بقلم: أورخان محمد علي*
- حجم الأزمة
- الأسباب الكامنة وراء الأزمة
- تحرك الحكومة لمواجهة الأزمة
- موقف الأحزاب المعارضة والتوقعات
تعد الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تركيا حاليا من أكبر الأزمات في العقود الأخيرة من تاريخها. بل ربما كانت أكبر أزمة مرت بها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
صحيح أن الاقتصاد التركي لم يكن في حالة صحية منذ عدة سنوات بسبب نسبة التضخم العالية التي كان يعاني منها، ولكن هذا التضخم كان ينظر إليه كنتيجة طبيعية للإنفاق الحكومي على مشاريع ضخمة تمت ولا سيما في عهد تورغوت أوزال رئيس الجمهورية الأسبق الذي استطاع تحقيق قفزة اقتصادية في تركيا فكان التضخم ضريبة لابد منها لمثل هذه القفزة الاقتصادية والإنفاق الواسع على المشاريع ولا سيما السدود الضخمة ومحطات توليد الطاقة الكهربائية.
حجم الأزمة وانعكاساتها
ولكن الأزمة الاقتصادية الحالية لم تقتصر على نسبة عالية من التضخم ومن فقد الليرة التركية 40% من قوتها أمام الدولار الأميركي في أسبوعين فقط من بداية الشهر الماضي، بل رافقت هذا التضخم نسبة عالية من إفلاس الشركات والمصانع وأقفلت آلاف المحلات أبوابها فزادت نسبة البطالة زيادة كبيرة. كما رافقتها موجة جديدة من الضرائب التي أثقلت كاهل الشعب ولا سيما من ذوي الدخل المحدود، مما أدى إلى صدور إشارات عن احتمال انقلاب هذه الأزمة من أزمة اقتصادية إلى أزمة سياسية، فقد زادت المظاهرات الاحتجاجية في العاصمة أنقره وفي جميع المدن التركية -وفي مقدمتها إسطنبول- مطالبة الحكومة بالاستقالة.
الأسباب الكامنة وراء الأزمة
ترجع الأزمة الاقتصادية التي انفجرت مؤخرا في تركيا إلى جملة من الأسباب المزمنة التي يتلخص أهمها في ما يأتي:
1- تفاقم الديون:
وقعت تركيا في شرك ومصيدة الديون الخارجية والداخلية، وتضخمت هذه الديون مع فوائدها حتى أصبحت تلتهم الجزء الأكبر من واردات الدولة. ولكي ندرك مدى الخطورة الاقتصادية لهذا الأمر ندرج المعلومات التالية:
بلغت الديون الخارجية لتركيا عام 1980 (15.7) مليار دولار بفائدة سنوية تقارب المليار دولار. أما في عام 1999 فقد تجاوزت هذه الديون مائة مليار دولار وبفائدة سنوية تزيد على خمسة مليارات دولار، علاوة على عدم استعمال معظم هذه القروض -خاصة بعد عام 1992– في أماكنها الصحيحة وفي بناء مشاريع تنموية، بل أهدر معظمها.
كما بلغت الديون الداخلية لتركيا عام 1980 (7.9) مليارات دولار، لتصل عام 1999 إلى (63.6) مليار دولار.
” 427 مليار دولار قيمة القروض مع فوائدها التي دفعتها تركيا في العشرين عاما الماضية، ومازال تسديد القروض الداخلية وفوائدها يلتهم 95% من واردات الحكومة من الضرائب ” |
وقد حسب بعض الاقتصاديين الأتراك مجموع المبالغ التي دفعتها تركيا مع فوائدها في ظرف العشرين سنة الأخيرة فبلغ (426.7) مليار دولار وهو مبلغ كبير كان من الممكن دفع عجلة الاقتصاد التركي به، مع أن تركيا تبذل كل جهودها حاليا لاستقراض مبلغ (12- 15) مليار دولار فقط من البنك الدولي ومن صندوق النقد الدولي.
ولكي نأخذ فكرة عن مدى تخبط تركيا في مصيدة الديون وفوائدها نشير إلى أن تسديد القروض الداخلية مع نسب الفوائد العالية جدا لها أصبح يلتهم 95% من قيمة واردات جميع الضرائب المفروضة والتي تشكل أهم وارد للحكومة. وهذه نسبة مخيفة وتشير إلى أن الاستمرار في سياسة الاقتراض بفوائد عالية لا يعني سوى انتحار الاقتصاد ووصوله إلى طريق مسدود تماما.
