وفي لقاء 2006 جلسنا مع كل أطراف الحكومة في مقر الجامعة العربية بالقاهرة وخرجنا ببنود كانت أفضل بكثير من لقاء 2005، وبعد التوقيع والعودة إلى بغداد، نقضوا كل ما اتفقنا عليه وكأن شيئا لم يكن.
وفي الحقيقة لسنا مستعدين لتجربة ثالثة لأننا على يقين من أنهم لن يلتزموا بما سينجم عنها من اتفاقات.

لكن كل هذا يعطي صورة قاتمة لوضع العراق الحالي والمستقبلي، أليس هناك من سبيل للملمة الشمل العراقي؟
على الرغم من تلك الصورة السلبية التي تراود الكثيرين فإننا متفائلون تماما لأن التاريخ علمنا أن حكومة الاحتلال ترتبط بالمحتل حضورا وعدما، وأنه حين يخرج فستخرج معه تلك الحكومة، مثلما حدث في فيتنام وغيرها.
لقد دفعنا ثمنا غاليا، لكن الشعب أدرك من هو المصلح ومن هو المسيء ومن هو المخلص ومن هو الخائن، الساسة اليوم لا يتمتعون بثقة الشعب ولهذا فنحن ندرك أن خروج الاحتلال يعني هزيمة حكومة المالكي وإذا أرادوا البقاء فلن يصمدوا طويلا، وسيفرز الشعب حكومة أفضل.

كيف تنظرون إلى مسيرة حركة الصحوات وأي مصير تتوقعونه لهم؟
اتهم البعض حارث الضاري (الأمين العام لهيئة علماء المسلمين) بالسلبية عندما قال إن الصحوات ما هم سوى قطاع طرق استعملتهم أميركا لتحقيق بعض مخطاطاتها ثم ستلقي بهم، وقيل وقتها إن تفكيره سلبي، ثم كشفت الأيام أنهم حققوا للأميركان ما يريدون ثم رموهم في سلة المهملات، حينما سلموا ملفاتهم لحكومة المالكي لتقتلهم وتعتقلهم.
لقد بدأت الصحوة في الأنبار بذريعة مواجهة القاعدة، بينما كان الغرض هو تشتيت المقاومة والقضاء عليها بعد أن بلغت العمليات في الأنبار وحدها 50% من عمليات المقاومة في العراق.
ولا ننكر أن الأميركيين أعدوا لمشروع الصحوة بشكل متقن واستغرق هذا عاما كاملا، باعتراف الأميركيين أنفسهم، وعلاقة الأميركيين بالصحوات فيها الكثير من التفاصيل التي تحتاج إلى موضوع خاص عنها، ويمكن القول إنها نجحت في تقليل عمليات المقاومة في العراق، التي باتت تعد على أصابع اليد الواحدة.
وعندما اندهش الأميركيون من نجاح الصحوات الذي فاق توقعاتهم، انتقل هذا "الفيروس" إلى محيط بغداد وديالى وصلاح الدين، وألحق خطرا كبيرا بالمقاومة العراقية، ولكنه يحتضر بعد تخلي الأميركيين عنهم. فحكومة المالكي تنظر إليهم على أنهم مليشيات سنية مسلحة يشكلون خطورة على وضعها السياسي.
وقد نصحنا الصحوات في البداية وقلنا لهم إن هناك فرصة لإعلان التوبة والتراجع فهم أولا وأخيرا أبناء الوطن زلت بهم القدم، وبدلا من أن نهيل عليهم التراب مددنا لهم يد العون، وكانت هناك استجابة من جزء كبير فغادروا هذا المشروع، ومن بقي يدفع الثمن لأنه بات مطاردا من قبل الحكومة العراقية.
مآخذ على الهيئة

هناك العديد من المآخذ عليكم من بينها ما يشاع عن علاقتكم مع تنظيم القاعدة وتأييدكم لعناصره، فما هي حقيقة الأمر؟
دعنا نسترجع بعض الأحداث، فبعد أحداث الفلوجة الأولى ظهر تنظيم "التوحيد والجهاد" بزعامة أبو مصعب الزرقاوي، ثم بعد فترة سمعنا أنه بايع أسامة بن لادن.
فكان هناك المجاهدون العرب الذين توافدوا على العراق بنية صافية للدفاع عن البلاد ومواجهة الغزو الأجنبي وسقط منهم شهداء ونكن لهم كل الاحترام.
فإذا كانت أميركا قد جاءت بجيش متعدد الجنسيات فهل تريد مني أن أقول لعربي جاء لمساندتي في الدفاع عن بلدي اخرج؟ هذا صعب.
المشكلة في هذا الملف المعقد هي أن جزءا كبيرا من العمليات التي كانت تطال المدنيين هي من تدبير الأميركان وأطراف استخباراتية من دول مجاورة بما فيها إسرائيل ولدنيا دلالات على هذا.
هؤلاء جميعا كانوا يضعون كل جرائمهم على حساب القاعدة وكان الغرض منها هو تعبئة الرأي العام ضد المقاومة، فيتهمون القاعدة لكن رد الفعل يصب ضد المقاومة.
ونحن لم ولن نسمح لأنفسنا بالانسياق وراء اللعبة الأميركية، ولم نلبّ طموح الأميركيين بأن نخرج إلى الإعلام لنسب القاعدة ونحن نعلم أن الغرض من وراء الضغط علينا في هذا الاتجاه هو تهيئة المقاومة على المذبح، تحت ذريعة الحرب على القاعدة، التي لا جيش لها في منطقة معينة كي يمكن أن نقول هذا هو الجيش فتعاملوا معه، لأن القاعدة منتشرة في الثنايا، وعندما تعلن الحرب عليها فإن الأميركيين سيستغلون هذا للهجوم على المقاومة.
وهذا ما جعلنا أحيانا نتباطأ في ذكر القاعدة كثيرا، ولكن يجب أن نشير إلى أننا قمنا دائما بإدانة كل العمليات التي استهدفت أبرياء ونسميها إرهابا، مثل مجزرة الحلة التي راح ضحيتها 90 مدنيا والتي وصفناها بأنها الإرهاب بعينه.
خصومنا السياسيون يحاولون إسقاطنا اعتباريا وإسقاط مشروع المقاومة معنا، فهم يروجون أننا نوافق على الإرهاب.
ولكن ليعلم الجميع أنه ليست لنا أي صلة بالقاعدة لا من قريب أو بعيد، ولكننا في الوقت نفسه لسنا مستعدين لأن نسمي من يفجر نفسه في دبابة أميركية إرهابيا.
العلاقة مع الكبيسي

