تركي علي الربيعو
"إنها حربنا" هذا ما كتبه وليم كريستول أحد كبار المنظرين الرئيسيين في تيار المحافظين الجدد، في مجلة ويكلي ستاندارد 24/7/2006، في سياق العدوان الإسرائيلي على لبنان أو ما عرف بالحرب السادسة.
هذه الـ"نا" تقطع مع كل المحاولات الرامية إلى وضع حدود بين أميركا و"ديمقراطيتنا الصديقة" أي إسرائيل حسب البيان الشهير الذي وقعته مجموعة من المحافظين الجدد (منهم وليم كريستول وفوكوياما وكراوتامر وآخرين) في 20/9/2001 والموجه للرئيس بوش.
" حرب الولايات المتحدة على الإرهاب شبيهة بالملاكم الذي يتصدى لسرب من الذباب، أو فلنقل لسرب من الدبابير التي لا يعرف من أين تلدغه " |
فإسرائيل ليست الأخت الصغرى لأميركا كما يصفها يوري أفنيري، وليست أميركا محاميا لإسرائيل، إنهما وجهان لحالة واحدة وخندق واحد في الحرب على الإرهاب كما جاء في البيان المذكور، وبالأخص على حزب الله الذي اعتبره البيان منظمة إرهابية، وعلى ما عرف بـ"الفاشية الإسلامية" كما نعتها الرئيس بوش في واحدة من زلات لسانه، وما أكثرها في سياق الحرب على الإرهاب.
هذه الـ"نا" العريقة في الخطابين الإعلامي والسياسي كما يرى المفكر الفلسطيني العالمي الراحل إدوارد سعيد رحمه الله، تقيم بدورها حدودا بين القبيلة الشقراء الأميركية التي اعتلت سدة التاريخ وسقفه، وبين القبائل البربرية.
لنقل بين الأنا الغربية وبين الآخر المسلم الفاشي الإرهابي (كلها نعوت لوجه واحد في إطار تغطية الإسلام، نعوت تستعير معظم بواعث التعبير عن نفسها من حقل الاستشراق التقليدي) الذي يمتلك كما يكتب كريستول "مشروعا عاما لزعزعة العالم الغربي؟
فهم يحسدوننا كما يكتب برنارد لويس في كتاب "الإسلام والحداثة: ما الخطأ الذي حصل"، ذلك الكتاب الذي أصبح كما كتب إدوارد سعيد إنجيلا للمحافظين الجدد يهتدون به في ليلهم الطويل في قراءة العالم الإسلامي ومقارعة الفاشية الإسلامية التي تمتلك كما يكتب كريستول في خطابه التحريضي الذي يستعير بدوره معظم بواعث التحريض من أطروحة هنتغتون عن صدام الحضارات "مشروعا عاما لزعزعة العالم الغربي".
في كتابه "نهاية الإنسان، 2001" اللاحق على نهاية التاريخ، لم يعر فرنسيس فوكوياما، وهو أحد رموز المحافظين الجدد انشق عنهم لاحقا، اهتماما لأحداث 11 سبتمبر/أيلول، فهي لا تزيد عن كونها رد فعل تقوم به حامية الأصولية التي تشعر أن مد التحديث سيكتسحها عاجلا أو آجلا.
إن كريستول يدق ناقوس الخطر على العكس مما يذهب إليه فوكوياما، فالعالم الغربي في خطر، والحضارة الغربية مستهدفة من قبل حساد نموذجيين كما يكتب توماس فريدمان في "لكزس وشجرة الزيتون: فهم العولمة، 1999".
هذا المبهور بالعولمة كما نعتته لوموند دبلوماتيك، قال ذلك في معرض حديثه ومحاكمته لرمزي يوسف المتهم بتفجير مركز التجارة العالمي، ومن قبله في "البرابرة الجدد"، كما يسميهم فرنسيس فوكوياما الذين يجمعون بين العداء لأميركا ومعرفة قوانين الفيزياء الحديثة.