2- دخول الاتحاد الجمركي الأوروبي:
يعد انضمام تركيا إلى الاتحاد الجمركي الأوروبي الخطوة الضرورية الأولى والشرط الأساسي لدخولها إلى الاتحاد الأوروبي. وهذه العضوية في الاتحاد الجمركي تعني رفع جميع الرسوم الجمركية عن البضائع المصدرة أو المستوردة بين تركيا والدول الأوروبية، وكانت أوروبا هي الرابحة وتركيا هي الخاسرة في هذا الأمر للأسباب التالية:
أ- بدأت تركيا منذ دخولها إلى الاتحاد الجمركي تخسر كل عام واردا كبيرا يبلغ أربعة مليارات من الدولارات تقريبا كانت تحصل عليها من الرسوم والضرائب الجمركية على البضائع الأوروبية المستوردة.
ب- زادت الفجوة كثيرا بين قيمة البضائع الصادرة إلى أوروبا وقيمة البضائع المستوردة منها، أي زاد العجز التجاري لتركيا.
ج- بعد رفع الحاجز الجمركي لم تستطع الصناعة التركية الناشئة منافسة الصناعة الأوروبية المتقدمة التي غزت الأسواق التركية، مما أدى إلى إفلاس العديد من المصانع التركية وإقفال أبوابها وتسريح الآلاف من عمالها، وهذا أدى بدوره إلى تقلص الناتج المحلي وزيادة أعداد العاطلين عن العمل.
هذا علما بأن دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي يعد حلما صعب التحقيق حاليا، وقد صرح المسؤولون في هذا الاتحاد بأنهم لن يفتحوا ملف انضمام تركيا للاتحاد ولن ينظروا في هذا الطلب إلا بعد عشر سنوات، أو بعد قيام تركيا بتحقيق أمور تبدو حاليا مستحيلة. وهذا يعني أن تركيا تدفع منذ سنوات ضريبة باهظة لأمر لا توجد أي بوادر لتحقيقه في الأفق المنظور.
|
” 195 مليار دولار مصاريف الحكومات التركية بين 1990-2000، فالحكومة وموظفو الدولة مخصص لهم 86338 سيارة رسمية و13240 هاتفا و235340 بيتا صرف على صيانتها 640 مليون دولار في عشر سنوات ” |
3- الإسراف والتبذير الحكومي:
يعتبر الإسراف الحكومي من العوامل التي نخرت جسم الاقتصاد التركي، فحسب دراسة أعدها اتحاد الغرف والبورصة التركية فإن التبذير والإسراف الحكومي تسبب في ضياع (195.2) مليار دولار في ظرف عشر سنوات (1990-2000). وأشارت هذه الدراسة إلى أن معظم الحكومات المتعاقبة في هذه المدة كانت فاشلة في سياستها الاقتصادية. ومع أن هذه الحكومات اتبعت في هذه المدة (وتبلغ 132 شهرا) سياسة شد الأحزمة مدة 42 شهرا في البلد فإن هذه السياسة لم تثمر شيئا بسبب التبذير والإسراف الحكومي الذي لم ينقطع حتى في هذه الأشهر. والأرقام التالية أمثلة قليلة فقط على هذا التبذير:
أ- تملك الحكومة (86338) سيارة رسمية في خدمة الموظفين، في حين يتراوح عدد السيارات الحكومية في اليابان وفرنسا وبريطانيا بين عشرة آلاف إلى عشرين ألف سيارة فقط مع أنها دول أكثر غنى ورفاهية وتقدما من تركيا بكثير. وقد تبين أن رواتب سائقي هذه السيارات ومصاريف وقودها وصيانتها تبلغ ملايين الدولارات كل عام.
ب- تملك الحكومة (235340) دارا مخصصة للموظفين، وأكثرها فيلات للراحة والاستجمام في أشهر الصيف لكبار الموظفين. وتم صرف (640) مليون دولار في ظرف عشر سنوات لصيانتها. وهذا ترف لا تتحمله ميزانية تركيا.
ج- هناك (13240) هاتفا مخصصا لدوائر الدولة وهو رقم ضخم بالنسبة لتركيا، وكثيرا ما يساء استخدام هذه الهواتف وتستعمل لأغراض شخصية.
