عبد الحسين شعبان
ما زالت جهود بناء المشروع الوطني العراقي متعثرة خصوصاً بحكم استفحال الإشكالات الخارجية والداخلية التي تواجهه.
ورغم التضحيات الجسام للحركة الوطنية العراقية على مدى عقود من الزمان، فإن سياقات الوحدة الوطنية ظلّت مهددة بإستمرار بحكم عوامل الانقسام وضعف وهشاشة التراكيب والصيغ الدستورية والقانونية وعدم تلبية الحقوق وانتهاج سياسات إقصائية بحق فئات كثيرة والانتقاص من مبدأ المواطنة والمساواة ركني الدولة العصرية، فضلاً عن الاستئثار لدرجة أن البلاد حُكِمت عبر "أقلوية" كانت تضيق قاعدتها باستمرار.
 |
|
عبد الحسين شعبان |
هذه هي مشكلات الدولة العراقية وإشكالاتها منذ تأسيسها في 23 أغسطس/آب 1921، بعد فترة من الاحتلال البريطاني المباشر 1914-1918، ثم فرض الانتداب عليه 1920، حيث اندلعت ثورة عنيفة عُرفت بإسم "ثورة العشرين" (30 يونيو/حزيران 1920)، مهّدت لإعلان قيام الدولة العراقية أو ما سميّ بالحكم الأهلي أو "الوطني".
ورغم حصول العراق على الاستقلال رسمياً ودخوله عصبة الأمم في العام 1932، فإن البلاد ظلّت مقيّدة باتفاقيات ومعاهدات مذلّة ومجحفة حتى العام 1958، حين اندلعت ثورة 14 يوليو/تموز، فأطاحت بالنظام الملكي وأقامت جمهورية عراقية مستقلة، وانسحب العراق على أثرها من حلف بغداد الاستعماري (1955) ومن نطاق الكتلة الإسترلينية، وأعلن سياسة جديدة تحررية مناوئة للكولونيالية.
لكن العراق الذي كان عضواً مؤسساً في الأمم المتحدة عام 1945 ووقع على ميثاقها في سان فرانسيسكو، وتحرر من ربقة الكولونيالية، عاد اليوم ليقع تحت نير الاحتلال منذ 9 أبريل/نيسان 2003، حيث تم تدمير الدولة العراقية خصوصاً بحل مؤسساتها العسكرية والأمنية وتبديد كيانها، وتعريض هويتها إلى التفتيت، وتعريض تجربتها وتراتبيتها ودواوينيتها وبيروقراطيتها إلى التلاعب والعبث والضياع.
شروط استعادة الوحدة الوطنية وبناء الدولة
الوحدة الوطنية وسياقات التحدي
شروط استعادة الوحدة الوطنية 
" ما زالت جهود بناء المشروع الوطني العراقي متعثرة خصوصاً بحكم استفحال الإشكالات الخارجية والداخلية التي تواجهه " |
لعل المدخل الأساسي لاستعادة الوحدة الوطنية بعد هذا المآل القاسي والاحتراب المستمر هو "التوافق" بين الفرقاء باعتباره شرطاً لا غنى عنه، خصوصاً إذا اتخذ من احترام الحقوق والحريات وتعزيز قيم المواطنة والمساواة منطلقاً وضامناً للحاضر والمستقبل، بما في ذلك محاولات المصالحة أو الرغبة فيها على أساس عقد اجتماعي سياسي جديد، يجعل من المشترك الوطني والمواطنة والوطنية العراقية أساساً للدولة والعلاقة بين مكوّناتها، بعيداً عن التقاسم الوظيفي المذهبي أو الإثني أو المحاصة أو التعكّز على الهويات المصّغرة التجزيئية والتقسيمية على حساب الهوية الجامعة.
هذا الشرط يقتضي إقراراً من "الجميع"، إذا رغبوا في العيش المشترك وإعادة بناء الدولة، وفقاً لسياقات الوحدة الوطنية والسلام الأهلي والمجتمعي وليس التشظي أو التفتيت أو المصالح الفئوية والجهوية أو الطائفية والإثنية وغيرها، بوحدانية الدولة وسموّ مرجعيتها على المرجعيات الأخرى، باعتبارها الجهة الوحيدة المسؤولة عن السلطات الثلاث المستقلة: التشريعية والتنفيذية والقضائية، وحصر استخدام السلاح بيدها وحدها دون سواها.
