خدمة كيمبردج بوك ريفيو
ليس المقصود بعنوان هذا الكتاب الإشارة إلى العالم سنة 2000, فهذه الانعطافة الرقمية في عدد السنوات لا مغزى تاريخيا لها, فضلا عن أن تضلل منظرا كبيرا مثل فرد هاليدي. لكن ما يرمي إليه هاليدي, أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية, في كتابه هذا الصادر حديثا هو التعرض للتحديات التي تواجه وستواجه عالمنا في العقود وربما القرون الأولى في الألفية الثالثة.
وقبل التسرع بالظن بأن الكتاب يقع تحت تصنيف علوم المستقبليات، أو دراسات التوقع ينبغي القول إن جوهر وروح القضايا التي يعالجها هي في الواقع "سرجية" الطابع، تمتد كالسرج على جانبي الحد الزمني الرمزي الفاصل بين ألفية منقضية وأخرى صاعدة. ولهذا ففي الوقت الذي تنطبق فيه المعضلات الكبرى التي يناقشها هاليدي على عالم اليوم فإنها هي ذاتها التحديات التي تواجه عالم الغد القريب.
|
اسم الكتاب: العالم عند 2000
المؤلف: فرد هاليداي
عدد الصفحات: 170 الطبعة: الأولى-2001م الناشر: بالغريف- لندن | |
يضاف إلى ذلك أن ما يتصدى له هاليدي ليس قضايا سياسية بحتة منبتة عن جذورها النظرية, على مستوى الدولة أو الأمة أو العالم, بل العكس يكاد يكون هو الصحيح, إذ يناقش مجموعة طروحات نظرية في غاية الأهمية لجهة الاجتماع السياسي القومي أو العالمي, تتفرع عنها الإشكالات والقضايا السياسية الكبرى والأساسية في عالمي اليوم والغد. فهنا نطالع خلاصات النقاشات والقضايا الجدلية التي سيطرت على الساحة الفكرية في ميدان العلاقات الدولية مثل جدة وعمق واتساع التغير الذي يشهده العالم بعد انقضاء الحرب الباردة, وموضوعة العولمة ومضامينها وأبعادها, والنزوع المتطرف نحو ليبرالية السوق وأفكار نهايات التاريخ, وعودة أنماط الحروب وانتشارها رغم غياب مخاطر الحروب العالمية الكبرى, وموضوع الديموقراطية ومدى تجذرها أو هشاشتها, وسيطرة هيمنة قطب دولي واحد ومعناها وآثارها, ثم جملة القضايا المتعلقة بالهويات المحلية والعلاقة بالآخر, وكذلك انتشار الدعوة الأممية إلى الحكم الجيد (Good Governance) وانتهاء بالدعوة إلى ما يسيمه هاليدي "العالمية الراديكالية".
