ابحث عن
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة|تواصل معنا
الأربعاء 28/1/1431 هـ - الموافق 13/1/2010 م (آخر تحديث) الساعة 11:04 (مكة المكرمة)، 8:04 (غرينتش)
مواضيع متعلقة
طباعة الصفحة إرسال المقال
تحديات بناء الدولة
صراع الهويات والمحاصصة الطائفية في العراق
 

إذا كانت مسألة الدولة في شكلها وأبعادها المتعددة تعد مسألة فكرية وسياسية هامة، فإنها تعد مسألة مضاعفة الأهمية والتعقيد فيما يخص التجربة التاريخية للدولة العراقية الحديثة.

ويعود ذلك لعوامل تتعلق بسياقات تشكيلها ومجموع التحديات التي تواجهها، الخارجية منها المتمثلة بالقوى الاستعمارية القديمة والجديدة، والداخلية التي تتصل بالبنيات المجتمعية والسياسية المؤثرة في صياغة شكلها وشكل السلطة ومن ثم العلاقة بينهما وبين الفرد المواطن.

سنناقش في هذا البحث أبرز التحديات البنيوية التي واجهت قيام الدولة (الأمة) في العراق وأدت إلى فشلها وانهيارها والمحاولات الفاشلة لإعادة بنائها، وبالتحديد التحديات المتمثلة في النزاع الطائفي-السياسي ودور أحزاب الهوية في تشكيل دولة الطوائف، والتعددية المجتمعية وأثرها في التعددية السياسية.

والإخفاق الذي لازم الأطر الاجتماعية في إنتاج ثقافة سياسية حديثة ومجتمع سياسي فعال مما أدى إلى استعصاء الحل الديمقراطي.
 
 
تمر الدولة والمجتمع العراقي بظروف صعبة ومعقدة نتيجة تراكم المشكلات الحادة التي يعود بعضها في حضور نتائجه إلى سياق تشكل الدولة السابقة، والبعض الآخر نتيجة  للدور المؤثر الذي يمارسه الاحتلال وبأشكال مفجعة فاقت كل توقع.

"
أدى استحكام التسلطية السياسية في صميم بنية الدولة العراقية إلى حدوث خلل جوهري فيها، وإلى عجز بنيوي متأصل بها وملازم لها، أعاقها عن القيام بوظائفها وإنجاز مهامها في تحقيق الأمن، وإنجاز التنمية الاقتصادية، ودخول الحداثة السياسية
"
لقد أدى استحكام التسلطية السياسية في صميم بنية الدولة العراقية إلى حدوث خلل جوهري فيها، وإلى عجز بنيوي متأصل بها وملازم لها، أعاقها عن القيام بوظائفها وإنجاز مهامها في تحقيق الأمن، وإنجاز التنمية الاقتصادية، ودخول الحداثة السياسية، أي قيام دولة القانون والمؤسسات، وتشكيل المجتمع الحديث الذي تستمد منه شرعيتها بوصفها تمثل الإرادة  المجتمعية العامة.

تتصف الدولة العراقية عموما -متمثلة هنا بشكل السلطة- بغياب لافت لأي تطور في الفكر السياسي، حيث ينعدم كل تجديد في الحقل السياسي المنعكس مباشرة على شكل النظام والممارسة السياسية، وكذلك بالتناقضات البنيوية للمكونات الاجتماعية، بالإضافة إلى غياب التنمية والضعف الاقتصادي.

فلم تتشكل الدولة بمنطق التعبير عن الوحدة العضوية والمؤسسة الوطنية التي تمثل كل البنى الاجتماعية بداخلها، لقد فشلت هذه الدولة في ضمان الحد الأدنى من تحقيق الوظائف الجوهرية التي لا مبرر لوجودها من دونها، وهي تلك التي تتصل بضمان أمن الفرد وسلامته، وإقامة حد أدنى من حكم القانون والقضاء النزيه والعادل.

فإذا لم تستطع الدولة أن تحمي الفرد والجماعة من اعتداءات خارجية ولا تمكنت من تقديم فرص أفضل لتأمين شروط البقاء المادية، ولا نجحت في وضع قانون ولا تطبيقه، لم تعد دولة وفقدت مبرر وجودها.

أما المكونات الاجتماعية فهي عبارة عن مجموعات بشرية لا تربطها بالدولة أطر وهياكل قانونية تتم ممارستها بالفعل رغم كل التشريعات وصيغها الصورية. أي غياب ذلك المجتمع ذي العلاقات المنظمة قانونيا والقادر على إدارة نفسه وفقا لصيغها.

ويعود ذلك في جذوره إلى مجموعة مترابطة من الأسباب تتعلق بغياب التجربة التاريخية للدولة كمؤسسة مستقرة ودائمة، وكذلك إلى الفشل في تأسيس الدولة تلك التي عرفها هيغل بوصفها تجسيدا للإرادة العامة، أو تلك التي يعطيها "فخته" دور رعاية تنظيم الحقوق والحريات المشتركة، بالإضافة إلى ما يسميه القانون الأساس للحماية والقانون الأساس للوحدة.

فظلت دولة القبيلة التي لا يتميز بها المجال السياسي، أي غياب الفصل بين المجتمع الأهلي والمجتمع السياسي والدولة، ولا تفرق المساحة السياسية المؤسسة على نوعية وظائف الدولة وعلى وجودها كموضع للتسليم، وإفراد العلاقات الاجتماعية القائم على الطابع الفردي العقلاني لهذا التسليم، وأولوية الانتماء للمواطنة المكفولة بوجود خدمات متبادلة بين الفرد والدولة.

لقد واجهت قضية قيام الدولة في العراق ولا تزال مجموعة من التحديات التي شكلت عوامل عجزها عن إنجاز دورها، ولو في حده الأدنى الذي يقوم على توفير الأمن وضمان القانون والنظام، وإقامة تشريع اقتصادي حديث، وتنمية اقتصادية مستدامة. ومعروف أن هذا ما لا يمكن أن يتحقق بدون التهيئة المسبقة لبعض الشروط الأساسية التي لا بد أن تبدأ أولا من توفير الأطر القانونية الملائمة والأطر السياسية الفاعلة.

إن من هذه التحديات ما يعود إلى شكل الدولة التي قامت على بنية شديدة المركزية هيمنت على كل القطاعات الاجتماعية والسياسية والإدارية. فالدولة العراقية كانت قائمة على جهاز بيروقراطي ضخم غير منتج، وتم إفساده لعوامل عديدة تتعلق بشكل وسياسات نظام الحكم، وكذلك على جهاز أمني ضارب للحفاظ على مركزية السلطة ونظام الحكم القائم.

وما نتج عن هذا هو توحد كامل بين الدولة والسلطة، أي عدم التمييز بين الحكومة والدولة. في حين من المفترض أن الدولة غير الحكومة، فالدولة هي النظام المدني الذي يحدد العلاقات المدنية بروابطها القانونية، وتكون بذلك عبارة عن المجتمع السياسي المنظّم، الدولة هي جميع أفراد وهيئات المجتمع المعرّفة قانونا، أما الحكومة فهي الجهاز الآمر الذي يقوم بالإدارة العامة وينفذ الشرع الذي يقوم عليه المجتمع المنظّم سياسيا.

تترابط مجموع هذه التحديات بشكل وثيق، فمسألة الجهاز البيروقراطي المتضخم والأمني في وظيفته القمعية مرتبط بالمسألة الاقتصادية، حيث الدولة تمتلك وسائل الإنتاج واحتكار الثروات وعوائدها بوصفها دولة ذات نمط اقتصادي ريعي.

والدولة العراقية  يمكن أن تعد دولة ريعية أو شبه ريعية، ولأنها كذلك فقد تقوت وتضخمت على حساب المجتمع الذي أصبح مختزلا وضعيفا، فكانت السلطة هي التي تحدد سياسة التوزيع والتخصيص، ولأن الحكم فردي تسلطي فصار بالتالي هو الذي يمنح ويعطي أو يمنع ويقطع. لقد ارتبطت الثروة والجاه بالدولة، وارتبطت المكانة الاجتماعية بالحصول على وظيفة داخل الدولة فالدولة هي كل شيء.

