بقلم: غراهام فولر
لست متخصصا في شؤون السياسة الخارجية الأميركية، فاهتمامي ومجال تخصصي هو التطورات السياسية، التي أحاول متابعتها عن كثب، في دول أخرى من العالم، وبطبيعة الحال يتكون لدي وأنا أحلل الأحداث الخارجية وعي بالسياسات الخارجية الأميركية. لكن ليست الولايات المتحدة هي مجال اهتمامي، بل دول العالم الأخرى. فأنا أحاول فهم ماهية وجهات نظر هذه الدول ورغباتها وظروفها، كما أحاول فهم طريقة إمكانية تحركها.
” المواقف الشعبية الأميركية تجاه بوش آخذة في التغيير، فهناك المزيد من الكاريكاتيرات والنكات الساخرة الموجهة ضده والمزيد من الملاحظات الناقدة له في وسائل الإعلام المختلفة ” |
أما اليوم فتبدو الأمور مختلفة بالنسبة إلي، إذ أجد نفسي مضطرا لمتابعة ما يحدث في واشنطن محاولا فهم طريقة عمل إدارة بوش وماهية وجهات نظر كبار المسؤولين الأميركيين والقوى المحلية المنهمكة في العمل داخل الإدراة، والسبب بسيط: فأفعال واشنطن الآن لها تأثير أكبر من سياسات معظم بقية دول العالم، والقرارات التي يتخذها بوش تصير عامل تأكيد رئيسي في سياسات الدول الأخرى في حالات كثيرة، وخاصة في الشرق الأوسط.
لم يكن الأمر على هذا النحو دائما، ففي الماضي لم أكن بحاجة لأقضي وقتا طويلا لمتابعة السياسات الأميركية عن قرب لأن ماهية وجهات نظر واشنطن كانت واضحة في عمومها، وكانت أفعال الولايات المتحدة متوقعة نوعا ما وحذرة عموما.
أما اليوم فقد تغير الوضع، إذ إن سياستنا الخارجية أصبحت غير متوقعة تماما ويمكن أن تكون في غاية الخطورة، والسبب الرئيسي هو أن الأحداث الإرهابية للحادي عشر من سبتمبر/ أيلول غيرت الموقف، فقد أرغمت هذه الأحداث إدارة بوش على التحرك بجرأة أكثر من أي وقت آخر يمكن أن أذكره.
لقد انتهز بوش الفرصة لوضع الولايات المتحدة على قاعدة حرب غير رسمية، الحرب ضد الإرهاب، التي منحته سلطة أكبر بكثير لاتخاذ قرارات فردية بمشاورات أقل مع العناصر الأخرى في الحكومة والمجتمع، بل صارت له حرية أكبر في السياسة الخارجية.
” أسامة بن لادن ما زال طليقا ومعه الملا عمر ومعظم قيادة طالبان. والأحداث في أفغانستان تمثل كثيرا من المشاكل الخطيرة، وباكستان في وضع غير مستقر حيث أن واشنطن اضطرت لمساندة الجنرال مشرف في إلغائه الكثير من العمليات الديمقراطية، والعالم العربي كما هو واضح يشتط غضبا من السياسة الأميركية ” |
والأدهى من ذلك هو أن الأميركيين أحسوا طوال فترة الحرب ضد الإرهاب أنهم لا يستطيعون انتقاد الرئيس علنا لأن الأمر قد يبدو وكأنه عمل غير وطني. طبعا ليس هناك تحريم ضد هذا النقد.
المسألة ببساطة هي أن الشعب كان أقل رغبة في سماع هذا النقد في وقت خطر قومي محتمل. ونتيجة لذلك تجنبت وسائل الإعلام عموما التلميحات الانتقادية للرئيس وسياساته، وهذا موقف شاذ في السياسة المحلية الأميركية. كما كان موقفا محفوفا بالمخاطر لأن سياسات الرئيس ينبغي ألا يسمح بتمريرها دون مناقشة أو نقد شعبي.
