خدمة كمبردج بوك ريفيو
يقدم الجغرافي الألماني أويغين فيرت في كتابه المتألف من جزأين خلاصة حياته الأكاديمية الطويلة، وهذا ما يشير إليه في المقدمة إذ يصف هذا العمل بأنه حصاد عمره. إلا أنه لم يختر الطريق السهل الذي يسلكه بعض الأكاديميين قبل التقاعد بقليل وهو جمع أهم ما كتب من مقالات في العقود الماضية وإصدارها مجتمعة، بل سلك الطريق الأصعب وهو إعادة تقييم ما قام ببحثه سابقاً وعرضه مع عدد من الصور التي التقطها ومع قسم المخططات التي أعدها وجمعها خلال مسيرة حياته الأكاديمية. فقد قادته أبحاثه المتمحورة دوماً حول المدينة في الشرق منذ منتصف القرن العشرين إلى شتى البلدان.
|
- اسم الكتاب: المدينة الشرقية في الشرق الأوسط الإسلامي وشمال أفريقيا - المؤلف: أويغين فيرت - عدد الصفحات: جزءان: الأول 584 صفحة - الطبعة: الأولى 2000 - الناشر: دار نشر فيليب فون تسابرن، ألمانيا
| |
وإذا ألقينا نظرة على سلسلة مؤلفاته ندرك مدى تعمقه في مادة بحثه، فقد صدر له الكتاب الأول عام 1954 عن التجمعات السكنية المبنية من الطين في بغداد، ثم صدرت له لاحقاً دراسات عن المدينة العثمانية في القرن التاسع عشر، وعن علاقة المدينة الشرقية الإسلامية بالريف المحيط بها، عن السوق، عن قزوين كمثال لتخطيط المدن في العهد الصفوي، عن دبي وغير ذلك من الموضوعات التي صبت أخيراً في هذين الجزأين.
وسيشكل هذا العمل بلا شك مصدراً أساسياً لكل مهتم بموضوع المدينة الشرقية سواء كان باحثاً أكاديمياً أم قارئاً عادياً بلا خلفية أكاديمية. والكتاب مهدى إلى أجيال من المستشرقين الرائدين في مجال المدينة الشرقية.
ولكن ما هي المدينة الشرقية؟ هل هناك مزايا تمتاز بها هذه المدينة عن شقيقاتها في بقاع أخرى من العالم؟ وحول هذا يكتب أويغن فيرت في المقدمة قائلاً (ص5) "ليس من البديهي أن يكون هناك شيء اسمه المدينة الشرقية.. حتى إذا كنا مقتنعين بوجود هذا الشيء، لكان علينا بذل مجهود كبير لعرضه في تعريف واضح جلي.. صحيح أن المدينة -كما سنرى لاحقاً- نشأت كشكل للحياة وللسكنى على درجة عالية من التنظيم في الشرق. رغم ذلك لا يمكننا أن نستخلص من ذلك أن المدن هناك كانت منذ البداية مدناً شرقية. هل هناك على الإطلاق ما يمكن أن يسمى النمط الشرقي من المدينة؟".
وفي تناوله لهذا السؤال يرى المؤلف إمكانية التفكير بثلاثة احتمالات: الأول يقول بأن حضارات الشرق القديم أوجدت المدينة كظاهرة شاملة عالمية، وعليه فليس هناك نموذج شرقي خاص كما ليس هناك نموذج خاص من العجلة أو قاعدة بيتاغورس. الاحتمال الثاني هو أن المدن التي أوجِدت من حضارات الشرق القديم تملك سمة شرقية خاصة بالمحيط الثقافي، ولكن من الممكن أن يكون هذا مرتبطاً بالمدينة كظاهرة عالمية، أي أن هذه السمة موجودة لدى جميع المدن على وجه الأرض. أما الاحتمال الثالث فينطلق من أن هناك نموذجا معينا من المدينة مرتبطا بالمحيط الثقافي من الممكن أن نسميه المدينة الشرقية، وتختلف بشكل واضح عن المدينة الإغريقية الرومانية وعن المدينة المسيحية الغربية، وبالطبع يجب أن تختلف أيضاً عن المدينة الهندية أو الصينية أو المدينة الأميركية القديمة.