لقد أحدث هذا النمط من الاقتصاد هشاشة جوهرية في البنية العميقة للدولة من ناحية، وأعطاها من ناحية أخرى دور كفالة المجتمع والصرف عليه، متمثلا في طبقته الوسطى العريضة حيث يشتغل معظمها أجيرا عند الدولة، موظفا في أجهزتها البيروقراطية بوصف الدولة تمتلك القطاع العام، مما أعطاها القدرة على سحب حقوقه السياسية وحتى الاجتماعية المؤسسية، فلم تكتسب هذه الدولة وفق مفهومها القانوني–الشكلي مضمونا حقيقيا ملموسا في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

لقد وظفت كل إمكانات الدولة من أجل غاية واحدة هي خدمة النظام السياسي القائم والحفاظ عليه بزخم متصاعد تحسبا لتصاعد التحديات البنيوية الداخلية للدولة والخارجية متمثلة بالحروب، بالإضافة إلى المعارضات السياسية-الاجتماعية.

ويأتي هذا الوضع -أي شكل الدولة هذه- طبقا لبنية النظام السياسي، فالنظام السياسي نظام تسلطي يعاني من نقص حاد في الشرعية، ويبدو في نظر المجتمع متغربا عن الدولة، مما أفقد الدولة وظيفتها الأساسية تلك التي توفر لها المشروعية.

فتسيدت على المجتمع واتخذت المجموعة الحاكمة شكل التسلط والقهر، أي انعكس دور الدولة بوصفها موزعا للمزايا والخدمات على شكل علاقتها بالمجتمع التي يمكن وصفها بعلاقة إذعان، وأثر ذلك كثيرا على نظرة المواطنين إلى حقوقهم السياسية، بحيث أصبحوا يتخوفون من المطالبة بها، ثم بسبب استمرار وترسخ هذا النمط من العلاقة لزمن طويل لم تعد حقوقهم السياسية من مشاغلهم الأساسية.


 
 
وفي ظل "الدولة الجديدة" التي شكلها الاحتلال استمر الحال بوجه عام في  نظرة أغلبية الأفراد إلى علاقتهم  بالدولة بوصفها المسؤولة الأساس عن التوزيع والتخصيص أو التي من خلالها يمكن جني المكاسب والثروة أو الحصول على المكانة الاجتماعية.

لقد أثر هذا بدوره في تكريس بنى التسلط التقليدية الموروثة وأدى -من بين عوامل أخرى- إلى غياب الحراك الاجتماعي وفاعليته السياسية التي تبرز بشكل جلي في عدم قدرته على إنتاج القادة السياسيين، لا الدينيين ولا القبليين، والمجتمع الذي يفشل في إنتاج القادة ومنحهم المناصب مجتمع فاشل وغير قادر على حكم نفسه.

إنه مجتمع عاجز عن القيام  بطرح المبادرات وقيادة التحولات، ركيك في بنيته مفكك في تشكيلاته، لا يمتلك أطرا تعبر عن تطلعاته وطموحاته، ولا توجد أي إستراتيجية لترتيب علاقته بالدولة أو لنقل مطالبه للسلطة.

"
إذا كانت الدولة هي مجموع أدوات عقلنة المجتمع فإن التفكير الطائفي لا يقوم أبدا على تنمية الصلات الاجتماعية العقلانية
"
مجتمع تترسخ فيه البنية التسلطية ولا يملك ثقافة سياسية حديثة، ولأنه كذلك أوكل أمره إلى قياداته الدينية التي هي بدورها لا تخرج عن التفكير بطريقة من يعيش في القرون الوسطى في نظرتها للمجتمع والسياسة، فانقسم المجتمع طائفيا وتدمرت حتى الصورة الهشة عن المواطنة في جامعها المشترك كأفراد في مجتمع له دولة.

إنه مجتمع ضعيف وهش ويعاني أصلا من انحلال كافة بناه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، ثم جاء الاحتلال الأجنبي ليعمل مزيدا من التمزق ويدفع بالمجتمع إلى تدمير كافة إمكاناته المتبقية فتدمرت بقايا الهوية الوطنية بالكامل.

إذا كانت الدولة هي مجموع أدوات عقلنة المجتمع فإن التفكير الطائفي لا يقوم أبدا على تنمية الصلات الاجتماعية العقلانية وهو ملازم لبنية الدولة العراقية المتجلي في ممارسات أنظمة الحكم المتعاقبة منذ تأسيسها.

وبسبب هذا الوضع لم تتشكل الدولة-الأمة، فرغم الشعارات الأيديولوجية العصرية ظل العامل العصبي الطائفي هو القاع الاجتماعي الذي تقوم عليه السلطة وكيان الدولة التي أقامتها. إن السلطات الحاكمة التي رفعت الشعارات القومية واجهة لطالما كانت تخفي وراءها ممارسات تتسم بالطائفية، والحال نفسه يحصل حاليا حيث ترفع شعارات الديمقراطية، ولكن تخفي وراءها أسوأ أنواع التمييز الطائفي ونزعات التسلط.

لكن هذا لا يعد قدرا محتوما على المجتمعات المتعددة المكونات، فالطائفية لا علاقة لها في الواقع بتعدد الطوائف أو الديانات، إذ من الممكن تماما أن يكون المجتمع متعدد الطوائف الدينية أو الإثنية من دون أن يؤدي ذلك إلى نشوء دولة طائفية أو سيطرة الطائفية على الحياة السياسية، وبالتالي لتقديم هذا الولاء على الولاء للدولة والقانون الذي تمثله.

إن من التحديات التي تواجه بناء الدولة-الأمة في العراق هي الدمج الحاصل في المجالات الاجتماعية فيما يتعلق بالمجال السياسي، لذا من الأهمية تفريق وإفراد العلاقات الاجتماعية القائمة على انتماءات الهوية الطائفية (في إشكالها العصبية الطائفية-الدينية والإثنية-القبلية والعشائرية والمناطقية).

فنزعة الولاء الجمعي العمودي طائفيا تقف عائقا حقيقيا في وجه إضفاء القيمة الأساسية لانتماء المواطنة والعلاقات الأفقية فيما يتصل بالمجال السياسي. فلم يتم أبدا لا من قبل القيادات الدينية ولا السياسية إعطاء الأولوية للطريقة الترابطية-الأفقية التي تعزز انتماء المواطنة والتي يمكنها في الوقت نفسه أن تقلل من الحوافز التي تكرس الهويات الخصوصية.

إنها الطريقة التي يمكنها مساعدة الفرد على التخلص تدريجيا من هيمنة الولاء الجمعي ووصاية انتماء الهوية الخصوصية، وتمكنه من ممارسة دوره لا وفقا لبنية تجزيئية بل على أساس يبتغي العضوية كفرد (مواطن) في الدولة.

إن تحقيق ذلك يتطلب إعادة صياغة الهوية الوطنية وفق سياسات مخططة تتم ممارستها بشكل عقلاني تدريجي ابتداء من ملء الوعي بثقافة المواطنة إلى بناء الدولة المؤسسية وإضفاء صبغة أخلاقية عليها.

وأن يعي الناس بأن هناك قيما مشتركة وأهدافا عامة يمكنهم أن يشاركوا فيها بطريقة إيجابية وأن يساهموا فعليا في صياغة الأهداف والمصالح العليا وتطبيقها في سياسات عملية، وفي الوقت نفسه ضرورة أن يشعر الفرد بحرص الدولة على ضمان احتياجاته الأساسية بأكبر قدر ممكن.

وكذلك تقع على الدولة في سياق مهمة بنائها إعطاء أولوية للقيم التي تعطي المثل وترعى فعليا المصلحة العامة مما يعد أول خطوة في بناء مجموعة سياسية سليمة ومتينة. إن العجز السياسي للسلطة، ماضيا وحاضرا والإخفاق في إيجاد الحلول للمعضلات القائمة واستيفاء مقومات بناء الدولة الحديثة المنفصل هيكلها عن أطر المجتمع، أدى إلى تفكك وصعود الهويات الطائفية.
 