انكشاف الرأسمالية
” مع هزيمة الاشتراكية وسقوط الاتحاد السوفيتي غاب السبب الذي يمكن أن تعتذر به الرأسمالية عن عدم تحقيق ما اعتادت أن تبشر به من إيصال الإنسان للرفاهية والسعادة على المستوى الفردي, وتحقيق الازدهار والسلام على المستوى الإنساني ” |
ومن أهم ما يميز عالم اليوم بشكل عام كما يرى هاليدي هو أنه مع هزيمة الاشتراكية مترافقة وسقوط الاتحاد السوفياتي غاب السبب الذي يمكن أن تعتذر به الرأسمالية عن عدم تحقيق ما اعتادت أن تبشر به من إيصال الإنسان للرفاهية والسعادة على المستوى الفردي, وتحقيق الازدهار والسلام على المستوى الإنساني. فالرأسمالية أصبحت الآن وللمرة الأولى في التاريخ عارية تحت الضوء والاختبار الحقيقي، وبلا ذريعة تستخدمها للتملص من وعودها -ص 63-. وهذا مرتبط من ناحية أخرى بما جلبه انقضاء الحرب الباردة من نهاية للإيديولوجيات المتناقضة التي يعود جذرها التنافسي لقرنين ماضيين، وعلى الأخص بين الاشتراكية والليبرالية, الإصلاح والثورة, التخطيط والسوق. ويعتقد هاليدي أنه فضلا عن خفوت جذوة التنافس فإننا نشهد اندحارا مزدوجا للتخطيط المركزي (للاقتصاد) من قبل الدولة, وكذلك لتطرف دوغما النيوليبرالية وعماء إيمانها بقوى السوق. والبديل الذي نشهد بزوغه هو نوع من التسوية بين تينك الإيديولوجيتين يسميها هاليدي "السوق الاشتراكي", حيث التركيز على إعادة هيكلة الدولة لناحية نزع بعض وسائل التوجيه التقليدية، التي اعتادت احتكارها ومنحها وظائف جديدة لم تكن داخلة في تعريفها. ويندرج في هذا أيضا التركيز على تطوير ثقافة مجتمع مدني واسعة مهتمة مركزيا بقضايا ملحة مثل التعليم والعائلة والجريمة. والتركيز كذلك على محاربة البطالة، والوصول إلى نسبة بطالة صفر, ثم إعادة بناء نظام الرعاية الاجتماعية، والانخراط النشط في القضايا العالمية المشتركة -ص 76-77-. ومن الواضح هنا أن البديل "الوسط" أو "السوق الاشتراكي" الذي يدعو إليه هاليدي لا يكاد يختلف بشيء عن بديل "الطريق الثالث" الذي دعا إليه أنتوني غيدنز منذ سنتين، وشاع في أوساط الديموقراطيين الاشتراكيين في أوروبا والولايات المتحدة, وتبنته حكومات توني بلير البريطانية العمالية، وغيرهارد شرودر الألمانية الاشتراكية الديموقراطية، وبيل كلينتون الأميركية الديموقراطية. لكن الأمر المحير هو أن هاليدي لا يستخدم تلك التسمية، ولا يشير إلى غيدنز أو كتاباته التي نظر فيها للبديل الذي يطرحه وخاصة كتابه الهام "الطريق الثالث" (بوليتي برس, كامبردج, 1999), والذي ينسب له بإجماع.
المساواة التحدي الأكبر
يعتقد هاليدي أن التحدي الأكبر المرتبط بمطلع القرن الحادي والعشرين هو المساواة (بين الأغنياء والفقراء) ويناقشه في سياق معالجته للعولمة التي يراها التحدي الثاني, والتي من ناحية أخرى تنطوي على عمليات تكرس اللامساوة بشكل صارم، ومولدة لعدم الاستقرار -ص 63-. والنظرة إلى العولمة هنا ليست قاصرة على رؤيتها ظاهرة مسطحة أو مجرد عملية أحادية, مرتبطة مثلا بالشركات عابرة الحدود, بل تتسع لرؤيتها ظاهرة مركبة ومتعددة الأوجه والعمليات. ويعرفها هاليدي بأنها متضمنة ثلاثة أشياء أساسية: تخفيض الحواجز بين الدول والمجتمعات, زيادة هيمنة بعض الدول والمجتمعات, وزيادة حجم المبادلات بين المجتمعات (سواء أكان ذلك على شكل التجارة, أم رأس المال, أم العملة المتبادلة, أم حجم السياحة, أم عدد المهاجرين -ص 61-).
على أن الملفت للانتباه في تعريف هاليدي هو قصوره عن التركيز على ثورة الاتصالات والإعلام بشكل مباشر, رغم ما قد يفهم من إشارات وتضمينات غير مباشرة إلى ذلك. فالإعلام الاتصالي المعولم الفضائي والإنترنتي هو في الواقع الساق الثانية للاقتصاد المعولم، إذ يتتوأمان معا ويشكلان هيكل العولمة الراهنة ومحركها النشط. وبقليل من المجازفة يمكن القول إن نقمة هاليدي على الإعلام الراهن في عالم اليوم, والذي عبر عنه في مناسبات أخرى لكنه لم يظهر في هذا الكتاب, بسبب ما تقوم به الإمبراطوريات الإعلامية في التشويه، إما عن طريق تصنيع وتضخيم أفكار وتوجهات فارغة، أو في تجاهل وتسطيح أفكار وتوجهات ومشكلات ضاغطة، ربما دفع به إلى التقليل نسبيا من أثر وإسهام الإعلام والاتصالات في شكل وتشكيل العولمة.
