ابحث عن
 
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة
الأحد 17/8/1425 هـ - الموافق3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:33 (مكة المكرمة)، 10:33 (غرينتش)
طباعة الصفحة إرسال المقال
القاعدة..وماذا يعني أن تكون حديثة؟

عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
تستوقف كتابات جون غراي المنظر البريطاني المعاصر والبروفسور في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، كل المتابعين له. إذ يمتاز بالجدة دوما وبتحدي المقولات الشائعة كما يمتاز بالعمق التأملي إزاء أي موضوع يتناوله.

وكتابه الجديد (القاعدة..وماذا يعني أن تكون حديثة) يندرج في هذا السياق بكل وضوح وقوة, إذ يمكن القول بأن هذا الكتاب هو من أفضل الكتب التي صدرت في تحليل مسألة "القاعدة" وربطها في إطار التحولات العالمية الحداثية التي شهدها ويشهدها عالمنا في القرن الأخير.

غلاف الكتاب

-اسم الكتاب: القاعدة
وماذا يعني أن تكون حديثة
-المؤلف: جون غراي
-عدد الصفحات: 145

-الطبعة: الأولى 2003
-الناشر: فابر و فابر،
لندن

قد يوحي عنوان الكتاب بأننا أمام بحث عن تنظيم القاعدة من ناحية، وعصرنا الحاضر من ناحية أخرى، إلا أن تلخيص الأمر بهذا الشكل فيه إبتسار يخل بحقيقة الكتاب ولا يفي بالغرض. فكتاب غراي الجديد هذا بتعمده الربط بين فكرة "الإرهاب الإسلامي" وفكرة الحداثة (أو العصرنة) إنما يرمي بالدرجة الأولى إلى شن هجوم على ذلك النوع من الكلام التسطيحي الذي تتداوله أوساط عديدة والذي يرسخ تلك الكليشة السخيفة التي تتردد، ومفادها أن "الإرهاب الإسلامي" مناهض للحداثة ويرجع إلى القرون الوسطى.

هذا القول, وكما يقول غراي, هو أبعد ما يكون عن الحقيقة. فمنظمة القاعدة إنما هي نتاج متميز لحقبة ما بعد التنوير، وهي بهذا المعنى تشابه النازية والشيوعية السوفياتية ورأسمالية السوق الحرة التي جميعها من إنتاجات الحداثة أيضا. فالعقيدة المركزية لجميع هذه الحركات والأيديولوجيات هي نفسها من حيث الأساس، فالكل يعتقد أن الإنسانية قابلة للتغيير وبالإمكان أن تتحسن وتسير نحو الأفضل، بل وحتى يمكنها أن تبلغ الكمال من خلال التغيير حتى وإن كان عنيفا, فكافة هذه الأيديولوجيات تعتنق عقيدة التقدم وتعتبرها جوهر ما تؤمن به.

هجوم غراي إذن هو بالأساس موجه ضد جميع الحركات التي تحكمها فكرة التقدم التاريخي. وهو يصف ذلك مرارا وتكرارا على أنه أسطورة، وهي أسطورة يحاول اقتلاعها من جذورها. ولتحقيق ذلك، يقدم لنا عرضا موجزا يدين فيه ماهية هذه الجذور. فيقول إنه قبل انطلاق عصر التنوير الأوروبي فعليا نلاحظ أن فكرة التقدم -بمعنى مجرد الاعتقاد بأن المستقبل يمكن أن يكون أقرب إلى الكمال من الحاضر- كانت غير معروفة. لذا نجد الكاتب البريطاني صموئيل جونسون، وهو يخط رواية تاريخية خيالية عن أمير أثيوبي (راسيلاس) عام 1759 يرسل البطل ليجوب بلادا أجنبية بحثا عن مجتمع أفضل، بدلا من أن ينطلق به إلى المستقبل، كما قد يحلو لكاتب من القرن التاسع عشر أن يفعل فيما بعد.


إن الحركات الإرهابية كتنظيم القاعدة، تدين إلى عقيدة التقدم أكثر مما تدين إلى القرآن. ويضاف إلى هذه العقيدة "الفكرة الرومانسية المضادة للتنوير" والقائلة بأن الإنسان يستطيع تغيير العالم من خلال فعل الإرادة
لكن بحلول عام 1776 يطالعنا المؤرخ البريطاني إدوارد غيبون قائلا إن "كل عصر من العصور في هذا العالم قد أضاف، ولا يزال يضيف، إلى الثروة الحقيقية للجنس البشري، وإلى سعادته ومعرفته بل وحتى إلى فصيلته". وهذا يعني انتقال الفكر البشري إلى التطلع نحو فكرة التقدم والتطور مع المستقبل.