 
أخفقت الدولة في معاملة الفرد وفق صيغ قانونية عامة ومجردة، أي غير شخصية، من موقع المساواة الكاملة وعلى أساس مبدأ المواطنة، فإذا كانت الدولة هي التعريف والإطار المؤسسي لشكل نظام السلطة وإدارة الاجتماع السياسي فإن مبدأ المواطنة هو الاستكمال الطبيعي للتعريف المؤسس لعلاقة التساوي الكامل بين الأفراد والجماعات ضمن الحيز الجغرافي للدولة ثم لعلاقة الندية بينهم وبين الدولة نفسها على مستوى الحقوق والواجبات.

لذا ما يتطلب لقيام دولة مستقرة هو تنمية شعور واضح بالهوية وحلول للمشكلات الناتجة عن وجود تراث يظهر في الهويات الخصوصية، وتعزيز مفهوم المواطنة في سياق دولة حديثة ذات أطر سياسية حديثة، بمعنى أنها قائمة على مشاريع سياسية لإدارة الدولة، وأطر قانونية مجردة من الصياغات ذات المنحى الفئوي.

فاستمرار التكافلات العمودية وأساليب الموالاة الطائفية يعني استمرار الفشل في بناء الدولة الحديثة وانسداد آفاق قيام حياة سياسية سليمة وسلمية. إذ والحالة هذه تظل المنافسة السياسية قائمة وفقا لتحالفات طائفية تُختزل في مجموعات من الزمر مما يلغي إمكانية ظهور المنافسة السياسية الحقيقية بين الأحزاب.

وفي ظل هكذا ظروف وملابسات بين السياسي والتعدد الاجتماعي الطائفي لا توجد إمكانية لدمج المصالح ووضع البرامج السياسية وبالتالي لا فاعلية لكل سياسات تشكيل الدولة/الأمة. بل الذي يحصل هو تزايد نفوذ الجماعات الفئوية الساعية للسيطرة الكلية على الفرد وإبعاده عن دوره كمواطن.

تعد الدولة بالمعنى الحديث تمثيلا للمجموع المستقل ذاتيا فضلا عن كونها مفهوما جامعا ذا عمومية مجتمعية عالية، فهي كيان سياسي-اجتماعي له قدر من الاستقلالية وينهض بتعميم وتطبيق مجموعة من الوظائف والهياكل التي تتعلق بالإدارة الناجحة، وامتلاك السيادة العامة، وتحديد الاستقلالية القطاعية، وتطبيق القانون وتحقيق المصالح والأهداف الاجتماعية.

لكنها ما زالت في العراق ينطبق عليها وصف لا عقلانية ومرتكزة على بنية عتيقة للشخصية، لأنها فشلت أصلا في تجديد هياكلها السياسية والقانونية والاقتصادية وتخلفت عن القيام بواجبها الأساس في إقامة العمران، وقاد انفصال الدولة عن المجتمع في العراق إلى غياب التوافق ما بين السلطة والمجتمع، بحيث لم تعد العملية السياسية تتطابق مع وحدة المجتمع نفسه، فأنتج هذا الحال شرخا واسعا بين الدولة كهيكل تنظيمي لإدارة المجتمع والسلطة والمجتمع الأهلي.

تعاني الدولة من انفصام جوهري في أدائها لوظائفها مما كان له انعكاسات شديدة على جميع مظاهرها، فبالإضافة إلى انفصالها عن المجتمع، يلازمها القصور في تمثيلها المفترض للنصاب القانوني العام بوصفه الحد المنظم لشكل العلاقة بين المجموعات المتباينة والمتناحرة التي يتكون منها المجتمع.

ويصبح الحال أكثر تعقيدا عندما يعاني المجتمع نفسه من عجز مزمن يشل قدرته على الحراك الذي ينتج المبادرة والفعل. إن عجز الدولة هذا ناتج عن بنيتها السياسية، بصرف النظر عن شكل النظام السياسي، حيث تهيمن على السلطة فئة لا تنفك -وهي في السلطة- عن تمثيل فئويتها التي تنتمي إليها.

فالوصول إلى سدة الحكم لا يخرج الفئات الحاكمة عن فئويتها، بل يكرس هذه الفئوية ويغذيها بالموارد التي تستأثر بها بواسطة السلطة، وهكذا تتحول مرافق السلطة إلى أدوات تدعم المصالح الضيقة والشخصية لهذه الفئة التي وصلت للحكم.

لقد رسخت القوى الطائفية هذه الأوضاع إذ هي الجهة الوحيدة المستفيدة من استشرائها، وبالمقابل لا يوجد جهد لبناء الدولة وفق مفهومها ومنطقها الحديث. وهذا راجع إلى غياب الأطر السياسية التي تمتلك عوامل اجتماعية لتنهض بمهمة كهذه.

فالعلاقات الطائفية-القبلية هي التي تتحكم حتى في خدمات الدولة، حيث الأوضاع متداخلة ومختلطة فيما يخص الخدمة العامة، إذ تستخدم الوظيفة العامة لتحقيق المكاسب الخاصة.

إن هذه الدولة منسلخة عن المجتمع لأنها لا تعبر إلا عن مصالح فئة أو فئات اجتماعية محدودة بصورة مباشرة وضيقة ولا تتجاوزها إلى مجموع المصالح العليا للبلاد، ولأنها لا تعد تمثيلا حقيقيا لمجمل مكونات المجتمع، فإنها تتجه إلى تكوين قشرة مجتمعية كاذبة على صورتها لا تمثل إلا ظل الدولة على سطح المجتمع بقصد التوافق مع أغراضها.

وهي بهذا تسد الطريق على أي قوى سياسية تسعى إلى الحكم طبقا لتصور ومشروع مختلف. إن هذه الدولة لا يتوافر لها قدر كاف من "الاستقلالية النسبية" عن أحزاب الهوية الطائفية المهيمنة ومصالحها المباشرة والضيقة، وهذا هو أحد أهم مراجع أزمة الدولة العراقية، فأزمتها ناتجة عن فقدانها الاستقلالية عن أحزاب الهوية المدعية لدور التمثيل الطائفي.

"
الأزمة الحادة والمستمرة التي تعاني منها دولة الطوائف في العراق هي تمزق العلاقة مع المجتمع نتيجة لتعبيرها وبشكل جلي عن المصالح الضيقة المباشرة لفئة محدودة جدا من المجتمع
"
إن الأزمة الحادة والمستمرة التي تعاني منها دولة الطوائف في العراق هي تمزق العلاقة مع المجتمع نتيجة لتعبيرها وبشكل جلي عن المصالح الضيقة المباشرة لفئة محدودة جدا من المجتمع. ففي الوقت الذي يشهد فيه هذا المجتمع يوميا الممارسات التي تعبر عن السلوك المصلحي في شكله الغريزي الأولي الذي يقوم به ذوو السلطة، يشهد من جهة أخرى الشعارات التي ترفعها  هذه السلطة وبشكل يومي أيضا، عن تعبيرها وتمثيلها المصالح العامة، ودعواها في العمل من أجل الأفكار والقيم الجامعة.

ولكن ما تقوم به بالفعل هو تفتيت النسيج الاجتماعي لتتمكن من كل مفاصله. إن هذه الدولة المحتكَرة من قبل السلطة تعمق الفوارق بين طاقمها وبين سائر المجتمع، حيث تميزه فئة محدودة تضع بين يديها مقاليد السلطة والقرار.

لقد عمل التصور الذي يقول إن الطائفية داخل الدولة هي انعكاس للطائفية داخل المجتمع إلى قيام دولة الطوائف بوصفها حتمية اجتماعية أو تعبيرا عن خصوصية محلية لا يمكن تجاوزها من دون ارتكاب مخاطر السير في اتجاه اقتسام غير عادل للسلطة والثروة المرتبطة بها. وكما عمل هذا التصور على تخلي النخبة من مسؤولياتها تجاه بناء دولة حديثة حقيقية، قوامها مفهوم الحق والقانون، لا مجرد تقاسم للسلطة بين نخب الطوائف والعشائر، فإنه استخدم غطاء للممارسات الطائفية.

ووحد تماما بين منطق عمل الدولة ومنطق عمل المجتمع الأهلي ملغيا بذلك أي إمكانية لتصور دولة سياسية حديثة. وحقيقة الحال أنه يمكن لطائفية المجتمع أو تكوينه الفسيفسائي أن يفسر صعوبات وتحديات نشوء نخبة وطنية منسجمة ومتماسكة، لكنه لا يبرر بأي شكل ممارسة الطائفية من قبل هذه النخبة أو بعضها داخل الدولة.