الشرط الثاني، يتطلب الإقرار بالحقوق لجميع المكوّنات خصوصاً وأن المجتمع العراقي رغم تعدديته وتنوّعه القومي والديني والفكري والسياسي، كان يعيش في إطار موّحد رغم هضم الحقوق وكبت الحريات، لكنه ظلّ موحداً، وما يجمعه أكثر مما يفرّقه وهو ما تقرّه القوى السياسية العراقية جميعها تقريباً رغم بعض المكابرات أحياناً وإن كانت مشاربها مختلفة ومنابعها متعددة.
ولعل الاعتراف بالحقوق هو إقرار بواقع أليم وسعي لتجاوز الحيف والظلم الذي وقع على بعض الفئات، وتعهد جديد برد الاعتبار إلى المواطنة الكاملة واحترام الخصوصيات.
فقد عانت الدولة العراقية منذ تأسيسها من اختلالات تتعلق ببنيتها وتركيبها، في موضوع حقوق الأكراد وما تعرضوا له من هدر سافر وصارخ لحقوقهم، إضافة إلى نقص فادح في فكرة المساواة، انعكس بالتمييز الذي وقع على فئات سكانية واسعة بسبب قوانين الجنسية العراقية، منذ القانون رقم 42 لسنة 1924 وقانون الجنسية رقم 43 لسنة 1963 والعديد من قرارات مجلس قيادة الثورة السابق، والتي كان أبرزها القرار رقم 666 الصادر في 7 مايو/أيار 1980، والذي تم بموجبه تسفير نحو نصف مليون مواطن عراقي بحجة التبعية الإيرانية عشية وخلال الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988.
الشرط الثالث لاستعادة بناء الدولة هو التحرر، إذ إن استعادة وحدة الدولة العراقية وإلغاء الصياغات والأسس، التي طرأت عليها من صيغة بول بريمر الحاكم المدني الأميركي للعراق لمجلس الحكم الانتقالي، إلى الإيغال في الطائفية والتطهير المذهبي والإثني، الذي طال مناطق عديدة من العراق، وشمل في الوقت ذاته تطهيراً دينياً بحق المسيحيين، يتطلب إنهاء الاحتلال والإقرار بجدول زمني لتحقيق الانسحاب الكامل.
وهذا الأمر يتطلب اعترافاً أممياً من جانب الأمم المتحدة وقراراً جديداً بهذا الخصوص، يضع حدّاً للقرار 1546 الصادر في 8 يونيو/حزيران 2004، والذي بموجبه تم ترتيب صياغات الدولة ونقل السيادة الناقصة والمجروحة (28 يوينو/حزيران 2004) واستمرار القوات المتعددة الجنسيات بقيادتها الأميركية، بالتحكم بمصائر البلاد وسياساتها، والتي قامت الحكومات المتعاقبة بطلب تجديد مهماتها حتى الآن.
كما يقتضي الأمر تعهد المجتمع الدولي ودول الجوار الإقليمي تحديداً، بضمان عدم التدخل في الشأن العراقي، بل التعهد بمدّ يد المساعدة له لإنجاز مهمة إعادة بناء الدولة والوحدة الوطنية والإعمار.
الوحدة الوطنية وسياقات التحدي
إن التحديات التي تواجه المهمات العسيرة حالياً لإعادة بناء الدولة واستعادة الوحدة الوطنية وتشكل عقبات ومعوّقات تعترض إنجاز المشروع الوطني، المستند إلى التنوع والتعددية في الآن ذاته هي:
التحدي الأول: الاحتلال
" الطائفية قد تكون أكثر خطرا من الاحتلال، لأن الاحتلال سيزول لا محال، لكن الطائفية سيبقى تأثيرها عميقا في المجتمع العراقي " |
حيث تمتنع الإدارة الأميركية من تحديد جدول زمني للانسحاب، بل إن الرئيس بوش ذهب إلى زيادة عدد القوات الأميركية في العراق بحدود 21500 جندي أميركي، واضعاً تقرير بيكر هاملتون على الرف.
ولعل هذا يعني فيما يعنيه، تصعيد العنف في العراق وزيادة حجم المواجهات وإرغام العراقيين على الانصياع لإستراتيجيته الجديدة القديمة، رغم فشلها على مدى السنوات الثلاث ونصف الماضية، بترجيح الخيار العسكري والاعتماد على أدوات وآليات أثبت الواقع أنها غير جديرة وغير مؤهلة.