” يؤيد المؤلف الفرضية القائلة بأن هناك نموذجا خاصا للمدينة الشرقية، كما يؤيد فرضية أخرى تقول بوجود ارتباط وثيق بين المدينة الشرقية القديمة والمدينة التي تعود إلى العصر الإسلامي ” |
والذي يراه فيرت هنا أنه من الصعب القول أيأ من هذه الاحتمالات يمكن أن تمَّثل بأفضل الحجج العلمية. فلأسباب مختلفة لا يمكننا تسجيل المزايا الخاصة بالمحيط الثقافي للمدينة خلال الآلاف السنين الماضية إلا بشكل غير كامل.
وبعد اختتامه لهذه السلسلة من الأفكار يقول المؤلف بأنه كنتيجة لأبحاثه الطويلة في هذا المجال، لا سيما دراساته الميدانية المكثفة في عدد من المدن المختلفة عن بعضها البعض من جهة والمختلفة عن المدن الأوروبية الغربية من جهة أخرى كدمشق وحلب وأصفهان وصنعاء وبيروت وبغداد وغيرها، فإنه يؤيد الفرضية القائلة بأن هناك نموذجاً خاصاً للمدينة الشرقية، كما يؤيد فرضية أخرى تقول بأن ثمة ارتباطا وثيقا بين المدينة الشرقية القديمة والمدينة التي تعود إلى العصر الإسلامي، رغم وجود آثار واضحة لتأثير كلاسيكي قديم ابتداء بالقرون الإغريقية حتى القرون البيزنطية الأولى.
يحمل الجزء الأول من الكتاب العنوان الفرعي الآتي "البنية المعمارية للمدينة والنظام المكاني والحياة الاقتصادية والتنظيم الاجتماعي", وهذا يشير إلى كثافة المواد التي يتم معالجتها، وتشكل بالطبع ظاهرة بداية تكوّن لما يسمى بالمدينة في الشرق القديم المدخل الأساسي للموضوع. فيستعرض فيرت آخر النتائج التي توصل إليها علماء الآثار في حملاتهم التنقيبية المختلفة سواءً في سوريا أو العراق أو مصر أو إيران ويستنتج قائلاً بأننا يمكن أن ننطلق من وجود تجمعات سكنية في الشرق القديم تنطبق عليها مواصفات المدينة الأساسية اعتباراً من منتصف الألفية الرابعة قبل الميلاد. كما يلخص الباحث مواصفات بعض المدن مستعيناً بالمخططات.
ثم ينتقل فيرت إلى الحقبة اليونانية الرومانية القديمة. وتبدأ هذه الحقبة بفتوحات الإسكندر المقدوني للشرق الأدنى ومصر ابتداءً من 334 ق.م حتى 331 ق.م لتبدأ فترة زمنية تدوم قرابة الألف سنة تتأثر خلالها دول الشرق بالحضارة الإغريقية والرومانية وأخيراً بالحضارة البيزنطية. وهذا ينطبق بشكل خاص على المدن التي بدأ بتأسيس العديد منها الإسكندر الأكبر ثم خلفاؤه في الأناضول وسوريا والعراق ومصر والأردن وفلسطين. وتتصف هذه المدن كلها بأن المساحة مقسمة إلى مستطيلات تُحدد من شبكة شوارع بشكل هندسي تتقاطع مع محاور ذات زوايا قائمة. وما زال يمكننا التعرف على هذا النظام في مدن رومانية واقعة في أوروبا وأخرى واقعة في الشرق كحلب مثلاً أو اللاذقية.