والذين يرى فوكوياما أنهم باتوا على الأبواب، وتجاوزوا الجدار الذي بنته إسرائيل من حول نفسها في سعيها للبحث عن مكان تحت الشمس كما يذكرنا كتاب بنيامين نتانياهو، أو بصورة أدق، في سعيها للخلاص والطهارة من انتمائها الآسيوي والحفاظ على إسبارطة إسرائيلية وعلى روح الإمارة الصليبية كما تكتب يوري أفنيري التي سيكتب التاريخ هزيمتها عاجلا أو آجلا.
والخطر يأتي من الفاشية الإسلامية، لنقل من الإرهاب الإسلامي الذي بات شماعة لما يسميه بنجامين باربر متهكما "رقصات الردع النموذجية" التي تلجأ إليها الدولتان المارقتان، أميركا وأختها الصغرى إسرائيل الديمقراطية في سعيهما للتصدي للإرهاب.
وهذا ما يدفع المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه الذي يصفه إدوارد سعيد بأنه متعدد البراعات ومبدع، إلى تشبيه الحرب على الإرهاب بالملاكم الذي يتصدى لسرب من الذباب، أو فلنقل لسرب من الدبابير التي لا يعرف من أين تلدغه.
في معرض خطابه في الذكرى السادسة لأحداث 11 سبتمبر/أيلول، قال الرئيس بوش المعروف بسذاجته "إن انتصار الإرهاب في شوارع بغداد سوف يمهد لانتصاره في شوارع واشنطن" ومن هنا ضرورة القول بأنها حربنا.
وهذا ما يفسر تلك المماطلة الطويلة التي لجأت إليها أميركا أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان، إذ الهزيمة أمام الراديكالية الإسلامية ممثلة بحزب الله اللبناني المصنف في خانة المنظمات الإرهابية، لا يمكن أن تقبل بها أميركا.
ولذلك قامت بضخ جميع أنواع الأسلحة الذكية منها والغبية للجيش الإسرائيلي الذي خيب أداؤه آمال الرئيس بوش وشلة المحافظين الجدد الذين راحوا يعدون العدة لجولة جديدة.
" الجيش الأقوى في العالم لا يعني بحال من الأحوال أنه الجيش الأذكى، على الرغم من كل الصواريخ الذكية التي قيل إنها تستطيع أن تلاحق الإرهابيين في أعمق كهوف ووديان أفغانستان وأقبية حزب الله " |
فالحرب هي حربنا وهذا ما يفسر الضغط الكبير الذي مارسته السيدة كوندوليزا رايس على حكومة إيهود أولمرت لإطالة أمد الحرب على أمل تحقيق نصر كبير للجيش الإسرائيلي، يكون فاتحة لعدوان آخر وحروب أخرى ضد سوريا وإيران كما كتب جدعون ليفي في هآرتس 13/8/2006.
في كتابه "القيادة الأميركية العمياء، 2004" يحلو للصحفي الأميركي سيمور هيرش أن يروي لقرائه القصة الكاملة عن إخفاق قوات النخبة الأميركية في مواجهتها مع قوات طالبان والقاعدة عند احتلال أفغانستان.
وهي قصة تتعرض دائما لـ"فلترة تفاصيل"، إذ الهجوم على مقر الملا عمر كاد يكون كارثة، حين تعرضت قوات النخبة دلتا لهجوم معاكس من قوات طالبان والعديد من الأميركيين حاولوا القتال للنجاة بأنفسهم.
وهذا ما سكت عنه الجنرال ريتشارد مايرز لأن قادة البنتاغون لا يرغبون في الظهور بمظهر من لا يعرف ماذا يفعل.
وفي معركة الأناكوندا (اسم أفعى ضخمة تعيش في منطقة الأمازون) التي حولها الجيش الأميركي إلى قصة نجاح شاركه في ذلك معظم المراسلين، "كان الجنود من الفرقة العاشرة يصرخون بعد عملية الإنزال ويلقون بأسلحتهم وكانت منطقة الإنزال مليئة بالأسلحة وحقائب الظهر وأجهزة الرؤية الليلية وأجهزة اللاسلكي التي تركها الجنود بعد فرارهم الى مكان آمن"، كما كتب هيرش.