التحدي الثاني: الطائفية
وقد تكون أكثر خطراً من الاحتلال، لأن الاحتلال سيزول لا محال، لكن الطائفية سيبقى تأثيرها عميقاً في المجتمع العراقي.
وتجري حالياً عمليات تطهير مذهبي وديني وإثني باسم أمراء الطوائف طالت أعداداً هائلة من السكان داخل العراق وهي في تصاعد مستمر، وكان أحد محطات التصعيد وربما مزاعمه هي تفجير مرقدي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري، في فبراير/شباط 2006.
الاحتقان والتطهير والانقسام شمل الشيعة والسُنّة، المسلمين والمسيحيين، والعرب والتركمان والأكراد وخصوصاً في منطقة كركوك، إضافة إلى اضطرار نحو مليوني عراقي إلى مغادرة العراق حسب إحصاءات الأمم المتحدة، بينهم عدد كبير من العقول والأدمغة والعلماء والأكاديميين، خصوصاً بعد تعرّض أعداد كبيرة منهم إلى الاغتيال والخطف.
وما زلنا نحن بصدد التحدي المذهبي، فأتذكّر هنا قولاً أثيراً لعالم الاجتماع العراقي الكبير علي الوردي عندما وصف الظاهرة الطائفية والمستفيدين منها بالقول "الطائفيون بلا دين"، وقد أصاب العلاّمة الوردي كبد الحقيقة، لأن المتدّين الصحيح والمؤمن الصادق والمسلم الحقيقي، لا يمكن أن يكون طائفياً، فما بالك في علاقة القتل على الهوية وفرق الموت والمليشيات، بالإسلام أو الإيمان؟
التحدي الثالث: الإرهاب
وانتشار ظاهرة الجثث المقطوعة الرؤوس والمجهولة الهوية، إضافة إلى السيارات المفخخة، وأعمال العنف المنفلتة من عقالها والخطف اليومي والجريمة المنظمة، وهي أحد المشاهد المأساوية الراهنة في العراق، والتي تشكل تحدياً وتهديداً لاستعادة الوحدة الوطنية وبناء الدولة.
التحدي الرابع: وجود المليشيات
التابعة للأحزاب الحاكمة أو القريبة من الحكم أو خارجه، إضافة إلى مليشيات حماية المنشآت النفطية والكهربائية والخاصة.
والسلاح ليس حكراً على الدولة، بل إن المليشيات ما تزال ترفض نزع سلاحها، وهو ما فشلت الحكومة في إنجازه حتى الآن، مثل فشلها في مشروع المصالحة الوطنية وخطط أمن بغداد الأولى والثانية، مثلما لاحت معالم الفشل في خطة أمن بغداد الثالثة، التي كان عشيتها البدء بقصف مناطق الرحمانية، واستخدام عنف مفرط في شارع حيفا ومناطق الدورة وديالى بما فيها بعض المناطق الحدودية واستشراء عمليات الإجلاء والتطهير المذهبي والقتل على الهوية، كما شهدت تصعيداً خطيراً في مناطق متعددة من العراق، ترافق مع فضائح كانت تكرر عن اغتصاب لفتيات في السجون العراقية.
التحدي الخامس: الفساد والرشوة
فبول بريمر وحده بدد ثمانية مليارات و800 مليون دولار، وتبعته حكومتان بددتا نحو عشرين مليار دولار، ووزارة الدفاع (في عهد الدكتور إياد علاوي) "متهمة" بتبديد أكثر من مليار دولار خلال بضعة أشهر.
والنفط ظل يُباع من دون عدادات وعمليات التهريب الداخلي والخارجي مستمرة، والهدر يقدر بين 400 و 800 مليون شهرياً، كما كشف عن ذلك المفتش العام في وزارة النفط، الذي قال إن خسارة العراق بلغت 24 مليار دولار منذ الاحتلال حتى الوقت الحاضر.
التحدي السادس: نقص الخدمات
فهناك أزمة في البنزين وفي الكهرباء وفي الماء الصافي في الكثير من المناطق إضافة الى عدم توفر فرص العمل، حيث بلغت نسبة البطالة أكثر من 50% حسب إحصاءات الأمم المتحدة.