فحتى إذا كان المجتمع العراقي يتألف من طوائف تعد وحدات بنيوية اجتماعية متماسكة من الناحية العصبية الطائفية والثقافية، وذات أطر تنظيمية ثابتة، فلازم الحال أن يقوم توافق أساس بين هذه الطوائف يتعلق بالقضايا الرئيسة مثل شكل الدولة والنظام السياسي ومنطق المشاركة السياسية.

ولكن المشكلة أن مدعي تمثيل هذه الطوائف يمارسون السياسة من مواقع تعتبر هذه الطوائف مجاميع متنازعة متصارعة وغير قابلة للتوحد في ظل كيان سياسي متماسك أو دولة وطنية موحدة، فتساهم أغلب القوى السياسية للسلطة في تقطيع أواصر الثقة والقيم المجتمعية التي تدعمها. في حين أحد أهم الوظائف التي يقع على السلطة القيام بها هي بناء وتنمية الثقة المتبادلة بين المكونات الاجتماعية ككل، لأن غياب الثقة بين مكونات المجتمع يشكل عوائق جسيمة في وجه بناء دولة المؤسسات.

يمثل العراق الآن تجسيدا حيا وشبه كامل لحالة الطبيعة التي تحدث عنها هوبز، حيث حرب الكل على الكل في ظل غياب سيادة فعلية لدولة القانون والعدالة، فكل جهة تدعي أنها الممثل الشرعي الوحيد للسيادة، والمخول بالتالي لاحتكار السلطة، بصرف النظر عما إذا كان هذا التخويل من مرجعية دينية أو أخرى دنيوية، أو كان بدافع من مصلحة ذاتية أو غيبوبة مذهبية.

إن تقاسم السلطة بين أحزاب الهوية قائم على أسس طائفية بعيدا عن أي اهتمام بمنطق الدولة الحديثة، لذا فهي ما يمكن أن يطلق عليه سلطة بدون دولة، فليس كل مجتمع سياسي منظم دولة بهذا المعنى، فثمة أشكال بدائية من السلطة لا تمت بصلة للدولة، والسلطة في العراق الآن ينطبق عليها هذا الوصف.

فقيام كيان الدولة له اشتراطاته ومستحقاته ومنطقه الداخلي الخاص، وكل هذا غير متوفر في دولة الطوائف العراقية، إنها ليست أكثر من أجهزة فاسدة وبدون أي نظرية للدولة، ثم إنها لا تمتلك السيادة ولا تتوافر لديها نظرية للسلطة تمارسها من خلال الجهاز والتنظيم والقانون حتى تمتلك حق الاستعمال الشرعي للعنف على حد تعبير ماكس فيبر.

إن جل عمل قوى السلطة هو استغلال نفوذها والإمكانات التي توفرت لها من المواقع التي حصلت عليها بفعل هبة الاحتلال لتوظيفها في الصراع الطائفي، وهذه الممارسات تدمر كل إمكانية لقيام الدولة المحايدة بين المكونات الاجتماعية، وهكذا دولة لا تتوافر على نظرية للحقوق ولا ينطبق عليها وصف "واقع الفكرة الأخلاقية".

فلا تهتم دولة الطوائف بإعادة بناء القيم المشتركة التي تساهم في تعزيز التعايش السلمي بين مكونات المجتمع ولا ترى ذلك من مهامها. وأحد أهم العوامل التي تدفع بهذا الاتجاه التدميري هو النقص الحاد في شرعيتها من موقع مفهوم الدولة-الأمة مما لا يجعل المنظومة الاجتماعية كلها خاضعة للحكومة.

فمحنة الشرعية ظاهرة سياسية تاريخية ملازمة للنظام السياسي في العراق حيث لم يتم حاليا إلا الانتقال من الشرعية "الثورية" إلى الشرعية "الطائفية" لأن مسألة إعادة بناء الدولة في العراق لا تتم من موقع صياغتها وفق منطق الدولة-الأمة بقدر ما هي خاضعة لنزعة تشكيل "دولة الطوائف" حيث لم يترافق مع هذا التشكيل النهوض بأي من المهام التي تتصل بدورها في ما يجمع ويوفق بين مشترك المصالح العامة، وإدارة  الاختلاف وتسيير الائتلاف بين الأفكار والمشاريع التي تخص إدارة الشأن العام.

وكذلك فيما يتعلق بمستحقات الجوانب الثقافية والسلوكية، فالقوى الطائفية لا تعي أن الدولة تعني أكثر من بنية، وأن لها صفات سلوكية وموقفية، وهذه لا يمكن تحويلها أو تصديرها بسهولة.

لقد فضحت الحرب إلى حد قاس هشاشة القوى "السياسية" الطائفية التي أمسكت بالسلطة وكشفت عن ضعف أدائها وعجزها عن إدارة الحكم والبلاد، إذ إنها لا تحتكم لمواقف عقلانية مسؤولة أو رؤية إستراتيجية مدروسة.

وكشفت المجريات أن ديمقراطية التوافق الطائفي ليست إلا قناعا يتستر به أسوأ أنواع الاستبداد ومن قبل الأعم الأغلب من هذه القوى السياسية-الطائفية في البلاد.

فيبدو أن للاستبداد في العراق أكثر من قناع وله مساحات واسعة للمراوغة، إنه يتجلى في العقلية السياسية المستبدة وفي ممارساتها السلطوية، فلم تكن دعوات الديمقراطية وحكم الدستور إلا مجرد مجازات وأقنعة وزخارف يمارس من خلالها الاستبداد حضوره وسطوته.

لقد كشفت الأوضاع في العراق أن الاستبداد يشمل أيضا حكومة الجمع حتى ولو كانت منتخبة، لأن الاشتراك في الرأي لا يدفع الاستبداد وقد يكون أكثر تحكما وضررا من أنواع أخرى من الاستبداد.

كذلك تشمل صفة الاستبداد الحكومة الدستورية المنفصلة فيها إجرائيا السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية، لأن هذا الفصل لا يرفع الاستبداد أو يلغي ممارساته السلطوية، فلا يمكن تجاوز الاستبداد إلا إذا كان المنفذون مسؤولين أمام المشرعين، وهذا مالا يتحقق في ظل حضور زعماء القوى الطائفية المتنفذين في توجه كل رأي للكتل السياسية في برلمان التوافق الطائفي، إذ كيف يمكن أن تكون هناك مسؤولية ونظام المحاصة التوافقية هو المستحكم؟

وإذا ما أضيف إلى كل ذلك علاقات الارتباط أو التحالف بين نخب الحكم والهياكل التقليدية (طائفية وعشائرية) لوجدنا أن أرضية التسلط تستمر في إنتاج ذاتها مما يفضي إلى خنق كل فرصة للتغيير الإيجابي.

لقد اقتصر الأمر على استخدام الآلية الانتخابية وتصميم الدستور لا لشيء سوى تقنين الحكم التسلطي أو بعبارة خلدون النقيب "التسلطية بوجه ديمقراطي". فشعار الديمقراطية لم يكن يعني عند "أحزاب الهوية" الطائفية -التي هي شكل من مجمع المصالح السياسي-الديني  المكون من السلطة ورجال الدين الموالين لها، حيث أصبحت "شعبة الاستبداد الديني" ملازمة وحامية لشعبة الاستبداد السياسي- غير إجراء انتخابات تضفي الصفة "الرسمية" على علاقات الموالاة، وفرصة لإشاعة خطاب الهويات المتصارعة وممارسة طائفية تحت مسميات سياسية من أجل تأمين نجاحها، مما حدا به أن يكون عائقا أمام جميع أشكال الممارسة السياسية.

لم تستهدف التحسينات الشكلية التي أجريت على شكل الحكم (تعددية، وبرلمان، وإجراء انتخابات) أي تغيير في جوهر السلطة، فالمؤسسات التمثيلية -كالبرلمان– ليست بالمستوى القادر على إتاحة الإمكانية للقوى المجتمعية للمساهمة في العملية السياسية لأسباب تتعلق بهشاشة البناء الفكري والتنظيمي لهذه المؤسسات، وفشل هذه المؤسسات في القيام بوظيفة بلورة المصالح العامة وتجميعها مما حولها من جهاز خدمة إلى جهاز حكم.