وهذا النقد ضروري، ليس فقط بالنسبة للسياسة الخارجية الأميركية، لكن أيضا بالنسبة لتناول الرئيس لمسألة الأمن القومي في الداخل، مثل اعتقال أفراد كثر -معظمهم مقيمون بصفة شرعية أو غير شرعية، وليسوا مواطنين أميركيين- بينما مازالت التحقيقات جارية حول شبهة وجود علاقات إرهابية لهم، حتى أسماء هؤلاء الأشخاص كانت محجوبة إلى وقت قريب إلى أن أمرت إحدى المحاكم بضرورة إعلانها.
الخبر السار، بعدما يقرب من عام، هو أن الموقف السياسي قد يعود إلى حالة أكثر طبيعية نوعا ما، إذ إن المواقف الشعبية تجاه الرئيس آخذة في التغيير، فهناك المزيد من الكاريكاتيرات والنكات الساخرة الموجهة ضده، والمزيد من الملاحظات الناقدة له في وسائل الإعلام المختلفة. وهناك عدة عوامل تفسر ذلك:
- أولا: الفترة الزمنية منذ أحداث 11 سبتمبر
فلم يحدث لحسن الحظ المزيد من الهجمات الإرهابية على الأرض الأميركية، ولو كان هناك هجوم آخر لعزز موقف الرئيس بقوة. لكن عدم حدوث مثل هذا الهجوم جعل الشعب الأميركي قادرا على الاسترخاء بعض الوقت والتفكير بمزيد من الحذر في كثير من السياسات على الصعيدين الداخلي والخارجي. فقد يود الرئيس الإبقاء على حالة التوتر من الحرب ضد الإرهاب، لكنه لن يستطيع ذلك إلى الأبد في غياب هذه الهجمات.
- ثانيا: انتخابات الكونغرس على الأبواب
والحزب الديمقراطي لا يرغب في السماح لحزب بوش الجمهوري بدخول فترة الانتخابات دون توجيه النقد له. فالانتخابات ستساعد على فتح باب المناظرة في الدولة وحتى الرئيس لن يستطيع أن يبقى بمنأى عن النقد.
-
” الموقف الاقتصادي للولايات المتحدة آخذ في التدني من سيئ إلى أسوأ. وهذا لا يرتبط بأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، ولكن بانفجار فقاعة من الرخاء الاقتصادي غير العادي في التسعينيات الذي لا يمكن أن يستمر إلى أجل غير مسمى ” |
ثالثا: تدني الموقف الاقتصادي
كما يعلم الجميع، فالموقف الاقتصادي للولايات المتحدة آخذ في التدني من سيئ إلى أسوأ. وهذا لا يرتبط بأحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، ولكن بانفجار فقاعة من الرخاء الاقتصادي غير العادي في التسعينيات الذي لا يمكن أن يستمر إلى أجل غير مسمى.
لكن بوش اتخذ العديد من القرارات الاقتصادية خاصة ما يتعلق برد الضرائب، وإعادة مليارات الدولارات للشعب الأميركي خلال أيامه الأولى في الإدارة الجديدة عندما كان ما يزال هناك فائض في الموازنة. هذه الأخيرة التي كانت متوازنة لما يقرب من ثماني سنوات مضت، لم تعد كذلك وازداد العجز. أما البورصة فقد انهارت وفقد كثير من الأميركيين حصصا كبيرة من مدخراتهم. وحسب رأيي، فقد كانت تكاليف الحرب ضد الإرهاب أكبر بكثير مما يمكن تبريره.
أما فضائح المؤسسات الكبيرة التي أخفت خسائرها لأشهر وسنوات فقد زعزعت ثقة الشعب الأميركي. وبوش نفسه، عندما كان يدير بعض الأعمال منذ عدة سنوات، كان مذنبا أيضا بقدر ضئيل لمشاركته في بعض هذه الصفقات التجارية التي لم تخل من شائبة ومحل انتقاد اليوم.