لقد انتهت عملية الأناكوندا في 18/3/2002، وبعد أسبوعين أعاد الجيش استجماع قواته وعززها بمدمرات ثقيلة وعملوا على طرد مقاتلي القاعدة وطالبان واجتياح الكهوف والأقبية المخفية، وظهرت تقارير عالمية وأفغانية تشير إلى أن القسم الأعظم من مقاتلي القاعدة وطالبان قد تجنبوا الهجوم الأميركي وشقوا طريقهم عبر الجبال إلى باكستان ومكثوا هناك شهورا في قندوز.
أثنى قادة الجيش على العملية في أفغانستان واعتبروها معركة هامة أسست لبداية الانتصار الأميركي، وادعوا أنه تم قتل سبعمائة مقاتل من القاعدة وحلفائها على الأقل.
على أية حال كما يعلق هيرش ووفقا لصحيفة نيوزويك، لم يتم العثور إلا على أقل من عشر جثث في الجبال بعد انتهاء المعركة"، هذا هو حال الجيش الأقوى في العالم، وحارس تخوم النيو إمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس.
ولذلك لن يكون مستغربا أداء قوات النخبة الإسرائيلية في عيتا الشعب ومرجعيون في الجنوب اللبناني الذي خيب آمال الرئيس الأميركي في انتصار سريع على حزب الله.
والوقائع تثبت أن الجيش الأقوى في العالم لا يعني بحال من الأحوال أنه الجيش الأذكى، على الرغم من كل الصواريخ الذكية التي قيل إنها تستطيع أن تلاحق الإرهابيين في أعمق كهوف ووديان أفغانستان وأقبية حزب الله التي قيلت فيها أساطير من قبل الجيش الإسرائيلي.
وأعوام الحرب على الإرهاب القليلة جداً مع مطلع الألفية الجديدة، التي تمر ذكراها السادسة هذه الأيام شرخت صورة الجيش الذي لا يقهر وصورة تابعه الإسرائيلي، وبددت هالة الإعجاب التي تحيط بالرئيس الأميركي جورج بوش على حاملة الطائرات لنكولن، التي تعود إلى الأول من مايو/أيار 2003 تحت يافطة كتب عليها "أنجزت المهمة".
إذ سرعان ما تبين للجميع، أن المهمة لم تنجز، وأن الفرحة بالإنجاز سرعان ما تبددت على أعتاب الجيش الأكثر تطورا في ميدان التكنولوجيا، وهذا ما يستدركه غسان سلامة في كتابه الجديد "أميركا والعالم، 2006".
فقد قضى أعواما قليلة في العراق، عمل فيها مستشاراً للأمين العام للأمم المتحدة، ورأى أن العدو الأقل تطوراً كما يقول، ليس بالضرورة غبياً، بل إن الغباء هو الذي لا زم الجيش الأكثر تطوراً، فارتكب آلاف الأخطاء باعتراف كوندوليزا رايس، وارتكب آلاف الجرائم، من قصف البيوت الآمنة إلى جرائم أبو غريب وجرائم ما بعد أبو غريب كما تروي وثائق الأمم المتحدة.
من وجهة نظر الكثيرين ومنهم غسان سلامة الذي خبر عراق ما بعد الاحتلال عن كثب، فإن الجيش العراقي المنحل والأقل قياسا بالقدرة النارية الجهنمية للجيش الأميركي، استطاع أن يحتفظ بالكثير من الأوراق لصالحه، كما استطاع أن يعرف كيفية استخدامها في اللحظة المناسبة.
" الحرب تشن على كل قوى الممانعة في العالم الإسلامي التي توصف من قبل الرئيس الأميركي بـ"الفاشية الإسلامية"، أي إيران وسوريا وحزب الله وحماس وقوى المقاومة في العراق وتنظيم القاعدة " |
وقد أولت القيادة العراقية السابقة الأولوية لكيفية إنهاء الحرب، إذ مع الكثافة النارية الهائلة للجيش الأميركي واستعداده لتوظيف كل مخزونه الإستراتيجي من القنابل حتى النووية، كان يقتضي الأمر البحث عن كيفية لإنهاء الحرب.