والقوى الحاكمة رغم ادعائها الشكلي بأنها تمتلك المؤسسات والدستور والقوانين لتسيير العملية السياسية إلا أنها في الواقع لا تلتزم بأية ضوابط أو قواعد تحد من ممارستها في الفساد والتسلط.

إنها تعمل خارج الأطر المؤسسية والقواعد، حتى وإن بدت شكلا ملتزمة بها وإلا كيف يحصل كل هذا الفساد والعنف والصراع الطائفي.

إن ما حصل هو انطلاقة مزيفة وخادعة بسبب فرض القوى الأجنبية (الاحتلال) لنمط مسبق من العملية السياسية هو نظام المحاصة الطائفية، تم بموجبه تقسيم مراكز السلطة بين هذه المجموعات الطاائفية.

والمشاركة السياسية لا تعني هنا أكثر من تقاسم مراكز الحكم في الدولة بين هذه الأحزاب التي عمدت إلى تجذير الطابع الطائفي لشكل السلطة الذي يلغي إمكانية تحقيق التمثيل الوطني، بل وحتى توفير التمثيل الحقيقي للطوائف.

"
مهمة الدولة الحديثة هي تهيئة مستلزمات ومتطلبات وشروط الانتقال بالولاء من الجماعة الطائفية إلى الدولة، وأن تكون الدولة هي المحور الرئيس للولاء
"
أي أن الذي حصل لم يرتفع حتى إلى سقف مشاركة الطوائف الفعلية في السلطة كطوائف مما يمكن أن يأتي بشخصيات أو نخبة ذات صفة تمثيلية حقيقية في أوساط الطوائف، متميزة بالاعتدال السياسي ومقبولة من قبل الطوائف الأخرى، حتى يمكن أن يتحقق قدر من التعاون بينها يترجم عبر الخطوات التنفيذية للسلطة كثمرة لهذا التعاون وتحقيق قدر من التوازن الطائفي والتعايش السلمي بين الطوائف في هذه المرحلة التاريخية (نقول تاريخية هنا بمعنى أنها وليدة ظروف وعوامل ومسببات مشخصة حصلت لحسابات ورهانات قوى شاركت بدفع هذا الاتجاه، اتجاه الصراع والعنف لا اتجاه التوافق والسلم) الصعبة من حياة المجتمع العراقي.

إذن المشاركة تعني فقط توزيع المناصب السياسية والمواقع الإدارية في الدولة بين هذه القوى السياسية الطائفية، وعليه إنها ليست أكثر من دولة طوائف.

تحدث تجليات علاقة الموالاة عند بعض "أحزاب الهوية" في شكل ديني-طائفي لبسا بين الدولة في صلتها بالدين ومفهوم الصراع على السلطة "فلا يمكن للإسلام وهو دين كوني أن يتحول إلى مجرد لعبة سياسية تستعملها الأحزاب للإحاطة بالجماهير فتجعل القيم المتعالية مجرد وسائل للحكم.

الأديان فوق الاستعمال الحزبي الفج، والبعد السياسي من الدين لا يتعلق بالمباشر من السياسة بل بالوساطة النظرية ذات المدى البعيد، أعني بالقيم السامية التي تعطي السياسة مدلولها الإنساني الراقي المتجاوز لمناورات الأحزاب بالإضافة إلى ذلك تؤدي الموالاة إلى تغييب المجال السياسي كمجال له استقلاليته النسبية، حيث تختلط  العلاقة بين المجتمع السياسي والأهلي والدولة.

بينما واجب دولة الحقوق هو تأطير الحياة الاجتماعية عن طريق تطبيقها لنظام قانوني موحد ومتماسك، وأن تفصل بين النصاب السياسي أو القانوني والحياة المجتمعية. وعليها أيضا أن تبلور وحدة المجتمع وتدافع عنها ضد المخاطر والمشكلات الخارجية والداخلية.

إن عجز الدولة العراقية عن كل ذلك كان أحد المخاطر التي تواجه وحدتها ووحدة المجتمع، مما ضرب شرعيتها في الصميم. فهذه الدولة تتألف من جماعات مشتتة، وهي مجزأة لقوة التكافلات الجمعية المتصاعدة بشكل كبير، والتي يتم تكريسها بتخطيط وفقا لأجندات سياسية-حزبية مسبقة، وكذلك لغياب مجتمع مدني وحيد ومنظم.

إنها دولة ضعيفة في مواجهة مجتمعات طائفية قوية  أظهرتها الممارسات السياسية والتعبوية الطائفية إلى الفعل بشكل صاخب وعنيف، حيث تبنت أحزاب السلطة والقوى السياسية الأخرى خارجها آلية التقسيم الطائفي والموالاتي للمجتمع.

فقضت بهذه السياسة على الشعور بالولاء للدولة وإلى غياب كل أشكال الثقة بها. وهذا بدوره أرجع العملية السياسية في البلاد إلى مرحلة التحالفات السياسية القائمة على الانتماءات الطائفية والإثنية والعشائرية الضيقة.

لقد فشل النظام الطائفي في النهوض بأحد أهم الوظائف الأساسية للنظام السياسي المتمثلة في تشكيل الوحدة انطلاقا من التنوع والاختلاف، أي بناء الوحدة على مقومات وصلات القوة الموجودة في المجتمع، وعلى الدولة في منطقها الجامع للمصالح العامة أن تمثل تحديا حقيقيا للفرد ولشعوره بالانتماء الطائفي.

فمهمة الدولة الحديثة هي تهيئة مستلزمات ومتطلبات وشروط الانتقال بالولاء من الجماعة الطائفية إلى الدولة، وأن تكون الدولة هي المحور الرئيس للولاء حتى يخول إليها شرعية الإدارة والتسيير داخل حدودها، وتعزز مشروعها باستقلالها والتقويﱠمن على ذاتها واستلزام ولاء المواطنين لها أولا وقبل كل شيء، ومشروعيتها في احتكار وسائل العنف، وعلى هذا الأساس هي في حاجة ماسة لبناء قاعدة تؤسس بها أو تشارك بها غيرها في تأسيس الكيان السياسي.

إن أول المهام المطروحة هي قيام دولة القانون القوية التي يمكنها التغلب على نظام سياسي طائفي مجزأ سياسيا واجتماعيا. وأن تقام الدولة المستقلة ذات السيادة. فالمطلوب في المقام الأول تغيير الدولة ذاتها من الداخل أي تبديل نمط الإرادة التي تسيرها لتتحول من عصبة أو عصابة لإرادة نابعة وتابعة ومصالحة للمجتمع وتحمي الدولة التعددية السياسية بما يعزز اتساع مساحة الحريات والحقوق السياسية وحماية دور المجتمع المدني خارج نطاق السياسة.
 
 
التعددية كمصطلح سياسي له خلفية فلسفية ترتبط بإدراك دور الدولة وطبيعة المواطنة كما له ملامح مؤسسية ثابتة مستقر عليها، ويقترن بتطور اقتصادي واجتماعي محدد ومناخ ثقافي يقوم على الفصل بين الدين والدولة ويهدف إلى إدارة الصراع الاجتماعي الممتد دون مرجعية واحدة فكرية تجمع الأفراد والجماعات سوى مبدأ قبول التعدد ذاته وإجراءات إدارته، وتنامي المرجعيات المختارة والنشأة المصنوعة وليس المكتسبة أو المتجددة من مرجعيات سائدة أو تاريخية.

التعددية تمثل أسلوبا في إدارة الخلاف، فينبغي أن تقوم على الاعتراف المتبادل بين الجماعات المختلفة، وليس على الإنكار، لأن إنكار جماعة قائمة في الواقع وعدم الاعتراف بها في خريطة التعددية لابد من أن يؤديا إلى العنف في نهاية المطاف.

إن التعددية مبدأ قائم على الندية فهو يوزع حقوق التعبير سواسية على جميع حملة المعتقدات المتباينة، لكنه لا يذكي أو يكرس أحدهما.