التحدي السابع: التدخل الإقليمي
فكلّما ضعف العراق، كلما تعرض لتدخلات من الجيران، خصوصاً من إيران وتركيا، وهناك امتدادات كثيرة لأجهزة عديدة في العراق بما فيها لإسرائيل.
لإيران نفوذ سياسي ومذهبي واستخباري ومالي، فضلاً عن تأثيرات على مليشيات وعلى أطراف في الحكومة العراقية، بحكم التقارب العقائدي والمذهبي ناهيكم عن المصالح الخاصة، ولهذا فإن وجود توافق عراقي بتعهد دولي يقتضي أيضاً إقراراً إقليمياً بعدم التدخل بالشأن العراقي.
التحدي الثامن: ضعف وإضعاف المواطنة العراقية
" بول بريمر وحده بدد ثمانية مليارات و800 مليون دولار، وتبعته حكومتان بددتا نحو عشرين مليار دولار " |
ضعف وإضعاف المواطنة العراقية على حساب الهويات المصغرة التجزيئية، فقد كان حلّ الدولة العراقية خطأً وخطيئة إستراتيجية، دفعت الناس للاحتماء بهويات طائفية أو إثنية أو عشائرية أو مناطقية على حساب الهوية العراقية الوطنية الجامعة.
إذا كانت الفدرالية نظاماً متطوراً، وقد أخذت به نحو 25 دولة ونحو 43% من سكان الكرة الأرضية، فإن ما نشهده اليوم من دعوات يختلف عن ذلك كثيراً عن حيثيات النظام الفدرالي وقواعده العامة، خصوصاً بإخضاع السلطات والقوانين الاتحادية لحساب السلطات والقوانين الإقليمية، فما بالك إذا كان الأمر يرتبط بأهداف ومصالح ضيقة سياسية أو مذهبية لأمراء الطوائف.
خصوصاً وأن موضوع الفدراليات التي نحن بصددها، ستكون أقرب إلى الكانتونات أو الدويلات، ناهيكم عن أن هذه المسألة بحاجة إلى وعي مجتمعي في ظروف سلمية وطبيعية وبعيدة عن الاحتلال والتدخل الخارجي.
أما الوضع في كردستان فهو مختلف لوجود حقوق تاريخية للشعب الكردي ومؤسساته، وإقرار في الدساتير العراقية خصوصاً دستور عام 1958 (الذي اعترف بشراكة العرب والأكراد، ودستور عام 1970، الذي اعترف بوجود قوميتين رئيسيتين، هما العربية والكردية، وقانون الحكم الذاتي لعام 1974، وحكومة إقليمية بعد انتخابات حصلت في كردستان منذ العام 1992).
الخلاف قد يكون بشأن صلاحيات الفدرالية وحدودها وأبعادها المستقبلية، وبشأن بعض المناطق المتنازع عليها مثل كركوك وغيرها وبشأن توزيع الثروات، بما فيها النفط والموارد الطبيعية الآخرى.
وقد أثار القانون الأخير بشأن النفط تداعيات كثيرة خصوصاً لما له علاقة بالدستور وبعض موادّه وبعض التعديلات والمقترحات. ولعل هذه الخلافات ستفجّر الموقف بالكامل، خصوصاً إذا ما تمّسكت الأطراف المختلفة كل بمواقفه.
التحدي التاسع: يتعلق بعلاقة الدين بالدولة
فقد ساهم ارتفاع بعض الشعارات الدينية في السلطة وخارجها أو من معارضتها بسعي حثيث إلى تديين الدولة وبخاصة في الجوانب الاجتماعية، مما ساعد على تعزيز "التطرف" و"التعصب" و"اللاعقلانية" ومناوءة الحداثة وقضايا التقدم الاجتماعي.
وكانت الدولة العراقية منذ تأسيسها وحتى عام 2003 دولة مدنية، رغم تراجعها في السنوات الأخيرة وبخاصة في سنوات الحصار الدولي 1991-2003.
لكن مرحلة ما بعد الاحتلال شهدت سيادة قيم ومفاهيم متخلّفة على الدولة والمجتمع، ناهيكم عن الموقف من المرأة فرغم تثبيت نسبة 25% (كوتا) في الدستور، فإن هناك محاولات للانتقاص منها على الصعيد المجتمعي، كما تجري محاولات فرض الحجاب بالقوة أحياناً والموقف من الأقليات الدينية والإثنية وغير ذلك.