لكن يلحظ غراي أنه من غير الواضح تماما ما الذي حدث بالضبط في تلك السنوات الواقعة بين الحقبتين، حقبة النظر إلى التقدم في أماكن أخرى وحقبة النظر إلى التقدم كمواز للمستقبل. لكنه يكتفي بالتأكيد على أن تحولا في النظرة السائدة قد حدث في الفكر الأوروبي، بحيث أن كلمة "التنوير" بحد ذاتها تكفي لتفسير ذلك التحول.

على كل حال، يخبرنا غراي بأن مثل هذا التحول في التفكير الأوروبي قد حصل بالفعل، وخلال عدة عقود أصبح ديانة بالمعنى الحرفي. ويروي لنا كيفية تطور التاريخ الغريب للفلسفة الوضعية، وهي مذهب نشأ حول أفكار الفيلسوف الفرنسي سان سيمون بعد وفاته بقليل.

هذا المذهب الذي اتخذ لنفسه شكل الإطار الخارجي للعقيدة الكاثوليكية، في حين أنه كان في مضمونه عبارة عن عبادة وثنية وشاذة للعلم والتقدم، سرعان ما أصبح له كهنة ومعابد ونوع من الطقوس المتبعة. وقد انتشر بسرعة لافتة للنظر في معظم أنحاء الأرض، ففي البرازيل هناك معابد للوضعيين مازالت قائمة حتى يومنا هذا، كما أن شعار الأب المؤسس أوغست كونت -"النظام والتقدم"- يشكل جزءا من العلم الوطني. وعلى الرغم من كل ما يكتنف هذا المذهب من غرائب، إلا أنه قد ترك أثرا عميقا في الفلسفة الغربية.

ويقوم غراي بتتبع ميراث أولئك الذين يعبدون التقدم من خلال استعراضه للعلم في القرن التاسع عشر، والماركسية، والوضعية المنطقية التي نادت بها مدرسة فيينا، والاشتراكية واقتصاد السوق الحرة في القرن العشرين.

ويرى الكاتب أن الحركات الإرهابية كتنظيم القاعدة، تدين إلى عقيدة التقدم هذه أكثر منها إلى القرآن. ويضيف إلى هذه العقيدة "الفكرة الرومانسية المضادة للتنوير" والقائلة بأن الإنسان يستطيع تغيير العالم من خلال فعل الإرادة، وهي فكرة انتقلت إلى الفكر الحديث بالدرجة الأولى عن طريق الأعمال التي ألفها الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه.

وقد جرى انصهار هذين التيارين الفكريين لأول مرة في المجموعات الإرهابية –اليسارية والفوضوية– التي تكونت في أواخر القرن التاسع عشر، فهؤلاء هم الأسلاف الحقيقيون للإرهابيين في عصرنا الحديث، لا الطغاة الذين عاشوا في العصور الوسطى.

وفي خضم هذا الخليط من الأفكار، فإن ما يقوله غراي من حيث الأساس هو الآتي: على الرغم من الأدلة السطحية التي تشير إلى العكس، فإن تنظيم القاعدة يتميز بطابع الحداثة إلى حد بعيد، كما أنه من نواحي عديدة يعتبر نتاجا يمثل التفكير الغربي بالذات، لا الإسلامي. أضف إلى ذلك أن "معتقداته النظرية" تتطابق في عدة جوانب مهمة مع تلك التي نجدها لدى الرئيس الأميركي جورج بوش والفيلسوف الأميركي فرانسيس فوكوياما.

ومن ثم يقدم لنا الكاتب عرضا لأصول كل من تنظيم القاعدة، و"باكس أميركانا"، ورأسمالية السوق الحرة، مبينا في كل حالة كيف أن مشاعر القلق والعواطف والأوهام التي نشاهدها في الوقت الحاضر إنما هي انعكاس لتلك التي شكلت القرنين الأخيرين.

غراي يستخدم على الدوام لهجة الفيلسوف برتراند راسل المتباهية التي تتخذ من لفظ "أسطورة" و "دين" وسيلة لإظهار الإزدراء للأفكار التي يعتبرها ضعيفة أو كريهة. فيقول في إحدى الفقرات إن مفهوم الإنسانية بحد ذاته هو "أسطورة، من بقايا الإيمان والمعتقدات الدينية التي تراكمت عليها الأتربة". فقط في محيط علماني بشكل استثنائي ومصطنع، كما هي الحال في محيط مدينة لندن الحديثة، يمكن للمرء أن يتحدث عن "بقايا ومخلفات الإيمان" بدلا من الحديث عن وجوده الحقيقي.


