 |
|
اختيار أوباما لمصر لإلقاء خطابه إلى العالم الإسلامي نابع من الأهمية الإستراتيجية لهذا البلد(الأوروبية) |
لا شك أن اختيار الرئيس الأميركي باراك أوباما العاصمة المصرية لمخاطبة جمهور عربي متوجس للغاية تجاهه ينطوي على ألغام أرضية محتملة، حسب عدد من المحللين السياسيين ودعاة حقوق الإنسان وحتى بعض المسؤولين الأميركيين.
هذا ما جاء في تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية حول اختيار أوباما مصر منبرا لخطابه الموجه إلى المسلمين عبر العالم.
لقد اختار بذلك بلدا استبداديا لم يشهد إصلاحات سياسية ولا اقتصادية منذ أن ترأسه رئيسه الحالي محمد حسني مبارك قبل حوالي 30 عاما, حسب الصحيفة, مشيرة إلى أن ذلك الواقع سيمثل مصدر ضغط على الرئيس الأميركي في حال تطرقه لقضيتي الديمقراطية وحقوق الإنسان.
" زمن الاكتفاء بمجرد التقدم في عملية السلام بالشرق الأوسط قد ولى, والناس الآن يريدون نتائج ملموسة " نيويورك تايمز |
وتنقل عن المرشح السابق للرئاسة المصرية وأحد معارضي النظام المصري الحالي أيمن نور قوله إن "وقوف أميركا إلى جانب الحكام الاستبداديين هو الذي صنع الإرهاب في العالم العربي".
لكن الزعماء والناشطين المصريين كليهما يصبون اهتمامهما أولا وقبل كل شيء على الطريقة التي سيعرض بها أوباما موقفه من أولوية الأولويات في المنطقة أي الصراع العربي الإسرائيلي.
فالكثيرون يرون أن الرئيس الأميركي إن كان جادا في رغبته في تحسين العلاقة مع العالم الإسلامي فمن هذا الملف تكون البداية, ويؤكدون أن زمن الاكتفاء بمجرد التقدم في عملية السلام بالشرق الأوسط قد ولى, والناس الآن يريدون نتائج ملموسة.
وهو ما تقول الصحيفة إنه تحد أصبح أكثر تعقيدا نتيجة التطورات الأخيرة في المنطقة والتي تمثلت في تمزق الزعامة الفلسطينية وتعزيز قوة الجماعات المسلحة خاصة حركة حماس وحزب الله, وكذلك التلكؤ في امتصاص الغضب الذي خلفه الهجوم الإسرائيلي الأخير على غزة, ناهيك عن السياسة الخارجية الإيرانية التي تبدو عدوانية أكثر فأكثر.
لكن المسؤولين يجمعون على أن بمقدور أوباما أن يحدث تغييرا حقيقيا إن هو تمكن في البداية من إقناع إسرائيل بتجميد المستعمرات وتفكيك نقاط التفتيش وفتح معابر غزة.
وترى مصر في عملية السلام مفتاح حل جل المشاكل الإقليمية ووسيلتها لتعزيز مصداقيتها, كي تتمكن من التصدي لما تعتبره خطرا إيرانيا متفاقما.
ويذكر المتحدث باسم جماعة الإخوان المسلمين بمصر عصام العريان بأن الإدارات الأميركية المتعاقبة لم تبد أي اهتمام يذكر بدعم الديمقراطية واحترام رغبات الجماهير الإسلامية والعربية, مطالبا الإدارة الجديدة بتغيير هذا النهج.
غير أن بعض المصريين من أمثال الناشط سعد الدين إبراهيم يقولون إنهم يرغبون في أن يركز أوباما في خطابه على البنى التحتية للديمقراطية أي حكم القانون واستقلالية القضاء وحرية الإعلام واستقلالية المجتمع المدني, فضلا عن المساواة بين الجنسين.
" يجب أن يشمل خطاب أوباما محاولة لإقناع قادة وشعوب البلاد الإسلامية بأنه لا تناقض بين التمسك بالإسلام وبين التحالف مع أميركا " سيب/وول ستريت جورنال |
مهد التطرف والاعتدال
وناقش جيرالد أف سيب في مقال له بصحيفة وول ستريت جورنال هذا الاختيار, قائلا إن جدلا اندلع بين مستشاري أوباما في الأيام الأخيرة بشأن قضية المكان الذي سيلقي فيه الرئيس خطابه البارز الموجه إلى العالم الإسلامي.
فمنهم من دعا إلى أن يكون في إندونيسيا, وهو اختيار موفق, حسب الكاتب, لأن هذا البلد هو أكثر البلدان الإسلامية سكانا, كما أنه استطاع أن يتغلب على التطرف الإسلامي, فضلا عن كونه بلدا ديمقراطيا, وهو بذلك أنموذج يمكن للإدارة الأميركية أن تضربه مثلا للبلدان الأخرى.
غير أن الإدارة اتخذت قرارا بأن يلقى هذا الخطاب الموجه لخمس سكان العالم في العاصمة المصرية, وهو ما يعكس بشكل واضح التحدي الحقيقي الذي يواجهه أوباما. إذ يرى سيب أن حديث الرئيس لن يقتصر على الدين والثقافة الإسلاميين بل لا بد أن يتطرق لما يشهده العالم الإسلامي من أزمات وانقسام سياسي بين من يوصفون بالاعتدال ومن يوصفون بالتطرف.
كما لا يمكن أن يقتصر هدف خطاب أوباما بمصر على مجرد محاولة جعل المسلمين يرتاحون أكثر للولايات المتحدة وإنما يجب أن يشمل محاولة إقناع قادة وشعوب البلاد الإسلامية بأنه لا تناقض بين التمسك بالإسلام وبين التحالف مع أميركا.
ولأن مصر توجد في قلب ثلاث دوائر سياسية كبيرة: العالم العربي والعالم الإسلامي والعالم الأفريقي, فإن موقعها يعتبر مثاليا لتشجيع الإسلام المعتدل والتصدي الإسلام المتطرف, كما أنها بحكم تجربتها مع هذين النوعين من الإسلام تعرف أكثر من غيرها كيفية التعامل معهما.
فهي مهد حركة الإخوان المسلمين التي تعتبر "ينبوع غالبية الحركات الإسلامية المتطرفة الموجودة حاليا"، على حد تعبير سيب, كما أنها مهد الجامع الأزهر الذي يعد أحد أهم منابر الإسلام المعتدل في العالم, حسب قول الكاتب نفسه.