التحدي العاشر: مشكلة كركوك
التي هي مشكلة عراقية بين التركمان والعرب من جهة وبين الأكراد من جهة ثانية، خصوصاً بين القيادات السياسية والدينية، كما أنها تثير حساسيات تركية أيضا فضلاً عن حساسيات إيرانية في الوقت نفسه، للصراع التاريخي الفارسي العثماني، ناهيكم عن مناطق النفوذ.
فالأكراد يعتبرونها "قدس الأقداس" ويريدون تطبيق المادة 58 من قانون إدارة الدولة، التي توّجت بالمادة 140 من الدستور العراقي، الذي تم الاستفتاء عليه في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2005، وأجريت الانتخابات على أساسه في 15 ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته.
وقد أصدرت الحكومة العراقية مؤخراً قراراً بترحيل "الوافدين" من غير سكان كركوك إلى مناطقهم الأصلية، وهو ما أثار رفضاً لسكان كركوك العرب والتركمان.
ومهما كان الأمر فكركوك تتطلب تعايشاً وأي إكراه في الماضي أو الحاضر في تركيبتها الديموغرافية سيؤدي إلى المزيد من الاحتقان والتوتر وربما الاحتراب بين مكوّناتها المختلفة.
" كلّما ضعف العراق، كلما تعرض لتدخلات من الجيران، خصوصا من إيران وتركيا، وهناك امتدادات كثيرة لأجهزة عديدة في العراق بما فيها لإسرائيل " |
ولا يمكن مقابلة الظلم والإجحاف، بنوع آخر من الظلم أو الانتقاص من الحقوق، خصوصاً وأن من ولدوا في كركوك وعاشوا فيها ودرسوا وعملوا وتزوجوا وأنجبوا، لا ذنب لهم ولا مسقط رأس لهم أو موطن سوى كركوك، ولا علاقة لهم بقرارات الحكومة العراقية السابقة، ولهذا يقتضي التعامل ببعد نظر ورؤية مستقبلية وإنسانية إزاء أهل كركوك وسكانها.
إذا كان هناك من يرغب في العودة إلى مناطق سكنه الأصلية، فيمكن باعتباره من المرّحلين سابقاً مساعدته أيضاً أو تعويضه في حال عدم رغبته بالعودة، لكن الأمر في كلا الحالين لا ينبغي أن يكون بالإكراه ودون موافقة السكان وإرادتهم الحرّة، ولا بدّ من وضع القواعد العامة لحقوق الإنسان بنظر الاعتبار عند التفكير بحل مستقبلي دائم لمشكلة كركوك.
والمهم وقبل كل شيء الحفاظ على علاقات التعايش والأخوة والمصير المشترك واحترام حقوق جميع المكوّنات، واعتبار كركوك مدينة عراقية.
التحدي الحادي عشر: الدستور وتعديلاته
وعلى الرغم من انتهاء الانتخابات وتشكيل الحكومة الدائمة (لأربع سنوات) بعد مخاض عسير كاد يجهض "الوليد" المنتظر، لكن أمر إعادة النظر بالصياغات الدستورية وتعديل بعض المواد لم يتم حتى الآن، ولم يُحرّك ساكناً، حيث تجاوزت المدّة المقررة.
وقد تشكّل من البرلمان في نوفمبر/تشرين الثاني 2006، لجنة إعادة صياغة الدستور، بهدف التوصل إلى تعديلات مشتركة وتوافقية، لكنها لم تحرز أي تقدم حتى الآن، وباتت المسألة أقرب إلى النسيان أو التجميد خصوصاً بتدهور الوضع الأمني على نحو مريع.
وعلى افتراض أن الحكومة العراقية الحالية، هي حكومة دائمة، عليها -إن أرادت تخطي العقبات وعبور الألغام- أن تصدر 55 قانوناً بموجب الدستور، فهنالك 55 مادة في الدستور تنص كل منها على إصدار قانون، أي أن البرلمان عليه أن يعمل على إصدار 55 قانوناً خلال هذه الفترة.