يؤخذ عليكم أيضا أن تنكرتم لمؤسس الهيئة الشيخ أحمد الكبيسي وسحبتم البساط من تحت قدميه ليتم تهميشه بالكامل رغم دوره ومكانته، فكيف تردون على ذلك؟
هذا الكلام من ترويج الأحزاب الموالية لإيران لإشعال الفتنة، وليس بيننا وبين الدكتور الكبيسي أي مشاكل بل نحبه ونحترمه، ولا ننكر أنه كان جزءا من هذا المشروع.
لكن الهيئة لها خط واضح وبرنامج محدد، هناك فرق بين حزب سياسي وحركة سياسية ودور سياسي تمليه الضرورة لغياب من يقوم به.
وقد قام الدكتور الكبيسي بإطلاق حركة سياسية باسم "الحركة الوطنية الموحدة" وكانت لها صحيفة اسمها "الساعة"، وحسب السياقات كان عليه مغادرة الهيئة وقد قام بذلك بمحض إرادته ولم نطلب منه تلك الخطوة إجلالا له، ولم نتآمر عليه كما يدعون.
ونفس الأمر حصل مع الدكتور محسن عبد الحميد الذي كان من الأوائل في تأسيس الهيئة وأقدم من الكبيسي، ولكن عندما أعلن تأسيس الحزب الإسلامي ولأنه يعلم قوانين الهيئة استقال بنفسه، احتراما لقوانين الهيئة.

هناك أقاويل مختلفة حول مصير مذكرة توقيف الدكتور حارث الضاري، فما هي معلوماتكم حول ما آل إله هذا الملف؟
لقد فوجئ المالكي برد الفعل الشعبي والعربي الرسمي على مذكرة التوقيف التي أصدرتها حكومته بحق الدكتور حارث الضاري، مما جعله في موضع شديد الحرج، واضطره إلى التغاضي عنها وإهمالها، وهو أيضا من أشاع انه من المحتمل رفع تلك المذكرة لامتصاص غضب الرأي العام.
وبلغتنا من خلال رسائل حملتها إلينا بعض وفوده، أنه بالإمكان إسقاط المذكرة، مقابل حضور الضاري إلى بغداد ليحل بديلا عن التوافق وذلك في فترة انسحاب التوافق من الحكومة، وقال وفد المالكي بالكلمة "إننا لا نعتقد أن الحزب الإسلامي والتوافق يمثلون السنة، أنتم خير من يمثل السنة".
ونحن لا ندري إلى اليوم ما كان يقصده المالكي من هذا: هل الفتنة؟ أم كان بالفعل صادقا؟، ورفضنا لأن حصولنا على مناصب ليس حلا.
وتضمن ردنا على المالكي "إذا أردت العمل الإيجابي فبيننا وثيقتا القاهرة الأولى والثانية فاعمل بموجبهما وستشهد العلاقات تطورا إيجابيا"، ولم يصلنا رد على هذا.
ونعتقد أن المذكرة لا تزال قائمة ولكننا لا نأخذها بعين الاعتبار، أما بقاء الدكتور حارث الضاري في عمان فهو لأسباب أمنية إذ لدينا معلومات مؤكدة بأن هناك أطرافا تنوي اغتياله، فرأى مجلس الشورى ضرورة بقائه في عمان حرصا على حياته.
العراق ودول الجوار 
كيف تتصورون علاقة العراق بدول الجوار؟ إن الحل الوحيد لوضع سياسة خارجية ناجحة مع دول الجوار يبدأ من تشكيل حكومة مستقلة ليس لديها أي ولاء لأي من دول الجوار وتضع اعتباراتها الوطنية في المقام الأول، نريد عراقا لا يختلق المشكلات ولديه استعداد لتصفية كافة الخلافات العالقة مع دول المنطقة، فلدينا مشكلات حدودية مع الكويت ونؤمن كقوى وطنية بضرورة حلها بشكل نهائي حتى لو حدث تنازل كبير من الطرفين.
حتى إيران ورغم أنها آذتنا كثيرا، فإننا لا نريد مشكلة سرمدية معها، نعم سنحاول أن نجلس على طاولة واحدة ونذكرها بأخطائها ونضع حقوقنا واعتباراتنا كعراقيين في المقدمة، ولكن بالتالي سنؤول إلى وضع طبيعي في العلاقات.
ندرك أن دولا ارتكبت في حقنا أخطاء، وأن دولا أعانت المحتل وأخرى لا تزال تعينه، ورغم ذلك فإننا ننظر إلى كل هذا على أنه مشكلات يمكن تصفيتها ويمكن إعادة العرب إلى الرشد في التعامل مع الملف العراقي.
