كامبردج بوك ريفيوز
المقصود بـ "التقهقر المبرمج" الوارد في عنوان الكتاب هنا هو مسار الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر التي فازت في انتخابات عام 1992, و"إيقاف" ذلك "التقهقر" يقصد به إحباط فوز تلك الجبهة وقطع الطريق عليها حتى "لا تعود بالجزائر إلى الوراء".
هذا هو الموقف الصريح لهذا الكتاب وكاتبه الجنرال المتقاعد خالد نزار، وزير الدفاع الجزائري السابق والعضو النافذ في "المجلس الأعلى للدولة" الذي حكم البلاد بعد إلغاء الانتخابات البرلمانية واستقالة -أو إقالة- الشاذلي بن جديد في يناير/ كانون الأول 1992.
|
-اسم الكتاب: الجزائر: إيقاف تقهقر مبرمج Algérie : échec à une régression programmée -المؤلف: خالد نزار -عدد الصفحات:263 -الطبعة: الأولى 2001 -الناشر: باريس - فرنسا | |
أهمية الكتاب تنبع من أنه يقدم رواية رسمية للأحداث لتعادل الروايات والكتب الكثيرة التي نشرت ولا تمثل الرواية الرسمية. وبهذا فإنه صار بإمكاننا الحصول على صورة متوازنة لتتابع الأحداث. والكتاب في الواقع لا يعد كتاباً تحليليا للأزمة الجزائرية أكثر مما هو متابعة شخصية لمشوار كاتبه منذ ثورة التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي وحتى الأزمة الراهنة، وهو الذي شارك في صنع واتخاذ القرارات السياسية. لكن أهم ما فيه هو الفصول المتعلقة بالأزمة الجزائرية الحديثة ودور الجنرال فيها و"الرؤية الرسمية التي يقدمها".
سرد الأحداث
” سبب وقوع تلك الأحداث هو حكم الشاذلي نفسه, الذي تميز بالفوضى الإدارية وانتشار الرشوة والتلاعب بالريع النفطي وهدر الأموال، مما أسهم في خلق بيئة صراعية يتناحر فيها من يساند الإصلاحات ومن يعارضها ” |
يبدأ نزار سرده لأحداث عنف الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول 1988 التي تؤرخ بها الأزمة الجزائرية الحديثة والتي وقعت عندما كان قائدا للقوات المسلحة، يبدأ بنقد لاذع لعهد الشاذلي. فهو يرى أن سبب وقوع تلك الأحداث هو حكم الشاذلي نفسه, الذي يرى أنه تميز بالفوضى الإدارية وانتشار الرشوة والتلاعب بالريع النفطي وهدر الأموال، مما أسهم في خلق بيئة صراعية يتناحر فيها من يساند الإصلاحات ومن يعارضها. آنذاك أرادت التيارات المناهضة للإصلاحات الرئاسية أن تخلق غليانا اجتماعيا يحبط الإصلاحات, مما اضطر الجيش أن يواجهها. ولهذا كان انتشار الجيش في العاصمة ضروريا "لتهدئة" الوضع, كما يبرر الجنرال. ويقول إن الجيش لم يكن بحوزته رصاص مطاطي, ولهذا فقد اضطر الجنود لإطلاق النار عندما ووجهوا بهجمات بالزجاجات الحارقة. ويقول نزار إنه لم يتوقع أبداً استخدام السلاح و"لم نطلق النار أبدا للقتل" آنذاك, لكنه لا ينكر وجود تجاوزات. كما يبدي تعجبه من حدة المظاهرات فـ"شخصيا، لم أكن أعتقد أن الجزائريين كانوا قادرين على الوصول إلى هذا المستوى من التظاهر".
وفي رأيه أن الأحداث تم استغلالها من قبل الإسلاميين الذين تحركوا بسرعة وتحكموا في المظاهرات. وقد رفض قيام أي مسيرات خاصة وأن حالة الحصار تمنع أي تجمع. ويقول "لكن رغم تعليماتي فقد نظم الإسلاميون تجمعا ضخما في حي بلكور بقلب العاصمة، وبما أن نداء الشيخ أحمد سحنون كان بالفعل للتهدئة، فإن أربعة أخماس المتظاهرين عادوا إلى منازلهم. لكن علي بلحاج وعناصره تظاهروا من بلكور حتى حي باب الواد. وقد أعطيت الأوامر للجيش بعدم إطلاق النار وعدم اعتراض المسيرة، إلا أنه في باب الواد أطلق أحد عناصر بلحاج النار، فدبت الفوضى وتم إطلاق النار في كل صوب". أما عن حالات التعذيب التي وقعت فنزار يبرئ الجيش منها.