وحسب قناعتي إن هذه العقد و"المفخخات" الدستورية لا يمكن تخطّيها بسبب التباعدات الكبيرة وانعدام الثقة بين أطراف العملية السياسية إضافة إلى الضغوط على الفريقين المتصارعين من خارجهما.
أريد أن أسلم وأفترض جدلاً أنه سيتم الاتفاق على هذه القضية في البرلمان، فبإمكان أغلبية ثلاث محافظات أن ترفض الدستور، أو أن ترفض هذه التعديلات، ومن ثم سنعود إلى المربع الأول، أي المربع صفر، ونبدأ من البداية.
وهنالك الكثير من المواد التي تشكّل حساسية كبيرة: موضوع عروبة العراق، وموضوع الفدرالية الجنوبية بشكل خاص، وموضوع صلاحيات الفدرالية الكردية، وموضوع صلاحيات الدولة المركزية ومسألة القوات المسلحة وتوقيع عقود النفط والاستثمارات وتوزيع الثروات وغيرها.
وأريد أن أقول: إنه لا توجد دولة فدرالية واحدة في العالم مثل الدولة العراقية الحالية، فالسلطة المركزية (الاتحادية) لديها دستورها، وإذا ما تعارض هذا الدستور مع دستور سلطة الإقليم (الأقاليم لاحقاً، علماً بأن من حق محافظة واحدة أو أكثر أن تصبح إقليماً)، فيخضع الدستور المركزي (الاتحادي)، لدستور السلطة المحلية، أي السلطة الإقليمية.
وللسلطات الإقليمية الحق في أن يكون لها فروع في الممثليات والهيئات الدبلوماسية العراقية لمتابعة الشؤون الثقافية والإنمائية والاجتماعية، ولا أحد يعرف ماذا يعني ذلك، إن لم يكن "وزارات خارجية" مصغرة في بطن وزارة خارجية أكبر؟
ولعل تشكيل وزارة للشؤون الخارجية في الإقليم الكردي حالياً هو خير دليل على وجود وزارات خاصة مصغرة أو هو أقرب إلى كونفدرالية موسعة.
وإذا كان هذا الأمر حادثا فلا بدّ من قوله صراحة ودون مواربة، لأن الأساس في العلاقة هو الشفافية والثقة والاتفاق على نصوص دستورية واضحة، وهذا هو الإشكال.
ولا يحق للجيش العراقي أن ينتقل في كل الأراضي العراقية، خصوصاً في المنطقة الكردية إلاّ بموافقة سلطات الأقاليم، كما لا يحق لهذا الجيش أن "يتدخل" في التشكيلات العسكرية المحلية (الإقليمية)، أي "البشمركة" في إقليم كردستان حالياً، و"الأقاليم" الجنوبية أو التي ستقام لاحقاً، إلى غير ذلك من الإشكالات التي ستواجه الدولة العراقية، وبدون حلول ومعالجات على أساس الوحدة الوطنية، فإن عناصر الإنقسام ستتعاظم وعوامل التشظي ستزداد.
وحتى الحكومة القائمة التي ولدت بصعوبات كبيرة وتوازنات وتقاطعات شديدة، فقد جاءت ضعيفة، وذلك بسبب التقاسم الوظيفي المذهبي والإثني وبسبب الولاءات والمغانم السياسية، على حساب الخبرة والكفاءة.
وقد اعترف السيد نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي بذلك، حين لوّح أكثر من مرة، عن رغبته في إجراء تغييرات وزارية مهمة، لكن الإشكال الذي سيظل يواجه حكومته هو كيف السبيل إلى تجاوز المحاصات والتخلص من المليشيات وإنجاح مشروع مصالحة حقيقة؟
" المشكلة في العراق ليست أمنية أو عسكرية أو اقتصادية، بل هي سياسية بامتياز بما تحتويه من الجوانب المختلفة " |
وأكثر من ذلك فقد كان للمحاصات دور سلبي آخر لا يتعلق بالكفاءة والخبرة حسب، بل على صعيد ما يسمى بالوحدة الوطنية، الذي كان شعار "الحكومة"، لكنها لم تفلح في ذلك، ولهذا جاءت الوزارة منقسمة منذ اللحظة الأولى بفعل المحاصات والتقاسم المذهبي والإثني.