التعددية مجرد نهج في العمل السياسي، يقوم على أساس قاعدة إنسانية وواقعية مفادها أن الحق ليس حكرا على أحد، وأن التنافس السياسي من أجل ترجيح منظومة ما وﺇضعاف أخرى، سنة مشروعة. مبدأ التعددية يصر على شرعية الصراع المنظم فقط.

أما المجتمع التعددي فهو المجتمع المكون من عدة جماعات بشرية، تتعايش مع بعضها البعض تحت سلطة تنظيم سياسي مشترك، مجتمع مكون من جماعات بشرية متنوعة، تتعايش مع بعضها في إطاره وتخضع لسلطة سياسية واحدة مشتركة، لكنها تحتفظ بخصوصيتها المميزة.

لقد لعبت ظاهرة التعدد المجتمعي في العراق دورا مؤثرا في حالة عدم الاستقرار السياسي، لأن هذا التعدد لم يدر وفق مبدأ الحقوق، وحق المشاركة للجميع وفق منطق الإدارة السلمية للاختلاف. وحاولت الدولة دائما الهيمنة على مفاصل المجتمع وإقامة تجانس فوقي وصهر قسري قابل للانفجار -انفجار الهويات المتعددة- تحت أي ظرف تضعف به قبضة السلطة.

لقد غيبت هذه الطريقة القسرية لخلق التجانس الاجتماعي والتوحيد السياسي شبكة المؤسسات الوسيطة بين الفرد والدولة، ومع فشل التجربة وانهيار الدولة عادت مسالة الهوية لتقض مضجع العراقيين ولتدك أسس مجتمعهم.

فالدولة بحاجة إلى ثقافة سياسية موالية تعتبرها إطارا قانونيا وشرعيا. لقد تصاعد صراع الهويات بصورة مفجعة وقامت الطوائف مجددا كإطار مرجعي وحيد. ودفع الكثير من أبناء المجتمع الذين كانوا عودوا أنفسهم على فكرة المواطنة العراقية إلى اعتناق متجدد لسنيتهم أو لشيعيتهم.

إن هذه التعددية في جذورها القبلية والعشائرية والتي تتجلى في شكل طائفي-ديني تمزق النسيج المجتمعي وتثير النعرات، إنها تعيد إحياء التعددية (الفسيفسائية) التي لا يتماشى وجودها مع أي اتجاه حقيقي لخلق كيان مترابط ومتماسك ومستقر.

المجتمع المتعدد هو مجتمع يتألف من عدة مكونات تنسجم في إطار سياسي واحد ودولة موحدة. لكن المشكلة التي تواجه المجتمع العراقي بوصفه مجتمعا متعدد المكونات هي مشكلة التعايش والتوافق السلمي بين مكوناته، وغياب السلطة التي تتوفر على شرعية الكفاءة والفاعلية نتيجة لوقوعها فريسة للمحاصة في تقاسم مراكز السلطة، وبروز الخصوصيات الطائفية بشكل فاجع من خلال السياسة التي تمارسها أحزاب الهوية، مما يقاوم عملية بناء مجتمع سياسي أوسع من الطوائف.

كذلك غياب الإستراتيجية لنقل التعاضد العصبي الطائفي إلى توافق سياسي من خلال تنمية وتعزيز علاقات اجتماعية قائمة على المصالح المشتركة. إن العلاقات العصبية الطائفية تقف عائقا أمام نمو العلاقات الاجتماعية والمنتظمات السياسية بين الأفراد بما يتجاوز العلاقات الطائفية.

"
أحد التحديات التي على المجتمع المتعدد المكونات مواجهتها هي أن لا ينقل بشكل آلي ومباشر وبدون وسائط وأطر مدنية تعدديته الاجتماعية في أشكالها الدينية والقبلية إلى تعددية سياسية
"
إن أحد التحديات التي على المجتمع المتعدد المكونات مواجهتها هي أن لا ينقل بشكل آلي ومباشر وبدون وسائط وأطر مدنية تعدديته الاجتماعية في أشكالها الدينية والقبلية إلى تعددية سياسية، أي أن لا يتعامل مع إدارة الشأن السياسي العام من موقع تعدديته الطائفية.

فالمطلوب أن يكون للسياسة تعدديتها المختلفة والقائمة على منطق آخر، منطق اختلاف المشروع السياسي لا التنازع الطائفي. إن ما يقف عائقا لتجاوز هذه التحديات هو محاولة أحزاب الهوية تسويق دعواتها استنادا إلى نوع من "الدين السياسي" الذي يرفع شعاراته نوعا من "اللاهوت السياسي الإلزامي" الذي يفرضه المتمكنون من السلطة، ويفسرونه حسب مصالحهم، ويوظفونه غطاء لإضفاء "المشروعية" على ممارساتهم السلطوية.

إن هذا الوضع السلطوي المغطى بشعارات طائفية يضع الفرد في حيرة وتساؤل عن موقفه تجاه الشعارات الصادرة عن أحزاب الهوية-أحزاب السلطة والتي تدعوه للولاء للقادة ودينهم السياسي، وعن ذلك الموقف الذي يدعوه لتبني موقف آخر عندما يحلل الوقائع والممارسات فيكشف ضعف صدقية ومحدودية الفئات الطائفية والعائلية المسيطرة على مراكز القرار في الدولة.

وبناء على هذا لم يعد ممكنا اعتبار وحدة الانتماء الوطني في العراق من باب الحاصل والمجمع عليه، ذلك أن تحديد الهوية السياسية يعد أحد أكبر المشاكل المطروحة، والتأسيس لكيان دولة جيدة يحتاج إلى إستراتيجية سياسية-اجتماعية–ثقافية لبناء الهوية الوطنية الشاملة وتحقيق الولاء لها أولا.

لكن المشكلة أن العلاقات الاجتماعية ذات الطابع العشائري والطائفي لا تزال تحتل موقعا سياسيا صريحا في حياتنا السياسية. إن هذه العلاقات تنتج عن -وينتج عنها في الوقت نفسه- هيمنة العقلية الاتباعية والتي تتجلى في وعي "الجماهير الطائفية" حيث تبدو عاجزة عن تقدير المخاطر الحقيقية للتصعيد الطائفي، فبدل التفكير في العواقب والمآلات تسارع هذه "الجماهير" تحت وطأة الحماس والشعارات، وفي زحمة الأجواء المضطربة إلى الالتفاف حول الخيارات الطائفية.

وتدعمها ماديا ومعنويا وبشريا لتنخرط بدورها في مسلسل الصراع، وتساهم في إذكاء وتيرة الصدام، وتعود هيمنة العقل الجمعي الآحادي في العراق إلى عوامل عديدة منها دور العامل السياسي الذي أفرز هذه العقلية في الوسط الاجتماعي بكافة مكوناته (أفراد ومؤسسات) وهذه العقلية المنتشرة في المجتمع حيث هو حاملها أفرزت من رحمها سلطات وقيادات متشربة للآحادية، من باب "كيفما تكونوا يولى عليكم".

ولم تكن سياساتها سوى نتاج لهذه العقلية، فالمسألة معقدة وجدلية، فبقدر ما تعدل الثقافة الجمعية النظام السياسي فإن النظام السياسي بالمقابل يطبع الثقافة بأثره أيضا، فلا تحمل الثقافة وحدها مسؤولية نجاح أو فشل النظام السياسي في الدول المتأخرة تاريخيا.

لقد تم صياغة العملية السياسية في البلاد لا وفقا لتعامل الأطر السياسية مع الأفراد بصفتهم مواطنين ولكن بوصفهم مجموعات طائفية وحاملا اجتماعيا لأحزاب الهوية، أحزاب السلطة التي تقود الدولة، حيث يضخ خطاب طائفي لإقناع الفرد بأن لانتمائه الطائفي الأولوية على انتمائه للدولة، وأن مصالحه لا تتحقق إلا عبر هذا الانتماء.

