهم الفكرية والأيديولوجية، إلى ذلك، فإنه يرفض القول إن السبب يعود إلى قضايا أخرى من نوع البنى الاجتماعية الداخلية أو طبيعة النظام، ويركز على أسباب أخرى أو قل سببين آخرين وكلاهما من طبيعة موضوعية مادية محسوسة: الأول هو مشكلة التجزئة والقطرية التي هي مادة الكتاب وعنوانه، أما الثاني فهو المتمثل في مشكلة (الخارج) أو السيطرة الخارجية. ولأن السببين من طبيعة مادية موضوعية فقد كان العلاج صعبا، أو قل في غاية الصعوبة.
ورغم أن الكتاب يناقش أصلا مشكلة التجزئة والقطرية فإنه يعطي قسطا من النقاش لعامل الخارج ممثلا في السيطرة الخارجية والنظام العالمي والمشروع الصهيوني، ليس لأنه يقترب في مستوى أهميته من عامل التجزئة والقطرية فحسب، بل لارتباطه الحيوي بذلك العامل من زاوية أن مشكلة التجزئة والقطرية في الأصل هي بفعل عامل الخارج أكثر من كونها نتاج عوامل ذاتية في الأمة.
مصادمة المؤدلجين
الكتاب في مجمله يصادم أدبيات معظم القوى الأيديولوجية سواء أكانت قومية أم إسلامية أم يسارية، بل وحتى مجمل الحال الفكرية والسياسية في الوطن العربي، تلك التي كانت ولا زالت تحاول البحث عن حلول لمشكلة النهوض العربي داخل الذات، سواء أكان عبر البناء الفكري أم العقدي أم المشروع الديمقراطي والتحديثي، أم كان عبر طرح فكرة الوحدة من خلال بناء الدولة القطرية نفسها وتحديثها، لا سيما في المرحلة الأخيرة، حيث بات الحديث عن حلم الوحدة يوصف بالشعاراتية والديماغوجية، فضلا عن كونه إغراقا في حلم لا مجال له في الواقع.
وبالطبع فالسبب هنا لا يحال إلى واقع السيطرة الخارجية والنظام العالمي أو وجود المشروع الصهيوني وإنما لأسباب داخلية، غالبا ما يجري تلخيصها في طبيعة الأنظمة العربية وتخلفها واستبدادها.
” من "مزايا" التجزئة العربية التي يرصدها الكاتب، تلك الخطوط التي رسمت حدود الأجزاء لتحمل بذور صراعات حدودية أو مشاريع صراعات داخلية، ومنها ذلك التفاوت في الأحجام والإمكانات وتوزيع السكان والمياه والثروات. وهذا التفاوت شكل عنصر ضعف شديد في مقابل أي عناصر قوة ” |
العوامل الذاتية
في أغلب فصول الكتاب لا يني منير شفيق يذكر أنه بتركيزه على عاملي (الخارج) والتجزئة والدولة القطرية، فإنه لا يدعو إلى إهمال العوامل الذاتية أو الدعوات المخلصة لإصلاحها، وإنما يعتبرها جزءا من عملية النهوض، غير أنه يطالب بإعطائها الوزن الطبيعي في سلم الأولويات، وعدم نسيان العاملين الأكثر أهمية أو مركز الخلل كما يسميه.
في البداية يناقش المؤلف كل الأسئلة التي يطرحها أولئك الذين يرفضون قصة عامل الخارج في إعاقة نهضة الأمة، ذلك الذي يراه الكاتب في وضع متطور في مرحلة ما بعد الحرب العالمية، وهو ما لم يكن في السابق، فالمرحلة الجديدة حملت سمات نظام دولي يحمل قدرا من السيطرة والهيمنة لم تكن من قبل. وفي توصيفه لتأثير عامل الخارج لا يضع الكاتب معادلة لحجم هذا العامل في التغيير أو النهوض مقابل عامل الداخل كنسبة رقمية، فهو يرى أن حجم دور كل منهما لا يتسم بالثبات والجمود والقانون الواحد وإنما يختلف من مرحلة لأخرى.
يبدأ الكاتب بلمحة تاريخية يضعها في ملحقين في الكتاب، الأول عن وحدة المنطقة قبل الإسلام، يحمل قدرا من التفصيل والمعلومات المهمة، أما الملحق الثاني ففيه دراسة عن وحدة المنطقة في المرحلة الإسلامية. والخلاصة هي أن المنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي إلى الخليج، وهي التي تعرف الآن بالبلاد العربية، كانت تشكل عقدة التجارة العالمية في ما بين قارات العالم القديم (آسيا، أفريقيا، أوروبا)، وهو ما فرض باستمرار –حسب الكاتب- أن تكون "موحدة بالكامل أو ضمن وحدات كبرى عموما، أو على أساس وحدتين كبيرتين وفقا لميزان القوى العالمي – الإقليمي في كل حال".