هذه التحديات هي التي دعت كوندوليزا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة إلى القول: إن بلادها أخطأت آلاف الأخطاء التكتيكية، ولا أدري إذا كانت آلاف الأخطاء التكتيكية لا تشكل خطأً إستراتيجياً كبيراً؟
ولعل الخطأ الكبير أو الخطيئة العظمى هو إقدام الولايات المتحدة على غزو العراق واحتلاله وتوّغلها في المستنقع العراقي خصوصاً بعد حل المؤسسة العسكرية والأمنية، ومثل هذا الخطأ الفادح والإستراتيجي أو الخطيئة، هو الذي جعل الرئيس بوش يفكر في تغيير وتعديل إستراتيجيته بشأن العراق من خلال سيناريوهات مختلفة، خصوصاً بعد فوز الديمقراطيين في الانتخابات النصفية للكونغرس (أواخر العام 2006).
لكن ما يمكن قراءته حتى الآن هو الاستمرار في حالة "الفوضى البنّاءة"، واستخدام نظرية "الضد النوعي" لضرب الشيعة بالشيعة والسنّة بالسنّة، وزيادة عدد القوات المسلحة، وهو الأمر الذي يعني تجاوزاً على توصيات بيكر هاملتون، وبخاصة إزاء الجدول الزمني للانسحاب أو الاستعانة بدول الجوار وبخاصة إيران وسوريا.
وإذا كان البعض يعتقد بأن خطة الرئيس بوش الجديدة القديمة تتضمن ثمة إيجابيات مثل إرغام المليشيات على نزع سلاحها ومنح العراق مليار دولار لتحقيق فرص عمل وإعادة الإعمار، وتحسين الخدمات، فالمسألة لا تتعلق بتوفير المال الكافي بل بإيقاف هدر المال العام والفساد الإداري والمالي وكذلك توظيف واردات النفط واستخدامها على نحو عقلاني، والأهم حل مشكلة العنف والمليشيات والتطهير الطائفي.
المشكلة في العراق ليست أمنية أو عسكرية أو اقتصادية، بل هي سياسية بامتياز بما تحتويه من الجوانب المختلفة.
إذ لا يمكن التسليم باستمرار الاحتلال وعدم تحديد سقف زمني للانسحاب، وهو ما كان على الرئيس بوش الاعتراف به وتدوير الأمر إلى الأمم المتحدة لاقامة حكومة وحدة وطنية بإشرافها لمدة عام مثلا يتم خلالها الانسحاب واستعادة السيادة والاستقلال الوطنيين ووضع حد للحرب الأهلية، خصوصاً بحل المليشيات واستعادة هيبة الدولة وقواتها العسكرية والأمنية على أسس وطنية وليست مذهبية أو إثنية.
كان الاختلاف في الماضي سياسياً بالدرجة الأولى، ففي فترات سابقة مثلاً وخصوصاً في الموقف من الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988، أو في الموقف من غزو القوات العراقية للكويت 1990، وما تبعها في الموقف من القرارات الدولية، وبخاصة الموقف من الحصار الدولي، وكذلك في الموقف من شن الحرب على العراق، ولكنه اتخّذ مساراً جديداً في التعويل على العنصر الخارجي للتغيير، مثلما اتجهت إلى ذلك قوى وشخصيات سياسية عديدة أو البحث عن سبل داخلية لإنجاز التغيير دون وقوع العراق تحت الاحتلال، مثلما أرادت قوى وتيارات سياسية من خارج الحكم وبعضها من داخله.
ولكن هذا الانقسام اتخذ شكلاً مذهبياً وإثنياً عقب الاحتلال، خصوصاً وأنه تكّرس عبر الصيغة السحرية للحاكم المدني الأميركي للعراق بول بريمر، عند تأسيسه مجلس الحكم الانتقالي، الذي قسّم المجتمع العراقي إلى فئات طائفية وإثنية بعيداً عن الهوية العراقية الجامعة.
وبسبب غياب الدولة ومؤسساتها بحل الجيش والأجهزة الأمنية وانفراط إدارات الدولة الرسمية، انتعشت الهويات التجزيئية، والتقسيمية، والطائفية، والإثنية، والعشائرية، والمناطقية، بشكل يكاد يكون مجهرياً.
إن عوامل الانقسام واحتمالات المزيد من التصدّع كلّها واردة، خصوصاً بتفاقم الحرب الأهلية التي هي ليست حرباً أهلية كلاسيكية، فقد يرسم البعض صورة نمطية للحرب الأهلية في ذهنه، وهي ما يحاول الإعلام أن يضخّه رفضاً أو اعترافاً.
