خاص-الجزيرة نت
يتميز العراق بالتنوع العرقي والديني الذي فرضته اعتبارات تاريخية وجغرافية، دون أن يتسبب ذلك يوما ما في أي مشكلات أمنية أو اجتماعية. لكن قضية الأقليات طفت على سطح الأحداث بالعراق في الأشهر الأخيرة، ولا سيما بعد تأسيس مجلس الحكم في يوليو/ تموز 2003 على أساس محاصصة طائفية وعرقية، حيث شكت أقليات قومية ودينية من تهميش دورها وعدم منحها أي تمثيل سياسي أو دور في الترتيبات القائمة لبناء السلطة في المستقبل.
التركمان
الأكراد
الأقليات الصغيرة
التركمان
وأبرز الأقليات العرقية التي تشكو من عدم منحها حقوقاً موازية لأهميتها السكانية هي الأقلية التركمانية الممثلة في مجلس الحكم بعضو واحد هي السيدة صن جول جابوك، لكن التركمان يعدون أن هذا التمثيل غير كافٍ، لاسيما وأنهم يقدرون عددهم بنحو أربعة ملايين شخص، لكن تقديرات أخرى تقول إنهم لا يتجاوزون المليونين، وذلك من غير أن تتأكد صحة أي من التقديرين في ظل عدم وجود إحصاء سكاني دقيق ومعلن.
ويقطن معظم التركمان في كركوك وبعض مناطق شمالي العراق، ولذلك فهم على احتكاك مباشر مع الأكراد، والعلاقة بين الطرفين ليست جيدة، ومؤخراً وقعت اشتباكات مسلحة في كركوك بين الأكراد من جانب والتركمان والعرب من جانب آخر في إطار صراع السيطرة على المدينة الغنية بالنفط، وقد سقط ضحايا من كلا الجانبين خلال هذه الاشتباكات.
وتعرض عدد من زعماء التركمان لمحاولات اغتيال يبدو أن وراءها أسباباً عرقية، وهو ما عزز شعورهم بوجود محاولات لاستهدافهم، لكن ما زاد من سوء هذا التصور إحساس التركمان بالتمييز حينما صدر قانون الدولة للمرحلة الانتقالية من غير أن يتضمن كل ما أراده التركمان من حقوق ثقافية ولغوية مماثلة لما حصل عليه الأكراد.
وللتركمان حركة سياسية منظمة ممثلة بعدد من الأحزاب والتجمعات الاجتماعية والثقافية تضم أكثر من 15 تنظيماً، كما أنهم تمكنوا من فرز قيادات سياسية لهم خلال مدة وجيزة، وربما يفسر هذا النشاط إلحاحهم المستمر على نيل ما يصفونه بحقوقهم المشروعة في العراق.
الأكراد
” حصل الأكراد في الدستور المؤقت على معظم ما أرادوه ولاسيما إقرار الفدرالية واعتبار الكردية لغة رسمية للبلاد إلى جانب العربية، وهم يطمحون لضم كركوك إلى إقليم كردستان ” |
غير أن ما يشعر به التركمان لم يعد يشعر به الأكراد الذين يمثلون أكبر المجموعات العرقية في البلاد بعد العرب ويشكلون ما نسبته 20% من عدد سكان العراق، وهم يختلفون عن التركمان في أن لهم مواقع وجود جغرافية محددة هيأت لهم تحقيق نوع من الانفصال منذ هزيمة العراق في حرب تحرير الكويت عام 1991، كما أن لهم تاريخاً يعود إلى نحو 70 عاماً في مقاتلة الحكومات العراقية المختلفة لنيل ما ما سموه حقوقهم القومية.
وقد حصل الأكراد في قانون الدولة الإداري الجديد على معظم ما أرادوه ولا سيما إقرار الفدرالية واعتبار الكردية لغة رسمية للبلاد إلى جانب العربية، وهم يطمحون إلى أن يضم إقليم كردستان الذي أصبح يتمتع رسمياً بالحكم الذاتي مدينة كركوك أيضاً، لكن هذه القضية الحساسة جرى تأجيلها لمراحل لاحقة.
وللأكراد قوة عسكرية لا يستهان بها ممثلة بمليشيات "البشمركة" التي تمتلك تسليحاً جيداً وخبرة قتالية طويلة ونظاما تدريبيا محترفا وهيكلا عسكريا شبيها بنظم جيوش الدول، لكن هذه المليشيات التي تعتقد بعض التقديرات أن عدد أفرادها يتجاوز 50 ألفا، مهددة بالحل في إطار إجراءات سلطة الاحتلال لحل المليشيات المختلفة عندما تتكامل أطر الجيش العراقي الجديد ويجري نقل السلطة للعراقيين يوم 30 يونيو/ حزيران المقبل.