التجزئة والاستعمار
أما التجزئة العربية الراهنة، فقد نشأت مع الغزو الاستعماري العسكري الحديث، أي أنها تجزئة مفروضة من الخارج، بدليل عدم وجود "منطق لا تاريخي ولا جغرافي ولا قومي ولا ديني ولا طائفي ولا حتى منطق سياسي له علاقة بموازين القوى، يمكن أن يفسر كيف تقررت التجزئة وكيف خططت الحدود".
من "مزايا" التجزئة العربية التي يرصدها الكاتب، تلك الخطوط التي رسمت حدود الأجزاء لتحمل بذور صراعات حدودية أو مشاريع صراعات داخلية، ومنها ذلك التفاوت في الأحجام والإمكانات وفي توزيع السكان والمياه والثروات. وهذا التفاوت شكل عنصر ضعف شديد في مقابل أي عناصر قوة، وهو ما يثبت أنه ما من علاج ممكن لهذا البعد كما أثبتت كل التجارب إلا بالوحدة أو الاتحاد أو على الأقل بالتكامل الاقتصادي والعسكري والسياسي.
غير أن المشكلة هي أن طبيعة التجزئة الجديدة قد أنشأت ما يسمى بالقطرية التي بدأت بالتجذر كواقع في حياة الدول والشعوب العربية، من خلال الثقافة والإعلام والاقتصاد والتعليم والسياسة. فالتجزئة هي التي ولدت آليات الحركة باتجاه القطرية، وهو ما قد يدفع إلى نسيان فرض التجزئة من الخارج والتركيز على العوامل الذاتية في تكريس القطرية، وهو منهج خاطئ، حسب الكاتب.
هنا يأخذ الكاتب صفحات طويلة في رصد الحال القطرية في الممارسة السياسية والثقافية والاقتصادية ليس على صعيد الأنظمة فقط، وإنما على صعيد الشعوب والجماعات ومن ضمنها المعارضة، وبعضها يرفع شعارات الوحدة. ويسعى الكاتب من خلال ذلك إلى فضح الذات أو المصارحة معها، كي تعلم أن القطرية قد باتت "تحت الجلد" ولا بد من إدراك ما تفعله بالذات والنفوس كمحطة أولى من محطات العلاج.
قبل ذلك يعمد الكاتب إلى مناقشة الذين يريدون معالجة التجزئة من خلال تكريس الدولة القطرية وتنميتها، معتبرا ذلك مشروعا فاشلاً ووهميا، حتى لو طرح شعارات براقة مثل الديمقراطية، التي لا يمكن أن تكون إجابة على مجموعة التحديات التي تطرحها التجزئة والدولة القطرية في حياة الأمة، وفي حال بدأت تتحرك على هذا الصعيد سيتدخل (الخارج) ليفشل مسعاها، وهو الذي لا تعنيه أمر الديمقراطية بقدر ما تعنيه مصالحه.
يخلص الكاتب هنا إلى أن "الدولة القطرية غير مؤهلة في المدى البعيد لحماية حدود القطر وغير مؤهلة لحماية استقلاله إزاء العولمة والشرق أوسطية وغير مؤهلة لأن يكون لها مكان في عالم الغد الذي لن يحترم إلا القوى الكبرى والكتل الكبرى".
” المشكلة هي أن طبيعة التجزئة الجديدة قد أنشات ما يسمى بالقطرية التي بدأت بالتجذر كواقع في حياة الدول والشعوب العربية، من خلال الثقافة والإعلام والاقتصاد والتعليم والسياسة ” |
ما المخرج؟
بعد ذلك يطرح الكاتب السؤال الجوهري المقابل حول "كيفية الخروج من القطرية إلى الوحدوية أو من حالة الفرقة إلى التضامن والتنسيق والتكامل والتعاون وما إلى ذلك؟"
لا بد بداية من معالجة عدد من الإشكالات، أولها الإقرار بفشل المشروع القطري والتعامل مع مشروع التوحد فعلا لا قولا، عبر الانتباه إلى "الجراثيم" التي تنبتها القطرية في العروق، ثم عبر استمرار الضغط باتجاه تحقيقها ولو بخطوات بسيطة ومتدرجة. ثم يجب رفض محاربة القطرية عبر استخدام القوة كما فعل العراق مع الكويت، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية.
يعتبر الكاتب أن تشكيل تيار شعبي عربي وحدوي هو السبيل لمقاومة القطرية والوقوف على سكة الوحدة، "ولكي يتشكل رأي عام لا بد من أن يمسك بالقضية الوحدوية وعلى مختلف مستوياتها ثلة من العلماء والمفكرين والإعلاميين والمهنيين ومعلمي المدارس والنخب المؤثرة بما في ذلك النقابات والحركات والأحزاب والتنظيمات السياسية".
ربما أخذ هذا الجانب حظا أقل في الكتاب، وهو ما قد يراه البعض عيبا، غير أن الواضح هو أن الإيمان بقضية التجزئة والدولة القطرية وأنها مركز الخلل في الوضع العربي، يجعل ما سوى ذلك أكثر قابلية للنقاش وفتح آفاق العمل، سيما وأن الكتاب لم يترك شيئا من الإشكالات التي تطرحها القطرية أو سبل العمل على تجاوزها إلا وتعرض له. 