فالحرب الأهلية حسب هذا التصور بين الشيعة والسنة، وبين العرب والأكراد، وبين الأكراد والتركمان، الأمر الذي يتم استبعاده، لأنه لا يقوم وفقاً لهذه المعادلة.
وهناك من المؤيدين للعملية السياسية أو المعارضين لها، من يعتقد أنه لا وجود لحرب أهلية، وهم يقصدون بذلك بحسن نية أو بدونها المعنى الكلاسيكي للحرب الأهلية، ويستحمدون الله أحياناً لأن الأمر لن يكون كذلك، وإنما كل ما يجري مجرد مصاعب أو توترات أو احتقانات، يرمي البعض أسبابها على التكفيريين والصداميين وأنصار النظام السابق، والبعض الآخر يلقيها على الاحتلال وأتباعه والقوى التي جاءت معه ومليشياتها، ويحمّل إيران جزءاً من المسؤولية، لكنه يرفض اعتبار ما يجري حرباً أهلية.
وينسى أصحابنا من الاتجاهين أن الحرب الأهلية وفقاً لهذه الصيغة "المنمذجة" لن تقوم، لكن أمراء الطوائف وزعماء الجماعات المسلحة وقادة الجريمة المنظمة، والمتنّفذين والمدعومين دولياً من الاحتلال ومن القوى الإقليمية والمستفيدين من الاحتراب الأهلي والطائفي، يحاولون توظيف ذلك سياسياً، إلاّ أنّ حجم القتلى يومياً، الذي ازداد على 120 شخصاً حسب الأمم المتحدة، والجثث المقطوعة الرؤوس والمجهولة الهوية، جعلت البعض يعترف -وإن كان على نحو مخفف- بإشكالات الحرب الأهلية.
في حين أن كوفي أنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة نفسه اعترف عشية مغادرته موقعه وإن جاء إعترافاً متأخراً: إن العراق يشهد حرباً أهلية، بل إنها أسوأ من حرب أهلية، لعله بذلك أصاب كبد الحقيقة لأنها حرب الجميع ضد الجميع، وهي حرب شاملة سياسية وطائفية وإثنية، وبين احتلال ومقاومة، وبين أطراف عراقية مؤيدة للاحتلال وأطراف معارضة له ولكامل العملية السياسية.
" ما يمكن قراءته حتى الآن هو الاستمرار في حالة "الفوضى البنّاءة"، واستخدام نظرية "الضد النوعي" لضرب الشيعة بالشيعة والسنّة بالسنّة، وزيادة عدد القوات المسلحة " |
إذاً إنها حرب متنوعة ومعقّدة، بل هي فوضى حروب مصغرة ومتداخلة باشتباك عجيب، لكنها على أي حال ليست "الفوضى الخلاّقة" التي روّج لها صانعو القرار في الولايات المتحدة، ولم تستطع مظاهر مثل، الانتخابات والدستور والبرلمان وحرية التعبير، تخفيف نار الحرب الأهلية أو الحيلولة دون الانفلات الأمني والتطهير المذهبي والإثني.
إن عوامل الوحدة ومبادرات المصالحة، سواء التي قامت بها جامعة الدول العربية أو حكومة المالكي والمؤتمرات التي انعقدت كلّها ما تزال ضعيفة وخصوصاً بانعدام الثقة بين الأطراف، وحتى الآن لم تحقق تلك المؤتمرات شيئاً يُذكر من مشروع المصالحة الوطنية الحقيقية المنشودة.
وهناك مشاريع بديلة طرحت من جانب قوى لم تشارك في العملية السياسية، وقد تسنى للباحث حضور جوانب من حوارات ونقاشات لعدد من المؤتمرات سواء على صعيد عراقي أو عربي أو دولي، لمراكز أبحاث ودراسات ومؤسسات إستراتيجية، لكن هذه المشاريع ما تزال تنقصها آليات فضلاً عن أنها غير موحدة، بما فيها أطراف المقاومة، إضافة إلى عدم وجود إرث ديمقراطي لدى غالبيتها الساحقة، مثل القوى الحاكمة.
_______________
مفكر وباحث في القضايا الإستراتيجية
عودة لملتقى العراق