وقد أشار هذا التقرير إلى ناحية مهمة وهي نسبة أوقات الركود فقال إن نسبة أوقات الركود في الدول المتقدمة تبلغ 14% فقط، أما هذه النسبة في تركيا فقد بلغت 41%.
” حوالي مائة مليار دولار نهبت من البنوك التركية في عمليات احتيال وإقراض لرجال أعمال وشركات وهمية ” |
4- عمليات النهب للبنوك الحكومية:
ظهرت عمليات نهب البنوك على السطح قبل ثمانية أشهر تقريبا، فقد أفلست سبعة بنوك حكومية بعد أن نهبت أرصدتها بعمليات احتيال وإقراض لشركات وهمية أو لرجال أعمال دون أخذ الضمانات الكافية، ثم هروب أصحاب هذه الشركات الوهمية ورجال الأعمال إلى الخارج مع هذه المبالغ. ولم تعط الحكومة أرقاما محددة لمقدار هذه المبالغ المنهوبة، وإن كان بعض المحللين يقدرونها بما يقارب مائة مليار دولار.
هذا علما بأن هناك لجان تفتيش ومراقبة لهذه البنوك، وكانت قد قدمت تقارير تحذر مما يجري في هذه البنوك وتلفت نظر المسؤولين إلى فداحة الوضع فيها. ولكن هذه التقارير نحيت جانبا وأهملت شهورا عديدة حتى فات وقت أي علاج أو اتخاذ أي تدبير، مما أثار غضب الشعب وجعله يتهم الحكومة ووزراءها بأنهم ضالعون في هذا النهب بسبب عدم اتخاذهم التدابير الضرورية في وقتها.
|
” ميزانية الجيش التركي مستمرة في الازدياد وهي غير معلنة وليس للحكومة ولا للبرلمان أي سيطرة عليها، واضطرت الأزمة الاقتصادية رئاسة الأركان إلى تأجيل 32 مشروعا عسكريا جديدا كلفتها عشرون مليار دولار ” |
5 – الإنفاق العسكري الباهظ:
فمع أن روسيا ومعها جميع دول حلف الناتو (عدا تركيا) قامت بتخفيض نفقاتها العسكرية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة، فإن تركيا مستمرة في إنفاق باهظ على آلتها العسكرية الضخمة دون أن تعلن عن هذه النفقات. وليس للحكومة ولا للبرلمان سيطرة عليها.
وبعد وقوع هذه الأزمة أعلنت رئاسة الأركان التركية -وهي الجهة الوحيدة المسؤولة عنها– عن قيامها بتأجيل (32) مشروعا من مشاريعها العسكرية تبلغ كلفتها (20) مليار دولار تقريبا. إذن فكم كانت كلفة جميع مشاريعها العسكرية؟
6 – الحظر المفروض على العراق:
تضررت تركيا كثيرا بالحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة على العراق، وتشير الإحصائيات إلى أن خسارة تركيا جراء انحسار تجارتها مع العراق فاقت (70) مليار دولار في السنوات العشر الماضية.
هذه هي أهم أسباب الأزمة الاقتصادية التي تطحن تركيا حاليا، ومن المحتمل أن تنقلب إلى أزمة سياسية لأن معظم أفراد الشعب من عمال وموظفين وفلاحين وطلاب ومثقفين يطالبون الحكومة بالاستقالة.
ولكن إن استقالت الحكومة فهل هناك بديل لها؟
في ظل هذا التركيب الحزبي والبرلماني الموجود حاليا في تركيا يبدو من الصعب وجود بديل للحكومة الحالية، فمن الأحزاب الخمسة الموجودة في البرلمان هناك ثلاثة أحزاب موجودة في الائتلاف الحكومي (حزب "اليسار الديمقراطي" بزعامة أجاويد، وحزب "الحركة القومية" بزعامة دولت باهجلي، وحزب "الوطن الأم" بزعامة مسعود يلماز). وهناك حزبان معارضان هما "حزب الفضيلة" بزعامة رجائي قوطان، و"حزب الطريق القويم" بزعامة تانسو تشيلر. ومجموع أصوات هذين الحزبين المعارضين في البرلمان لا يكفي لتشكيل حكومة، علما بأن المحكمة الدستورية تنظر في طلب المدعي العام حول حل حزب الفضيلة باعتباره امتدادا لحزب حلته المحكمة الدستورية من قبل وهو حزب الرفاه، وستصدر المحكمة قرارها قريبا. وهذا يعني أن هناك احتمالا لحل هذا الحزب، لذا فليس من المحتمل اشتراكه في تشكيل أي حكومة حاليا. والحل الوحيد هو في التبكير في إجراء الانتخابات العامة والتي يحين موعدها الاعتيادي بعد سنتين.