فتنظر أحزاب الهوية إلى المجتمع كمتحَد مذاهب أو ملل ونحل، فتتبنى المحاصة التوافقية-الطائفية وتركز على أطرافها الطائفية الفاعلة لا على الآليات التوافقية لاتخاذ القرار فيها، فهي تتخذ القرارات الأساسية بالتوافق لا بالأكثرية، مما يؤدي إلى تثبيت الانقسامات الطائفية، ويمنع قيام ديمقراطية أكثرية، تنتظم فيها الأكثريات والأقليات طبقا لتحالفات قائمة على أسس سياسية متبدلة.

ثم إن ما يلازم هذه "الديمقراطية الطائفية" ضعف الدولة، وهو أمر صعب في منطقة مثل الشرق الأوسط حيث عدم الاستقرار وتغلب مظاهر العنف والسيطرة، والعلاقات بين الجماعات الأهلية فيها مرشحة دائما للانقسامات وتحمل مخاطر تفجر الصراعات الأهلية.

لقد اشتغلت "أحزاب الهوية" على تكريس أطر تقسيمية للمجتمع قائمة على أسس طائفية يعود بعضها إلى جذور الاختلافات المذهبية والبعض الآخر إلى تقاليد قبلية مما يعيق قيام أطر سياسية تتجاوز في تكوينها وخطابها وممارستها التمترس الطائفي، وفي الوقت نفسه تجد هذه الأطر حواملها الاجتماعية فيما يتخطى حدود الطائفية.

كذلك عملت هذه الأحزاب على توفير الظروف التي تسهم في تجذير المقولات الطائفية عن الذات والآخر بين مكونات المجتمع العراقي، وتوفير الشروط التي تدعم تنمية كيانات طائفية على حساب وحدة الدولة والتماسك الاجتماعي، فأداروا الشأن العام والدولة من موقع تعبيرها عن هذه المكونات الطائفية.

فأدت هذه السياسات إلى اختزال كل ما يمكن أن يعمل على تنمية الانتماء والهوية الوطنية. فكلما تكرس الانتماء الطائفي كلما ضعفت الهوية الوطنية أو أصبحت قابلة للتنازع، بينما يزداد الشعور بالهوية الوطنية عندما تختفي كل وساطة طائفية بين الفرد والدولة.

إن أحد أوجه النزاع القائم يعود لتضارب المصالح بين ممثلي الطوائف على مستوى السلطة، فلم تساهم "شرعنة" الولاء الطائفي في إقامة مجتمع فيه قدر من الانسجام ولا مكنت من فتح مسار سياسي خال من العنف.

بل قاد هذا إلى شلل في أجهزة الدولة وأعاق البناء المؤسساتي، وأنتج قوى متطرفة تعاظم دورها في استشراء العنف بين الطوائف مهددة الوحدة الصورية الهشة للدولة بالانحلال. إذ عمدت أحزاب الهوية  إلى كل ما يحدث الانقسام بين مكونات المجتمع العراقي حتى يظهر مجتمع غير متجانس، متنازع ولا يمكن أن يدار أو يحكم إلا من خلال العلاقات الطائفية.

لقد عمدوا إلى ترسيخ ذلك من خلال بعض القواعد الدستورية والممارسات السياسية الطائفية، وكل ذالك من أجل أن تكون  هذه الأحزاب هي المنتظم السياسي الوحيد الذي تكتسب به الطوائف كيانها السياسي واستقلالها الذاتي وتشارك من خلال ممثلي هذه الأحزاب فقط في تقاسم السلطة.

إن هذا التكريس والتأطير التقسيمي للمجتمع هو المناخ المناسب "لأحزاب الهوية" التي تتقوقع في حدود طوائفها كي تزدهر وتتسع قواعدها، وهذا التأطير الطائفي يوفر الأرضية لظهور أحزاب سياسية طائفية قائمة على أسس الولاءات التقليدية الموروثة والتعصب الطائفي.

لقد أدت هيمنة أحزاب الهوية على العملية السياسية إلى تكريس الهويات الخصوصية الضيقة بوصفها الانتماء الأساس بديلا عن الانتماء لهوية المواطنة الشاملة. وعليه فإن أحزاب الهوية تختلف جذريا عن الأحزاب بالمعنى السياسي الحديث للحزب.

إن هذا الوضع يعد بالتأكيد عائقا حقيقيا أمام قيام أطر سياسية غير طائفية، ففي مثل هذه الظروف التي يسود فيها الانقسام العمودي الطائفي يتحول أفراد المجتمع إلى كتل بشرية متراصة تنساق وراء زعمائها الدينيين والمدنيين، مما يمثل تحديا جديا أمام ممارسة حياة سياسية ديمقراطية حيث الانقسام في مجتمعات كهذه لا يكون انقساما أفقيا ونسبيا يحصل نتيجة للاختلاف في تأييد المشاريع السياسية المتعددة بقدر ما هو انقسام طائفي-عمودي مطلق. إنه نوع من التشكيل الطائفي للمجتمع يوقف نمو علاقاته الاجتماعية السياسية.

وفي مثل هذه الحالة تلعب العلاقات الطائفية دورا أساسيا في اختزال الحياة السياسية وإلغاء منطق المشاركة، ولا يكون للفرد فرصة المشاركة السياسية، والقيام بدوره الفعال كمواطن في إدارة الشأن العام إلا من خلال انتمائه الطائفي حصرا. أي تكون الطائفة هي الوسيط الوحيد بين الفرد والدولة، مما يدمر شكل العلاقة القانونية المجردة بين الفرد والدولة. ونمط العلاقة هذه يعمل على ترسيخ البنى الطائفية، وفي الوقت نفسه يفكك بنية الدولة.

لا تمثل الطوائف الدينية والإثنية في العراق مكونات اجتماعية متجانسة التوجهات والمصالح، وبروز هذا الانقسام الطائفي بشكل صارخ وعنيف يعود إلى عوامل حزبية ضيقة تذكيه وتؤججه. فما يسهم في تكريسه هو نظام المحاصة الذي اعتمدته القوى الأجنبية (قوى الاحتلال) حيث قامت بتجذير هذه الانقسامات من خلال فرض عملية سياسية للبلاد تتوافق ومصالحها الإستراتيجية.

وهللت أحزاب الهوية لهذا الأسلوب بوصفه يحقق لها الإمساك الدائم بالسلطة ويدعم مواقعها السياسية داخل المجتمع المقسم طائفيا، وفي مراكز الدولة أيضا. لقد عملت هذه المكونات الطائفية على نقل الاختلافات الدينية-المذهبية والعرقية إلى عصبية سياسية ونهائية بقصد تأبيد سلطتها وسطوتها ومركزيتها الاجتماعية-السياسية.

إن أحزاب الهوية في العراق تجذر الشعور والانتماء الطائفي وفق سياسات مرسومة لكي تصبح الطائفة كتلة اجتماعية-سياسية تقاد وفقا لشعارات وزعامات عرقية-قبلية تدعي دور المخلص والمنقذ وحامي الحقوق المهدورة من قبل الدولة، أو طبقا لفتاوى دينية تدعم ممثلي هذه الأحزاب وتقطع دابر كل منافسة سياسية-إثنية تبغي الشقاق.

فمن ذا الذي ينافس من نالوا بركات مسيري شؤون التقديس في مجتمعات لا تزال تملأ أقطار وعيها تمثلات السحر والتهويمات والأرواح الخفية وتقدم هذه الشعارات والفتاوى زعماء الطوائف قيمين على الطائفة والمؤهلين حصرا لتمثيلها في تبوؤ مراكز الحكم والدخول في مساومات المحاصة مع الطوائف الأخرى.


 
 
لقد أنتجت هذه الأوساط نوعا من "الإقطاع السياسي"  جل عمله ترسيخ ثقافة سياسية في الوسط الاجتماعي مفادها أن الطائفة بنية اجتماعية لها مصالح واحدة. ويقوم هذا الإقطاع بتسويق شعاراته حول الطائفة بوصفها كتلة مصمتة واحدة موحدة الأهداف والمصالح والتطلعات من خلال آليات الممارسة السياسية الطائفية والتعبئة الطائفية، وتقاسم دوائر مراكز السلطة.

"
تحقيق التعايش السلمي في المجتمعات المتعددة يتوقف إلى حد كبير على الأشخاص الذين يتولون إدارة شؤونه، كما يفترض منطق المشاركة تعاون المكون الاجتماعي
"
لكن ما يجري بالفعل هو اختزال مصالح الطائفة في مصالح القيمين عليها، بل يضحي بمصالح الطائفة في سبيل مصالح المتزعمين عليها.