وفي السؤال حول حروب ما بعد العام 2000 يبقي هاليدي الباب مفتوحا، حيث لا نعلم ما إن كانت المرحلة التي نعيشها الآن في ظل غياب حروب عالمية كبرى هي بداية مرحلة "سلم عالمي" دائمة أم بداية له, أو مجرد "فسحة" أو "استراحة" ما بين مرحلتين من الحروب. صحيح أن الديموقرطية تنتشر الآن ويتم ربطها, ولو بطريقة قسرية مبالغ فيها أحيانا, بنشر السلم في أرجاء المعمورة. وصحيح أن بلدان العالم تنزع نحو الدمقرطة شيئا فشيئا, حيث إن عدد البلدان التي صارت توصف بأنها ديموقراطية يزداد سنة بعد سنة: فمقابل 56 بلدا ديموقراطيا سنة 1990 فإن العالم سنة 2000 يشهد 86 ديموقراطية -ص 75-. لكن احتمال الانقلاب إلى سيرة الحروب الكبرى لا يمكن نفيه بالمطلق, ولا الديموقراطية التي يستند إليها بقادرة على توفير ضمانة تامة وأكيدة ضد الارتداد إلى أنماط استبدادية من ناحية, أو بإشباع تطلعات الشعوب وتحقيق موازنات وتسويات بين مصالحها المتناقضة والحادة من ناحية أخرى.
ويقلل هاليدي من المبالغة في موضوع ما يسمى "الإرهاب الدولي" كخطر مولد لحروب عالمية. فمن جهة يلفت الانتباه إلى أن هناك أنواعا أخرى من الإرهاب الخفي أو المستتر الذي لا يقل خطرا عما تقوم به "المنظمات الإرهابية", كما أن إرهاب هذه المنظمات ليس بالعمق الدولي أو الحساس الذي قد يجر دولا كبرى إلى الانخراط في حروب كبرى (مثل الإرهاب الذي قاد إلى الحرب العالمية الأولى سنة 1914 في سراييفو) -ص 51-. بل إن ما هو أهم من التركيز المبالغ فيه على الإرهاب هو انتشار أسلحة الدمار الشامل، وعدم خضوع الولايات المتحدة على جهة الخصوص لمعاهدات الحد من ذلك الانتشار، وعدم توقيعها على معاهدة حظر التجارب النووية. وفي السياق العام لاحتمالات تفجر حروب في النصف الأول من القرن الحالي يرشح هاليدي ثلاث مناطق لاندلاع حروب كبرى أو إقليمية فيها هي: الشرق الأقصى (الصين, تايوان, اليابان, الكوريتان), وجنوب آسيا (الهند وباكستان), والخليج العربي (إيران, العراق, وبقية دول الخليج).
يختم هاليدي نقاشاته بانحياز واضح إلى الدعوة إلى ما يسميه "عالمية راديكالية" ويقصد بها مجموعة من القيم والتصورات والممارسات الإنسانية تتواضع عليها ثقافات العالم رغم اختلافاتها الفكرية والدينية والتاريخية. ويقتبس عن الرئيس الإيراني خاتمي مقولات مطولة حول ضرورات تبني "ثقافة منفتحة" مناهضة لـ "الثقافة المنغلقة" الأحادية والمهيمنة -ص 150-151-, ليدلل على أن الدعوة إلى "العالمية الراديكالية" تشمل كل الثقافات، بما فيها ثقافة إيران الإسلامية التي ينظر إليها في الغرب على أنها قلعة التطرف والانغلاق.