وللأكراد طموحات سياسية في العراق تتجاوز حدود استحواذهم على بعض الوزارات المهمة مثل وزارة الخارجية، فهم الآن يفكرون في فرصة تولي رئاسة البلاد، ويعتقدون أن قادتهم وخاصة مسعود البرزاني له شعبيته داخل العراق تؤهله لمثل هذا الطموح، ويبدو أن رعايته مؤخراً لمؤتمر الحوار الكردي العربي ثم لمؤتمر المصالحة الوطنية في مدينة أربيل جزء من مساعيه لتكريس دوره وأهميته على الساحة العراقية، وتوسيع دائرة تأثيره لتشمل كل العراق وليس إقليم كردستان فقط.
الاقليات الصغيرة
وفي العراق أيضاً أقليات صغيرة تقوم على أساس ديني وليس عرقياً، ومن أبرزها الطائفة اليزيدية والصابئة والكلدان والآشوريون.
ولم يحظ اليزيديون والصابئة بأي تمثيل في مجلس الحكم، كما أنهم لم يكونوا حاضرين في أي ترتيبات سياسية لإقرار وبناء هياكل السلطة في العراق، ولذلك أصدروا بيانات عديدة تطالب بحقوق سياسية عادلة، كان آخرها بيان الطائفة اليزيدية الذي قال إن عدد أفرادها في العراق يبلغ نحو مليون شخص، مشيراً إلى أن هذا العدد يحتم منح هذه الطائفة حقوقاً سياسية وتمثيلاً في مجلس الحكم.
ويقطن اليزيديون في مناطق بمحافظة نينوى ومناطق أخرى بشمال العراق، وقد تمتعوا كبقية الأقليات الدينية بحرية العبادة وممارسة طقوسهم أيام النظام السابق، لكنهم لم يكونوا ممثلين في السلطة أو الحكومة.
ويعاني الصابئة الذين يقطنون جنوبي العراق ولا سيما في منطقة العمارة من الأمر ذاته، وقد أصدروا بيانات تندد بتجاهلهم وتهميشهم سياسياً، غير أن هذه البيانات لم تحقق شيئاً يذكر لتغيير واقع الحال السائد في البلاد.
ولم يعرف أن لأي من هاتين الطائفتين قدرات عسكرية أو قوة مؤثرة على الأرض، كما أن مطالباتهم لم تتعزز بتكثيف عملهم السياسي أو بتشكيل أحزاب وطرح برامج ذات بعد وطني، وربما يكون ذلك أحد أسباب تجاهل مطالبهم.
” الاقليات العراقية -ما عدا الأكراد- لا تطرح شعارات سياسية مضادة للاحتلال، كما أنها لا تطرح بالمقابل شعارات مؤيدة لبقائه، فهي بحكم وضعها تسعى للإفادة من الوضع الراهن ” |
ومن ناحيتهم يحظى المسيحيون بتمثيل في مجلس الحكم من خلال رئيس الحركة الديمقراطية الآشورية يونادم كنا، لكنهم عبروا أيضاً عن تذمرهم بسبب اعتبار الطائفة الآشورية التي ينتمي إليها يونادم ممثلة لكل المسيحيين في العراق الذين قد لا يتجاوز عددهم المليون نسمة، لاسيما بعد هجرة أعداد كبيرة منهم خلال السنوات العشر الماضية.
وقد أصدر بعض الكلدان والآشوريين مؤخراً بياناً أدانوا فيه دمجهم تحت مسمى "الكلدوآشوريون" في نص قانون الدولة الإداري الجديد مؤكدين أنهم طائفتان مستقلتان، وطالبوا أيضاً بدور سياسي وموقع في الحكم يتناسب وتعدد أطيافهم ومرجعياتهم الدينية.
وليس للمسيحيين في العراق قوة مسلحة فقد عرف عنهم أنهم مسالمون وقد حصلوا في السابق على حقوقهم الدينية كاملة، كما كان لهم عضو بارز في الحكومة وكان من أقرب مساعدي صدام حسين وتولى مواقع مهمة عديدة في القيادة العراقية السابقة.
وهناك تشكيلة أخرى متنوعة داخل المجتمع المسيحي في العراق مثل السريان والأرثوذكس وسواهم، ولم يعرف لهم جميعاً نشاط سياسي محدد على شكل أحزاب فاعلة على الأرض.
والأقليات العراقية بمجملها لا تطرح شعارات سياسية مضادة للاحتلال، كما أنها لا تطرح بالمقابل شعارات مؤيدة لبقائه في العراق، فهي بحكم وضعها تسعى للإفادة من الوضع الراهن من غير أن تكون مستعدة للمخاطرة بالتعايش المميز الذي حققته في علاقاتها بالأغلبية العربية والمسلمة. ويستثنى في هذا بطبيعة الحال طائفة الأكراد كونهم أقلية كبيرة ومؤثرة.
وعلى ما يبدو فإن هذه الأقليات لن تحصل على مواقع محددة في السلطة كما ترغب، لاسيما بعد أن صدر قانون الدولة الجديد خالياً من نظام المحاصصة الطائفية والعرقية الذي تشكل على أساسه مجلس الحكم والوزارة الحالية، والذي أثار كل هذه المطالبات من الأقليات التي شعرت بالغبن في تقسيم الحصص في حينه.