أضف إلى ذلك معرفة هذا الجيش بالأرض التي يتحرك عليها، والأهم امتلاكه لعدد كبير جداً من الرجال المحاربين الذين خبروا الحرب، وتوفر لهم تدريب عسكري على درجة عالية، كما توفرت لهم أسلحة بأسعار رخيصة، ومخابئ أسلحة ضخمة، وتمويل تم تأمينه منذ فترة طويلة.
بول بريمر في مذكراته "عام قضيته في العراق، 2006" يصف نفسه بأنه كان رجل الرئيس بوش، ويقول إنه بعد مضي عام على احتلال العراق، كان يفتقر إلى معلومات دقيقة عن العمليات الإرهابية التي كانت تهدده حتى في عقر داره، في المنطقة الخضراء في بغداد.
ويلفت بريمر نظرنا إلى طبيعة التحالف بين أميركا وبين من ركبوا ظهر الدبابة الأميركية الذين كانوا عاجزين عن تنظيم موكب فما بالك بإدارة البلد كما يقول.
إنها "حربنا" حرب المحافظين الجدد على العالم الإسلامي، لذلك ليس غريبا أن يرى أعلام من المحافظين الجدد أن حربا عالمية جديدة قد بدأت، وهذه الحرب العالمية ذات ميدان محدد يتمثل في العالم الإسلامي، وطبعا، ليس كل العالم الإسلامي لأن معظم دول العالم العربي والإسلامي ترتبط بأميركا بعلاقات ودية وتبعية.
إن هذه الحرب تشن على كل قوى الممانعة في العالم الإسلامي التي توصف من قبل الرئيس الأميركي بـ"الفاشية الإسلامية"، أي إيران وسوريا وحزب الله وحماس وقوى المقاومة في العراق وتنظيم القاعدة التي مازالت تحول دون نجاح أميركا في حربها "الجدية والناجحة على الإرهاب" كما جاء في بيان المحافظين الجدد لتشجيع الرئيس بوش في حربه على الإرهاب.
بعد سنوات من "الحرب الناجحة على الإرهاب" كما أرادها بوش ومعشر المحافظين الجدد، تلك الحرب التي وضعت لها أهداف كبرى كالقبض على أسامة بن لادن والقضاء على حزب الله والإرهاب في العراق، يلتفت المرء إلى الوراء وإلى الأمام فلا يجد سوى السراب والوعود الكاذبة، لم يصبح العراق نموذجا للديمقراطية كما كتب فؤاد عجمي في بداية احتلال العراق، بل أصبح ميدانا للإبادة الجماعية اليومية وشاهدا على إخفاقات الدولة المارقة الكبرى.
وها هي حماس تنخرط في العملية الديمقراطية وتفوز في الانتخابات، وها هو حزب الله يتصدى ببسالة للجيش الرابع في العالم ويهزمه، ولم يتم القبض على ابن لادن باعتبار ذلك أحد الأهداف الكبرى في الحرب الكبرى.
وما يلفت النظر أن القاعدة وطالبان يعيدان تنظيم صفوفهما ليحاصرا حكومة كرزاي في شوارع كابل الضيقة، فهل يتعظ بوش ومحافظوه من رقصات الردع النموذجية كما يتهكم باربر بعد أن تراجعت شعبيتهم إلى الحضيض؟
واقع الحال يقول إن "رقصات الردع النموذجية" لا تزال تستهوي الكثير من المحافظين الجدد الذين لا يرون في العالم إلا ميدانا لهواة الغولف الأميركيين.
وهذا ما يفسر كثرة الحديث عن استراحة المحارب، لأن الحرب في النهاية هي حربـ"نا" وهوايتـ"نا" المفضلة وما على العالم إلا أن يكون إما معنا أو ضدنا.
وهنا تكمن الكارثة التي تنتظر العالم، فـ"ديناصورات الحديقة الجوراسية" متعطشة لمزيد من الحروب واللحم الآدمي؟
__________________
كاتب سوري