خلافات الحكم
وبعيد الأحداث تفجرت الخلافات داخل مؤسسة الحكم الجزائرية, فيروي نزار خلافاته مع الشاذلي حول هيكلة القوات المسلحة. ولما عُين قائدا للأركان العامة للجيش، خلفه في قيادة القوات البرية الجنرال اليمين زروال فطلب منه مباشرة الإصلاحات حتى آخرها. إلا أن زروال راجع دراسته وقدم له مشروعا جديدا. فكان أن طلب نزار تحكيم الرئيس. إلا أن الشاذلي الذي كان قد وافق على خطته، فضل مشروع زروال، فقررت -يقول نزار- أن أستقيل، وأخبرت زروال بالأمر فقال، لست أنت من يستقيل وإنما أنا الذي سأرحل. فقُبل من جديد مشروعي، أما زروال فاستقال وغادر الجيش نهائيا. ويقول نزار إن زروال هو الضابط المتقاعد الوحيد الذي زاره في مكتبه خلال إلغاء المسار الانتخابي وساند قراره. كما أعلمه أن الخلافات حول هيكلة الجيش كانت من ابتكار الشاذلي.
ويتابع نزار السرد قائلاً: اتصل بي مولود حمروش الأمين العام لرئاسة الجمهورية للذهاب إلى مقر الرئاسة ليقرأ لي نص مسودة الدستور (دستور فبراير/ شباط 1989) قبل أن يمضي عليه الرئيس. وبعد أن تصفحت النص بسرعة قلت له، إن المادة المتعلقة بإنشاء "الجمعيات ذات الطابع السياسي (الأحزاب السياسية) والديني" تتناقض والمادة التي تقول إنه لا يمكن استخدام الإسلام لأغراض سياسية. ثم أضفت "قل للرئيس أن لا يرشح نفسه للانتخابات المقبلة فهو أخ ورفيق سلاح، لكن من الأحسن أن يمتنع نظرا للأحداث التي عشناها من 5 إلى 11 أكتوبر والتغيرات التي ستحدث". لكن فهمت فيما بعد بأن الشاذلي اتخذ قراره وأن مشروعه الخاص بالانفتاح السياسي حضر له مسبقا مما يفسر السرعة التي حضرت بها وثيقة بأهمية وحجم مسودة الدستور، يقول نزار. ولما عيّن الشاذلي حمروش (سبتمبر/ أيلول 1989) رئيسا للحكومة عيّنني -يروي نزار- بطريقة مفاجئة وزيرا للدفاع (الرئيس كان في نفس الوقت وزيراً للدفاع). والسبب يضيف، أنهم كانوا يعتقدون بأنني سأكون طيِّعا.
مسيرات وضغوط
يقول نزار كانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ تفرض مطالبها عبر مسيرات. أما حمروش فكان بتواطؤ الشاذلي يحضر شيئا دون علمي. وازدادت حدة الضغط الإسلامي في الشارع والصدام مع قوى الأمن واحتلال الساحات العمومية، في حين تتظاهر المليشيات الإسلامية التابعة لعلي بلحاج بالزي الأفغاني. وظهر جليا أن لهذه الجبهة منظمات مسلحة على استعداد لأخذ السلطة بالقوة. لكنها أخطأت -يضيف نزار- لما اعتقدت أنها ستتحكم فيها مستقبلا. ويقول إني أردت أن تجرى الانتخابات في هدوء وسلام وأمن، ومهمة الجيش ليست إلا ضمان الأمن والاستقرار حسب المهام المخولة له من قبل الدستور. وحذرت من أن الجيش سيتدخل دون تردد لإعادة النظام والوحدة وأن تبقى القوة للقانون. لكن الإنقاذ واصلت تحديها للجيش. وعوضا من أن يطبق القانون اتفق حمروش مع زعيم جبهة الإنقاذ عباسي مدني على الأماكن التي يتظاهر فيها أنصاره. أما البلديات التي تحكمها هذه الجبهة فدخلت في نوع من التمرد على السلطة المركزية. وحاول الإسلاميون اغتيالي، يقول نزار.