استقدمت الحكومة قبل شهرين تقريبا خبيرا اقتصاديا تركيا يقيم في الولايات المتحدة الأميركية منذ سنوات هو السيد "كمال درويش" وجعلته وزير دولة للشؤون الاقتصادية، وطلبت منه تقديم برنامج اقتصادي لإنقاذ تركيا من ورطتها الحالية. وبعد دراسة قام بها الوزير الجديد استغرقت 45 يوما قدم برنامجه الاقتصادي، وكان أهم ما جاء فيه:
1- تغيير العديد من القوانين ومن أهمها قوانين البنك المركزي وإعطائه حرية وصلاحيات أكبر، مع الوقوف الحازم في وجه عمليات نهب البنوك.
2- تأمين الشفافية في جميع الأعمال الاقتصادية التي تقوم بها الحكومة وإطلاع الشعب عليها.
3- الاقتصاد في النفقات الحكومية واتباع سياسة شد الأحزمة.
4- الإسراع في عمليات الخصخصة.
وقد وافقت الحكومة على هذا البرنامج، وأعلن رئيس الوزراء بولنت أجاويد أن الأحزاب الثلاثة التي تؤلف الحكومة الحالية تقف وراءه، وبدأت الحكومة بعدة خطوات تنفيذية على النحو التالي:
-
المباشرة بتمرير القوانين الإصلاحية الواردة في هذا البرنامج من البرلمان، والتي يقارب عددها 15 قانونا. ويعد تغيير قوانين البنك المركزي وإعطاؤه صلاحية وحرية حركة أكبر أهم هذه القوانين. وقد مررت حتى الآن ثلاثة قوانين وينتظر المجلس النيابي هذا الأسبوع عمل مكثف لسن القوانين المطلوبة الأخرى.
-
الإعلان عن عزمها على خصخصة شركات حكومية عديدة من أهمها شركة الخطوط الجوية التركية وشركة التلفونات الوطنية والعديد من معامل الحديد والصلب ومعامل السكر. وكذلك بيع ما يقارب مائة ألف من الدور الحكومية واستثنيت الدور العائدة لكادر المحاكم والجامعات والجيش من هذا البيع. كما تنوي بيع مساحات واسعة من الأراضي الأميرية (أي الأراضي التي تملكها الدولة).
-
السعي إلى التقدم بطلب قرض من صندوق النقد الدولي ومن الدول الغنية السبع. ويتوقع أن يكون حجم القرض حوالي 25 مليار دولار. ومن أجل تأمين هذا القرض سيسافر الخبير كمال درويش إلى بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية ليجري مباحثات حول مقدار وشروط هذا القرض.
-
الاستمرار في دفع القروض الداخلية لأن نتائج تأجيل ذلك ستكون خطيرة.
-
عدم المسارعة إلى طباعة كميات جديدة من النقود لأنها ستؤدي إلى تصاعد سريع لوتيرة التضخم. وقال أجاويد إن حكومته ستبذل كل ما في وسعها لتخفيف حدة التضخم وتخفيض نسبة الفائدة في القروض.
-
تعلق الحكومة التركية أملا على نجاح الموسم السياحي الحالي في تركيا، حيث بلغت نسبة الحجوزات في الفنادق التركية نسبة عالية، وتأمل أن يسهم ذلك في تخفيف بعض أعباء هذه الأزمة ودخول كمية كبيرة من الدولارات إلى تركيا، لاسيما وأن السياحة في تركيا أصبحت -بعد هبوط سعر الليرة- أرخص بكثير من الدول الأوروبية الأخرى.
-
تأمل تركيا في زيادة صادراتها إلى الخارج بعد هبوط قيمة الليرة التركية أمام الدولار.