إن الطائفية السياسية هنا هي استغلال للدين في مجال التعويض النفسي عن سياسة فئوية ومجحفة قامت بتدمير الركائز والقيم الأساسية للمجتمع خدمة لمصالح مجموعات نخبوية طائفية وذات علاقة مباشرة وتبعية لقوى أجنبية.

تبنت هذه المجموعات ممارسة سياسة اعتمدت الطائفية في الأطر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإدارية والعسكرية وقادت في الممارسة العملية إلى مخاطر جدية تهدد المجتمع بالتفكك والانحلال بعد أن دمرت وجه دولته ومؤسساتها.

إن قمة التضليل الأيديولوجي الذي تمارسه القوى الطائفية هو الدمج المتعمد بين أزمة النظام السياسي وأزمة الدولة وبالتالي الدمج بين شرعية هذا النظام والدولة يقع على كاهل الدولة المتعددة المكونات -حيث تجتمع تحت سقفها مفاهيم مختلفة وإرادات متنافسة- مهمة تجنب انفجار الهويات، وتوفير شروط مؤسسية لتعزيز الروابط الاجتماعية والثقافية.

ولكي يستطيع أي مجتمع أن يعمل يجب أن يكون مستندا إلى قاعدة من القيم المشتركة التي تتقيد بها كل الجماعات المؤسسة له. إن التضامن وروح الجماعة في المجتمعات الحديثة يعتمدان على شعور مشترك نابع من المعرفة والتبصر في ممارسات يرتكز اهتمامها على القيم المشتركة.

وكل ذلك يحتاج إلى "توافق أساس" تسهم في بنائه مفاهيم جديدة، لا من خلال توافقات متصلبة أو كلية بل طبقا لتفاهمات متماسكة. ولكن إلى أي حد سيتحقق هذا التفاهم  ويستمر؟ إنه يتوقف على الوضع التاريخي والعوامل الفاعلة والمتغيرات التي يحددها سياق التوافق الوطني ومنطق المشاركة السياسية.

فالمشاركة تعني ضرورة تكافؤ الفرص في التعبير عن مواقف ومصالح المكونات الاجتماعية كافة من القضايا الأساسية والعمل على التوفيق بينها، وقيام دور فعال للقوى المعتدلة داخل هذه المكونات، فذلك مما ييسَّر من عملية  التوافق.

إن مشاركة المكونات الاجتماعية كافة في السلطة الفعلية لإدارة الشأن العام تفترض تعينها بشخصيات ذات صفة تمثيلية في أوساطها، وتحظى بتأييد الطوائف الأخرى، وتتميز بالاعتدال والرؤية المتوازنة بين متطلبات المجتمع والمنطق الداخلي للدولة.

فتحقيق التعايش السلمي في المجتمعات المتعددة يتوقف إلى حد كبير على الأشخاص الذين يتولون إدارة شؤونه، كما يفترض منطق المشاركة تعاون المكون الاجتماعي ووقوفه بجانب القرارات التي تأتي ثمرة لهذا التعاون. إذن لا بد من هذه الشراكة من أجل الحفاظ على مقومات التوازن الاجتماعي. و"التوافق الأساسي" هو الأسلوب الذي يقود إلى إقامة السلم الأهلي والاستقرار في المجتمعات المتعددة.

إنه حاجة اجتماعية وضرورة سياسية ملحة، وهو يتطلب خلق الإرادة الفردية في التسامح وارتباط هذه الإرادة الفردية بالإرادة السياسية الجماعية على مستوى الدولة، إنه يتعلق بالعيش المشترك والإرادة المشتركة على حل الصراعات بطرق لا عنفية. الإرادة المشتركة في تطبيق الأنظمة التشريعية والقوانين وإرادة القبول بالمؤسسات التي تضمنها بطريقة جديدة.

تستدعي هذه الظروف الصعبة نهوض الأطراف الممثلة للمكون الاجتماعي العراقي كافة بالمسؤولية السياسية والأخلاقية لتحقيق متطلبات "التوافق الأساسي" السلمي وصولا إلى حالة الإجماع.

فممثلو المكونات الاجتماعية والأيديولوجيات المختلفة مدعوون للتدريب على التفكير والعمل ضمن روابط شاملة، وإنفاذ مشروع للعدالة وتحقيقها بصفتها الشكلية والإجرائية. وأن يتم التوصل إلى أحكام لا تقوم على دوافع ذاتية أو فئوية، كالطائفة أو العرق أو العلاقة الشخصية أو المصلحة المادية أو المزاج الشخصي، بوصف ذلك من أسباب التحيز في الأحكام وعوائق تحول دون تحقيق العدالة المجردة.

وكذلك النهوض بحوار يبحث في سبل الاتفاق الوطني الشامل ابتداء من تقديم الضمانات من قبل كل طرف للمساعدة في بناء الثقة المتبادلة بين كل الأطراف، وتهيئة الجو النفسي للوفاق الوطني ومواجهة الصعوبات بشكل عقلاني وشفاف.

والعمل على كل ما يشعر المواطنين بما هو مشترك في تقاليدهم، وأن يتم العمل دون كلل للتشديد على المستقبل وعلى ما هو مشترك بينهما لا على ما يفرقهما.

فالمجتمعات التعددية تعتمد أساسا على قيم المجتمع نفسه، وقيمها المركزية هي الالتزام بالتوفيق بينهما وصيانة المجتمع والعمل على تقدمه.

ويستطيع كل مجتمع مقاربة هذا المشروع من منظور مختلف والانطلاق للدفاع من مجموعة قيم مختلفة.

المجتمع العراقي متعدد في مكوناته المنتظمة في دولة واحدة لكن المشكلة القائمة حاليا أن هذه المكونات تفتقد مبدأ "التوافق الأساس" الذي يقوم على الإجماع حول شكل الدولة والمصالح المشتركة، وكذلك تعاني من غياب سلطة الدولة، فالنظام السياسي عاجز عن إدارة الاختلاف وتدبر أمر الصراع القائم بين الجماعات المختلفة.

فتأجيج المنحى الطائفي يقف عائقا أمام مجتمع سياسي أوسع من التمثيل الطائفي. والمشكلة أن سلطات الطوائف تهيمن على السلطة المركزية، وأن هذه السلطة تابعة  تستمد قوتها من سلطة ممثلي الطوائف.

إن اقتسام السلطة بين ممثلي الطوائف وفق نظام المحاصة يعمق الانقسام الطائفي بين مكونات المجتمع العراقي ويقلل من إمكانات التعاون والثقة. بالإضافة إلى ذلك يقلص دوائر النشاطات المشتركة التي تعد أحد ضمانات التعايش بين هذه المكونات.

فالمحاصة السياسية أحد أهم المعوقات التي تقف في وجه تحقيق الاستقلال واستعادة السيادة، حيث المزاودة لاستمالة الأجنبي وتقديم التنازلات لقوى الاحتلال تقف في وجه إنجاز متطلبات الوحدة الوطنية، ثم إنها تؤدي إلى ترسيخ  الانقسام الطائفي أكثر فأكثر، ويأتي ذلك بالنتيجة على حساب مقومات وحدة الدولة والمجتمع.

إنها تحول دون بناء مؤسسات الدولة وتسبب فشلا في القائم منها. الحل هو في قيام دولة القانون القوية، وقيام أحزاب وطنية بمعنى أن تتوجه للعراقيين كلهم بصفتهم حاملا اجتماعيا لها وبوصفهم مواطنين بصرف النظر عن هوياتهم الخصوصية، وضرورة إلغاء النظام الطائفي كمدخل لإصلاح النظام السياسي وحماية المجتمع من التفكك والانهيار.
_______________
باحث في الفكر السياسي 
 
المصدر: الجزيرة
شارك
شارك
طباعة الصفحة إرسال المقال
من موقع الأخبار
الرؤية والأهداف|اتصل بنا|تقدير موقف|تقارير|ملفات|حوارات|قضايا|كتب الجزيرة|أوراق الجزيرة|مؤتمرات|ندوات|منتدى المشرق|أطروحات و كتب