إذا كانت هناك أسباب للاعتقاد بأن مفهوم "التقدم" قد أُعلن عن إفلاسه، فهذا لا يترتب عليه بالضرورة أن مفاهيم مثل "الإنسانية" و "الله" قد أصبحت فارغة أو لامعنى لها، أو غير مفيدة
إلا أن غراي لا يمتلك مثل هذا الوعي الذاتي. فبالنسبة له، أن مجرد اللجوء إلى مصطلح "الإيمان أو المعتقدات الدينية" يكفي للقضاء على صلاحية مفهوم "الإنسانية". وهذا أمر يعاب عليه الكاتب، لأنه سواء أخذنا بمصطلح ماركس عن "النوع" أو "الجنس البشري"، أو بالرواية الواردة في الإنجيل ومفادها أننا ننحدر من نفس الأبوين، فإن مفهوم النوع الإنساني أو الجنس البشري له حقيقة ثابتة بالنسبة لغالبيتنا، وذلك أكبر بكثير من تلك المصطلحات التي يعشقها غراي و"الأشباح الفكرية" التي يكرر ذكرها في كتابه، مثل "التنوير"، "مضاد للتنوير" وغيرها من المصطلحات التي تشير إلى مدارس أو مذاهب واتجاهات فكرية. وإذا كانت هناك أسباب للاعتقاد بأن مفهوم "التقدم" قد أعلن عن إفلاسه، فهذا لا يترتب عليه بالضرورة أن مفاهيم مثل "الإنسانية" و"الله" قد أصبحت فارغة أو لامعنى لها، أو غير مفيدة... إلخ.

وقد يبدو أن غراي تنتابه لحظة من الشك في الذات، وذلك حين يقوم لاحقا بسحب بعض ما قاله عن "الأساطير" فيكتب قائلا "إن المشكلة في هذا الاعتقاد لا تكمن في كونه أسطورة، بل لأنه ضار، فالحياة الإنسانية لا يمكنها الاستمرار بدون أساطير، وبالتأكيد السياسة لا يمكنها ذلك. إن الخلل في الأسطورة الحديثة هو أنها تحددنا بالأمل في الوحدة، بينما ينبغي علينا أن نتعلم العيش مع النزاع".

قد يظن المرء أن هذه كلمات لها وزنها. إلا أن الأمر الذي نستخلصه بالفعل هو أن غراي رجل متشائم ولا يؤمن إلا بأشياء قليلة، ومع أنه لا بأس في ذلك إلا أن المرء لا يلتقط إبداعا متميزا في هذه النقطة أو يلحظ اكتشافا جديدا.

وسرعان ما يسلم غراي بأن جذور "أسطورة التقدم" تكمن في الواقع في الديانة المسيحية وعقيدة الخلاص, بما يتركنا في حيرة عند تذكر ربطه لـ "التقدم" بمقولة "التنوير". إضافة إلى ذلك, وبسبب شدة ميله إلى ذم الأساطير والسخرية منها, يفوته أن يلاحظ بأنها تستند إلى بناء خاطئ للاهوت المسيحي العائد إلى القرن الثامن عشر.

وبكلمة أخيرة فإن هذا الكتاب الصغير الذي يمكن قراءته بسرعة يزود الكثير من القراء بمادة تغذي الفكر وتتحدى كثير مما هو معروف, كما يكشف لنا بشكل غير مباشر عن مدى عدم الدقة التي يعاني منها مصطلح "الحداثة"، والذي لا زلنا وبكل عناد نعتمده لوصف أحداث العالم حولنا, ومن تلك الأحداث بروز تنظيم القاعدة وأعماله.

المصدر: الجزيرة
احفظ وشارك طباعة الصفحة إرسال المقال
القاعدة.. الإخوة الإرهابيون
باسم أسامة بن لادن
الحرب غير المقدسة.. الإرهاب باسم الإسلام
ذهنية الإرهاب.. لماذا يقاتلون بموتهم؟
الدول المارقة.. حكم القوة في الشؤون الدولية
سقوط طائرة بصعدة وسط تصاعد القتال
المجلس الوطني يبحث قرار عباس
مقتل 13 بينهم قائد قبلي ببيشاور
مجلس النواب يقر خطة أوباما الصحية

تحليلات|كتب|وجهات نظر|أحداث العام|تغطيات 2009|ملفات خاصة 2009

جميع حقوق النشر محفوظة2000- 2009م(انظر اتفاقية استخدام الموقع)