فهل تنجح الحكومة في برنامجها هذا وتتمكن من اجتياز الأزمة؟
لا يستطيع أحد الإجابة على هذا السؤال بشكل مؤكد، والمحللون الأتراك والأجانب غير متفقين على رأي واحد، فالموضوع معقد وله جوانب عديدة ومتشعبة، كما أن عوامل عدة مؤثرة لاتزال غير واضحة المعالم ولا يعلم أحد مدى إمكانية تحققها، فمثلا لا أحد يدري مقدار القرض الذي ستحصل عليه تركيا من صندوق النقد الدولي ومن الدول الغنية السبع، وهل ستنجح الحكومة في خصخصة شركات القطاع العام بسرعة وبكفاءة؟ وهل ستنجح في سياسة شد الأحزمة؟ وهل سيتعاون الشعب معها في إنجاح هذه السياسة بعد أن لم يبق له -وهو يتلوى من الفقر- مجال لمزيد من شد الأحزمة؟
موقف الأحزاب المعارضة والتوقعات
استخفت المعارضة ببرنامج الحكومة، ففي تعليق لرئيس حزب الفضيلة رجائي قوطان قال إن "الجبل تمخض وولد فأرا". وقالت رئيسة حزب الطريق القويم تانسو تشيلر وهي أستاذة اقتصاد أيضا إن هذا البرنامج لم يأخذ بعين الاعتبار فئات العمال والفلاحين والموظفين وأصحاب الدخول المحدودة. كما أن بعض المحللين الاقتصاديين الغربيين ذكروا أن هذا البرنامج غير واقعي ومتفائل أكثر من اللازم. ونحن نرى أنه من العبث انتظار مفعول السحر من أي برنامج اقتصادي يتصدى لعلاج داء اقتصادي مزمن.
ولكن نرى من جهة أخرى أن من الضروري أن يحوز هذا البرنامج على ثقة الشعب وعلى تعاونه مع الحكومة لإنجاحه، ولكن لا يمكن توقع مثل هذا التجاوب من الشعب حاليا لأنه فقد ثقته بهذه الحكومة. ثم إنه من المشكوك فيه حصول تركيا على قروض كافية لتجاوز هذه الأزمة ولاسيما بعد قيام مؤسسة (Standard & Poors) وهي مؤسسة عالمية للتقييم والمراقبة المالية والاقتصادية، بتخفيض المؤشر الاقتصادي لتركيا من (+B) إلى (-B). كما ظهرت مؤشرات بأن الحلفاء الغربيين لتركيا -وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية- يخشون من أن أي مساعدة مالية كبيرة لتركيا قد تدفع حكومة أجاويد إلى التراخي وعدم تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي يطالب بها صندوق النقد الدولي، لذا فهم يطالبون تركيا بالقيام بإصدار القوانين اللازمة لتنفيذ الإصلاحات قبل تقديم القروض إليها، في حين صرح كمال درويش بأن هذه القروض ضرورية للبدء في هذه الإصلاحات، وقد ذكرت مجلة "دير شبيغل" الألمانية المعروفة اليوم أنه من المتوقع قيام الدول الغنية السبع بتقديم قروض إلى تركيا تبلغ (6–9) مليارات مارك.
وقد جاءت إشارة مشجعة من اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي ووزراء مالية الدول المرشحة للانضمام إلى الاتحاد في اجتماعهم بتاريخ 22/4/2001 في مدينة مالمو بالسويد عندما حثوا في بيانهم صندوق النقد الدولي والدول السبع الغنية على تقديم قرض عاجل لتركيا. ولم يرد في البيان أي رقم محدد لهذا القرض.
ولكن الأمر لا يقتصر على موضوع إعطاء القروض أو عدم إعطائها، لأن السؤال الوارد هنا هو: ما الشروط التي ستضعها هذه الدول مقابل القروض؟ وما التنازلات التي ستقدمها الحكومة التركية في سبيل ذلك؟ هل سيطلب منها التنازل عن القضية القبرصية أم الرضا بشروط اليونان في بحر إيجه؟ أم التنازل عن بعض حقوقها في حلف الناتو كما طلب منها سابقا؟ وهل سيطلب من تركيا إنهاء معارضتها لتشكيل حكومة كردية في شمالي العراق؟ وهل سترضى تركيا بمثل هذه الطلبات والشروط والتنازلات؟
لقد حذر العديد من الكتاب والمحللين السياسيين في تركيا الحكومة من تقديم تنازلات مخلة بسيادتها أو بمصالحها الاستراتيجية من أجل أي قروض خارجية. وتزداد أهمية هذه التحذيرات في ظل تشكيك الكثيرين في قدرة الحكومة الحالية على تجاوز الأزمة الراهنة دون مساومات.
ـــــــــــــــ
* كاتب عربي في الشؤون التركية، مقيم في تركيا.