” يقر كثير من الأميركيين أن أي حرب في العراق ستكون لها عواقب وخيمة كما ستكون باهظة التكاليف لواشنطن فحرب الخليج الثانية غطت نفقاتها كل من السعودية والكويت. أما هذه الحرب فقد تبلغ تكلفتها 70 مليار دولار ستخرج هذه المرة من جيوب دافعي الضرائب الأميركيين ” |
وهكذا بدأ النقد يوجه للرئيس على سياساته الداخلية. ونحن نشهد الآن بعض السخط العام بين الشعب على سياسته الأمنية، وخاصة النقد الموجه للمدعي العام في إدارته جون أشكروفت المتشدد جدا للقضايا القانونية الداخلية والميال لتطبيق كافة القوانين الصارمة حتى أن البعض يناديه بآية الله أشكروفت.كذلك بدأ الآن نقد السياسة الخارجية لبوش، ذلك أن أسامة بن لادن مازال طليقا ومعه الملا عمر ومعظم قيادة طالبان. والأحداث في أفغانستان تمثل كثيرا من المشاكل الخطيرة، وباكستان في وضع غير مستقر حيث أن واشنطن اضطرت لمساندة الجنرال مشرف في إلغائه كثيرا من العمليات الديمقراطية. والعالم العربي -كما هو واضح- يشتط غضبا من السياسة الأميركية، رغم قلة وعي الشعب الأميركي لذلك الأمر وإظهاره بعض التعاطف لإسرائيل بسبب العمليات الانتحارية. لكن الأميركيين يدركون أيضا أن سياسة بوش تجاه المشكلة الفلسطينية-الإسرائيلية لم تنجح.
- وأخيرا: قلق الصحافة
فقد بدأت الصحافة الأميركية تعكس ببطء حقيقة اتساع قلق حلفاء واشنطن حتى في أوروبا يتصاعد القلق من سياسات بوش، خاصة نهجه الفردي في تناول المسائل الهامة دون التشاور الجاد مع أوروبا.
لا شيء من هذا يعني أن الرأي العام الأميركي قد انقلب على بوش، فشعبيته مازالت تربو على 50%، لكن مستواها قد انخفض بحدة من نسبة الـ 85% التي كان عليها منذ ثمانية أشهر. فلم يعد بوش يتمتع بالموافقة الآلية عما فعل منذ ستة أشهر، وهذه الحقيقة لها تأثير على سياساته الخارجية. من أجل كل هذه الأسباب سيكون الأمر أصعب على بوش أن يشن هجوما ضد العراق، مع أنه غير مستحيل بالتأكيد.
سيكون هناك الكثير من النقاش العام والتمحيص لهذه القضايا، ويقر كثير من الأميركيين أن حربا في العراق لن تقتصر نتائجها على عواقبها الوخيمة فقط، بل يمكن أن تكون باهظة التكاليف للولايات المتحدة. فحرب الخليج عام 1991 غطت نفقاتها كل من السعودية والكويت. أما هذه الحرب الوشيكة فقد تبلغ تكلفتها 70 مليار دولار ستخرج هذه المرة من جيوب دافعي الضرائب الأميركيين. وهذه الحقيقة يمكن أيضا أن تسبب بعض التردد بما أن الاقتصاد الأميركي في حالة متدنية.
” سياسات بوش تتصف -في رأيي- بالجرأة والاندفاع، بل وحتى العدوانية وأحادية الجانب وعدم الحكمة غالبا ” |
يستحثني القول إن بوش بدأ يفقد "تعويذته السحرية" من النقد الذي اكتسبه من هجمات 11 سبتمبر/ أيلول. والأمر جد خطير عندما يكون بمقدور رئيس الولايات المتحدة، أو أي دولة، العمل دون نقده ومساءلته عن سياساته، حتى ولو لوقت قصير. وبما أن سياسات بوش تتصف - في رأيي- بالجرأة والاندفاع، بل وحتى العدوانية وأحادية الجانب وعدم الحكمة غالبا، فأنا أرحب بهذه الحقبة الجديدة التي سيكون فيها النقد العام الأميركي أكثر صراحة.
وآمل أن يساعد هذا الأمر الولايات المتحدة على تجنب الوقوع في أخطاء أخطر في السياسة الخارجية مستقبلا. فليس هناك انتخابات رئاسية جديدة قبل عام 2004، ويمكن أن يحدث الكثير في غضون ذلك، الأمر الذي سيقرر مصير بوش من حيث إعادة ترشيحه أم لا.