الخطوة التالية هي المدن التي تم توسيعها أو تأسيسها خلال العصور الوسطى الإسلامية. ومن الملاحظ أنه في الكثير من أعمال المؤرخين وبعض المستشرقين توصف التغييرات التي تطرأ على المدن ذات التخطيط الإغريقي الروماني في الشرق بأنها فوضوية غير منظمة وحولت التخطيط الصارم إلى مسقط أفقي غير منظم لحارات مسدودة. ويعلق فيرت على هذا التغيير قائلاً (ص 34-48) "تنطلق هذه الفرضية -كما قلنا سابقاً- جزئياً من ملاحظة صحيحة، فالمحاور الرئيسية العريضة والمستقيمة في المدن الإغريقية والرومانية الواقعة في الشرق الأدنى وشمال إفريقيا تغيرت بلا شك وأصبحت منحنية نسبياً وأقل عرضاً (...) ولكن علينا في المقابل أن نأخذ في عين الاعتبار -كما ذكرت مراراً- أن المحاور الرئيسية في التجمعات السكنية الإغريقية الرومانية في حلب ودمشق واللاذقية وديار بكر (...) قد حوفظ عليها خلال أكثر من ألف سنة من الحكم الإسلامي كما هو الأمر تماماً في ستراسبورغ وكولونيا وريغنسبورغ وفلورنسا وأوستا. وحتى في المدن الرومانية الواقعة في الريف الأوروبي أصاب المسقط الأفقي الهندسي الصارم لشبكة الطرق بعض الانحلال.
إذا قارنا مثلاً بين المخطط الحالي لمدينتي لوكا الإيطالية واللاذقية السورية نجد أنهما لا يختلفان عن بعضهما البعض كثيراً. ومن الخطأ تماماً إذا استخلصنا من الانحلال التدريجي لمخطط المدن الكلاسيكية القديمة في الشرق أن المواصفات الأساسية للمدن التي تأسست في العصور الوسطى الإسلامية هي عدم وجود نظام في التخطيط وأن شبكة الطرق تعتمد على الصدفة فقط.. كلا.. ففي المدن المؤَسسة من حكام مسلمين نتعرف على مخططات منظمة وعلى ترتيب المساحات السكنية حسب أهداف مدروسة (...) ونستطيع أن نميز بين تخطيطات مختلفة للتنظيم المكاني. ففي المغرب تختلف المدن عن مصر كما تختلف عن العراق وإيران وأفغانستان. كما كان تصور الخلفاء الأمويين في القرنين السابع والثامن الميلاديين عن تخطيط المدن مغايراً لتصور الحكام المنغوليين والتيموريين في شرقي إيران وأفغانستان أو عن الصفويين في إيران في القرن السادس عشر (...)".
وأخيراً يتطرق فيرت إلى المدن المتأثرة بالطراز الاستعماري والغربي كالتوسيعات التي شهدتها إسطنبول مثلاً في أواخر القرن التاسع عشر أو التغييرات التي شهدتها القاهرة وبيروت في الوقت نفسه.
ثم يركز عالم الجغرافيا على وظائف المدينة الشرقية كالوظائف الاقتصادية والدينية والسياسية والعسكرية. كما يبحث كيف تمت تغطية احتياجات السكان بالإضافة إلى علاقة المدن مع بعضها البعض. ويتعمق في مجال الوظائف الاقتصادية فيخصص فقرة خاصة بالبازار أو السوق فيعالج تاريخ الأسواق وخصوصياتها في المدن الشرقية وتطور منطقة الأسواق في العقود الماضية. ثم ينتقل إلى نماذج أهم الأبنية في المدينة الشرقية، كما يعطي شرحاً وافياً لكيفية تخطيط الأحياء السكنية وبيوت السكن والمساحات العامة إلى أن يغلق أويغن فيرت الدائرة ويرجع إلى حيث بدأ.. إلى خصوصيات تخطيط المدن في الشرق.
أما الجزء الثاني من الكتاب فيتألف من مخططات قديمة وحديثة لمدن شرقية، بالإضافة إلى رسومات قديمة وصور فوتغرافية التقطها الباحث بنفسه.