في ظل هذا الوضع المشحون، اجتمعت مع قيادات النواحي العسكرية ومع قائد القوات البرية محمد لعماري وقائد الأركان العامة قنايزية لدراسة الوضع وتنظيم الوحدات للتدخل إن اقتضى الأمر. بعد تأزم الوضع الأمني وإضراب الإنقاذ -يقول نزار- اتصل بي حمروش ثم عبد الحميد مهري (زعيم جبهة التحرير): لك أن تتحرك لم يبق لنا ما نفعله. لكن الأمر كان يجب أن يأتي من الرئيس نفسه الذي اتصل بي وأعطاني الأمر بالتدخل. فتدخل الجيش وانتشرت الدبابات في شوارع العاصمة وفرضت حالة الحصار. عندئذ طلبت ومسؤولون آخرون من الرئيس اتخاذ قرار سياسي، فكانت إقالة حكومة حمروش وتعيين سيد أحمد غزالي الذي كان وزيرا للخارجية، رئيسا للحكومة (5 يونيو/ حزيران 1991).
فوز الإنقاذ
” يفصح نزار عن خطة سياسية وضعها العسكريون من محورين أساسين: الأول تهيئة الظروف لفوز القوى الديمقراطية مع مشاركة التشكيلات المتطرفة في الانتخابات. والثاني تحييد القوى المتطرفة قبل موعد الانتخابات عبر وسائل قانونية ” |
يعود نزار إلى فوز الإنقاذ في الانتخابات البلدية عام 1990 ليقول إنه لم يكن بفضل تنظيمها فقط بل بفضل تعديها على الحريات واستغلالها الوضع الأمني وضعف الأحزاب الأخرى. وقد أخطأت لما فسرت فوزها بأنها على وشك تولي الحكم، وأنه يكفيها المزج بين أعمال شرعية وأخرى انقلابية للوصول إلى الحكم. لقد هاجمت كل ما يرمز إلى الدولة والجيش والثورة مهددة بالجهاد وإقامة دولة ثيوقراطية شمولية. ولم يكن من المعقول -بحسب ما يرى الجنرال- قبول نظام كهذا في الجزائر.
ويفصح نزار عن خطة سياسية وضعها العسكريون تهدف إلى ضمان إجراء الانتخابات البرلمانية سلميا، ودعم التيار الديمقراطي والعمل على تقليص نفوذ القوى غير الديمقراطية، وفك الغموض بين الدولة والحزب والحكومة، ووضع المساجد تحت سيطرة الدولة. والخطة من محورين أساسين: الأول تهيئة الظروف لفوز القوى الديمقراطية مع مشاركة التشكيلات المتطرفة في الانتخابات. والثاني تحييد القوى المتطرفة قبل موعد الانتخابات عبر وسائل قانونية. إلا أن حمروش ومهري رفضا هذا المشروع، فلجأت -يقول نزار- إلى تحكيم الرئيس، لكن سرعان ما تيقنت أن الثلاثة لا يريدون أخذ اقتراح الجيش بعين الاعتبار. وقبل الانتخابات بفترة قصيرة اجتمع كبار الضباط والشاذلي بطلب منه فقالوا له إن الإسلاميين يشكلون تهديدا أكيدا للبلاد. يومها فهم الشاذلي الذي لم يقنعنا، أنه فقد ثقة الجيش. وفي 24 ديسمبر/ كانون الأول أعلن الشاذلي أنه على استعداد للتعايش مع الإنقاذ.
ويروي نزار حيثيات قرار إلغاء الانتخابات واستقالة الشاذلي ويقول إن فوز الإنقاذ (في الدور الأول) زرع الهلع في الرأي العام، خاصة بعد التصريحات التهديدية لقادتها. فتحركت جمعيات المجتمع المدني بالتزامن مع مظاهرات جبهة القوى الاشتراكية التي ساندها الجيش الذي دعا المجتمع المدني والمجاهدين (القدامى) والأحزاب الديمقراطية والمنظمات الجماهيرية إلى التحرك. وفي 30 ديسمبر/ كانون الأول اتخذ الجيش قراره بالتحرك للحيلولة دون حصول الإنقاذ على الأغلبية المطلقة في البرلمان، خاصة أنها رفعت شعار "الدولة الإسلامية بالصندوق أو بالبندقية".. البلاد -حسب المؤلف- كانت على حافة حرب أهلية.
توقيف الانتخابات لإنقاذ الديمقراطية
توقيف المسار الانتخابي -يضيف نزار- لم يكن بالنسبة لنا أمرا سهلا إطلاقا، لكنه كان الحل الوحيد لإنقاذ الديمقراطية الفتية والدولة. أعلمنا مسبقا أغلب قيادات الدول المتوسطية بقرارنا، باستثناء الرئيس الفرنسي كونه يتفهم طروحات جبهة الإنقاذ. ولما اتفق العسكريون والمدنيون على رحيل بن جديد، حرر الجنرال محمد تواتي وعلي هارون رسالة الاستقالة التي سيقرأها الشاذلي على التلفزيون. وقد قُدمت له مسبقا كاقتراح فقبلها. ولعب المجلس الدستوري الدور الكبير لأننا أردنا -يقول نزار- أن يبقى تحركنا في إطار القانون. ولما اتفقنا نهائيا على توقيف المسار الانتخابي، اتصل بي محمد بوضياف وقال "الجزائر في خطر، غدا سأكون في العاصمة". ويقول نزار إنه لما اتصل ببوضياف لأول مرة رفض، لكن بعد إصراره قال له "إن كنتم بحاجة لي، فعندكم رقم هاتفي". بعد اتصالات لاحقة أعطى موافقته المبدئية بالمجيء إلى الجزائر التي وصلها يوم 16 يناير/ كانون الثاني 1992.
اعتقال قادة الجبهة
ميدانيا تم اعتقال قيادة جبهة الإنقاذ التي تم حلها حسب قوانين الجمهورية. ويناقش نزار استقالة الشاذلي ويقول إن هذه الفكرة جاءت متأخرة وإن الشاذلي أعلمه بطريقة ضمنية يوم 6 أكتوبر/ كانون الأول أنه سيستقيل. ويؤكد نزار أن استقالته تمت بمحض إرادته ولم تكن "انقلابا عسكريا". وتم فيما بعد إنشاء المجلس الأعلى للدولة الذي ترأسه بوضياف. وسرعان ما تمتع هذا الأخير بشعبية وصورة رجل دولة، حسب نزار. لكنه لم يتمكن من تطبيق برنامجه واغتيل. وبالرغم من أن قاتله من الجيش فإن حماية ومحاكمة هذا الأخير العلنية حسب القوانين حالت دون المساس بمصداقية الجيش. ويضيف أن العدالة توصلت إلى أن اغتيال بوضياف كان عملا معزولا، لكنه (نزار) لا يستبعد يدا إسلامية فيه.
” توقيف المسار الانتخابي لم يكن في أي حال من الأحوال انقلابا. وما قام به الجيش والقوى الوطنية هو الحيلولة دون عودة الجزائر إلى القرون الوسطى ” |
ويؤكد من جديد أن "توقيف المسار الانتخابي لم يكن في أي حال من الأحوال انقلابا". وأن ما قام به الجيش والقوى الوطنية هو الحيلولة دون عودة الجزائر إلى القرون الوسطى، مضيفا أن التزام الدفاع عن الدولة ومؤسساتها ميزة لكل الجيوش في العالم، وأن الجيش لم يكن وحده، بل تكونت مقاومة شعبية للأصولية تميزت فيها المرأة التي كانت مستهدفة من الحزب المحظور والإرهاب.
وهكذا تمثل التفاصيل التي يرويها خالد نزار أهمية كبرى، إذ تسرد لأول مرة الرواية الرسمية للجيش من الداخل وكما يدافع عنها من رسمها. ويبقى الحكم على صوابية الدور الذي قام به الجنرال نزار وقادة الجيش من حق الجزائريين والتاريخ, هذا وإن كانت شواهد العقد الماضي والأكلاف التي دفعتها الجزائر لا تترك الأمر صعباً لمن يريد التقييم.